← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَفِي الأَرْض قطع متجاورات﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن فِيهِ حذفا؛ فَكَأَنَّهُ قَالَ: " وَفِي الأَرْض قطع متجاورات وَغير متجاورات، وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وسرابيل تقيكم الْحر﴾ يَعْنِي: وسرابيل تقيكم الْحر وَالْبرد.

стр. 2697

﴿الأَرْض قطع متجاورات وجنات من أعناب وَزرع ونخيل صنْوَان وَغير صنْوَان يسقى بِمَاء وَاحِد ونفضل بَعْضهَا على بعض فِي الْأكل إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يعْقلُونَ (٤) ﴾ وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه لَيْسَ فِي الْآيَة حذف، وَهُوَ صَحِيح الْمَعْنى، وَفِي المتجاورات قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن مَعْنَاهُ أَنَّهَا متجاورة فِي الظَّاهِر مُخْتَلفَة فِي الْمَعْنى، هَذِه سبخَة وَهَذِه عذبة، وَهَذِه قَليلَة الرّيع، وَهَذِه كَثِيرَة الرّيع، وَهَذِه مزرعة، وَهَذِه مغرسة، وَهَذِه لَا مزرعة وَلَا مغرسة. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن مَعْنَاهُ: هَذِه عامرة، وَهَذِه غامرة، وَهَذِه صحاري وبراري، وَهَذِه جبال وأودية، فعلى هَذَا إِذا قَدرنَا فِي الْآيَة متجاورات وَغير متجاورات، فالمتجاورات هِيَ الأَرْض العامرة الْمُتَّصِل بَعْضهَا بِبَعْض، وَغير المتجاورات هِيَ الأَرْض الخربة الَّتِي فِيهَا الأودية والدكادك. وَقَوله: ﴿وجنات من أعناب﴾ يَعْنِي: بساتين من أعناب. وَقَوله: ﴿وَزرع ونخيل﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى. وَقَوله: ﴿صنْوَان وَغير صنْوَان﴾ قرىء: " صنْوَان " بِالضَّمِّ: وَالْمَعْرُوف " صنْوَان " بِالْكَسْرِ، وَفِي الْآثَار المسندة عَن الْبَراء بن عَازِب ﵁ أَنه قَالَ: الصنوان هُوَ النّخل الْمُجْتَمع، وَغير الصنوان هُوَ المتفرق، وَالْمَعْرُوف فِي اللُّغَة أَن الصنوان هِيَ النخلات أَصْلهَا وَاحِد، وَغير صنْوَان هِيَ النَّخْلَة الْوَاحِدَة بأصلها. وَقَوله: ﴿يسقى بِمَاء وَاحِد﴾ المَاء جسم رَقِيق مَائِع يشرب، بِهِ حَيَاة كل نَام، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلنَا من المَاء كل شَيْء حَيّ﴾ وَفِي الْآيَة رد على أَصْحَاب الطبيعة، فَإِن المَاء وَاحِد، والهواء وَاحِد، وَالتُّرَاب وَاحِد، والحرارة وَاحِدَة، وَالثِّمَار مُخْتَلفَة فِي اللَّوْن والطعم، وَقلة الرّيع وَكَثْرَة الرّيع، والطبيعة وَاحِدَة يَسْتَحِيل أَن توجب شَيْئَيْنِ مُخْتَلفين؛ فَدلَّ هَذَا أَن الْجَمِيع من الله تَعَالَى. فِي جَامع أبي عِيسَى التِّرْمِذِيّ بِرِوَايَة أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي فِي قَوْله: ﴿ونفضل

стр. 2698

﴿وَإِن تعجب فَعجب قَوْلهم أئذا كُنَّا تُرَابا أئنا لفي خلق جَدِيد أُولَئِكَ الَّذين كفرُوا برَبهمْ وَأُولَئِكَ الأغلال فِي أَعْنَاقهم وَأُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ (٥) ﴾ بَعْضهَا على بعض فِي الْأكل) قَالَ: " هَذَا حُلْو وَهَذَا حامض، وَهَذَا دقل وَهَذَا فَارسي ". وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات﴾ يَعْنِي: الدلالات ﴿لقوم يعْقلُونَ﴾ يفهمون. وأنشدوا فِي الصنوان: (الْعلم والحلم خلتا كرم ... للمرء زين إِذا هما اجْتمعَا) (صنْوَان لَا يستتم حسنهما ... إِلَّا بِجمع ذَا وَذَاكَ مَعًا) وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " عَم الرجل صنو أَبِيه ". مَعْنَاهُ: أَنه وَأَبوهُ من أصل وَاحِد.

стр. 2699

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن تعجب فَعجب قَوْلهم﴾ الْعجب: تغير النَّفس بِرُؤْيَة المستبعد فِي الْعَادَات، وَالْخطاب للرسول وَمَعْنَاهُ: أَنَّك تعجب؛ فَعجب من إنكارهم النشأة الْآخِرَة مَعَ إقرارهم ابْتِدَاء الْخلق من الله، وَقد تقرر فِي الْقُلُوب أَن الْإِعَادَة أَهْون من الِابْتِدَاء؛ فَهَذَا مَوضِع التَّعَجُّب. وَفِي الْأَمْثَال: لَا خير فِيمَن لَا يتعجب من الْعجب، وأرذل مِنْهُ من يتعجب من غير عجب. وَقَوله: ﴿أئذا كُنَّا تُرَابا أئنا لفي خلق جَدِيد﴾ هَذَا هُوَ الْمَعْنى فِي إنكارهم الْبَعْث. وَقَوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذين كفرُوا برَبهمْ﴾ جَحَدُوا برَبهمْ. وَقَوله: ﴿وَأُولَئِكَ الأغلال فِي أَعْنَاقهم﴾ الغل طوق تجمع بِهِ الْيَد إِلَى الْعُنُق وَهَذِه الأغلال من نَار. وَقَوله: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 2700

قَوْله تَعَالَى: ﴿ويستعجلونك بِالسَّيِّئَةِ قبل الْحَسَنَة﴾ الاستعجال طلب تَعْجِيل الْأَمر قبل مَجِيء (وقته) ، وَقد كَانَ الله تَعَالَى أخر عُقُوبَة الاصطلام عَن الْمُشْركين

стр. 2701

﴿ويستعجلونك بِالسَّيِّئَةِ قبل الْحَسَنَة وَقد خلت من قبلهم المثلات وَإِن رَبك لذُو مغْفرَة للنَّاس على ظلمهم وَإِن رَبك لشديد الْعقَاب (٦) وَيَقُول الَّذين كفرُوا لَوْلَا أنزل عَلَيْهِ آيَة من ربه إِنَّمَا أَنْت مُنْذر وَلكُل قوم هاد (٧) الله يعلم مَا تحمل كل أُنْثَى وَمَا تغيض﴾ كَرَامَة للنَّبِي. والسيئة هَاهُنَا هِيَ الْعقُوبَة، والحسنة: الْعَافِيَة، وَمَعْنَاهُ: أَنهم يطْلبُونَ الْعقُوبَة بَدَلا من الْعَافِيَة، وَقد دلّ على هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحق من عنْدك فَأمْطر علينا حِجَارَة من السَّمَاء﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿سَأَلَ سَائل بِعَذَاب وَاقع﴾ . وَقَوله: ﴿وَقد خلت من قبلهم المثلات﴾ رُوِيَ عَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: المثلات الْأَمْثَال، وَالْأَكْثَرُونَ أَن المثلات الْعُقُوبَات، وَقَرَأَ الْأَعْمَش: " المثلات " بِفَتْح الْمِيم وَكسر التَّاء، وَحكي عَنهُ أَنه قَرَأَ: " المثلات " بِضَم الْمِيم وتسكين الثَّاء، والمعاني مُتَقَارِبَة. وَقَوله: ﴿وَإِن رَبك لذُو مغْفرَة للنَّاس على ظلمهم﴾ مَعْنَاهُ: لذُو تجَاوز عَن النَّاس على ظلمهم ﴿وَإِن رَبك لشديد الْعقَاب﴾ وَفِي بعض المسانيد عَن سعيد بن الْمسيب " أَن النَّبِي قَالَ لما نزلت هَذِه الْآيَة: لَوْلَا فضل الله وتجاوزه مَا هنىء أحد الْعَيْش، وَلَوْلَا وعيده وعقوبته لَا تكل كل أحد ".

стр. 2702

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَقُول الَّذين كفرُوا لَوْلَا أنزل عَلَيْهِ آيَة من ربه﴾ مَعْنَاهُ: لَوْلَا أنزل عَلَيْهِ آيَة مِمَّا نقترحها، وَإِلَّا فالآيات قد كَانَت نازلة عَلَيْهِ. وَقَوله: ﴿إِنَّمَا أَنْت مُنْذر﴾ مخوف أَو مبلغ للوحي بالإنذار. وَقَوله: ﴿وَلكُل قوم هاد﴾ فِيهِ أَقْوَال، الْأَكْثَرُونَ أَن مَعْنَاهُ: وَلكُل قوم نَبِي يَدعُوهُم إِلَى الله، وَالْقَوْل الثَّانِي: وَلكُل قوم هاد، يَعْنِي: مُحَمَّدًا وَقيل: الْهَادِي هُوَ الله.

стр. 2703

قَوْله تَعَالَى: ﴿الله يعلم مَا تحمل كل أُنْثَى﴾ مَعْنَاهُ: الله يعلم مَا تحمل كل أُنْثَى

стр. 2704

﴿الْأَرْحَام وَمَا تزداد وكل شَيْء عِنْده بِمِقْدَار (٨) عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة الْكَبِير المتعال (٩) سَوَاء مِنْكُم من أسر القَوْل وَمن جهر بِهِ وَمن هُوَ مستخف بِاللَّيْلِ وسارب بِالنَّهَارِ﴾ من ذكر أَو أُنْثَى، أَو سوى الْخلق أَو غير سويه، أَو وَاحِد أَو اثْنَيْنِ أَو أَكثر. قَوْله: ﴿وَمَا تغيض الْأَرْحَام وَمَا تزداد﴾ الغيض هُوَ النُّقْصَان، هَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَغَيره، وَفِي بعض الْأَخْبَار أَن النَّبِي قَالَ: " إِذا كَانَ الْمَطَر قيظا، وَالْولد غيضا، وغاض الْكِرَام غيضا، وفاض اللئام فيضا " الْخَبَر. وَفِي غيض الْأَرْحَام وزيادتها ثَلَاثَة أَقْوَال: الأول: أَنه النُّقْصَان عَن سَبْعَة أشهر، وَالزِّيَادَة على تِسْعَة أشهر، وَالثَّانِي أَنه: النُّقْصَان بِإِسْقَاط السقط، وَالزِّيَادَة بِتمَام الْخلق، وَالثَّالِث: أَنه النُّقْصَان بِالْحيضِ على الْحمل، وَالزِّيَادَة بِعَدَمِ الْحيض على الْحمل؛ فَإِن الْوَلَد ينتقص إِذا أهراقت الْمَرْأَة الدَّم على الْحمل وتتم إِذا لم تهرق. وَعَن مَكْحُول أَنه قَالَ: دم الْحيض غذَاء الْوَلَد فِي الرَّحِم. وَقَوله: ﴿وكل شَيْء عِنْده بِمِقْدَار﴾ أَي: بِتَقْدِير.

стр. 2705

وَقَوله تَعَالَى: ﴿عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة الْكَبِير المتعال﴾ يَعْنِي: المتعال عَمَّا يَقُوله الْمُشْركُونَ.

стр. 2706

قَوْله تَعَالَى: ﴿سَوَاء مِنْكُم من أسر القَوْل وَمن جهر بِهِ﴾ الْآيَة مَعْنَاهُ: يَسْتَوِي فِي علم الله المسر بالْقَوْل والجاهر بِهِ. وَقَوله: ﴿وَمن هُوَ مستخف بِاللَّيْلِ﴾ أَي: مستتر بظلمة اللَّيْل وَقَوله: ﴿وسارب بِالنَّهَارِ﴾ أَي: ظَاهر ذَاهِب بِالنَّهَارِ، والسرب: الطَّرِيق، تَقول الْعَرَب: خل لَهُ سربه أَي:

стр. 2707

((١٠) لَهُ مُعَقِّبَات من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه يَحْفَظُونَهُ من أَمر الله إِن الله لَا يُغير مَا بِقوم) طَرِيقه، وَزعم بعض أهل الْمعَانِي أَن قَوْله: ﴿وَمن هُوَ مستخف بِاللَّيْلِ﴾ أَي: ظَاهر بِاللَّيْلِ، يُقَال: خفيت إِذا ظَهرت، وأخفيت إِذا كتمت، قَالَ الشَّاعِر: (خفاهن من أنفاقهن كَأَنَّمَا ... خفاهن ودق من سَحَاب مركب) وَقَوله: ﴿وسارب بِالنَّهَارِ﴾ أَي مستكن بِالنَّهَارِ، يُقَال: أسرب الْوَحْش إِذا استكن، وَالْقَوْل الأول هُوَ الْأَصَح.

стр. 2708

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَات من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه﴾ الْآيَة، فِي الْآيَة أَقْوَال، أظهرها: أَن المعقبات: الْمَلَائِكَة، والمعقبات المتداينات، يَعْنِي: يذهب بَعْضهَا وَيَأْتِي الْبَعْض فِي عَقبهَا، وَقد صَحَّ بِرِوَايَة أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي أَنه قَالَ: إِن لله مَلَائِكَة يتعاقبون بَيْنكُم، ويجتمعون فِي صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الْعَصْر فيعرج الَّذين باتوا فِيكُم؛ فَيَقُول الله لَهُم: كَيفَ تركْتُم عبَادي؟ فَيَقُولُونَ: أتيناهم وهم يصلونَ، وتركناهم وهم يصلونَ. القَوْل الثَّانِي هُوَ مَا رُوِيَ عَن عِكْرِمَة قَالَ: الْآيَة فِي الْأُمَرَاء وحرسهم. وَالْقَوْل الثَّالِث: مَا رُوِيَ عَن ابْن جريج أَنه قَالَ: الْآيَة فِي الَّذِي يقْعد عَن الْيَمين وَالشمَال يكْتب، وَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ يتلَقَّى المتلقيان عَن الْيَمين وَعَن الشمَال قعيد﴾ . وَقَوله: ﴿يَحْفَظُونَهُ من أَمر الله﴾ الْأَكْثَرُونَ على أَن قَوْله: ﴿من أَمر الله﴾ وَمَعْنَاهُ: أَنهم يَحْفَظُونَهُ بِإِذن الله، فَإِذا جَاءَ الْقدر خلوا بَينه وَبَينه، وَفِي بعض الْآثَار: أَن الله تَعَالَى يُوكل مَلَائِكَة بالنائم يَحْفَظُونَهُ من الْحَيّ والهوام فَإِذا قَصده شَيْء، قَالُوا: وَرَاءَك وَرَاءَك إِلَّا شَيْئا قدر أَن يُصِيبهُ.

стр. 2709

﴿حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم وَإِذا أَرَادَ الله بِقوم سوءا فَلَا مرد لَهُ وَمَا لَهُم من دونه من وَال (١١) هُوَ الَّذِي يريكم الْبَرْق خوفًا وَطَمَعًا وينشىء السَّحَاب الثقال (١٢) ويسبح الرَّعْد﴾ وَرُوِيَ عَمْرو بن أبي جُنْدُب: كُنَّا عِنْد سعيد بن قيس الْهَمدَانِي، فجَاء عَليّ يتَوَكَّأ على عنزة لَهُ، فَقُلْنَا لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أما تخَاف أَن يغتالك أحد؟ فَقَالَ: إِن الله تَعَالَى قد وكل بِابْن آدم مَلَائِكَة يَحْفَظُونَهُ، فَإِذا جَاءَ الْقدر خلوا بَينه وَبَينه. وَفِي قَوْله: ﴿من أَمر الله﴾ قَول آخر، وَهُوَ أَنه على الْمَعْنى التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، وَكَأن الله تَعَالَى قَالَ: لَهُ مُعَقِّبَات من أمره يَحْفَظُونَهُ من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه وَقيل: من أَمر الله: مِمَّا أَمر الله بِهِ من الْحِفْظ عَنهُ. وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه قَرَأَ: " لَهُ مُعَقِّبَات من بَين يَدَيْهِ ورقباء من خَلفه ". وقرى فِي الشاذ: " لَهُ معاقيب من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه ". وَقَوله: ﴿إِن الله لَا يُغير مَا بِقوم﴾ مَعْنَاهُ: لَا يُغير شَيْئا بِقوم من النِّعْمَة ﴿حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم﴾ بالمعصية. وَقَوله: ﴿وَإِذا أَرَادَ الله بِقوم سوءا﴾ فِي الْآيَة رد على الْقَدَرِيَّة صَرِيحًا، وَمَعْنَاهُ: بلَاء وَعَذَابًا ﴿فَلَا مرد لَهُ﴾ أَي: لَا راد لَهُ. ﴿وَمَا لَهُم من دونه من وَال﴾ أَي: من ولي يمنعهُم وَيَنْصُرهُمْ، قَالَ الشَّاعِر: (مَا فِي السَّمَاء سوى الرَّحْمَن من وَال ... )

стр. 2710

قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يريكم الْبَرْق خوفًا وَطَمَعًا﴾ الْبَرْق: نور مضىء شبه عَمُود من نَار من اتقاد السَّحَاب، وَالتَّفْسِير الْمَعْرُوف عَن السّلف أَن الْبَرْق مخاريق بأيدي الْمَلَائِكَة من نَار يسوقون بهَا السَّحَاب إِلَى حَيْثُ شَاءَ الله تَعَالَى. وَقَوله ﴿خوفًا وَطَمَعًا﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا أَن الْخَوْف من الصاعقة، والطمع فِي نفع الْمَطَر. وَالثَّانِي: أَن الْخَوْف للْمُسَافِر، فَإِن عَادَة الْمُسَافِر أَن يتَأَذَّى بالمطر، والطمع للمقيم، لِأَن الْمُقِيم يَرْجُو الخصب بالمطر.

стр. 2711

﴿بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَة من خيفته وَيُرْسل الصَّوَاعِق فَيُصِيب بهَا من يَشَاء وهم يجادلون فِي﴾ وَالثَّالِث: أَن الْخَوْف من الْمَطَر فِي غير إبانة، وَفِي غير مَكَانَهُ، والطمع إِذا كَانَ فِي إبانه ومكانه من الْبلدَانِ [فَمنهمْ] إِذا مُطِرُوا قحطوا، مثل مصر وَغَيره، وَإِذا لم يمطروا أخصبوا. وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي " أَن الله تَعَالَى يَقُول: لَو أَن عبَادي أطاعوني أسقيتهم الْمَطَر بِاللَّيْلِ، وأطلعت عَلَيْهِم الشَّمْس بِالنَّهَارِ، وَلم أسمعهم صَوت الرَّعْد ". وَقَوله: ﴿وينشىء السَّحَاب الثقال﴾ يَعْنِي: الثقال بِالْمَاءِ، وَعَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ: السَّحَاب غربال السَّمَاء. وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: إِن الله تَعَالَى خلق السَّحَاب كل سبع سِنِين مرّة.

стр. 2712

وَقَوله: ﴿ويسبح الرَّعْد بِحَمْدِهِ﴾ أَكثر الْمُفَسّرين أَن الرَّعْد ملك، والمسموع من الصَّوْت تسبيحه، وَهَذَا مَرْوِيّ عَن النَّبِي حِين سَأَلَهُ الْيَهُود عَن الرَّعْد، وَذكر فِيهِ أَن الصَّوْت هُوَ زَجره للسحاب، وَقد حُكيَ هَذَا عَن ابْن عَبَّاس وَعلي وَمُجاهد وَسَعِيد بن جُبَير وَالْحسن. وَعَن قَتَادَة قَالَ: هَذَا عبد لله تَعَالَى سامع مُطِيع.

стр. 2713

وَفِي الْآثَار: أَن الْإِنْسَان إِذا سمع الرَّعْد يَنْبَغِي أَن يَقُول: سُبْحَانَ من سبحت لَهُ. رُوِيَ هَذَا عَن ابْن الزبير وَغَيره، وَعَن عبد الله بن عَبَّاس قَالَ: من قَالَ إِذا سمع صَوت الرَّعْد: سُبْحَانَ من يسبح الرَّعْد بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَة من خيفته وَهُوَ على كل شَيْء قدير؛ فَإِن أَصَابَته صَاعِقَة فعلى دِيَته. وَعَن مُحَمَّد بن عَليّ الباقر قَالَ: الصاعقة تصيب الْمُسلم وَغير الْمُسلم وَلَا تصيب الذاكر. وَفِي الرَّعْد قَول آخر، وَهُوَ أَنه صَوت اصطكاك الأجرام العلوية. وَالصَّحِيح هُوَ الأول، وَقيل أَيْضا: إِن الرَّعْد نطق السَّحَاب، والبرق ضحكه. وَقَوله ﴿وَالْمَلَائِكَة من خيفته﴾ يَعْنِي: وتسبح الْمَلَائِكَة من خيفته. وَعَن ابْن عَبَّاس أَن لله تَعَالَى مَلَائِكَة يَبْكُونَ من خَشيته من يَوْم خلقهمْ، وملائكة فِي الرُّكُوع، وملائكة فِي السُّجُود، وملائكة فِي التَّسْبِيح لَا يشغلهم عَن ذَلِك شَيْء. وَقَوله: ﴿وَيُرْسل الصَّوَاعِق فَيُصِيب بهَا من يَشَاء﴾ الصاعقة: هِيَ الْعَذَاب المهلك، وَهِي تنزل من الْبَرْق فِي بعض الْأَحْوَال فتحرق مَا تصيبه، وَالْآيَة نزلت فِي شَأْن أَرْبَد بن ربيعَة حِين جَاءَ إِلَى النَّبِي فَقَالَ: مِم رَبك؟ أَمن در أَو ياقوت أَو من ذهب [أَو من فضَّة] ؟ فَنزلت صَاعِقَة من السَّمَاء فَأَحْرَقتهُ، ورثاه أَخُوهُ لبيد بن ربيعَة، فَقَالَ: (أخْشَى على أَرْبَد الحتوف وَلَا ... أرهب نوء السماك والأسد) (فجعني الْبَرْق وَالصَّوَاعِق بالفارس ... يَوْم الكريهة النجد) وَيُقَال: إِنَّه جَاءَ مَعَ عَامر بن طفيل، وَقصد الفتك بِالنَّبِيِّ فجفت يَده على قَائِمَة السَّيْف، فَلَمَّا خرج من عِنْد رَسُول الله أَصَابَته صَاعِقَة فِي يَوْم صحو قائظ، فَأَما عَامر فأصابته غُدَّة، وَمَات فِي بَيت سَلُولِيَّة، وَجعل يَقُول: أغدة كَغُدَّة الْبَعِير وَمَوْت فِي بَيت سَلُولِيَّة. وَرُوِيَ " أَن يَهُودِيّا أَتَى النَّبِي وَسَأَلَهُ: مِم رَبك؟ فَنزلت صَاعِقَة وأحرقته ".

стр. 2714

﴿الله وَهُوَ شَدِيد الْمحَال (١٣) لَهُ دَعْوَة الْحق وَالَّذين يدعونَ من دونه لَا يستجيبون لَهُم بِشَيْء إِلَّا كباسط كفيه إِلَى المَاء ليبلغ فَاه وَمَا هُوَ ببالغه وَمَا دُعَاء الْكَافرين إِلَّا فِي﴾ وَقَوله: ﴿وهم يجادلون فِي الله﴾ يَعْنِي: يُخَاصِمُونَ وَيَقُولُونَ فِي الله مَا لَا يعلمُونَ وَقيل: وهم يجادلون فِي الله: يكذبُون بعظمة الله. وَقَوله: ﴿وَهُوَ شَدِيد الْمحَال﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: شَدِيد الْحول، وَمِنْه قَوْله: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، وَقيل: شَدِيد الْمحَال شَدِيد الانتقام. وَعَن عَليّ ﵁ شَدِيد الْأَخْذ. وَقيل: شَدِيد الإهلاك. وَقيل: شَدِيد الْمَكْر. وَقَالَ الشَّاعِر: (فرع نبع يَهْتَز فِي غُصْن الْمجد ... عَزِيز الندى شَدِيد الْمحَال) وقرىء فِي الشاذ: " شَدِيد الْمحَال " بِنصب الْمِيم.

стр. 2715

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَهُ دَعْوَة الْحق﴾ هِيَ شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، هَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره، وَقيل: دَعْوَة الْحق هُوَ الدُّعَاء بالإخلاص، وَالدُّعَاء بالإخلاص لَا يكون إِلَّا لله، أَلا ترى أَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿ [فَادعوا] الله مُخلصين لَهُ الدّين﴾ . قَوْله: ﴿وَالَّذين يدعونَ من دونه﴾ يَعْنِي: الْأَصْنَام ﴿لَا يستجيبون لَهُم بِشَيْء﴾ يَعْنِي: لَا يجيبون لَهُم شَيْئا. وَقَوله: ﴿إِلَّا كباسط كفيه إِلَى المَاء﴾ . فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه كالقابض على المَاء، وَمن قبض على المَاء لم يبْق فِي يَده شَيْء. قَالَ الشَّاعِر: (فَأَصْبَحت (فِيمَا) كَانَ بيني وَبَينهَا ... من الود مثل الْقَابِض المَاء بِالْيَدِ) وَالْقَوْل الثَّانِي - وَهُوَ الْمَعْرُوف - أَن قَوْله: ﴿كباسط كفيه إِلَى المَاء﴾ يَعْنِي: كالعطشان المشير بكفه إِلَى المَاء، وَبَينه وَبَين المَاء مَسَافَة لَا يصل إِلَيْهِ؛ فَهُوَ يُشِير بكفه وَيَدْعُو بِلِسَانِهِ، وَلَا يصل إِلَيْهِ؛ فَكَذَلِك من يدع الْأَصْنَام بِدفع أَو نفع لَا يصل إِلَى شَيْء بدعائه. وَقَوله: ﴿ليبلغ فَاه﴾ يَعْنِي: ليناله فَاه ﴿وَمَا هُوَ ببالغه﴾ وَمَا هُوَ بنائله.

стр. 2716

﴿ضلال (١٤) وَللَّه يسْجد من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها وظلالهم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال (١٥) قل من رب السَّمَوَات وَالْأَرْض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أَوْلِيَاء لَا يملكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نفعا وَلَا ضرا قل هَل يَسْتَوِي الْأَعْمَى والبصير أم هَل تستوي الظُّلُمَات﴾ وَقَوله: ﴿وَمَا دُعَاء الْكَافرين إِلَّا فِي ضلال﴾ يَعْنِي: إِلَّا فِي خطأ وَبطلَان.

стр. 2717

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَللَّه يسْجد من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها﴾ يَعْنِي: يسْجد من فِي السَّمَوَات طَوْعًا، وَيسْجد من فِي الأَرْض بَعضهم طَوْعًا وَبَعْضهمْ كرها. وَالسُّجُود هُوَ الخضوع بالتذلل، وَقيل: إِن سُجُود الْأَشْيَاء [هُوَ] تذللها وتسخيرها لما أُرِيد لَهُ وسخر لَهُ. وَقَوله: ﴿وظلالهم﴾ قَالُوا: ظلّ الْكَافِر يسْجد طَوْعًا، وَالْكَافِر يسْجد كرها، وظل الْمُؤمن يسْجد طَوْعًا، وَكَذَا الْمُؤمن يسْجد طَوْعًا، هَذَا هُوَ القَوْل الْمَنْقُول عَن السّلف. وَقيل: إِن سُجُود الظل هُوَ تسخيره وتذليله لما أُرِيد لَهُ. وَقيل: إِن معنى قَوْله: ﴿وظلالهم﴾ أشخاصهم ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال﴾ بالبكر والعشايا.

стр. 2718

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل من رب السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ مَعْنَاهُ: قل يَا مُحَمَّد: من رب السَّمَوَات وَالْأَرْض؟ ثمَّ أمره بالإجابة، وَقَالَ: ﴿قل الله﴾ وَرُوِيَ أَنه إِنَّمَا قَالَ هَذَا للْمُشْرِكين، عطفوا عَلَيْهِ، وَقَالُوا: أجب أَنْت، فَأمره الله، وَقَالَ: ﴿قل الله﴾ وَإِنَّمَا صحت هَذِه الْإِجَابَة مَعَهم؛ لأَنهم كَانُوا يقرونَ أَن الله خالقهم وخالق السَّمَوَات وَالْأَرْض. وَقَوله: ﴿قل أفاتخذتم من دونه أَوْلِيَاء﴾ مَعْنَاهُ: أَنكُمْ مَعَ إقراركم أَن الله خالقكم وخالق السَّمَوَات وَالْأَرْض اتخذتم من دونه أَوْلِيَاء يَعْنِي: الْأَصْنَام. ﴿لَا يملكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نفعا وَلَا ضرا﴾ يَعْنِي: أَنهم عجزة، فَإِذا لم يملكُوا لأَنْفُسِهِمْ نفعا وَلَا ضرا، فَكيف يملكُونَ لكم؟ . وَقَوله: ﴿قل هَل يَسْتَوِي الْأَعْمَى والبصير﴾ ضرب مثلا لِلْمُؤمنِ وَالْكَافِر وَالْإِيمَان وَالْكفْر؛ فَقَالَ: ( ﴿قل هَل يَسْتَوِي الْأَعْمَى والبصير﴾ أم هَل تستوي الظُّلُمَات

стр. 2719

﴿والنور أم جعلُوا لله شُرَكَاء خلقُوا كخلقه فتشابه الْخلق عَلَيْهِم قل الله خَالق كل شَيْء وَهُوَ الْوَاحِد القهار (١٦) أنزل من السَّمَاء مَاء فسالت أَوديَة بِقَدرِهَا فَاحْتمل السَّيْل زبدا رابيا وَمِمَّا يوقدون عَلَيْهِ فِي النَّار ابْتِغَاء حلية أَو مَتَاع زبد مثله كَذَلِك يضْرب الله﴾ والنور) أَي: كَمَا لَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى والبصير والظالمات والنور؛ فَكَذَلِك لَا يَسْتَوِي الْمُؤمن وَالْكَافِر وَالْإِيمَان وَالْكفْر. وَقَوله: ﴿أم جعلُوا لله شُرَكَاء﴾ يَعْنِي: أجعلوا لله شُرَكَاء ﴿خلقُوا كخلقه فتشابه الْخلق عَلَيْهِم﴾ أَي: اشْتبهَ مَا خلقوه بِمَا خلقه الله، وَمعنى الْآيَة: أَنهم كَمَا عرفُوا أَن الْأَصْنَام لَا تخلق كخلق الله؛ فَلَا يَنْبَغِي أَن تعبد كعبادة الله. وَقَوله: ﴿قل الله خَالق كل شَيْء﴾ ظَاهر الْمَعْنى. وَقَوله ﴿وَهُوَ الْوَاحِد القهار﴾ الْوَاحِد: هُوَ الشَّيْء الَّذِي لَا يَنْقَسِم، وَقد يكون شَيْئَيْنِ لَا يَنْقَسِم فِي معنى، وَيُسمى وَاحِد، مثل قَوْلهم: دِينَار وَاحِد؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْقَسِم فِي الدينارية. والقهار: الْغَالِب الَّذِي لَا يغلبه شَيْء، وَفِي بعض الْأَخْبَار: " سُبْحَانَ من تعزز بقدرته وقهر عباده بِالْمَوْتِ ".

стр. 2720

قَوْله تَعَالَى: ﴿أنزل من السَّمَاء مَاء﴾ هَذَا مثل ضربه الله فِي الْقُرْآن، وَضرب الأودية مثلا للقلوب، فَقَوله: ﴿أنزل من السَّمَاء مَاء﴾ أَي: مَطَرا ﴿فسالت أَوديَة بِقَدرِهَا﴾ قرئَ: " بِقَدرِهَا "، قَرَأَهَا أَبُو الْأَشْهب الْعقيلِيّ، وَالْمعْنَى: بِقَدرِهَا من الصغر وَالْكبر، وَكَذَلِكَ الْقُلُوب تحمل الْقُرْآن بِقَدرِهَا من الضّيق وَالسعَة. وَقَوله: ﴿فَاحْتمل السَّيْل زبدا رابيا﴾ الزّبد: هُوَ الْخبث الَّذِي يظْهر على وَجه المَاء، وَكَذَلِكَ على وَجه الْقدر، وَكَذَلِكَ على فَم الْبَعِير. وَقَوله: ﴿رابيا﴾ أَي: طافيا عَالِيا تمّ الْمثل الأول هَاهُنَا. ثمَّ ذكر مثلا ثَانِيًا، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمِمَّا يوقدون عَلَيْهِ فِي النَّار﴾ وَمن الَّذِي توقدون عَلَيْهِ، الإيقاد: جعل النَّار تَحت الشَّيْء ليذوب. وَقَوله: ﴿ابْتِغَاء حلية﴾ مَعْنَاهُ: لطلب الْحِلْية، وَالَّذِي أوقد عَلَيْهِ هَاهُنَا هُوَ الذَّهَب وَالْفِضَّة؛ لِأَن الْحِلْية تطلب مِنْهُمَا. وَقَوله: ﴿أَو مَتَاع﴾ مَعْنَاهُ: أَو طلب مَتَاع، وَذَلِكَ من الصفر والنحاس وَغَيره يُوقد عَلَيْهَا، وَالْمَتَاع: هُوَ الْأَوَانِي المتخذة من هَذِه الْأَشْيَاء.

стр. 2721

﴿الْحق وَالْبَاطِل فَأَما الزّبد فَيذْهب جفَاء وَأما مَا ينفع النَّاس فيمكث فِي الأَرْض كَذَلِك يضْرب الله الْأَمْثَال (١٧) للَّذين اسْتَجَابُوا لرَبهم الْحسنى وَالَّذين لم يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَو أَن لَهُم مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا وَمثله مَعَه لافتدوا بِهِ أُولَئِكَ لَهُم سوء الْحساب ومأواهم﴾ وَقَوله: ﴿زبد مثله﴾ أَي: زبد مثل زبد المَاء ﴿كَذَلِك يضْرب الله الْحق وَالْبَاطِل﴾ أَي: كَذَلِك يبين الله الْحق وَالْبَاطِل بِضَرْب الْمثل، ثمَّ قَالَ: ﴿فَأَما الزّبد فَيذْهب جفَاء﴾ يَعْنِي ضائعا بَاطِلا، يُقَال: أجفأت الْقدر، إِذا زبدت من جوانبها، وَذهب الزّبد. وَذكر أَبُو زيد اللّغَوِيّ أَن رؤبة بن العجاج قَرَأَ: " فَأَما الزّبد فَيذْهب جفالا " وَالْمعْنَى قريب من الأول. وَقَوله: ﴿وَأما مَا ينفع النَّاس فيمكث﴾ يَعْنِي: المَاء وَالذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْحَدِيد والرصاص والصفر والنحاس. قَوْله: ﴿فيمكث فِي الأَرْض﴾ أَي: يبْقى وَلَا يذهب. وَقَوله ﴿كَذَلِك يضْرب الله الْأَمْثَال﴾ جعل هَذَا مثلا للحق وَالْبَاطِل فِي الْقُلُوب، يَعْنِي: أَن الْبَاطِل كالزبد يذهب ويضيع وَيهْلك، وَالْحق كَالْمَاءِ وكهذه الْأَشْيَاء يمْكث وَيبقى فِي الْقُلُوب، وَقَالَ بَعضهم: هَذَا تَسْلِيَة للْمُؤْمِنين، يَعْنِي أَن أَمر الْمُشْركين كَذَلِك الزّبد، يرى فِي الصُّورَة شَيْئا ثَابتا وَلَيْسَ لَهُ حَقِيقَة. وَأمر الْمُؤمنِينَ كَالْمَاءِ المستقر فِي مَكَانَهُ، فَلهُ الثَّبَات والبقاء، يُقَال: للباطل جَوْلَة، وللحق دولة.

стр. 2722

قَوْله تَعَالَى: ﴿للَّذين اسْتَجَابُوا لرَبهم الْحسنى﴾ الْآيَة، قد بَينا أَن الاستجابة والإجابة بِمَعْنى وَاحِد. وَقَوله: ﴿الْحسنى﴾ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهَا الْجنَّة، وَقيل: هُوَ الرزق والعافية فِي الدُّنْيَا وَالنَّعِيم فِي الْآخِرَة، وَالْحُسْنَى فعلى من الْحسن. وَقَوله: ﴿وَالَّذين لم يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾ أَي: لم يجيبوا لَهُ. وَقَوله: ﴿لَو أَن لَهُم مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا وَمثله مَعَه لافتدوا بِهِ﴾ يَعْنِي: لبذلوا ذَلِك افتداء من النَّار. وَقَوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُم سوء الْحساب﴾ رُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَنه قَالَ لفرقد: يَا فريقد، أَتَدْرِي مَا سوء الْحساب؟ هُوَ أَن يُحَاسب على جَمِيع الذُّنُوب وَلَا يغْفر مِنْهَا شَيْئا. وَقد صَحَّ عَن النَّبِي بِرِوَايَة عَائِشَة ﵂: " من نُوقِشَ الْحساب

стр. 2723

﴿جَهَنَّم وَبئسَ المهاد (١٨) أَفَمَن يعلم أَنما أنزل إِلَيْك من رَبك الْحق كمن هُوَ أعمى إِنَّمَا يتَذَكَّر أولُوا الْأَلْبَاب (١٩) الَّذين يُوفونَ بِعَهْد الله وَلَا ينقضون الْمِيثَاق (٢٠) وَالَّذين يصلونَ مَا أَمر الله بِهِ أَن يُوصل ويخشون رَبهم وَيَخَافُونَ سوء الْحساب (٢١) وَالَّذين صَبَرُوا ابْتِغَاء وَجه رَبهم وَأَقَامُوا الصَّلَاة وأنفقوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سرا وَعَلَانِيَة﴾ عذب " وَفِي رِوَايَة " هلك " وَقيل: إِن سوء الْحساب هُوَ أَن لَا يقبل حَسَنَة، وَلَا يعْفُو عَن سَيِّئَة. وَقَوله: ﴿ومأواهم جَهَنَّم﴾ أَي: مستقرهم جَهَنَّم. وَقَوله: ﴿وَبئسَ المهاد﴾ أَي: بئس مَا مهدوا لأَنْفُسِهِمْ أَي: بئس مَا مهد لَهُم.

стр. 2724

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَمَن يعلم أَنما أنزل إِلَيْك من رَبك الْحق كمن هُوَ أعمى﴾ نزلت الْآيَة فِي حَمْزَة بن عبد الْمطلب وَأبي جهل بن هِشَام، فَالْأول حَمْزَة وَالثَّانِي أَبُو جهل، وَقيل: فِي عمار بن يَاسر وَأبي جهل. وَقَوله: ﴿إِنَّمَا يتَذَكَّر أولو الْأَلْبَاب﴾ أَي: يتعظ أولو الْأَلْبَاب، وَمعنى الْآيَة: أَن من يبصر الْحق ويتبعه، وَمن لَا يبصر الْحق وَلَا يتبعهُ لَا يستويان أبدا.

стр. 2725

قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين يُوفونَ بِعَهْد الله﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وَقيل: عهد الله تَعَالَى مَا أَخذه الله تَعَالَى من الْعَهْد على ذُرِّيَّة آدم حِين أَخذهم من صلبه. وَقَوله: ﴿وَلَا ينقضون الْمِيثَاق﴾ هُوَ تَحْقِيق الْوَفَاء السَّابِق.

стр. 2726

وَقَوله: ﴿وَالَّذين يصلونَ مَا أَمر الله بِهِ أَن يُوصل﴾ يَعْنِي: يُؤمنُونَ بِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاء، وَقيل: يصلونَ الرَّحِم وَلَا يقطعونه. وَقَوله: ﴿ويخشون رَبهم﴾ أَي: يخَافُونَ رَبهم ﴿وَيَخَافُونَ سوء الْحساب﴾ أَي: يرهبون سوء الْحساب، وَسُوء الْحساب قد بَينا.

стр. 2727

وَقَوله: ﴿وَالَّذين صَبَرُوا ابْتِغَاء وَجه رَبهم﴾ يَعْنِي: صَبَرُوا على أَمر الله [طلبا لرضا] رَبهم، وَقيل: صَبَرُوا على الْفقر، وعَلى المصائب والبلايا، وَقيل: صَبَرُوا عَن

стр. 2728

﴿ويدرءون بِالْحَسَنَة السَّيئَة أُولَئِكَ لَهُم عُقبى الدَّار (٢٢) جنَّات عدن يدْخلُونَهَا وَمن صلح من آبَائِهِم وأزواجهم وذرياتهم وَالْمَلَائِكَة يدْخلُونَ عَلَيْهِم من كل بَاب (٢٣) ﴾ الْمعاصِي وَقيل: صَبَرُوا عَن شهوات الدُّنْيَا ولذاتها. وَقَوله: ﴿يدرءون بِالْحَسَنَة السَّيئَة﴾ يَعْنِي: يدْفَعُونَ السَّيئَة بِالْحَسَنَة، وَهُوَ معنى قَوْله: ﴿إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات﴾ وَمعنى قَوْله ﵇: " إِذا عملت سَيِّئَة فاعمل بجنبها حَسَنَة تمحها ". وَفِي الْآيَة قَول آخر وَهُوَ أَن السَّيئَة: الذَّنب. والحسنة: التَّوْبَة. وَمَعْنَاهُ: يدْفَعُونَ الذَّنب بِالتَّوْبَةِ وَفِي الْخَبَر: " مَا من شَيْء أدْرك لشَيْء من تَوْبَة حَدِيثَة لذنب قديم ". قَوْله: ﴿أُولَئِكَ لَهُم عُقبى الدَّار﴾ أَي: الْجنَّة، وَمَعْنَاهُ: لَهُم عَاقِبَة دَار الثَّوَاب.

стр. 2729

قَوْله: ﴿جنَّات عدن يدْخلُونَهَا﴾ أَي: بساتين [للإقامة] . وَقَوله: ﴿يدْخلُونَهَا﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم. وَقَوله: ﴿وَمن صلح من آبَائِهِم﴾ أَي: ويدخلها من صلح من آبَائِهِم ﴿وأزواجهم وذرياتهم﴾ وَفِي الْخَبَر: أَن الْمُؤمن يدْخل الْجنَّة، فَيرى ذُريَّته فِيهَا، فَيَقُول: مَتى دَخَلْتُم فِيهَا؟ فَيَقُولُونَ: نَحن مُنْذُ قديم ننتظرك، وَالله أعلم. وَقَوله: ﴿وَالْمَلَائِكَة يدْخلُونَ عَلَيْهِم من كل بَاب﴾ يَعْنِي: من أَبْوَاب الْجنَّة، وَقيل: من أَبْوَاب الْقُصُور.

стр. 2730

وَقَوله: ﴿سَلام عَلَيْكُم﴾ يَعْنِي: يسلمُونَ عَلَيْهِم سَلاما، وَقيل: يَقُولُونَ: قد سلمكم الله من الْآفَات الَّتِي كُنْتُم تخافونه مِنْهَا، وَفِي الْآثَار أَنهم - يَعْنِي: الْمَلَائِكَة - يأْتونَ بالتحف والهدايا من الله تَعَالَى بِقدر كل يَوْم من أَيَّام الدُّنْيَا [ثَلَاث] عشرَة مرّة. وَقَوله: ﴿بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ قد بَينا. وَقَوله: ﴿فَنعم عُقبى الدَّار﴾ أَي: نعم عَاقِبَة الدَّار.

стр. 2731

﴿سَلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنعم عُقبى الدَّار (٢٤) وَالَّذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون مَا أَمر الله بِهِ أَو يُوصل ويفسدون فِي الأَرْض أُولَئِكَ لَهُم اللَّعْنَة وَلَهُم سوء الدَّار (٢٥) الله يبسط الرزق لمن يَشَاء وَيقدر وفرحوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا مَتَاع (٢٦) وَيَقُول الَّذين كفرُوا لَوْلَا أنزل عَلَيْهِ آيَة من ربه قل إِن﴾

стр. 2732

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾ ظَاهر، وَهَذَا وَارِد فِي الْكفَّار. وَقَوله تَعَالَى: ﴿ويقطعون مَا أَمر الله بِهِ أَن يُوصل﴾ يَعْنِي: يُؤمنُونَ بِبَعْض الْأَنْبِيَاء، ويكفرون بِالْبَعْضِ، وَقيل: يقطعون الرَّحِم. وَقَوله: ﴿ويفسدون فِي الأَرْض﴾ يَعْنِي: يعْملُونَ فِيهَا بِالْمَعَاصِي. وَقَوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُم اللَّعْنَة﴾ أَي: الْبعد من رَحْمَة الله. وَقَوله: ﴿وَلَهُم سوء الدَّار﴾ أَي: سوء المنقلب لِأَن المنقلب: مُنْقَلب النَّاس إِلَى الدَّار.

стр. 2733

قَوْله: ﴿الله يبسط الرزق لمن يَشَاء وَيقدر﴾ يَعْنِي: يُوسع على من يَشَاء، ويضيق على من يَشَاء. وَقَوله: ﴿وفرحوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الْفَرح: لَذَّة فِي الْقلب بنيل المشتهى، وَهَذَا دَلِيل على أَن الْفَرح بالدنيا حرَام مَنْهِيّ عَنهُ. قَوْله: ﴿وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا مَتَاع﴾ يَعْنِي: إِلَّا قَلِيل، وَيُقَال: كمتاع الرَّاكِب، وَقد صَحَّ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا كَمَا يَجْعَل أحدكُم أُصْبُعه فِي اليم فَلْينْظر بِمَ يرجع ".

стр. 2734

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَيَقُول الَّذين كفرُوا لَوْلَا أنزل عَلَيْهِ آيَة من ربه﴾ يعنون الْآيَة المقترحة؛ فَإِن قَالَ قَائِل: لم لَا يجوز أَن يُجِيبهُمْ إِلَى الْآيَة المقترحة، ولعلها تكون سَببا لإيمانهم؟ وَالْجَوَاب: أَن الْآيَة المقترحة لَا نِهَايَة لَهَا، وَإِن وَجب فِي الْمصلحَة أَن يُجيب وَاحِدًا، وَجب أَن يُجيب آخر، إِلَى مَا يتناهى. وَقَوله: ﴿قل إِن الله يضل من يَشَاء﴾ ظَاهر الْمَعْنى. وَقَوله: ﴿وَيهْدِي إِلَيْهِ من أناب﴾ مَعْنَاهُ: وَيهْدِي إِلَيْهِ من يَشَاء بالإنابة، وَفِي الْآيَة رد على الْقَدَرِيَّة، وَالله الْهَادِي إِلَى الصَّوَاب بمنه.

стр. 2735

﴿الله يضل من يَشَاء وَيهْدِي إِلَيْهِ من أناب (٢٧) الَّذين آمنُوا وتطمئن قُلُوبهم بِذكر الله أَلا بِذكر الله تطمئِن الْقُلُوب (٢٨) الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات طُوبَى لَهُم وَحسن﴾
следующие страницы →