← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن حَيْثُ خرجت فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره لِئَلَّا يكون للنَّاس عَلَيْكُم حجَّة﴾ يَعْنِي: الْيَهُود؛ وَذَلِكَ أَنهم قَالُوا: إِن مُحَمَّدًا اتبع قبلتنا، فسيعود إِلَى ملتنا. ﴿إِلَّا الَّذين ظلمُوا﴾ وهم الْمُشْركُونَ. وَقيل: " إِلَّا " بِمَعْنى " وَلَا " الَّذين ظلمُوا وَمثله: قَول الشَّاعِر: (وكل أَخ مفارقه أَخُوهُ ... لعَمْرو أَبِيك إِلَّا الفرقدان) يَعْنِي: وَلَا الفرقدان. وَالصَّحِيح: أَنه اسْتثِْنَاء مُنْقَطع، " وَإِلَّا " بِمَعْنى " لَكِن " الَّذين ظلمُوا يخاصمونكم ويحاجونكم بِالْحجَّةِ الْبَاطِلَة، وَذَلِكَ أَن الْمُشْركين قَالُوا حِين تحولت الْقبْلَة إِلَى الْكَعْبَة: إِنَّه رَجَعَ إِلَى قبلتنا فسيعود إِلَى ملتنا، وَالْحجّة الْبَاطِلَة قد تسمى حجَّة، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿حجتهم داحضة﴾ فَكَأَنَّهُ أبطل حجَّة الْيَهُود بالتحويل إِلَى الْكَعْبَة: ثمَّ أبطل حجَّة الْمُشْركين بِدَلِيل سواهُ. ﴿إِلَّا الَّذين ظلمُوا مِنْهُم فَلَا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عَلَيْكُم ولعلكم تهتدون﴾ قَالَ سعيد بن جُبَير: لَا تتمّ نعْمَته على الْمُسلم إِلَّا بِأَن يدْخلهُ الْجنَّة. وَفِي الْخَبَر: " أَن النَّبِي سمع رجلا يَقُول الْحَمد لله على الْإِسْلَام، فَقَالَ: لقد حمدت الله على نعْمَة عَظِيمَة ".

стр. 282

قَوْله تَعَالَى: ﴿كَمَا أرسلنَا فِيكُم رَسُولا مِنْكُم﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: الْكَاف للتشبيه فَأَيْنَ الْمُشبه بِهِ؟ قُلْنَا: قَالَ عَليّ رَضِي الله: عَنهُ تَقْدِيره: فاذكره لي، كَمَا

стр. 283

﴿تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمن حَيْثُ خرجت فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره لِئَلَّا يكون للنَّاس عَلَيْكُم حجَّة إِلَّا الَّذين ظلمُوا مِنْهُم فَلَا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عَلَيْكُم ولعلكم تهتدون (١٥٠) كَمَا أرسلنَا﴾ أرسلنَا فِيكُم رَسُولا فَيكون الذّكر على هَذَا القَوْل بِمَعْنى الشُّكْر. وَقيل: تَقْدِيره: ولأتم نعمتي عَلَيْكُم كَمَا أرسلنَا فِيكُم رَسُولا مِنْكُم، وَذَلِكَ أَن إِبْرَاهِيم صلوَات الله عَلَيْهِ كَانَ قد دَعَا دعوتين: دَعَا أَن يبْعَث فيهم رَسُولا مِنْهُم، ودعا إتْمَام النِّعْمَة على ذُريَّته بالرزق من الثمرات، فَأجَاب إِحْدَى الدعوتين بِأَن بعث فيهم رسلًا، ثمَّ أجَاب الدعْوَة الثَّانِيَة فَقَالَ: ولأتم نعمتي عَلَيْكُم، كَمَا أرسلنَا فِيكُم رَسُولا مِنْكُم. ﴿يَتْلُو عَلَيْكُم آيَاتنَا﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن ﴿ويزكيكم﴾ كَمَا بَينا ﴿ويعلمكم الْكتاب وَالْحكمَة﴾ وَقد ذكرنَا. وَقيل: الْحِكْمَة السّنة، وَقيل: مواعظ الْقُرْآن. ﴿ويعلمكم مَا لم تَكُونُوا تعلمُونَ

стр. 284

فاذكروني أذكركم) قيل: ذكر الله هَاهُنَا بِمَعْنى الْمَدْح وَالثنَاء عَلَيْهِ. وَفِي الْخَبَر عَن النَّبِي " أَن الله تَعَالَى يَقُول: أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي، وَأَنا مَعَه حِين يذكرنِي، فَإِن ذَكرنِي فِي نَفسه ذكرته فِي نَفسِي، وَإِن ذَكرنِي فِي مَلأ ذكرته فِي مَلأ خير مِنْهُ، وَإِن تقرب إِلَى شبْرًا تقربت إِلَيْهِ ذِرَاعا، وَإِن تقرب إِلَيّ ذِرَاعا، تقربت إِلَيْهِ باعا وَإِن أَتَانِي يمش أَتَيْته هرولة " أخرجه مُسلم فِي الصَّحِيح. وَقيل: مَعْنَاهُ: فاذكروني كَمَا أرسلنَا، وَهَذَا قريب من قَول عَليّ. وَقيل: الذّكر من العَبْد الطَّاعَة، وَمن الله الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة. وَمَعْنَاهُ: فاذكروني بِالطَّاعَةِ أذكركم بالمغفرة وَالرَّحْمَة. ﴿واشكروا لي وَلَا تكفرون﴾ يَعْنِي واشكروا لي بِالطَّاعَةِ وَلَا تكفروني بالمعصية. فَإِن من أطَاع الله فقد شكره، وَمن عَصَاهُ فقد كفره.

стр. 285

﴿فِيكُم رَسُولا مِنْكُم يَتْلُو عَلَيْكُم آيَاتنَا ويزكيكم ويعلمكم الْكتاب وَالْحكمَة ويعلمكم مَا لم تَكُونُوا تعلمُونَ (١٥١) فاذكرني أذكركم واشكروا لي وَلَا تكفرون (١٥٢) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة إِن الله مَعَ الصابرين﴾ وَحكى أَن مُوسَى صلوَات الله عَلَيْهِ سَأَلَ ربه فَقَالَ: مَا الشُّكْر الَّذِي يَنْبَغِي لَك؟ فَقَالَ أَن لَا يزَال لسَانك رطبا بذكرى.

стр. 286

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة﴾ فالاستعانة: طلب المعونة. وَفِي الصَّبْر قَولَانِ: أَحدهمَا: الثَّبَات على الدّين، وَالْآخر: الصَّوْم. وَوجه الِاسْتِعَانَة بهما مَا سبق. (إِن لله مَعَ الصابرين) قَالَ عَطاء، عَن ابْن عَبَّاس: بِالْحِفْظِ والنصر.

стр. 287

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقولُوا لمن يقتل فِي سَبِيل الله أموات﴾ نزلت الْآيَة فِي قوم مُعينين، اسْتشْهدُوا يَوْم بدر، وَكَانَ يَقُول الْمُسلمُونَ: مَاتَ فلَان، فَلم يرض الله تَعَالَى ذَلِك مِنْهُم، وَأنزل الله هَذِه الْآيَة. (بل أَحيَاء وَلَكِن لَا تشعرون) أَي: شُهَدَاء؛ لِأَن الشَّهِيد حَيّ. وَقيل: مَعْنَاهُ مَا ورد فِي الْخَبَر: " أَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي حواصل طير خضر تعلف من ثمار الْجنَّة أَي تَأْكُل وتأوى إِلَى قناديل معلقَة تَحت الْعَرْش ". فَذَلِك قَوْله: ﴿بل أَحيَاء عِنْد رَبهم﴾ . وَقيل: مَعْنَاهُ أَحيَاء بالثواب وَالثنَاء الْحسن، وَلَيْسوا بأموات بِالذكر السيء وَعدم الثَّوَاب.

стр. 288

قَوْله تَعَالَى: ﴿ولنبلونكم بِشَيْء من الْخَوْف﴾ وَاللَّام فِيهِ لجواب الْقسم. وَتَقْدِيره: وَالله لنبلونكم. وَحِكْمَة الِابْتِلَاء لإِظْهَار الْمُطِيع من العَاصِي، لَا ليعلم شَيْئا

стр. 289

( ﴿١٥٣) وَلَا تَقولُوا لمن يقتل فِي سَبِيل الله أموات بل أَحيَاء وَلَكِن لَا تشعرون (١٥٤) ولنبلونكم بِشَيْء من الْخَوْف والجوع وَنقص من الْأَمْوَال والأنفس لم يكن عَالما بِهِ، وَاخْتلفُوا فِيمَن نزلت الْآيَة فِيهِ، مِنْهُم من قَالَ: نزلت فِي الْيَهُود وَقيل: نزلت فِي الْمُسلمين. ﴿بِشَيْء من الْخَوْف﴾ خوف الْعَدو ﴿والجوع﴾ بِالْقَحْطِ والجدب (وَنقص من الْأَمْوَال) بالخسران والهلاك ﴿والأنفس﴾ بِالْمرضِ والشيب وَالْمَوْت ﴿والثمرات﴾ بالجوائح، وَقيل: بالأولاد؛ وَذَلِكَ أَنهم ثَمَرَات الْقُلُوب، وَحِكْمَة الِابْتِلَاء بِهَذِهِ الْأَشْيَاء: حَتَّى إِذا صَبَرُوا عَلَيْهِ فَكل من سمع بِهِ بعدهمْ؛ علم أَنهم أَنما صَبَرُوا عَلَيْهِ لما عرفُوا من الْحق. ﴿وَبشر الصابرين

стр. 290

الَّذين إِذا أَصَابَتْهُم مُصِيبَة قَالُوا إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون) . قَالَ سعيد بن جُبَير: كلمة الاسترجاع لم تعط [لأحد] من الْأُمَم سوى هَذِه الْأمة. أَلا ترى أَن يَعْقُوب صلوَات الله عَلَيْهِ لما ابْتُلِيَ بِفِرَاق يُوسُف قَالَ: ﴿يَا أسفي على يُوسُف﴾ وَلم يقل: إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون؟ وَمَعْنَاهُ: إِنَّا لله ملكا وعبودية، وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون فِي الْقِيَامَة، وَإِنَّمَا قيد بِهَذَا لِأَن الْأَمر فِي الْقِيَامَة يخلص لله تَعَالَى. وَرُوِيَ: " أَن رَسُول الله طفيء سراجه، فَقَالَ: إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون. فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: كل مَا أَذَى الْمُؤمن فَهُوَ مُصِيبَة لَهُ ".

стр. 291

قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِم صلوَات من رَبهم وَرَحْمَة وَأُولَئِكَ هم المهتدون﴾ وَمعنى الصَّلَوَات هَاهُنَا الرَّحْمَة بعد الرَّحْمَة؛ لِأَن الصَّلَاة من الله: الرَّحْمَة. وَمن الْمَلَائِكَة: الاسْتِغْفَار، وَمن النَّاس الدُّعَاء. قَالَ الشَّاعِر:

стр. 292

﴿والثمرات وَبشر الصابرين (١٥٥) الَّذين إِذا أَصَابَتْهُم مُصِيبَة قَالُوا إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِم صلوَات من رَبهم وَرَحْمَة وَأُولَئِكَ هم المهتدون (صلي على يحي وأشياعه ... رب كريم وشفيع مُطَاع﴾ يَعْنِي: ترحم عَلَيْهِ. قَوْله: (وَرَحْمَة) ذكرهَا تَأْكِيدًا للْأولِ ﴿وَأُولَئِكَ هم المهتدون﴾ قَالَ عمر ﵁: نعم العدلان ونعمت العلاوة، والعدلان: الصَّلَوَات وَالرَّحْمَة، والعلاوة: الْهِدَايَة. وَقد ورد فِي ثَوَاب الْمُصِيبَة أَخْبَار كَثِيرَة، مِنْهَا: مَا روى عَن رَسُول الله أَنه قَالَ: " مَا أُصِيب العَبْد الْمُؤمن بمصيبة إِلَّا كفر عَنهُ، حَتَّى الشَّوْكَة يشاكها ".

стр. 293

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله﴾ الصَّفَا: جبل بِأحد طرفِي الْمَسْعَى. والمروة: جبل بالطرف الثَّانِي، والصفا: الْحجر الصلب، والمروة: الْحجر الرخو. قَوْله تَعَالَى ﴿من شَعَائِر الله﴾ فالشعائر: جمع الشعيرة، وَهِي: الْأَعْلَام الَّتِي على مَنَاسِك الْحَج. وَمثله المشاعر، فالموقف شعيرَة، والمطاف شعيرَة، والمنحر شعيرَة، والمشعر شعيرَة. ﴿فَمن حج الْبَيْت أَو اعْتَمر﴾ فَأصل الْحَج: الْقَصْد. قَالَ الشَّاعِر: (وَأشْهد من عَوْف حلولا كَثِيرَة ... يحجون سبّ الزبْرِقَان المزعفرا) أَي: يقصدون. وأصل الْعمرَة: الزِّيَارَة. قَالَ الشَّاعِر: (وجاشت النَّفس لما جَاءَ فَلهم ... وراكب جَاءَ من تثليث مُعْتَمر) أَي زَائِرًا وَفِي الْحَج وَالْعمْرَة قصد وزيارة.

стр. 294

( ﴿١٥٧) إِن الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله فَمن حج الْبَيْت أَو اعْتَمر فَلَا جنَاح عَلَيْهِ أَن يطوف بهما وَمن تطوع خيرا فَإِن الله شَاكر عليم (١٥٨) إِن الَّذين يكتمون مَا﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَلَا جنَاح عَلَيْهِ أَن يطوف بهما﴾ قَرَأَ ابْن عَبَّاس: " فَلَا جنَاح عَلَيْهِ أَن لَا يطوف بهما ". وَهِي قِرَاءَة أنس، وَكَذَلِكَ كَانَ فِي مصحف أبي بن كَعْب، وَابْن مَسْعُود. وَالْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة: ﴿أَن يطوف بهما﴾ . وَقد روى عَن عُرْوَة بن الزبير: أَنه قَالَ لعَائِشَة: " أَنا لَا أرى جنَاحا على من لَا يطوف بَين الصَّفَا والمروة، وَقَرَأَ هَذِه الْآيَة. فَقَالَت عَائِشَة: بئْسَمَا رَأَيْت يَا ابْن أُخْتِي وَذكرت الْقِصَّة فِي سَبَب نزُول الْآيَة ". والقصة فِي ذَلِك أَنه كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة على الصَّفَا والمروة صنمان: إساف ونائلة، وَكَانَ إساف على الصَّفَا، ونائلة على الْمَرْوَة، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يطوفون بَين الصَّفَا والمروة تَعْظِيمًا للصنمين، فَلَمَّا فتح النَّبِي مَكَّة، وَكسر الْأَصْنَام. وَكَانَ الْمُسلمُونَ يتحرجون عَن السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة لمَكَان الصنمين اللَّذين كَانَا عَلَيْهِم؛ فَنزلت الْآيَة فِي رفع ذَلِك الْحَرج. ثمَّ وجوب السَّعْي بالْخبر؛ وَهُوَ قَوْله: " إِن الله تَعَالَى كتب عَلَيْكُم السَّعْي فَاسْعَوْا ".

стр. 295

﴿أنزلنَا من الْبَينَات وَالْهدى من بعد مَا بَيناهُ للنَّاس فِي الْكتاب أُولَئِكَ يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (١٥٩) إِلَّا الَّذين تَابُوا وَأَصْلحُوا وبينوا فَأُولَئِك أَتُوب عَلَيْهِم أَنا﴾ فَأَما تِلْكَ الْقِرَاءَة " أَن لَا يطوف بهما " فَهِيَ قِرَاءَة مهجورة فَلَا تتْرك بهَا الْقِرَاءَة الْمَعْهُودَة. وَقيل: " لَا " فِيهِ صلَة. وَالْمرَاد: أَن يطوف. قَالَ الشَّاعِر: (لَا ألوم الْبيض أَلا تسخرا ... لما رأين الشمط القفندرا) أَي: أَن تسخر. قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن تطوع خيرا﴾ قَرَأَ حَمْزَة: " وَمن يطوع " مشدد. وَمَعْنَاهُ يتَطَوَّع وَالْمَعْرُوف ﴿وَمن تطوع﴾ . ثمَّ من قَالَ: إِن السَّعْي لَيْسَ بِرُكْن صرف قَوْله: ﴿وَمن تطوع﴾ إِلَى السَّعْي. وَمن قَالَ: إِنَّه ركن صرفه إِلَى أصل الْحَج وَالْعمْرَة. وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ التَّطَوُّع بِسَائِر الْأَعْمَال. ﴿فَإِن الله شَاكر عليم﴾ وَالشُّكْر من الله: أَن يُعْطي فَوق مَا يسْتَحق العَبْد.

стр. 296

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يكتمون مَا أنزلنَا من الْبَينَات وَالْهدى من بعد مَا بَيناهُ للنَّاس فِي الْكتاب﴾ نزلت الْآيَة فِي الْيَهُود. ﴿أُولَئِكَ يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: اللاعنون: هم كل الْخَلَائق سوى الْجِنّ وَالْإِنْس. وَفِي الْأَخْبَار: " أَن الأَرْض إِذا أجدبت يلعن كل شَيْء عصاة بني آدم؛ حَتَّى الخنافس يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ الْعَن عصاة بني آدم؛ فَإنَّا حرمنا الرزق بشؤم معاصيهم ". وَقَالَ قَتَادَة: اللاعنون: هم الْمَلَائِكَة والمؤمنون. وَقيل: هم الْجِنّ وَالْإِنْس.

стр. 297

﴿التواب الرَّحِيم (١٦٠) إِن الَّذين كفرُوا وماتوا وهم كفار أُولَئِكَ عَلَيْهِم لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدين فِيهَا لَا يخف عَنْهُم الْعَذَاب وَلَا هم﴾ وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁: مَا تلاعن اثْنَان وَلم يَكُونَا مستحقين إِلَّا رجعت اللَّعْنَة على الْيَهُود.

стр. 298

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذين تَابُوا﴾ أَي: أَسْلمُوا ﴿وَأَصْلحُوا﴾ أَي: داموا على التَّوْبَة ﴿وبينوا﴾ مَا كتموا ﴿فَأُولَئِك أَتُوب عَلَيْهِم وَأَنا التواب الرَّحِيم﴾ .

стр. 299

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين كفرُوا وماتوا وهم كفار أُولَئِكَ عَلَيْهِم لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: قد قَالَ: ﴿النَّاس أَجْمَعِينَ﴾ والملعون من جملَة النَّاس؛ فَكيف يلعن نَفسه؟ قيل: يلعن نَفسه فِي الْقِيَامَة. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ويلعن بَعْضكُم بَعْضًا﴾ .

стр. 300

وَقَوله: ﴿خَالِدين فِيهَا﴾ يَعْنِي فِي اللَّعْنَة، وَيحْتَمل فِي النَّار وَإِن لم تكن مَذْكُورَة فِي الْآيَة ﴿لَا يُخَفف عَنْهُم الْعَذَاب وَلَا هم ينظرُونَ﴾ مَعْلُوم التَّفْسِير.

стр. 301

قَوْله تَعَالَى: ﴿وإلهكم إِلَه وَاحِد﴾ وَسبب نزُول [هَذِه] الْآيَة مَا روى أَن الْمُشْركين قَالُوا لرَسُول الله أنسب لنا رَبك، أوصف لنا رَبك؛ فَنزل قَوْله تَعَالَى ﴿وإلهكم إِلَه وَاحِد﴾ وَسورَة الْإِخْلَاص. قَالَ الْأَزْهَرِي: الْوَاحِد: الَّذِي لَا نَظِير لَهُ، يُقَال: فلَان وَاحِد الْعَالم أَي: لَا نَظِير لَهُ فِي الْعَالم. وَحَقِيقَة الْوَاحِد: هُوَ الْمُنْفَرد الَّذِي لَا نَظِير لَهُ وَلَا شريك. ﴿لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ روى شهر بن حَوْشَب عَن أَسمَاء بنت يزِيد النهشلية عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " اسْم الله الْأَعْظَم فِي آيَتَيْنِ من سُورَة الْبَقَرَة: آيَة الْكُرْسِيّ، وَهَذِه الْآيَة ﴿وإلهكم إِلَه وَاحِد﴾ ".

стр. 302

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن فِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ روى أَنه لما نزل قَوْله:

стр. 303

﴿ينظرُونَ (١٦٢) وإلهكم إِلَه وَاحِد لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم (١٦٣) إِن فِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار والفلك الَّتِي تجْرِي فِي الْبَحْر بِمَا ينفع﴾ ﴿وإلهكم إِلَه وَاحِد﴾ قَالَ الْمُشْركُونَ لرَسُول الله: مَا الدَّلِيل على أَنه وَاحِد؛ فَنزل قَوْله: ﴿إِن فِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ والخلق: هُوَ ابتداع الشَّيْء وَتَقْدِيره، وَمِنْه قَول الشَّاعِر: (ولأنت تفري مَا خلقت وَبَعض ... الْقَوْم يخلق ثمَّ لَا يفري) أَي: يقطع مَا قدرت. وَالسَّمَاوَات: جمع سَمَاء، وَهِي سبع سماوات، وَكَذَلِكَ الأرضون سبع، على الصَّحِيح. وَإِنَّمَا ذكر السَّمَاوَات بِلَفْظ الْجمع، وَالْأَرْض يلفظ الْوَاحِد؛ لِأَن كل سَمَاء من جنس آخر. والأرضون كلهَا من جنس وَاحِد. وَهُوَ التُّرَاب، وَالْآيَة فِي السَّمَاوَات: سمكها [وسعته] وارتفاعها من غير عمد وَلَا علاقَة، وَمَا ترى فِيهَا من الشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم. وَالْآيَة فِي الأَرْض: مدها وبسطها وسعتها وَمَا يرى فِيهَا من الْأَشْجَار والأنهار وَالْجِبَال والبحار والجواهر والنبات. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار﴾ وَذَلِكَ [ذهابهما ومجيئهم] وَمِنْه قَوْلهم: فلَان يخْتَلف إِلَى فلَان. أَي: يذهب وَيَجِيء مرّة بعد أُخْرَى. وَمثله قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جعل اللَّيْل وَالنَّهَار خلفة﴾ أَي: يخلف أَحدهمَا الآخر، وَالْآيَة فِي اللَّيْل وَالنَّهَار نقصانهما وزيادتهما وَأَن يذهب ضوء النَّهَار فَلَا يدْرِي أَيْن ذهب، وَيذْهب سَواد اللَّيْل فَلَا يدْرِي أَيْن ذهب.

стр. 304

﴿النَّاس وَمَا أنزل الله من السَّمَاء من مَاء فأحيا بِهِ الأَرْض بعد مَوتهَا وَبث فِيهَا من كل دَابَّة وتصريف الرِّيَاح والسحاب المسخر بَين السَّمَاء وَالْأَرْض لآيَات لقوم﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿والفلك الَّتِي تجْرِي فِي الْبَحْر بِمَا ينفع النَّاس﴾ والفلك: اسْم للْجمع والواحدان فَإِذا أُرِيد بِهِ الْجمع يؤنث، وَإِذا أُرِيد بِهِ الْوَاحِد يذكر، وَقد ورد بالصيغتين فِي الْقُرْآن، وَالْمرَاد هَا هُنَا الْجمع. وَالْآيَة فِي الْفلك تسخيره [وجريها] على وَجه المَاء. وَهِي موفرة مثقلة لَا ترسب تَحت المَاء بل تعلو على وَجه المَاء. قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أنزل الله من السَّمَاء من مَاء﴾ قيل: إِن الله تَعَالَى يخلق المَاء فِي السَّحَاب، فعلى هَذَا؛ السَّمَاء هَا هُنَا بِمَعْنى السَّحَاب. وَقيل: بل يخلق المَاء فِي السَّمَاء، وَمن السَّمَاء ينزل إِلَى السَّحَاب ثمَّ من السَّحَاب ينزل إِلَى الأَرْض. وَقَوله تَعَالَى: ﴿فأحيا بِهِ الأَرْض بعد مَوتهَا﴾ أَي: بعد يبسها وجدوبتها. فَإِن الأَرْض إِذا أجدبت فقد مَاتَت. وَإِذا أخصبت فقد حييت. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَبث فِيهَا من كل دَابَّة﴾ أَي: فرق فِيهَا. وَقَوله: ﴿وتصريف الرِّيَاح﴾ قيل: تصريفها أَن الرِّيَاح تَارَة تكون شمالا وَتارَة تكون جنوبا، وَتارَة تكون قبولا، وَتارَة تكون دبورا، وَتارَة نكباء، والنكباء: فَهِيَ الَّتِي لَا تعرف لَهَا جِهَة. وَقيل: تصريفها: أَن الرّيح تَارَة تكون لينًا، وَتارَة عاصفا، وَتارَة حارة، وَتارَة بَارِدَة. قَالَ ابْن عَبَّاس: أعظم جنود الله الرّيح وَالْمَاء. وَقَالَ ابْن الْمُبَارك: للريح جَنَاحَانِ، والسحاب: غلاف مَمْلُوء نت المَاء. وَفِي مصحف حَفْصَة (وتصريف الْأَرْوَاح) وَهُوَ قريب من الرِّيَاح. وَسميت الرّيح ريحًا؛ لِأَنَّهَا تريح النَّفس. قَالَ شُرَيْح القَاضِي: مَا هبت ريح إِلَّا لشفاء سقيم أَو لسقم صَحِيح. وَقَوله تَعَالَى: ﴿والسحاب المسخر﴾ أَي: الْمُذَلل ﴿بَين السَّمَاء وَالْأَرْض لآيَات لقوم يعْقلُونَ﴾ .

стр. 305

﴿يعْقلُونَ (١٦٤) وَمن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله وَالَّذين آمنُوا اشد حبا لله وَلَو يرى الَّذين ظلمُوا إِذْ يرَوْنَ الْعَذَاب أَن الْقُوَّة لله﴾ قَالَ وهب بن مُنَبّه: ثَلَاثَة لَا يدْرِي من أَيْن تَجِيء: الرَّعْد، والبرق، والسحاب.

стр. 306

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادا﴾ كَأَنَّهُ عَابَ الْمُشْركين حَيْثُ اتَّخذُوا من دونه أندادا بَعْدَمَا أظهر الدَّلَائِل، وَنصب الْبَرَاهِين، على الوحدانية ﴿أندادا﴾ أَي: أصناما. قَوْله تَعَالَى: ﴿يحبونهم كحب الله﴾ قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد النَّحْوِيّ: معنى قَوْله: ﴿يحبونهم كحب الله﴾ أَي: يحبونَ آلِهَتهم كحب الْمُؤمنِينَ لله. وَقيل مَعْنَاهُ: يحبونَ الْأَصْنَام كَمَا يحبونَ الله؛ لأَنهم أشركوها مَعَ الله. ﴿وَالَّذين آمنُوا اشد حبا لله﴾ لأَنهم لَا يختارون على الله مَا سوى الله. وَالْمُشْرِكُونَ إِذا اتَّخذُوا صنما ثمَّ رَأَوْا أحسن مِنْهُ، طرحوا الأول واختاروا الثَّانِي. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَو يرى الَّذين ظلمُوا إِذْ يرَوْنَ الْعَذَاب﴾ قرىء هَذَا بقراءتين. " وَلَو يرى " بِالْيَاءِ. " وَلَو ترى " بِالتَّاءِ. وَالْمعْنَى: اعْلَم أَولا أَن جَوَاب " لَو " هَاهُنَا مَحْذُوف، وَمثله كثير فِي الْقُرْآن. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَو ترى إِذْ الظَّالِمُونَ موقوفون عِنْد رَبهم﴾ وَقَالَ: ﴿وَلَو أَن قُرْآنًا سيرت بِهِ الْجبَال أَو قطعت بِهِ الأَرْض أَو كلم بِهِ الْمَوْتَى﴾ ثمَّ حذف الْجَواب اخْتِصَار السبقه إِلَى الإفهام.

стр. 307

﴿جَمِيعًا وَأَن الله شَدِيد الْعَذَاب (١٦٥) إِذْ تَبرأ الَّذين اتبعُوا من الَّذين اتبعُوا وَرَأَوا﴾ ثمَّ من قَرَأَ " وَلَو يرى " بِالْيَاءِ، فتقديره: وَلَو يرى الَّذين ظلمُوا شدَّة عَذَاب الله وعقوبته حِين يرَوْنَ الْعَذَاب لعرفوا أَن مَا اتَّخذُوا من الْأَصْنَام لَا يضرهم وَلَا يَنْفَعهُمْ. وَمن قَرَأَ " وَلَو ترى " بِالتَّاءِ فَفِي مَعْنَاهُ قَولَانِ: أَحدهمَا: وَلَو ترى يَا مُحَمَّد الَّذين ظلمُوا فِي شدَّة الْعَذَاب حِين رَأَوْا الْعَذَاب لرأيت أمرا عجيبا. وَالثَّانِي: مَعْنَاهُ: قل يَا مُحَمَّد: أَيهَا الظَّالِم، وَلَو ترى الَّذين ظلمُوا فِي شدَّة الْعَذَاب لتعجبت مِنْهُ ولرأيت أمرا فظيعا. وَقَوله تَعَالَى: ﴿أَن الْقُوَّة لله جَمِيعًا وَأَن الله شَدِيد الْعَذَاب﴾ قَوْله: " أَن الْقُوَّة " يقْرَأ بِكَسْر الْألف، وَفتحهَا، فَمن قَرَأَ بِالْكَسْرِ، كَانَ على الِابْتِدَاء بعد تَمام الأول، وَمن قَرَأَ بِالْفَتْح كَانَ تَمام الأول، وَمَعْنَاهُ: لِأَن الْقُوَّة لله.

стр. 308

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ تَبرأ الَّذين اتبعُوا من الَّذين اتبعُوا﴾ هَذَا فِي الْقِيَامَة، حِين يجمع الله القادة وأتباعهم، يبرأ بَعضهم من بعض. ﴿وَرَأَوا الْعَذَاب وتقطعت [بهم] الْأَسْبَاب﴾ أَي: الوصلات فِي الدُّنْيَا من [الْقرَابَات] والصداقات. قَالَ مُجَاهِد: يَعْنِي الْوَصْل وَهُوَ قريب من الأول. وَقيل الْأَسْبَاب: الْأَعْمَال. وَقد ترد بِمَعْنى: أَبْوَاب السَّمَاوَات وَالْأَرْض.

стр. 309

﴿الْعَذَاب وتقطعت بهم الْأَسْبَاب (١٦٦) وَقَالَ الَّذين اتبعُوا لَو أَن لنا كرة فنتبرأ مِنْهُم كَمَا تبرءوا منا كَذَلِك يُرِيهم الله أَعْمَالهم حسرات عَلَيْهِم وَمَا هم بِخَارِجِينَ من النَّار (١٦٧) ﴾ وَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لعَلي أبلغ الْأَسْبَاب أَسبَاب السَّمَاوَات﴾ أَي: أَبْوَابهَا. قَالَ الشَّاعِر: (وَمن هاب أَسبَاب المنايا [يتلقها] ... وَإِن رام أَسبَاب السَّمَاء بسلم) وأصل السَّبَب: مَا يُوصل. وَمِنْه يُقَال: للحبل سَبَب، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وتقطعت بهم﴾ أَي: عَنْهُم، وَمثله قَوْله تَعَالَى: ﴿فاسأل بِهِ خَبِيرا﴾ أَي: عَنهُ خَبِيرا.

стр. 310

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذين اتبعُوا لَو أَن لنا كرة﴾ أَي: رَجْعَة إِلَى الدُّنْيَا. ﴿فنتبرأ مِنْهُم كَمَا تبرءوا منا كَذَلِك يُرِيهم الله أَعْمَالهم حسرات عَلَيْهِم وَمَا هم بِخَارِجِينَ من النَّار﴾ . وَفِيه قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه يُرِيهم مَا ارتكبوا من السَّيِّئَات؛ فَتلك الحسرات. وَالثَّانِي: أَنه يُرِيهم مَا تركُوا من الْخيرَات والحسنات؛ ليَكُون عَلَيْهِم حسرات.

стр. 311

﴿يَا أَيهَا النَّاس كلوا مِمَّا فِي الأَرْض حَلَالا طيبا وَلَا تتبعوا خطوَات الشَّيْطَان إِنَّه لكم عَدو مُبين (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُركُمْ بالسوء والفحشاء وَأَن تَقولُوا على الله مَالا تعلمُونَ (١٦٩) وَإِذا قيل لَهُم اتبعُوا مَا أنزل الله قَالُوا بل نتبع مَا ألفينا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَو لَو كَانَ﴾

стр. 312

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا النَّاس كلوا مِمَّا فِي الأَرْض﴾ حكى عَن أبي مُحَمَّد سُفْيَان بن عُيَيْنَة الْهِلَالِي أَنه سُئِلَ عَن أكل الطين فَقَالَ: لَا تَأْكُل لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿كلوا مِمَّا فِي الأَرْض﴾ وَلم يقل: كلوا من الأَرْض ﴿حَلَالا طيبا﴾ فالحلال: كل مَا أحله الشَّرْع. وَفِي الطّيب قَولَانِ: أَحدهمَا: كل مَا يستطاب ويستلذ فَهُوَ طيب. وَالْمُسلم يَسْتَطِيب الْحَلَال ويعاف الْحَرَام. وَقيل: الطّيب: الطَّاهِر. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تتبعوا خطوَات الشَّيْطَان﴾ فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا قَالَ مُجَاهِد: هِيَ خَطَايَا الشَّيْطَان. وَقَالَ أَبُو مجلز لَاحق بن حميد السدُوسِي: هِيَ النذور فِي الْمعاصِي. وَالْقَوْل الثَّالِث: هِيَ كل أَعمال الشَّيْطَان. واشتقاقها من الخطوة؛ لِأَن للخطا آثارا تبقى ﴿إِنَّه لكم عَدو مُبين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 313

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَأْمُركُمْ بالسوء والفحشاء﴾ فالسوء: الْمعْصِيَة. والفحشاء فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه أَرَادَ بِهِ الزِّنَا. وَقيل: الْبُخْل، وَمِنْه قَول الشَّاعِر: (عقيلة مَال الْفَاحِش المتشدد ... ) أَي: الْبَخِيل المتشدد ﴿وَأَن تَقولُوا على الله مَالا تعلمُونَ﴾

стр. 314

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا قيل لَهُم اتبعُوا مَا أنزل الله قَالُوا بل نتبع مَا ألفينا﴾ أَي: وجدنَا. ﴿عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَو لَو كَانَ آباؤهم لَا يعْقلُونَ شَيْئا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ مَعْنَاهُ: كَيفَ يتبعُون

стр. 315

﴿آباؤهم لَا يعْقلُونَ شَيْئا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠) وَمثل الَّذين كفرُوا كَمثل الَّذِي ينعق بِمَا لَا يسمع إِلَّا دُعَاء ونداء صم بكم عمي فهم لَا يعْقلُونَ (١٧١) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ آبَاءَهُم وآباؤهم لَا يعْقلُونَ شَيْئا وَلَا يَهْتَدُونَ؟ ! وَفِي هَذَا نهي عَن تَقْلِيد الْآبَاء فِي الدّين.

стр. 316

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمثل الَّذين كفرُوا كَمثل الَّذِي ينعق بِمَا لَا يسمع إِلَّا دُعَاء﴾ النعق: صَوت الرَّاعِي بالغنم قَالَ الأخطل. (فانعق بضأنك يَا جرير فَإِنَّمَا ... منتك نَفسك فِي الْخَلَاء ضلالا) وَفِي الْآيَة مَحْذُوف مقدره. وتقديرها: مثل الْكفَّار وَمثلك يَا مُحَمَّد فِي دُعَائِهِمْ كَمثل الرَّاعِي ينعق بالغنم وَهِي لَا تسمع إِلَّا صَوتا وَلَا تفهم إِلَّا دُعَاء. ﴿ونداء صم بكم عمي فهم لَا يعْقلُونَ﴾ وَقيل: مَعْنَاهُ: مثل الْكفَّار فِي دُعَاء الْأَصْنَام. على هَذَا القَوْل إِشْكَال لِأَن؛ الْأَصْنَام لَا يسمعُونَ النداء وَلَا الدُّعَاء. وَكَيف يكون مثلا أَن يسمع ذَلِك كَمثل الَّذِي ينعق بِمَا لَا يسمع كَمَا بَينا؟ قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: أَرَادَ بِالَّذِي ينعق: الصائح فِي الْجَبَل يَصِيح فَيسمع صَوتا؛ وَهُوَ الصدى. وَلَيْسَ هُنَاكَ مَعْقُول وَلَا مَفْهُوم. وَضرب الْمثل بِهِ للْكفَّار فِي قلَّة الْفَهم وَالْعقل.

стр. 317

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كلوا من طَيّبَات مَا رزقناكم﴾ وَفِي الْخَبَر عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " أَمر الله الْمُؤمنِينَ بِمَا أَمر بِهِ الْمُرْسلين فَقَالَ: ﴿يَا أَيهَا الرُّسُل كلوا من الطَّيِّبَات﴾ وَقَالَ للْمُؤْمِنين ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كلوا من طَيّبَات مَا رزقناكم واشكروا لله﴾ " وَقد ذكرنَا معنى الطَّيِّبَات.

стр. 318

﴿كلوا من طَيّبَات مَا رزقناكم واشكروا لله إِن كُنْتُم إِيَّاه تَعْبدُونَ (١٧٢) إِنَّمَا حرم عَلَيْكُم الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير وَمَا أهل بِهِ لغير الله فَمن اضْطر غير بَاغ وَلَا﴾ ﴿واشكروا لله إِن كُنْتُم إِيَّاه تَعْبدُونَ﴾ يَعْنِي: أَنكُمْ كَمَا تعبدونه على الإلهية، فاشكروه على الْإِحْسَان.

стр. 319

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا حرم عَلَيْكُم الْميتَة﴾ " إِنَّمَا " لنفي وَالْإِثْبَات؛ لِأَنَّهَا مركبة من حرفي النَّفْي وَالْإِثْبَات " فَإِن " للإثبات " وَمَا " للنَّفْي. تَقول: إِن فِي الدَّار زيدا. يفهم مِنْهُ وجود زيد فِي الدَّار. فَإِذا قلت: " إِنَّمَا زيد فِي الدَّار " يفهم مِنْهُ أَنه لَا أحد فِي الدَّار إِلَّا زيد. وَأما الْميتَة: اسْم لما خرج روحه من غير ذَكَاة ﴿وَالدَّم﴾ مَعْرُوف وَفِيهِمَا تَخْصِيص؛ فَإِن الشَّرْع أَبَاحَ من الْميتَة: السّمك وَالْجَرَاد، وَمن الدِّمَاء: الكبد وَالطحَال. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلحم الْخِنْزِير﴾ أَي: الْخِنْزِير بِلَحْمِهِ وشحمه وَجَمِيع أَجْزَائِهِ. ﴿وَمَا أهل بِهِ لغير الله﴾ أَي: ذبح على اسْم الْأَصْنَام، وأصل الإهلال: رفع الصَّوْت، وَكَانُوا يرفعون أَصْوَاتهم على الذَّبَائِح، قَالَ ابْن أَحْمَر: (يهل بالفرقد ركبانها ... كَمَا يهل الرَّاكِب الْمُعْتَمِر) قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن اضْطر﴾ يقْرَأ بقراءتين: بِكَسْر النُّون، ورفعها، فَمن قَرَأَ بِالْكَسْرِ فَهُوَ على الأَصْل وَمن قَرَأَ بِالضَّمِّ فَلَا تبَاع ضمة الطَّاء، والاضطرار إِلَى أكل الْميتَة ﴿غير بَاغ وَلَا عَاد﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس وَمُجاهد: غير بَاغ أَي: غير خَارج على السُّلْطَان. ﴿وَلَا عَاد﴾ وَلَا مُتَعَدٍّ، عَاص فِي سَفَره. فَفِي هَذَا دَلِيل على أَن العَاصِي فِي سَفَره لَا يترخص بِأَكْل الْميتَة. وَقَالَ الْحسن وَقَتَادَة: ﴿غير بَاغ﴾ أَي: غير طَالب للميتة على الشِّبَع؛ فيأكله تلذذا. ﴿وَلَا عَاد﴾ وَلَا مجاوزا بِأَكْلِهِ حد الْحَاجة. ﴿فَلَا إِثْم عَلَيْهِ إِن الله غَفُور رَحِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 320

﴿عَاد فَلَا إِثْم عَلَيْهِ إِن الله غَفُور رَحِيم (١٧٣) إِن الَّذين يكتمون مَا أنزل الله من الْكتاب ويشترون بِهِ ثمنا قَلِيلا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُون فِي بطونهم إِلَّا النَّار وَلَا يكلمهم﴾
следующие страницы →