Полный текст (8 565 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبنَا وَابعث فيهم رَسُولا مِنْهُم﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا، وَفِي الْخَبَر، أَن النَّبِي قَالَ: " أَنا دَعْوَة أبي إِبْرَاهِيم وبشرى عِيسَى " وَأَرَادَ بدعوة إِبْرَاهِيم هَذَا؛ فَإِنَّهُ دَعَا أَن يبْعَث فِي بني إِسْمَاعِيل رَسُولا مِنْهُم.
قَالَ ابْن عَبَّاس: كل الْأَنْبِيَاء من بني إِسْرَائِيل إِلَّا عشرَة: نوح، وَهود، وَصَالح، وَشُعَيْب، وَلُوط، وَإِبْرَاهِيم، وَإِسْمَاعِيل، وَإِسْحَاق، وَيَعْقُوب، وَمُحَمّد صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ.
وَفِي الْقَصَص: أَن لكل نَبِي مِمَّن مضى [اسْما وَاحِدًا] فِي الْقُرْآن إِلَّا نبين يَعْقُوب وَعِيسَى. أما يَعْقُوب لَهُ اسمان: يَعْقُوب، وَإِسْرَائِيل، وَأما عِيسَى لَهُ اسمان:
стр. 247
﴿اصطفيناه فِي الدُّنْيَا وَإنَّهُ فِي الْآخِرَة لمن الصَّالِحين (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ ربه أسلم قَالَ أسلمت لرب الْعَالمين (١٣١) ووصى بهَا إِبْرَاهِيم بنيه وَيَعْقُوب يَا بني إِن الله﴾ عِيسَى، والمسيح.
﴿يَتْلُو عَلَيْهِم آياتك﴾ يَعْنِي من الْقُرْآن ﴿وَيُعلمهُم الْكتاب﴾ الْقُرْآن ﴿وَالْحكمَة﴾ فِيهَا أَقْوَال:
قيل: الْحِكْمَة فهم الْقُرْآن، وَقَالَ أَبُو بكر بن دُرَيْد صَاحب الجمهرة: الْحِكْمَة كل كلمة زجرتك ووعظتك ونهتك عَن قَبِيح، ودعتك إِلَى حسن، وَقيل: الْحِكْمَة الْفِقْه. وَهَذَا قَول حسن.
﴿ويزكيهم﴾ أَي: يطهرهم، ويجعلهم أزكياء طهرة. وَفِيه قَول آخر: أَنه بِمَعْنى التَّزْكِيَة. يشْهد الرُّسُل بِالنُّبُوَّةِ من سَائِر الْأُمَم وَذَلِكَ أَن مؤمني سَائِر الْأُمَم شهدُوا للرسل بِالنُّبُوَّةِ وتبليغ الرسَالَة فَهَذِهِ الْأمة تزكّى أُولَئِكَ الشُّهُود.
﴿إِنَّك أَنْت الْعَزِيز﴾ قيل: هُوَ الْمُمْتَنع، وَالله مُمْتَنع لَا تناله الْأَيْدِي، وَلَا يصل إِلَيْهِ شَيْء. وَقيل: هُوَ الْقوي الْغَالِب. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وعزني فِي الْخطاب﴾ أَي: غلبني.
وَيُقَال فِي الْمثل: " من عز بز " أَي: من غلب سلب ﴿الْحَكِيم﴾ مَعْلُوم.
стр. 248
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يرغب عَن مِلَّة إِبْرَاهِيم﴾ أَي: طَريقَة إِبْرَاهِيم ﴿إِلَّا من سفه نَفسه﴾ حكى أَبُو عبيد عَن أبي عُبَيْدَة: مَعْنَاهُ: أهلك نَفسه.
وَقَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُ جهل نَفسه، وكل سَفِيه جَاهِل، وَذَلِكَ أَن من جهل نَفسه لم يعرف الله.
وَفِي الْأَخْبَار: أَن الله تَعَالَى أوحى إِلَى دَاوُد: اعرف نَفسك واعرفني. فَقَالَ
стр. 249
﴿اصْطفى لكم الدّين فَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ (١٣٢) أم كُنْتُم شُهَدَاء إِذْ حضر يَعْقُوب الْمَوْت إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبدُونَ من بعدِي قَالُوا نعْبد إلهك وإله آبَائِك﴾
يَا رب كَيفَ أعرف نَفسِي، وَكَيف أعرفك؟ فَأوحى الله إِلَيْهِ: اعرف نَفسك بالضعف وَالْعجز والفناء، واعرفني بِالْقُوَّةِ وَالْقُدْرَة والبقاء.
وَقيل: مَعْنَاهُ سفه نَفسه وَجعله سَفِيها، وَفِيه قَول رَابِع: مَعْنَاهُ سفه فِي نَفسه، فَحذف كلمة " فِي " فَصَارَ: سفه نَفسه.
﴿وَلَقَد اصطفيناه﴾ اخترناه ﴿فِي الدُّنْيَا وَإنَّهُ فِي الْآخِرَة لمن الصَّالِحين﴾ من الْأَنْبِيَاء.
стр. 250
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ ربه أسلم﴾ يَعْنِي أَي: استسلم وأخلص عبادتك لله.
﴿قَالَ أسلمت لرب الْعَالمين﴾ أخلصت وفوضت إِلَيْهِ.
قَالَ ابْن عَبَّاس: وَقد حقق التَّفْوِيض إِلَيْهِ، وَلم يستعن بِأحد من الْمَلَائِكَة حِين ألْقى فِي النَّار.
стр. 251
قَوْله تَعَالَى: ﴿ووصى بهَا إِبْرَاهِيم بنيه وَيَعْقُوب﴾ قرىء " وَأوصى " من الْإِيصَاء. " ووصى " من التوصية وَهِي للْمُبَالَغَة والتكثير، يَعْنِي أوصى إِبْرَاهِيم بنيه. وَأوصى يَعْقُوب بنيه. ﴿يَا بني إِن الله اصْطفى لكم الدّين﴾ اخْتَار لكم دين الْإِسْلَام ﴿فَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ﴾ فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: فَلَا تموتمن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ وَلَيْسَ بيدهم أَن لَا يموتوا إِلَّا مُسلمين؟
قيل مَعْنَاهُ: داوموا على الْإِسْلَام حَتَّى لَا يصادفكم الْمَوْت. إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ، وَهَذَا كَقَوْل الْقَائِل: لَا أريتك تفعل كَذَا مَعْنَاهُ: لَا تفعل كَذَا، حَتَّى لَا أَرَاك وَأَنت فَاعل لَهُ.
стр. 252
﴿إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق إِلَهًا وَاحِدًا وَنحن لَهُ مُسلمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أمة قد خلت لَهَا مَا كسبت وَلكم مَا كسبتم وَلَا تسْأَلُون عَمَّا كَانُوا يعْملُونَ (١٣٤) وَقَالُوا﴾
стр. 253
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم كُنْتُم شُهَدَاء﴾ بِمَعْنى: أَكُنْتُم شُهَدَاء وَالْمرَاد بِهِ مَا كُنْتُم شُهَدَاء.
﴿إِذا حضر يَعْقُوب الْمَوْت﴾ أَي: مَا كُنْتُم حضورا حِين قرب يَعْقُوب من الْمَوْت.
﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ﴾ وهم اثْنَا عشر سبطا. على مَا سَيَأْتِي ﴿مَا تَعْبدُونَ من بعدِي﴾ أَي: أيش تَعْبدُونَ من بعدِي ﴿قَالُوا نعْبد إلهك وإله آبَائِك إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب إِلَهًا وَاحِدًا وَنحن لَهُ مُسلمُونَ﴾ وَقَرَأَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَعَاصِم الجحدري. " وإله أَبِيك " كَأَنَّهُ على هَذِه الْقِرَاءَة لم يَجْعَل الْعم وَلَا الْجد أَبَا.
وَالْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة " وإله آبَائِك " فَجعل الْجد وَالْعم أباء.
وَإِبْرَاهِيم هُوَ الْجد وَإِسْمَاعِيل هُوَ الْعم. وَقد سمى رَسُول الله عَمه الْعَبَّاس أَبَا حَيْثُ قَالَ: " إِنَّه من بَقِيَّة آبَائِي ". وَقَالَ: " ردوا على أبي كَيْلا تفعل بِهِ قُرَيْش مَا فعلت ثَقِيف بِعُرْوَة بن مَسْعُود " وَذَلِكَ أَنهم قَتَلُوهُ.
стр. 254
قَوْله تَعَالَى: ﴿تِلْكَ أمة قد خلت﴾ أَي: مَضَت ﴿لَهَا مَا كسبت وَلكم مَا كسبتم وَلَا تسْأَلُون عَمَّا كَانُوا يعلمُونَ﴾ مَعْنَاهُ: يجازي كل بِكَسْبِهِ، وَيسْأل كل عَن عمله. وَالله أعلم.
стр. 255
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا كونُوا هودا أَو نَصَارَى﴾ هود جمع هائد، وَهُوَ مثل حَائِل وحول. وَقيل: كَانَ أَصله كونُوا يهودا فحذفت الْيَاء فَصَارَ: هودا.
وَقيل: هود مصدرها يهود هودا، فَهُوَ مصدر بِمَعْنى الْجمع كَمَا يُقَال: قوم صَوْم
стр. 256
﴿كونُوا هودا أَو نَصَارَى تهتدوا قل بل مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا وَمَا كَانَ من الْمُشْركين (١٣٥) قُولُوا آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا وَمَا أنزل إِلَى إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق﴾ وَقوم فطر.
وَمَعْنَاهُ: قَالَت الْيَهُود: كونُوا يهودا وَقَالَت النَّصَارَى كونُوا نَصَارَى فَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى ﴿كونُوا هودا أَو نَصَارَى تهتدوا﴾ .
﴿قل بل مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا﴾ قَرَأَ الْأَعْرَج " بل مِلَّة " بِالرَّفْع. وَمَعْنَاهُ بل ملتنا مِلَّة إِبْرَاهِيم.
وَالْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة: ﴿بل مِلَّة إِبْرَاهِيم﴾ أَي: بل نتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم.
وَقيل: مَعْنَاهُ: بل نَكُون على مِلَّة إِبْرَاهِيم، فَحذف " على " فَصَارَ مَنْصُوبًا.
قَالَ الْكسَائي: هُوَ نصب على الإغراء كَأَنَّهُ يَقُول: اتبعُوا مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا، وَأما الحنيف: هُوَ الْمُسلم، وَأَصله الْميل، وَمِنْه الْأَحْنَف وَهُوَ: المائل الْقدَم، وَالْمُسلم مائل من سَائِر الْأَدْيَان إِلَى مِلَّة الْإِسْلَام.
وَقيل: مَعْنَاهُ الْمُسْتَقيم، فَسَماهُ حَنِيفا على الضِّدّ كَمَا يُقَال للمهلكة: مفازة وللديغ سليم.
وَقيل: الحنيف هُوَ الْحَاج المختتن؛ وَذَلِكَ أَنه لم يبْق مَعَ الْعَرَب من مِلَّة إِبْرَاهِيم إِلَّا الْحَج والختان، وَكَانُوا يعْرفُونَ كل من حج واختتن على مِلَّة إِبْرَاهِيم، وَعرفُوا الرجل بذلك حَنِيفا. فَقَالَ: بل مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا على وفْق مَا عرفُوا ﴿وَمَا كَانَ من الْمُشْركين﴾ .
стр. 257
قَوْله تَعَالَى: ﴿قُولُوا آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا وَمَا أنزل إِلَى إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب والأسباط وَمَا أُوتى مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتى النَّبِيُّونَ من رَبهم﴾ .
قَالَ الضَّحَّاك: علمُوا أَوْلَادكُم أَسمَاء الْأَنْبِيَاء الْمَذْكُورين فِي الْقُرْآن كي يُؤمنُوا بهم، وَلَا تظنوا أَن الْإِيمَان بِمُحَمد يَكْفِي عَن الْإِيمَان بِسَائِر الْأَنْبِيَاء.
стр. 258
﴿وَيَعْقُوب والأسباط وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ من رَبهم لَا نفرق بَين أحد مِنْهُم وَنحن لَهُ مُسلمُونَ (١٣٦) فَإِن آمنُوا بِمثل مَا أمنتم بِهِ فقد اهتدوا وَإِن﴾
وَفِي الْخَبَر: " أَن النَّبِي قَرَأَ فِي الرَّكْعَة الأولى من رَكْعَتي الْفجْر هَذِه الْآيَة قَوْله تَعَالَى ﴿آمنا بِاللَّه﴾ إِلَى آخرهَا. وَقَرَأَ فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة ﴿قل آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل علينا﴾ إِلَى آخرهَا ". أخرجه مُسلم فِي الصَّحِيح.
حكى عَن السّلف أَنهم كَانُوا إِذا قيل للرجل مِنْهُم: [أمؤمن أَنْت] ؟ قَرَأَ ﴿آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا﴾ الْآيَة.
وَأما الأسباط: هم اثْنَا عشر سبطا وهم أَوْلَاد يَعْقُوب والأسباط فِي بني إِسْرَائِيل كالقبائل فِي [الْعَرَب] .
وَقيل: السبط: الشّجر، سمى بذلك لِكَثْرَة فروعه.
﴿لَا نفرق بَين أحد مِنْهُم وَنحن لَهُ مُسلمُونَ﴾ أَي: نؤمن بِالْكُلِّ، وَلَا نفضل الْبَعْض عَن الْبَعْض.
стр. 259
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن آمنُوا بِمثل مَا آمنتم بِهِ﴾ قَرَأَ ابْن عَبَّاس " بِالَّذِي آمنتم بِهِ " وَهُوَ الْمَعْنى. فَقيل مَعْنَاهُ: بِمَا أمنتم بِهِ.
والمثل: ضد كَمَا فِي قَوْله: ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ وَمَعْنَاهُ: لَيْسَ كَهُوَ شَيْء.
قَالَ الشَّاعِر:
(يَا عاذلي دَعْنِي عَن عذلكا ... مثلي لَا يقبل من مثلكا)
стр. 260
﴿توَلّوا فَإِنَّمَا هم فِي شقَاق فَسَيَكْفِيكَهُم الله وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم (١٣٧) صبغة الله وَمن أحسن من الله صبغة وَنحن لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨) ﴾
أَي: لَا يقبل مِنْك.
وَقَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُ فَإِن أَتَوا بِإِيمَان كإيمانكم، وتصديق كتصديقكم، وتوحيد كتوحيدكم، وَقَالَ أَبُو معَاذ النَّحْوِيّ: مَعْنَاهُ فَإِن آمنُوا بِكِتَابِكُمْ كَمَا آمنتم بِكِتَابِهِمْ.
﴿فقد اهتدوا وَإِن توَلّوا فَإِنَّمَا هم فِي شقَاق﴾ أَي: مُنَازعَة؛ لِأَن كل مُنَازع يكون فِي شقّ آخر عِنْد الْمُنَازعَة.
﴿فَسَيَكْفِيكَهُم الله وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم﴾ وعده أَن يَكْفِيهِ شرهم، وَقد كفى بإجلاء بني النَّضِير وَقتل بني قُرَيْظَة، وَضرب الْجِزْيَة على الْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَقتل الْمُشْركين.
(وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم) ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 261
قَوْله تَعَالَى: ﴿صبغة الله﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة الْكَلْبِيّ وَقَتَادَة، وَالْحسن، وَعِكْرِمَة، والسدى: مَعْنَاهُ: دين الله. وَإِنَّمَا سَمَّاهُ صبغة؛ لِأَنَّهُ يظْهر أثر الدّين على المتدين كَمَا يظْهر أثر الصَّبْغ على الثَّوْب.
وَقَالَ مُجَاهِد: مَعْنَاهُ: فطْرَة الله. وَهَذَا يقرب من الأول.
وَقيل: أَرَادَ بِهِ الْخِتَان. وَقَوله (صبغة الله) أَي: تَطْهِير الله بالختان، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ صبغة؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهُ مقَام فعل النَّصَارَى، وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا يصبغون الْوَلَد فِي مَاء أصفر بدل الْخِتَان فِي زِيّ الْيَهُود. ويعدونه تَطْهِيرا للْوَلَد فَالله تَعَالَى أَقَامَ التَّطْهِير بالختان فِي حق الْمُسلمين مقَام مَا صبغوا.
قَالَ الْكسَائي: هُوَ نصب على الإغراء وَتَقْدِيره: ألزموه دين الله. وَمن أحسن من الله دينا، أَو ألزموا تَطْهِير الله ﴿وَمن أحسن من الله صبغة﴾ أَي: تَطْهِيرا ﴿وَنحن لَهُ عَابِدُونَ﴾ .
стр. 262
﴿قل أتحاجوننا فِي الله وَهُوَ رَبنَا وربكم وَلنَا أَعمالنَا وَلكم أَعمالكُم وَنحن لَهُ مخلصون (١٣٩) أم تَقولُونَ إِن إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب والأسباط
стр. 263
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل أتحاجوننا فِي الله وَهُوَ رَبنَا وربكم﴾ والمحاجة: المجادلة بِالْحجَّةِ لإِظْهَار الْحق.
نزلت فِي الْيَهُود ونصارى نَجْرَان حَيْثُ حاجوا رَسُول الله وَقَالُوا: ديننَا أقدم من دينكُمْ وَكِتَابنَا أقدم من كتابكُمْ، فَنحْن أولى بِاللَّه مِنْكُم، فَنزل قَوْله: قل يَا مُحَمَّد ﴿أتحاجوننا فِي الله وَهُوَ رَبنَا وربكم﴾ أَي: نَحن وَأَنْتُم سَوَاء فِي الله فَإِنَّهُ رَبنَا وربكم.
(وَلنَا أَعمالنَا وَلكم أَعمالكُم) أَي: نجازي بأعمالنا وتجازون بأعمالكم (وَنحن لَهُ مخلصون) يَعْنِي: كَيفَ تدعون أَنكُمْ أولى بِاللَّه وَنحن لَهُ مخلصون وَأَنْتُم بِهِ مشركون؟
стр. 264
قَوْله تَعَالَى ﴿أم تَقولُونَ﴾ يَعْنِي: أتقولون؟ والصيغة صِيغَة الِاسْتِفْهَام، وَمَعْنَاهُ التوبيخ يَعْنِي أتقولون (إِن إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب والأسباط كَانُوا هودا أَو نَصَارَى) . وَذَلِكَ أَنهم ادعوا أَن هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاء كَانُوا يهودا أَو نَصَارَى.
﴿قل أأنتم أعلم أم الله﴾ وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى قد أعلم الْمُسلمين أَنهم كَانُوا على الدّين الحنيفية وَمَا كَانَ يهودا وَلَا نَصَارَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيم يَهُودِيّا وَلَا نَصْرَانِيّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفا مُسلما﴾ .
﴿وَمن أظلم مِمَّن كتم شَهَادَة عِنْده من الله﴾ فِيهِ قَولَانِ:
أَحدهمَا: أَنه أَرَادَ بِهِ أَن الله تَعَالَى قد أشهدهم فِي كتبهمْ عَليّ أَن إِبْرَاهِيم كَانَ على الدّين الحنيفية، وَلم يكن يَهُودِيّا وَلَا نَصْرَانِيّا؛ فَكَتَمُوا تِلْكَ الشَّهَادَة.
وَقيل أَرَادَ بِالشَّهَادَةِ على نعت مُحَمَّد.
﴿وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أَي: لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء مِمَّا تَعْمَلُونَ.
стр. 265
قَوْله تَعَالَى: (تِلْكَ أمة قد خلت) أَي: مَضَت ﴿لَهَا مَا كسبت وَلكم مَا
стр. 266
﴿كَانُوا هودا أَو نَصَارَى قل أأنتم أعلم أم الله وَمن أظلم مِمَّن كتم شَهَادَة عِنْده من الله وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أمة قد خلت لَهَا مَا كسبت وَلكم مَا كسبتم وَلَا تسْأَلُون عَمَّا كَانُوا يعْملُونَ (١٤١) سَيَقُولُ السُّفَهَاء من النَّاس مَا ولاهم﴾ ﴿كسبتم وَلَا تسْأَلُون عَمَّا كَانُوا يعْملُونَ﴾ يَعْنِي: أَنكُمْ غير مسؤولين عَن أَعْمَالهم بل هم المسئولون.
فَإِن قيل: هَذَا تكْرَار؛ فَإِنَّهُ قد ذكره مرّة.
قُلْنَا: أما الأول: كَانَ فِي الْأَنْبِيَاء الَّذين سبق ذكرهم. وَهَذَا الثَّانِي: فِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى الَّذِي سبق ذكرهم فِي هَذِه الْآيَات. أَو كَرَّرَه تَأْكِيدًا.
وَحكى عَن بعض الْعلمَاء أَنه سُئِلَ عَمَّا وَقع من الْفِتَن بَين عَليّ وَمُعَاوِيَة وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعَائِشَة رضوَان الله عَلَيْهِم - فَقَرَأَ ﴿تِلْكَ أمة قد خلت لَهَا مَا كسبت وَلكم مَا كسبتم﴾ الْآيَة وَهَذَا جَوَاب حسن فِي مثل هَذَا السُّؤَال.
стр. 267
قَوْله تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاء من النَّاس﴾ أَي: يَقُول السُّفَهَاء الْجُهَّال، وَالسَّفِيه: خَفِيف الْحلم وَالْعقل. وَمِنْه الثَّوْب يَعْنِي السَّفِيه وَيُقَال: رمح سَفِيه، أَي: سريع النّفُوذ.
﴿مَا ولاهم﴾ مَا عدلهم وحرفهم ﴿عَن قبلتهم الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ يَعْنِي: بَيت الْمُقَدّس ﴿قل لله الْمشرق وَالْمغْرب﴾ يُوَجه الْعباد إِلَى أَيهمَا شَاءَ ﴿يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ أَي: طَرِيق مُسْتَقِيم. وَالطَّرِيق الْمُسْتَقيم: هُوَ الْموصل إِلَى الْمَقْصُود.
وَنزلت الْآيَة فِي الْيَهُود؛ حَيْثُ عيروا الْمُسلمين على تحويلهم من بَيت الْمُقَدّس إِلَى الْكَعْبَة.
стр. 268
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ﴾ يَعْنِي: كَمَا اخترنا الْأَنْبِيَاء واخترنا بني إِسْرَائِيل من الْخلق فَكَذَلِك اخترناكم من الْأُمَم. (أمة وسطا) أَي: عدلا خيارا. قَالَ الشَّاعِر:
стр. 269
﴿عَن قبلتهم الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قل لله الْمشرق وَالْمغْرب يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم (١٤٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس وَيكون﴾
(هم وسط يرضى الْأَنَام بحكمهم ... إِذا نزلت إِحْدَى اللَّيَالِي بمعظم)
وَفِي الْخَبَر أَن النَّبِي قَالَ: " إِنَّكُم توفون سبعين أمة أَنْتُم خَيرهَا وأعدلها "
وَقد ورد فِي الْخَبَر عَنهُ أَنه قَالَ: " خير الدّين النمط الْأَوْسَط " يَعْنِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ غلو وَلَا تَقْصِير. وَذَلِكَ دين الْإِسْلَام؛ لِأَن النَّصَارَى غلوا فِي دينهم، وَالْيَهُود قصروا. وَأما الْمُسلمُونَ أخذُوا بالنمط الْأَوْسَط.
(لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس) وَذَلِكَ يَوْم الْقِيَامَة، حِين يسْأَل الْأُمَم عَن إبلاغ الرُّسُل، فينكرون تبليغهم الرسَالَة. فَيسْأَل الرُّسُل فَيَقُولُونَ: بلغنَا، فَيُقَال لَهُم: وَمن يشْهد لكم؟ فَيَأْتُونَ بِهَذِهِ الْأمة فَيَشْهَدُونَ لَهُم بالبلاغ. فَتَقول الْأُمَم: إِنَّهُم أَتَوا بَعدنَا فَكيف يشْهدُونَ بذلك؟ فَيسْأَل هَذِه الْأمة. فَيَقُولُونَ: أرْسلت إِلَيْنَا رَسُولا، وأنزلت علينا كتابا، وأخبرتنا فِيهِ ببلاغ الرُّسُل، وَأَنت صَادِق فِيمَا أخْبرت، فبذلك نشْهد لَهُم بالبلاغ.
(وَيكون الرَّسُول عَلَيْكُم شَهِيدا) على أَعمالكُم.
وَقيل: مَعْنَاهُ مزكيا مُصدقا عَليّ شهادتكم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا جعلنَا الْقبْلَة الَّتِي كنت عَلَيْهَا﴾ أَي: مَا حولنا الْقبْلَة من بَيت الْمُقَدّس إِلَى الْكَعْبَة ﴿إِلَّا لنعلم من يتبع الرَّسُول مِمَّن يَنْقَلِب على عَقِبَيْهِ﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: مَا معنى قَوْله: ﴿إِلَّا لنعلم﴾ وَهُوَ عَالم بالأشياء قبل كَونهَا؟
стр. 270
﴿الرَّسُول عَلَيْكُم شَهِيدا وَمَا جعلنَا الْقبْلَة الَّتِي كنت عَلَيْهَا إِلَّا لنعلم من يتبع الرَّسُول مِمَّن يَنْقَلِب على عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَت لكبيرة إِلَّا على الَّذين هدى الله وَمَا كَانَ الله﴾
قُلْنَا بلَى كَانَ عَالما بِهِ علم الْغَيْب، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا: الْعلم الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ الثَّوَاب وَالْعِقَاب، وَهُوَ الْعلم بِوُجُود الأتباع؛ فَإِن كَونه مَوْجُودا إِنَّمَا يعلم بعد الْوُجُود.
وَقيل: مَعْنَاهُ إِلَّا لنرى، وَهُوَ قريب من الأول.
وَقيل: الِابْتِلَاء مُضْمر فِيهِ، وَتَقْدِيره: إِلَّا لنبتلي فَيظْهر المتبع من المنقلب، وَفِي الْخَبَر: " أَن الْقبْلَة لما حولت إِلَى الْكَعْبَة، ارْتَدَّ قوم من الْمُسلمين إِلَى الْيَهُودِيَّة، وَقَالُوا: إِن مُحَمَّدًا رَجَعَ إِلَى دين آبَائِهِ ". فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿مِمَّن يَنْقَلِب على عَقِبَيْهِ﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِن كَانَت لكبيرة﴾ لثقيلة.
قيل: مَعْنَاهُ: وَإِن كَانَت الْقبْلَة لكبيرة. قَالَ الزّجاج: وَإِن كَانَت التحويلة لكبيرة.
﴿إِلَّا على الَّذين هدى الله﴾ أَي: هدَاهُم الله. ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ﴾ نزل هَذَا فِي قوم مُعينين. ذَلِك مَا روى: " أَن الْقبْلَة لما حولت سَأَلَ قوم رَسُول الله فَقَالُوا: إِن قوما منا كَانُوا قد صلوا إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وماتوا، فَمَا شَأْنهمْ؟ مِنْهُم أسعد بن زُرَارَة، وَأَبُو أُمَامَة والبراء بن معْرور فَنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ﴾ أَي: صَلَاتكُمْ فَجعل الصَّلَاة إِيمَانًا، وَهَذَا دَلِيل على المرجئة؛ حَيْثُ لم يجْعَلُوا الصَّلَاة من الْإِيمَان. وَإِنَّمَا سموا مرجئة لأَنهم أخروا الْعلم عَن الْإِيمَان.
وَحكى: أَن أَبَا يُوسُف شهد عِنْد شريك بن عبد الله القَاضِي فَرد شَهَادَته، قيل لَهُ أترد شَهَادَة يَعْقُوب؟ فَقَالَ: كَيفَ أقبل شَهَادَة من يَقُول: إِن الصَّلَاة لَيست من الْإِيمَان؟ ! .
وَقيل: معنى قَوْله: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ﴾ بالتحويل.
﴿إِن الله بِالنَّاسِ لرءوف رَحِيم﴾ والرأفة: أَشد الرَّحْمَة.
стр. 271
قَوْله تَعَالَى: ﴿قد نرى تقلب وَجهك فِي السَّمَاء﴾ هَذِه الْآيَة وَإِن كَانَت
стр. 272
﴿لِيُضيع إيمَانكُمْ إِن الله بِالنَّاسِ لرءوف رَحِيم (١٤٣) قد نرى تقلب وَجهك فِي السَّمَاء فلنولينك قبْلَة ترضاها فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام وَحَيْثُ مَا كُنْتُم﴾ مُتَأَخِّرَة فِي التِّلَاوَة لَكِنَّهَا مُتَقَدّمَة فِي الْمَعْنى؛ فَإِنَّهَا رَأس الْقِصَّة.
وَسبب نزُول الْآيَة مَا روى جَابر: " أَن النَّبِي بعد مَا قدم الْمَدِينَة صلى إِلَى بَيت الْمُقَدّس سِتَّة عشر شهرا أَو سَبْعَة عشر شهرا وَكَانَ يود أَن يحوله الله إِلَى الْكَعْبَة فَكَانَ يَقُول لجبريل: وددت لَو حولني الله إِلَى الْكَعْبَة؛ فَإِنَّهَا قبْلَة أبي إِبْرَاهِيم، وَكَانَ يَقُول لجبريل: سل رَبك فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل: سل أَنْت فَإنَّك عِنْد الله بمَكَان، وَكَانَ كلما نزل جِبْرِيل تردد وَجهه فِي السَّمَاء؛ رَجَاء أَن ينزل بالنسخ ".
قَالَ السدى: إِنَّه كلما افْتتح صَلَاة، كَانَ يردد وَجهه فِي السَّمَاء رَجَاء أَن يحوله الله إِلَى الْكَعْبَة، فأقامه الله عَلَيْهِ سِتَّة عشر شهرا، ثمَّ نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿قد نرى تقلب وَجهك فِي السَّمَاء فلنولينك قبْلَة ترضاها﴾ أَي: تودها وتهواها؛ لِأَن الْقبْلَة الأولى كَانَت [ترضيه] أَيْضا.
﴿فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ أَي نَحْو الْبَيْت.
﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره﴾ أَي: نَحوه. وَفِي الْخَبَر أَن النَّبِي قَالَ: " هَذِه الْقبْلَة وَأَشَارَ إِلَى الْبَيْت ".
﴿وَإِن الَّذين أُوتُوا الْكتاب ليعلمون أَنه الْحق من رَبهم﴾ يَعْنِي التَّحْوِيل إِلَى الْكَعْبَة ﴿وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: أول مَا نسخ بَعْدَمَا قدم الْمَدِينَة هُوَ الْقبْلَة.
стр. 273
﴿فَوَلوا وُجُوهكُم شطره وَإِن الَّذين أُوتُوا الْكتاب ليعلمون أَنه الْحق من رَبهم وَمَا الله بغافل عَمَّا يعْملُونَ (١٤٤) وَلَئِن آتيت الَّذين أُوتُوا الْكتاب بِكُل آيَة مَا تبعوا﴾
وَقيل: أول صَلَاة صليت إِلَى الْكَعْبَة كَانَت صَلَاة الْعَصْر. وروى " أَنَّهَا حولت إِلَى الْكَعْبَة وَكَانُوا فِي الصَّلَاة. وَالصَّحِيح: أَن التَّحْوِيل كَانَ خَارج الصَّلَاة. وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك فِي حق أهل قبَاء؛ فَإِنَّهُم شرعوا فِي صَلَاة الْعَصْر، وَكَانَت صَلَاة الْعَصْر نَحْو بَيت الْمُقَدّس، فَأَتَاهُم آتٍ وَقَالَ: " أشهد أَنِّي صليت هَذِه الصَّلَاة مَعَ رَسُول الله إِلَى الْكَعْبَة؛ فاستداروا إِلَى الْكَعْبَة وبنوا على صلَاتهم ".
стр. 274
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَئِن أتيت الَّذين أُوتُوا الْكتاب بِكُل آيَة مَا تبعوا قبلتك﴾ مَعْنَاهُ: لَو أتيتهم بِكُل معْجزَة مَا تبعوك فِي الْكَعْبَة. ﴿وَمَا أَنْت بتابع قبلتهم﴾ يَعْنِي: قبْلَة الْيَهُود وَالنَّصَارَى (وَمَا بَعضهم بتابع قبْلَة بعض) يَعْنِي: الْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَذَلِكَ أَن قبْلَة الْيَهُود بَيت الْمُقَدّس وَهُوَ الْمغرب، وقبلة النَّصَارَى الْمشرق، وَأما قبْلَة الْمُسلمين هِيَ الْكَعْبَة.
وَقد روى ابْن عمر عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب قبْلَة " قَالَ ابْن عمر: يَعْنِي لأهل الْمشرق. وَصورته أَن يَجْعَل مشرق الشتَاء فِي أقصر يَوْم من السّنة على يسَاره. ومغرب الصَّيف فِي أطول يَوْم من السّنة عَن يَمِينه، فَيكون وَجهه إِلَى الْكَعْبَة وَذَلِكَ بِأَن يتَوَجَّه إِلَى مسْقط قلب الْعَقْرَب حِين يسْقط. فَهَذَا معنى قَوْله: " مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب قبله. . ".
﴿وَلَئِن اتبعت أهواءهم﴾ وَإِن كَانَ الْخطاب مَعَ الرَّسُول، وَلَكِن المُرَاد بِهِ الْأمة كَمَا سبق.
стр. 275
﴿قبلتك وَمَا أَنْت بتابع قبلتهم وَمَا بَعضهم بتابع قبْلَة بعض وَلَئِن اتبعت أهواءهم من بعد مَا جَاءَك من الْعلم إِنَّك إِذا لمن الظَّالِمين (١٤٥) الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم وَإِن فريقا مِنْهُم ليكتمون الْحق وهم يعلمُونَ (١٤٦) الْحق من﴾
﴿من بعد مَا جَاءَك من الْعلم إِنَّك إِذا لمن الظَّالِمين﴾ مَعْلُوم التَّفْسِير.
стр. 276
قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم﴾ قيل: أَرَادَ بِهِ الْقبْلَة. وَقيل: أَرَادَ بِهِ مُحَمَّدًا.
وروى أَن عبد الله بن سَلام قَالَ: معرفتي بِهَذَا النَّبِي أَشد من معرفتي بِابْني. قَالَ لَهُ عمر: وَكَيف ذَاك؟ قَالَ: لِأَنِّي لَا أعرف مَا أحدثت النِّسَاء، وَأعرف أَنه نَبِي حق. فَقَالَ عمر: لله دَرك.
﴿وَإِن فريقا مِنْهُم ليكتمون الْحق وهم يعلمُونَ
стр. 277
الْحق من رَبك فَلَا تكونن من الممترين) أَي: الشاكين.
стр. 278
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلكُل وجهة هُوَ موليها﴾ قَالَ مُجَاهِد: هُوَ موليها وجهة. يَعْنِي: الْقبْلَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم، عَن الْأَخْفَش مَعْنَاهُ: الله موليها.
فَقَوله: " هُوَ " كِنَايَة عَن الله تَعَالَى يَعْنِي: الله مولي الْأُمَم إِلَى قبلتهم. وَقَرَأَ ابْن عَامر: " هُوَ مَوْلَاهَا " أَي: الْمُسْتَقْبل مَصْرُوف إِلَيْهَا.
﴿فاستبقوا الْخيرَات﴾ أَي: بَادرُوا، وَالْمرَاد هَاهُنَا: الْمُبَادرَة إِلَى الْقبُول من الله ﴿أَيْن مَا تَكُونُوا يَأْتِ بكم الله جَمِيعًا إِن الله على كل شَيْء قدير﴾ .
стр. 279
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن حَيْثُ خرجت فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ أَي: نَحوه.
﴿وَإنَّهُ للحق من رَبك﴾ ذكره تَأْكِيدًا للْأولِ ﴿وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ .
стр. 280
﴿رَبك فَلَا تكونن من الممترين (١٤٧) وَلكُل وجهة هُوَ موليها فاستبقوا الْخيرَات أَيْن مَا تَكُونُوا يَأْتِ بكم الله جَمِيعًا إِن الله على كل شَيْء قدير (١٤٨) وَمن حَيْثُ خرجت فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام وَإنَّهُ للحق من رَبك وَمَا الله بغافل عَمَّا﴾
стр. 281
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن حَيْثُ خرجت فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره لِئَلَّا يكون للنَّاس عَلَيْكُم حجَّة﴾ يَعْنِي: الْيَهُود؛ وَذَلِكَ أَنهم قَالُوا: إِن مُحَمَّدًا اتبع قبلتنا، فسيعود إِلَى ملتنا.
﴿إِلَّا الَّذين ظلمُوا﴾ وهم الْمُشْركُونَ. وَقيل: " إِلَّا " بِمَعْنى " وَلَا " الَّذين ظلمُوا وَمثله: قَول الشَّاعِر:
(وكل أَخ مفارقه أَخُوهُ ... لعَمْرو أَبِيك إِلَّا الفرقدان)
يَعْنِي: وَلَا الفرقدان.
وَالصَّحِيح: أَنه اسْتثِْنَاء مُنْقَطع، " وَإِلَّا " بِمَعْنى " لَكِن " الَّذين ظلمُوا يخاصمونكم ويحاجونكم بِالْحجَّةِ الْبَاطِلَة، وَذَلِكَ أَن الْمُشْركين قَالُوا حِين تحولت الْقبْلَة إِلَى الْكَعْبَة: إِنَّه رَجَعَ إِلَى قبلتنا فسيعود إِلَى ملتنا، وَالْحجّة الْبَاطِلَة قد تسمى حجَّة، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿حجتهم داحضة﴾ فَكَأَنَّهُ أبطل حجَّة الْيَهُود بالتحويل إِلَى الْكَعْبَة: ثمَّ أبطل حجَّة الْمُشْركين بِدَلِيل سواهُ.
﴿إِلَّا الَّذين ظلمُوا مِنْهُم فَلَا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عَلَيْكُم ولعلكم تهتدون﴾ قَالَ سعيد بن جُبَير: لَا تتمّ نعْمَته على الْمُسلم إِلَّا بِأَن يدْخلهُ الْجنَّة.
وَفِي الْخَبَر: " أَن النَّبِي سمع رجلا يَقُول الْحَمد لله على الْإِسْلَام، فَقَالَ: لقد حمدت الله على نعْمَة عَظِيمَة ".
стр. 282
قَوْله تَعَالَى: ﴿كَمَا أرسلنَا فِيكُم رَسُولا مِنْكُم﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: الْكَاف للتشبيه فَأَيْنَ الْمُشبه بِهِ؟ قُلْنَا: قَالَ عَليّ رَضِي الله: عَنهُ تَقْدِيره: فاذكره لي، كَمَا
стр. 283
﴿تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمن حَيْثُ خرجت فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره لِئَلَّا يكون للنَّاس عَلَيْكُم حجَّة إِلَّا الَّذين ظلمُوا مِنْهُم فَلَا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عَلَيْكُم ولعلكم تهتدون (١٥٠) كَمَا أرسلنَا﴾ أرسلنَا فِيكُم رَسُولا فَيكون الذّكر على هَذَا القَوْل بِمَعْنى الشُّكْر.
وَقيل: تَقْدِيره: ولأتم نعمتي عَلَيْكُم كَمَا أرسلنَا فِيكُم رَسُولا مِنْكُم، وَذَلِكَ أَن إِبْرَاهِيم صلوَات الله عَلَيْهِ كَانَ قد دَعَا دعوتين: دَعَا أَن يبْعَث فيهم رَسُولا مِنْهُم، ودعا إتْمَام النِّعْمَة على ذُريَّته بالرزق من الثمرات، فَأجَاب إِحْدَى الدعوتين بِأَن بعث فيهم رسلًا، ثمَّ أجَاب الدعْوَة الثَّانِيَة فَقَالَ: ولأتم نعمتي عَلَيْكُم، كَمَا أرسلنَا فِيكُم رَسُولا مِنْكُم.
﴿يَتْلُو عَلَيْكُم آيَاتنَا﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن ﴿ويزكيكم﴾ كَمَا بَينا ﴿ويعلمكم الْكتاب وَالْحكمَة﴾ وَقد ذكرنَا. وَقيل: الْحِكْمَة السّنة، وَقيل: مواعظ الْقُرْآن.
﴿ويعلمكم مَا لم تَكُونُوا تعلمُونَ
стр. 284
فاذكروني أذكركم) قيل: ذكر الله هَاهُنَا بِمَعْنى الْمَدْح وَالثنَاء عَلَيْهِ.
وَفِي الْخَبَر عَن النَّبِي " أَن الله تَعَالَى يَقُول: أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي، وَأَنا مَعَه حِين يذكرنِي، فَإِن ذَكرنِي فِي نَفسه ذكرته فِي نَفسِي، وَإِن ذَكرنِي فِي مَلأ ذكرته فِي مَلأ خير مِنْهُ، وَإِن تقرب إِلَى شبْرًا تقربت إِلَيْهِ ذِرَاعا، وَإِن تقرب إِلَيّ ذِرَاعا، تقربت إِلَيْهِ باعا وَإِن أَتَانِي يمش أَتَيْته هرولة " أخرجه مُسلم فِي الصَّحِيح.
وَقيل: مَعْنَاهُ: فاذكروني كَمَا أرسلنَا، وَهَذَا قريب من قَول عَليّ.
وَقيل: الذّكر من العَبْد الطَّاعَة، وَمن الله الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة. وَمَعْنَاهُ: فاذكروني بِالطَّاعَةِ أذكركم بالمغفرة وَالرَّحْمَة.
﴿واشكروا لي وَلَا تكفرون﴾ يَعْنِي واشكروا لي بِالطَّاعَةِ وَلَا تكفروني بالمعصية. فَإِن من أطَاع الله فقد شكره، وَمن عَصَاهُ فقد كفره.
стр. 285
﴿فِيكُم رَسُولا مِنْكُم يَتْلُو عَلَيْكُم آيَاتنَا ويزكيكم ويعلمكم الْكتاب وَالْحكمَة ويعلمكم مَا لم تَكُونُوا تعلمُونَ (١٥١) فاذكرني أذكركم واشكروا لي وَلَا تكفرون (١٥٢) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة إِن الله مَعَ الصابرين﴾
وَحكى أَن مُوسَى صلوَات الله عَلَيْهِ سَأَلَ ربه فَقَالَ: مَا الشُّكْر الَّذِي يَنْبَغِي لَك؟ فَقَالَ أَن لَا يزَال لسَانك رطبا بذكرى.
следующие страницы →