Полный текст (8 565 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.
стр. 3186
﴿واخفض لَهما جنَاح الذل من الرَّحْمَة وَقل رب ارحمهما كَمَا ربياني صَغِيرا (٢٤) ربكُم أعلم بِمَا فِي نفوسكم إِن تَكُونُوا صالحين﴾ الصَّحِيح بِرِوَايَة سُهَيْل عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي قَالَ: " رغم أَنفه. رغم أَنفه، رغم أَنفه! فَقيل: من يَا رَسُول الله؟ قَالَ: من أدْرك أَبَوَيْهِ على الْكبر أَو أَحدهمَا فَلم يدْخل الْجنَّة ".
وروى عَامر بن ربيعَة أَن رجلا أُتِي النَّبِي فَقَالَ: " إِن أَبَوي قد توفيا، فَهَل بَقِي شَيْء أبرهما بِهِ؟ فَقَالَ: نعم، إِنْفَاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وَالِاسْتِغْفَار لَهما، وَالصَّدَََقَة عَنْهُمَا ".
стр. 3187
قَوْله تَعَالَى: ﴿واخفض لَهما جنَاح الذل من الرَّحْمَة﴾ مَعْنَاهُ: وألن جَانِبك لَهما.
وَعَن عَائِشَة ﵂ أطعهما مَا أمراك. والخفض هُوَ التَّوَاضُع، وَجَنَاح الذل: ترك الاستعلاء. مَأْخُوذ من استعلاء الطَّائِر [بجناحيه] .
وَقَوله: ﴿من الرَّحْمَة﴾ أَي: من الشَّفَقَة والعطف.
وَقَرَأَ عَاصِم الجحدري وَيحيى بن دثار: " واخفض لَهما جنَاح الذل " - بِكَسْر الذَّال - فالذل - بِضَم الذَّال - من التذلل، أَي: كن لَهما كالذليل المقهور، والذل - بِكَسْر الذَّال - من الانقياد وَالطَّاعَة.
وَعَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: كن بَين يديهما كَالْعَبْدِ المذنب بَين يَدي السَّيِّد الْفظ الغليظ.
стр. 3188
﴿فَإِنَّهُ كَانَ للأوابين غَفُورًا (٢٥) وَآت ذَا الْقُرْبَى حَقه والمسكين وَابْن السَّبِيل وَلَا تبذر تبذيرا (٢٦) ﴾
وَقَوله: ﴿وَقل رب ارحمهما كَمَا ربياني صَغِيرا﴾ أَي: كَمَا رحماني بتربيتي صَغِيرا.
стр. 3189
قَوْله تَعَالَى: ﴿ربكُم أعلم بِمَا فِي نفوسكم﴾ أَي: بِمَا فِي قُلُوبكُمْ. وَقَوله: ﴿إِن تَكُونُوا صالحين﴾ أَي: مُطِيعِينَ.
وَقَوله: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ للأوابين غَفُورًا﴾ وَوجه اتِّصَال الْآيَة بِمَا قبلهَا، هُوَ أَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿ربكُم أعلم بِمَا فِي نفوسكم﴾ من العقوق وَالْبر، فَإِن بدرت من بار بدرة من العقوق، فَإِن الله كَانَ للأوابين غَفُورًا يَعْنِي: [للتوابين] غَفُورًا.
وَفِي الأواب أَقْوَال كَثِيرَة، رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: هُوَ الَّذِي يرجع من الشَّرّ إِلَى الْخَيْر، وَعَن سعيد بن الْمسيب: هُوَ الَّذِي كلما أذْنب تَابَ وَإِن كثر، وَعَن عبيد بن عُمَيْر: هُوَ الَّذِي لَا يقوم من مجْلِس حَتَّى يسْتَغْفر الله من ذنُوبه، وَقيل: إِن الأواب هُوَ المسبح، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا جبال أوبي مَعَه﴾ وَعَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر قَالَ: الأواب الَّذِي يُصَلِّي بَين الْمغرب وَالْعشَاء، وَتسَمى الصَّلَاة فِي ذَلِك الْوَقْت صَلَاة الْأَوَّابِينَ، وَعَن عون الْعقيلِيّ قَالَ: الأواب هُوَ الَّذِي يُصَلِّي الضُّحَى، وَعَن السّديّ قَالَ: هُوَ الَّذِي يُذنب سرا وَيَتُوب سرا.
وأصل الأواب: هُوَ الرَّاجِع، قَالَ الشَّاعِر:
(يَوْمَانِ يَوْم مقامات وتفدية ... وَيَوْم سير على الْأَعْدَاء تأويب)
стр. 3190
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآت ذَا الْقُرْبَى حَقه﴾ الْأَكْثَرُونَ على أَن ذَا الْقُرْبَى هَا هُنَا قرَابَة الْإِنْسَان، وَمعنى الْآيَة: الْأَمر بصلَة ذَوي الْأَرْحَام.
وَعَن عَليّ بن الْحُسَيْن قَالَ: ذَا الْقُرْبَى هَا هُنَا قرَابَة الرَّسُول. وَقَوله: ﴿والمسكين﴾
стр. 3191
﴿إِن المبذرين كَانُوا إخْوَان الشَّيَاطِين وَكَانَ الشَّيْطَان لرَبه كفورا (٢٧) وَإِمَّا تعرضن عَنْهُم ابْتِغَاء رَحْمَة من رَبك ترجوها فَقل لَهُم قولا ميسورا (٢٨) ﴾ أَي: السَّائِل الطّواف.
وَقَوله: ﴿وَابْن السَّبِيل﴾ قيل: الْمُنْقَطع بِهِ، وَقيل: الضَّيْف. وَقَوله: ﴿وَلَا تبذر تبذيرا﴾ أَي: لَا تسرف إسرافا.
والتبذير: هُوَ الْإِنْفَاق فِي غير طَاعَة الله تَعَالَى. وَعَن عُثْمَان بن الْأسود قَالَ: كنت أَطُوف مَعَ مُجَاهِد بِالْبَيْتِ فَقَالَ: لَو أنْفق عشرَة آلَاف دِرْهَم فِي طَاعَة الله مَا كَانَ مُسْرِفًا، وَلَو أنْفق درهما وَاحِدًا فِي مَعْصِيّة الله، كَانَ من المسرفين.
стр. 3192
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن المبذرين كَانُوا إخْوَان الشَّيَاطِين﴾ أَي: أشباه الشَّيَاطِين، وَقيل: سماهم إخْوَان الشَّيَاطِين؛ لأَنهم اتبعُوا مَا سَوَّلَ لَهُم الشَّيَاطِين، [وَقيل] لمن اتبع إنْسَانا فِي شَيْء هُوَ أَخُوهُ.
وَقَوله: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَان لرَبه كفورا﴾ أَي: بربه كَافِرًا.
стр. 3193
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا تعرضن عَنْهُم﴾ الْإِعْرَاض صرف الْوَجْه عَن الشَّيْء ( ... .) أَو إِلَى من هُوَ أولى مِنْهُ، أَو لإذلال من يصرف عَنهُ الْوَجْه.
وَقَوله: ﴿ابْتِغَاء رَحْمَة من رَبك﴾ أَي: طلب رزق من رَبك.
وَقَوله: ﴿ترجوها﴾ الرَّجَاء: تَعْلِيق النَّفس بِمن تطلب مِنْهُ الْخَيْر. وَعَن عَليّ ﵁ قَالَ: لَا ترجون إِلَّا رَبك، وَلَا تخافن إِلَّا من رَبك.
стр. 3194
﴿وَلَا تجْعَل يدك مغلولة إِلَى عُنُقك وَلَا تبسطها كل الْبسط فتقعد ملوما محسورا (٢٩) ﴾
وَقَوله: ﴿فَقل لَهُم قولا ميسورا﴾ الْيُسْر: ضد الْعسر، والميسور هَا هُنَا هُوَ الْعدة فِي قَول أَكثر الْمُفَسّرين. وَهُوَ أَن يَقُول: يأتينا شَيْء فَنُعْطِيه. وَعَن سُفْيَان الثَّوْريّ قَالَ: عدَّة النَّبِي دين، وَقيل: القَوْل الميسور هُوَ أَن تَقول: يرزقنا الله وَإِيَّاك، أَو يَقُول: بَارك الله فِيك.
وَاعْلَم أَن الْآيَة خطاب مَعَ النَّبِي، وَقد كَانَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم يسألونه، وَكَانَ يكره الرَّد وَلَيْسَ عِنْده شَيْء يعْطى، فَجعل يمسك من القَوْل، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة ﴿فَقل لَهُم قولا ميسورا﴾ .
стр. 3195
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تجْعَل يدك مغلولة إِلَى عُنُقك﴾ الْآيَة. روى ابْن مَسْعُود: " أَن امْرَأَة بعثت غُلَاما إِلَى رَسُول الله تسأله شَيْئا، فَقَالَ النَّبِي: لَيْسَ عِنْدِي شَيْء، فَرجع الْغُلَام وَذكر لَهَا؛ فَردَّتْ الْغُلَام وَقَالَت: سَله قَمِيصه الَّذِي هُوَ لابسه، فَسَأَلَهُ فَأعْطَاهُ ذَلِك، وَبَقِي فِي الْبَيْت بِلَا قَمِيص، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة ".
وَقَوله: ﴿وَلَا تجْعَل يدك مغلولة إِلَى عُنُقك﴾ أَي: لَا تبخل، وَالْكَلَام على وَجه التَّمْثِيل فَجعل الْبَخِيل الممسك كمن يَده مغلولة إِلَى عُنُقه.
وَقَوله: ﴿وَلَا تبسطها كل الْبسط﴾ أَي: لَا تسرف فِي الْإِعْطَاء.
وَقَوله: ﴿فتقعد ملوما محسورا﴾ والملوم: هُوَ الَّذِي أَتَى بِمَا يلوم بِهِ نَفسه ويلومه غَيره، والمحسور هُوَ الْمُنْقَطع بِهِ الَّذِي قد ذهب مَاله، وَبَقِي ذَا حسرة، يُقَال: دَابَّة حسير إِذا أعيت من السّير فَقَامَتْ بالراكب. فَمَعْنَى الْآيَة لَا تحمل على نَفسك كل الْحمل فِي الْإِعْطَاء، فَتَصِير بِمَنْزِلَة من بلغت بِهِ النِّهَايَة فِي التَّعَب والإعياء.
قَالَ قَتَادَة: محسورا أَي: نَادِما. وأنشدوا فِي الدَّابَّة الحسير:
стр. 3196
﴿إِن رَبك يبسط الرزق لمن يَشَاء وَيقدر إِنَّه كَانَ بعباده خَبِيرا بَصيرًا (٣٠) وَلَا تقتلُوا أَوْلَادكُم خشيَة إملاق نَحن نرزقكم وَإِيَّاكُم إِن قَتلهمْ كَانَ خطئا كَبِيرا (٣١) وَلَا تقربُوا الزِّنَى إِنَّه كَانَ فَاحِشَة وساء سَبِيلا (٣٢) ﴾
(لَهُ ديك حسري ... فَأَما عظامها فبيض ... وَأما جلدهَا فصليب)
стр. 3197
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن رَبك يبسط الرزق لمن يَشَاء وَيقدر إِنَّه كَانَ بعباده خَبِيرا بَصيرًا﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وَقد بَينا معنى الْبسط وَالْقدر من قبل.
стр. 3198
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تقتلُوا أَوْلَادكُم خشيَة إملاق﴾ أَي: خشيَة الْفقر، وَقد كَانُوا يئدون الْبَنَات خشيَة الْفقر.
وَقَوله: ﴿نَحن نرزقهم وَإِيَّاكُم﴾ أَي: نَحن الْمُعْطِي للزرق لَا أَنْتُم.
وَقَوله: ﴿إِن قَتلهمْ كَانَ خطأ كَبِيرا﴾ الْمَعْرُوف: " خطأ " بِالْكَسْرِ وَالْقصر. وَقَرَأَ ابْن كثير " خطاء كَبِيرا " بِالْكَسْرِ وَالْمدّ، وَقَرَأَ ابْن عَامر: " خطأ " بِفَتْح الْخَاء والطاء وَالْقصر، وَقُرِئَ: " خطآء " بِالْفَتْح وَالْمدّ، فَأَما قَوْله: " خطأ " بِالْكَسْرِ وَالْقصر أَي: إِثْمًا كَبِيرا. وَأما قَوْله: " خطأ " بِالْكَسْرِ وَالْمدّ، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: أهل اللُّغَة لَا يعْرفُونَ هَذَا! وَلَعَلَّه لُغَة.
وَأما قَوْله: " خطاء " بِالْفَتْح وَالْقصر مصدر مثل قَوْله: أخطا، وَالْفرق بَين الخِطأ والخَطأ كِلَاهُمَا بِالْقصرِ أَن الْخَطَأ - بِالْكَسْرِ - مَا يتَعَمَّد بِالْفِعْلِ وآثم فَاعله. وَالْخَطَأ - بِالْفَتْح - مَا لم يتَعَمَّد. وأنشدوا:
(عباد يخطئون وَأَنت رب ... كريم لَا يَلِيق بك الذموم)
стр. 3199
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تقربُوا الزِّنَا﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿إِنَّه كَانَ فَاحِشَة﴾ الْفَاحِشَة: فعل قَبِيح على أقبح الْوُجُوه.
وَقَوله: ﴿وساء سَبِيلا﴾ أَي: سَاءَ طَرِيقا، وَمَعْنَاهُ بئس السلك هَذَا الْفِعْل.
وَفِي بعض الْأَخْبَار بِرِوَايَة عَليّ ﵁ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " فِي الزِّنَا
стр. 3200
﴿وَلَا تقتلُوا النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَمن قتل مَظْلُوما فقد جعلنَا لوَلِيِّه سُلْطَانا فَلَا يسرف فِي الْقَتْل إِنَّه كَانَ منصورا (٣٣) ﴾ سِتّ خِصَال: (ثَلَاث) فِي الدُّنْيَا، (وَثَلَاث) فِي الْآخِرَة؛ أما الثَّلَاث فِي الدُّنْيَا: يذهب نور الْوَجْه، وَيُورث الْفقر، وَينْقص الْعُمر، وَأما الثَّلَاث فِي الْآخِرَة: فَغَضب الرب، وَسُوء الْحساب، وَدخُول النَّار ".
стр. 3201
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تقتلُوا النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ قد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " لَا يحل دم امْرِئ مُسلم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث: الْكفْر بعد الْإِيمَان، وَالثَّيِّب الزَّانِي، وَالْقَاتِل نفسا بِغَيْر حق ".
فَقَوله: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ فالقتل بِالْحَقِّ أَن يَقع بِأحد هَذِه الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة.
وَقَوله: ﴿وَمن قتل مَظْلُوما فقد جعلنَا لوَلِيِّه سُلْطَانا﴾ أَي: سُلْطَان الْقود، هَكَذَا قَالَه قَتَادَة وَغَيره. وَعَن الضَّحَّاك أَن السُّلْطَان هَا هُنَا هُوَ تَخْيِير ولي الْقَتِيل بَين أَن يقتل أَو يعْفُو، أَو يَأْخُذ الدِّيَة.
وأصل السُّلْطَان هُوَ الْحجَّة، فَلَمَّا ثَبت هَذَا لوَلِيّ الْقَتِيل بِحجَّة ظَاهِرَة سَمَّاهُ سُلْطَانا، وَقيل: معنى الْآيَة أَن الْوَلِيّ يقتل؛ فَإِن لم يكن ولي، قَتله السُّلْطَان.
وَقَوله: ﴿فَلَا يسرف فِي الْقَتْل﴾ أَكثر الْمُفَسّرين على أَن السَّرف فِي الْقَتْل أَن يقتل غير الْقَاتِل، وَقيل: إِن السَّرف فِي الْقَتْل أَن يمثل بالمقتول، وَعَن سعيد بن جُبَير قَالَ: السَّرف فِي الْقَتْل أَن يطْلب قتل الْجَمَاعَة بِالْوَاحِدِ، وَقد كَانَت الْجَاهِلِيَّة لَا يرضون بقتل الْقَاتِل وَحده؛ إِذا كَانَ الْمَقْتُول شريفا وَيطْلبُونَ قتل الْقَاتِل وَجَمَاعَة مَعَه من أقربائه وَقَومه.
стр. 3202
﴿وَلَا تقربُوا مَال الْيَتِيم إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن حَتَّى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إِن الْعَهْد كَانَ مسئولا (٣٤) ﴾ وَقُرِئَ: " فَلَا تسرف " " بِالتَّاءِ " على خطاب ولي الْقَتِيل، وَأما " بِالْيَاءِ " على المغايبة. وَفِي الْآيَة قَول آخر وَهُوَ أَن معنى قَوْله: ﴿فَلَا يسرف فِي الْقَتْل﴾ بِالْيَاءِ أَي: الْقَاتِل الأول الْمُتَعَدِّي.
وَقَوله: ﴿إِنَّه كَانَ منصورا﴾ على هَذَا يَعْنِي أَن الْقَاتِل الأول لَو تعدى فولي الْقَتِيل مَنْصُور من قبلي، وَقد قَالَ أهل الْمعَانِي: أَن معنى قَوْله: ﴿إِنَّه كَانَ منصورا﴾ مَعْنَاهُ أَي: الْقَتِيل مَنْصُور فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة؛ أما النُّصْرَة فِي الدُّنْيَا فَفِي إِيجَاب الْقود لَهُ. وَأما النُّصْرَة فِي الْآخِرَة فبتكفير خطاياه، وبإيجاب الثأر لقاتله، وَقيل: إِنَّه كَانَ منصورا؛ أَي: ولي الْقَتِيل.
وَقَرَأَ أبي بن كَعْب: " فَلَا تسرفوا فِي الْقَتْل إِن ولي الْقَتِيل كَانَ منصورا ".
стр. 3203
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تقربُوا مَال الْيَتِيم إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ مَعْنَاهُ: إِلَّا بالعفة الَّتِي هِيَ أحسن. وَاخْتلفُوا فِي مَعْنَاهُ على أقاويل: أَحدهَا: أَن القربان بالأحسن هُوَ حفظ الْأُصُول، وتثمير الْفُرُوع، وَالْآخر: أَن القربان بالأحسن هُوَ التِّجَارَة فِي مَاله، وَهَذَا قريب من الأول، وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن القربان بالأحسن هُوَ أَن لَا يخالط مَال الْيَتِيم بِمَال نَفسه.
فروى سعيد بن جُبَير، عَن ابْن عَبَّاس: أَنه لما نزلت هَذِه الْآيَة ميز الأوصياء طعامهم من طَعَام الْيَتَامَى، وشرابهم من شراب الْيَتَامَى، وَكَانُوا يمسكون طَعَام الْيَتِيم حَتَّى يَأْكُل أَو يفْسد، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَإِن تخالطوهم فإخوانكم﴾ .
وَعَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: القربان بالأحسن أَن يستقرض من مَال الْيَتِيم إِذا احْتَاجَ إِلَيْهِ، فَإِذا اسْتغنى رد.
стр. 3204
﴿وأوفوا الْكَيْل إِذا كلتم وزنوا بالقسطاس الْمُسْتَقيم ذَلِك خير وَأحسن تَأْوِيلا (٣٥) ﴾
وَقَالَ سعيد بن الْمسيب: لَا يقرب مَاله أصلا، وَلَا يشرب المَاء من مَاله.
وَذهب بعض الْعلمَاء مِنْهُم أَبُو يُوسُف إِلَى أَن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن كَانَ غَنِيا فليستعفف وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ﴾ مَنْسُوخ بقوله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تكون تِجَارَة عَن ترَاض مِنْكُم﴾ . وَقد ذكرنَا فِي هَذَا الْمَعْنى من قبل مَا هُوَ أَكثر من هَذَا.
وَقَوله: ﴿حَتَّى يبلغ أشده﴾ الْأَكْثَرُونَ على أَن الأشد هُوَ الْحلم، وَمِنْهُم من قَالَ: (ثَمَان) عشرَة سنة، وَمِنْهُم من قَالَ: ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة، وَهَذَا وَقت مُنْتَهى الْقُوَّة وَتَمام الْعقل بالحنكة والتجارب.
وَقَوله: ﴿وأوفوا بالعهد﴾ قَالَ قَتَادَة: الْعَهْد: كل مَا أَمر الله تَعَالَى بِهِ وَنهى عَنهُ.
وَقَوله: ﴿إِن الْعَهْد كَانَ مسئولا﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه كَانَ مَظْلُوما، وَهُوَ قَول السّديّ.
وَالْآخر: كَانَ مسئولا عَنهُ، وَهُوَ أحسن الْأَقَاوِيل، وَالثَّالِث: أَن الْعَهْد يسْأَل عَن صَاحب الْعَهْد. فَيُقَال لَهُ: فيمَ نقضت، كالموءودة تسْأَل فيمَ قتلت؟ .
وَفِي معنى الْعَهْد قَول آخر: وَهُوَ أَنه كل مَا يلتزمه الْإِنْسَان على نَفسه.
стр. 3205
قَوْله تَعَالَى: ﴿وأوفوا الْكَيْل إِذا كلتم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿وزنوا بالقسطاس الْمُسْتَقيم﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه القبان، وَالْآخر: أَنه كل ميزَان يكون. ذكره الزّجاج.
وَاخْتلفُوا أَن القسطاس رومي أَو عَرَبِيّ؟ قَالَ مُجَاهِد: هُوَ رومي مُعرب، وَقَالَ غَيره:
стр. 3206
﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم إِن السّمع وَالْبَصَر والفؤاد﴾ هُوَ عَرَبِيّ مَأْخُوذ من الْقسْط، والقسط هُوَ الْعدْل، فعلى هَذَا معنى الْآيَة وزنوا بِالْعَدْلِ الْمُسْتَقيم.
وَقَوله: ﴿ذَلِك خير﴾ يَعْنِي: ذَلِك خير لكم فِي الدُّنْيَا بِحسن الذّكر. ﴿وَأحسن تَأْوِيلا﴾ وَأحسن عَاقِبَة فِي الْآخِرَة.
стр. 3207
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ قَالُوا: مَعْنَاهُ وَلَا تقل مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم، وَقُرِئَ: " وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم " بِرَفْع الْقَاف؛ مَعْنَاهُ مَا ذكرنَا، وَمِنْهُم من قَالَ: معنى قَوْله: ﴿وَلَا تقف﴾ أَي: لَا ترم بِالظَّنِّ مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم. وأصل القيافة اتِّبَاع الْأَثر، يُقَال: قَفَوْت فلَانا، إِذا [اتبعت] أَثَره. وَحَقِيقَة الْمَعْنى: وَلَا تتبع لسَانك مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم فيتكلم بالحدس وَالظَّن.
وَرُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " نَحن بَنو النَّضر بن كنَانَة لَا نقفوا أمنا، وَلَا ننتفي من أَبينَا ".
وَفِي بعض الْأَخْبَار أَن النَّبِي قَالَ: " من تقوف مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ علم حبس فِي ردغة الخبال حَتَّى يخرج مِمَّا قَالَ ".
وَقَوله: ﴿إِن السّمع وَالْبَصَر والفؤاد﴾ رُوِيَ عَن قَتَادَة أَنه قَالَ: لَا تقل سَمِعت وَلم تسمع، وَلَا رَأَيْت وَلم تَرَ، وَلَا علمت وَلم تعلم. وَاخْتلف القَوْل فِي سُؤال السّمع وَالْبَصَر والفؤاد؛ فَفِي أحد الْقَوْلَيْنِ: يسْأَل الْمَرْء عَن سَمعه وبصره وفؤاده.
стр. 3208
﴿كل أُولَئِكَ كَانَ عَنهُ مسؤولا (٣٦) وَلَا تمش فِي الأَرْض مرحا إِنَّك لن تخرق الأَرْض وَلنْ تبلغ الْجبَال طولا (٣٧) كل ذَلِك كَانَ سيئه عِنْد رَبك مَكْرُوها (٣٨) ذَلِك مِمَّا﴾
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن السّمع وَالْبَصَر والفؤاد يسْأَل عَمَّا فعله الْمَرْء. فَإِن قيل: قد قَالَ: ﴿كل أُولَئِكَ كَانَ عَنهُ مسئولا﴾ ، وَأُولَئِكَ لَا يُقَال إِلَّا للعقلاء؟ وَالْجَوَاب: قُلْنَا: يجوز أَن يُقَال لغير الْعُقَلَاء. قَالَ جرير:
(ذمّ الْمنَازل بعد منزلَة اللوى ... والعيش بعد أُولَئِكَ الْأَيَّام)
стр. 3209
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تمش فِي الأَرْض مرحا﴾ المرح هُوَ الْفَرح بِالْبَاطِلِ، وَيُقَال: هُوَ الأشر والبطر، وَيُقَال: هُوَ البأو وَالْعَظَمَة، وَقيل: الْخُيَلَاء.
وَقَوله: ﴿إِنَّك لن تخرق الأَرْض﴾ أَي: لن تثقب الأَرْض، وَقيل: لن تقطع الأَرْض بالسير.
وَقَوله: ﴿وَلنْ تبلغ الْجبَال طولا﴾ أَي: لَا يقدر أَن يَتَطَاوَل الْجبَال، وَفِي الْمَعْنى وَجْهَان: أَحدهمَا: أَن الْإِنْسَان إِذا مَشى مختالا، فَمرَّة يمشي على عَقِبَيْهِ، وَمرَّة يمشي على صُدُور قَدَمَيْهِ. فَقَالَ: لن تثقب الأَرْض إِن مشيت على عقبيك، وَلنْ تبلغ الْجبَال طولا إِن مشيت على صُدُور قَدَمَيْك.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن من أَرَادَ أَن يخرق الأَرْض أَو يطاول الْجبَال لَا يحصل على شَيْء، فَكَذَلِك من مَشى مختالا لَا يحصل باختياله على شَيْء.
стр. 3210
وَقَوله: ﴿كل ذَلِك كَانَ سَيِّئَة عِنْد رَبك مَكْرُوها﴾ قرى: " سيئه " وَقَوله: " سَيِّئَة " بِالتَّنْوِينِ أَي: كل مَا نهيت عَنهُ فِي هَذِه الْآيَات فَهِيَ سَيِّئَة مَكْرُوهَة عِنْد رَبك، وَمن قَرَأَ " سيئه " بِالرَّفْع فَمَعْنَاه على التَّبْعِيض؛ لِأَنَّهُ قد تقدم بعض مَا لَيْسَ بسيئة مثل قَوْله: ﴿وَآت ذَا الْقُرْبَى حَقه﴾ ، وَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿واخفض لَهما جنَاح الذل من الرَّحْمَة وَقل رب ارحمهما﴾ وَغير ذَلِك. فَمَعْنَاه أَن مَا تقدم فِي هَذِه الْآيَات من السَّيئَة مَكْرُوهَة عِنْد رَبك.
стр. 3211
﴿أوحى إِلَيْك رَبك من الْحِكْمَة وَلَا تجْعَل مَعَ الله إِلَهًا آخر فَتلقى فِي جَهَنَّم ملوما مَدْحُورًا (٣٩) أفأصفاكم ربكُم بالبنين وَاتخذ من الْمَلَائِكَة إِنَاثًا إِنَّكُم لتقولون قولا عَظِيما (٤٠) وَلَقَد صرفنَا فِي هَذَا الْقُرْآن لِيذكرُوا وَمَا يزيدهم إِلَّا نفورا (٤١) قل لَو كَانَ مَعَه﴾
стр. 3212
قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك مِمَّا أوحى إِلَيْك رَبك من الْحِكْمَة﴾ كل مَا أَمر الله بِهِ وَنَهَاهُ فَهِيَ حِكْمَة.
وَقَوله: ﴿وَلَا تجْعَل مَعَ الله إِلَهًا آخر﴾ قد بَينا هَذَا من قبل، وَهُوَ أَن الْخطاب مَعَه، وَالْمرَاد مِنْهُ الْأمة.
وَقَوله: ﴿فَتلقى فِي جَهَنَّم ملوما مَدْحُورًا﴾ أَي: مطرودا.
стр. 3213
قَوْله تَعَالَى: ﴿أفأصفاكم ربكُم﴾ مَعْنَاهُ: أفجعل لكم الصفوة، وَجعل لنَفسِهِ مَا لَيْسَ بصفوة؟ وَهَذَا على طَرِيق الْإِنْكَار فَإِنَّهُم كَانُوا يَقُولُونَ: الْمَلَائِكَة بَنَات الله.
وَقَوله: ﴿بالبنين وَاتخذ من الْمَلَائِكَة إِنَاثًا﴾ هَذَا مَعْنَاهُ.
وَقَوله: ﴿إِنَّكُم لتقولون قولا عَظِيما﴾ أَي: فظيعا كَبِيرا.
стр. 3214
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد صرفنَا فِي هَذَا الْقُرْآن﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: تَكْرِير الْأَمر وَالنَّهْي والمواعظ والقصص، وَالْآخر: تَبْيِين القَوْل بِجَمِيعِ جهاته.
وَقَوله: ﴿لِيذكرُوا﴾ مَعْنَاهُ: ليتعظوا.
وَقَوله: ﴿وَمَا يزيدهم إِلَّا نفورا﴾ أَي: مَا يزيدهم التَّبْيِين إِلَّا نفورا. وَقيل: تصريف القَوْل فِي الْأَمر وَالنَّهْي.
стр. 3215
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل لَو كَانَ مَعَه﴾ أَي: مَعَ الله ﴿آلِهَة﴾ .
وَقَوله: ﴿كَمَا يَقُولُونَ إِذا لابتغوا إِلَى ذِي الْعَرْش سَبِيلا﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: إِذا لطلبوا إِلَى ذِي الْعَرْش سَبِيلا بالتقرب إِلَيْهِ، وَالْآخر: وَهُوَ الْأَصَح إِذا لابتغوا إِلَى ذِي الْعَرْش سَبِيلا بالمفازة والمغالبة وَطلب الْملك، وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ .
стр. 3216
﴿آلِهَة كَمَا يَقُولُونَ إِذا لابتغوا إِلَى ذِي الْعَرْش سَبِيلا (٤٢) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا (٤٣) تسبح لَهُ السَّمَوَات السَّبع وَالْأَرْض وَمن فِيهِنَّ وَإِن من شَيْء إِلَّا يسبح﴾
стр. 3217
قَوْله تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 3218
قَوْله تَعَالَى: ﴿تسبح لَهُ السَّمَاوَات السَّبع وَالْأَرْض وَمن فِيهِنَّ﴾ قد بَينا من قبل.
وَقَوله: ﴿وَإِن من شَيْء إِلَّا يسبح بِحَمْدِهِ﴾ قَالَ عِكْرِمَة: وَإِن من شَيْء حَيّ إِلَّا يسبح بِحَمْدِهِ وَعَن عِكْرِمَة أَيْضا قَالَ: الشَّجَرَة تسبحه.
وَعَن مُجَاهِد قَالَ: كل الْأَشْيَاء تسبح لله حَيا كَانَ أَو جمادا، وتسبيحها (بسبحان الله وَبِحَمْدِهِ) .
وَعَن أبي صَالح أَنه سمع صرير بَاب فَقَالَ: هُوَ تسبيحه.
وَعَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ: لَا تضربوا الدَّوَابّ على رءوسها فَإِنَّهَا تسبح الله، وَعَن ابْن عَبَّاس: إِن تَسْبِيح هَذِه الْأَشْيَاء: يَا حَلِيم، يَا غَفُور.
وروى مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر أَبُو غياث عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ قَالَ: " وَإِن من شَيْء جماد أَو حَيّ إِلَّا يسبح بِحَمْدِهِ حَتَّى صرير الْبَاب ونقيض السّقف.
وَاعْلَم أَن لله فِي الجماد علما لَا يُعلمهُ غَيره، وَلَا يقف عَلَيْهِ غَيره، فَيَنْبَغِي أَن يُوكل علمه إِلَيْهِ. وَقَالَ بعض أهل الْمعَانِي: تَسْبِيح السَّمَاوَات وَالْأَرْض والجمادات وَسَائِر الْحَيَوَانَات سوى الْعُقَلَاء، هُوَ مَا دلّت بلطيف تركيبها وَعَجِيب هيئاتها على خَالِقهَا، فَيصير ذَلِك بِمَنْزِلَة التَّسْبِيح مِنْهَا.
وَالْمَنْقُول عَن السّلف مَا قُلْنَا من قبل، وَالله أعلم.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَكِن لَا تفقهون تسبيحهم﴾ أَي: لَا تعلمُونَ تسبيحهم.
وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَن مَوضِع هَذِه الْآيَة فِي التَّوْرَاة ألف آيَة كَانَ الله تَعَالَى قَالَ:
стр. 3219
﴿بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَا تفقهون تسبيحهم إِنَّه كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤) وَإِذا قَرَأت الْقُرْآن جعلنَا بَيْنك وَبَين الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة حِجَابا مَسْتُورا (٤٥) وَجَعَلنَا على قُلُوبهم أكنة أَن﴾ سبح لي كَذَا، وَسبح لي كَذَا، وَسبح لي كَذَا، وعَلى القَوْل الْأَخير قَوْله: ﴿وَلَكِن لَا تفقهون تسبيحهم﴾ أَي: لَا تستدلون بمشاهدة هَذِه الْأَشْيَاء على تَعْظِيم الله. وَهَذَا لَيْسَ بمعتمد، وَالصَّحِيح مَا بَينا.
وَقَوله: ﴿إِنَّه كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ قد بَينا معنى الْحَلِيم والغفور.
стр. 3220
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِذا قَرَأت الْقُرْآن جعلنَا بَيْنك وَبَين الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة حِجَابا مَسْتُورا﴾ رُوِيَ فِي الْأَخْبَار أَنه لما نزلت سُورَة ﴿تبت يدا أبي لَهب﴾ جَاءَتْهُ امْرَأَته أم جميل، وَمَعَهَا فهر، وقصدت النَّبِي وَهِي تَقول: مذمما أَبينَا، وَدينه قلينا، وَأمره عصينا، وَكَانَ النَّبِي جَالِسا مَعَ أبي بكر فِي الْحجر، فَقَالَ أَبُو بكر للنَّبِي: هَذِه الْمَرْأَة قد جَاءَت، فَقَالَ النَّبِي: إِنَّهَا لَا تراني؛ وَقَرَأَ هَذِه الْآيَة؛ فَجَاءَت الْمَرْأَة، وَقَالَت: يَا أَبَا بكر، أَيْن صَاحبك؟ فقد بَلغنِي أَنه هجاني، وهجا أَبَا لَهب، وَقد علمت قُرَيْش أَنِّي بنت سَيِّدهَا. فَلم يقل أَبُو بكر شَيْئا، وَرجعت وَهِي تَقول: قد كنت جِئْت بِهَذَا الْحجر؛ لأرضخ رَأسه ". روته عَائِشَة ﵂.
وَمِنْهُم من قَالَ: كَانَ النَّبِي يُصَلِّي وَيقْرَأ الْقُرْآن، وَكَانَ الْمُشْركُونَ يقصدونه بالأذى، فَكَانُوا يجيئون وَلَا يرونه.
وَقَوله: ﴿حِجَابا مَسْتُورا﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: حِجَابا ساترا، وَالْآخر: مَسْتُورا بِهِ. وَقيل: إِن الْحجاب الَّذِي جعله الله هُوَ الأكنة الَّتِي خلقهَا على قُلُوبهم.
стр. 3221
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلنَا على قُلُوبهم أكنة﴾ أَي: أغطية، وَحكى بعض السّلف أَنه
стр. 3222
﴿يفقهوه وَفِي آذانهم وقرا وَإِذا ذكرت رَبك فِي الْقُرْآن وَحده ولوا على أدبارهم نفورا (٤٦) نَحن أعلم بِمَا يَسْتَمِعُون بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُون إِلَيْك وَإِذ هم نجوى إِذْ يَقُول الظَّالِمُونَ﴾ سمع رجلا يقْرَأ: ﴿وَمَا منع النَّاس أَن يُؤمنُوا إِذا جَاءَهُم الْهدى﴾ فَقَالَ: الأكنة.
وَقَوله: ﴿أَن يفقهوه﴾ مَعْنَاهُ: كَرَاهَة أَن يفقهوه، وَقيل: لِئَلَّا يفقهوه.
وَقَوله: ﴿وَفِي آذانهم وقرا﴾ أَي: ثقلا، وَمَعْنَاهُ: لِئَلَّا يسمعوه. وَفِي الْآيَة رد على الْقَدَرِيَّة صَرِيحًا.
وَقَوله: ﴿وَإِذا ذكرت رَبك فِي الْقُرْآن وَحده﴾ هُوَ قَوْله: لَا إِلَه إِلَّا الله.
وَقَوله: ﴿ولوا على أدبارهم نفورا﴾ أَي: نافرين.
وَمثل هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا ذكر الله وَحده اشمأزت قُلُوب الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة﴾ .
стр. 3223
قَوْله تَعَالَى: ﴿نَحن أعلم بِمَا يَسْتَمِعُون بِهِ﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: " بِهِ " صلَة، وَمَعْنَاهُ نَحن أعلم بِمَا يَسْتَمِعُون، أَي: يطْلبُونَ سَمَاعه، وَهُوَ فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا ذكر الَّذين من دونه إِذا هم يستبشرون﴾ .
وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِذْ يَسْتَمِعُون إِلَيْك وَإِذ هم نجوى﴾ أَي: ذووا نجوى. وَفِي الْقِصَّة: أَن النَّبِي كَانَ يقْرَأ، وَالْمُشْرِكُونَ قد اجْتَمعُوا، وَكَانُوا يتناجون فِيمَا بَينهم، فَيَقُول هَذَا: كَاهِن، وَيَقُول هَذَا: سَاحر، وَيَقُول هَذَا: شَاعِر، وَيَقُول هَذَا: مَجْنُون؛ ويريدون بِهِ الرَّسُول.
وَقَوله: ﴿إِذْ يَقُول الظَّالِمُونَ إِن تتبعون إِلَّا رجلا مسحورا﴾ قَالَ مُجَاهِد: مخدوعا، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: رجلا لَهُ سحر، وَهُوَ الرئة، يَعْنِي: أَنه بشر. قَالَ الشَّاعِر:
(أرانا موضِعين (لحتم) غيب ... ونسحر بِالطَّعَامِ وبالشراب)
стр. 3224
﴿إِن تتبعون إِلَّا رجلا مسحورا (٤٧) انْظُر كَيفَ ضربوا لَك الْأَمْثَال فضلوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا (٤٨) وَقَالُوا أئذا كُنَّا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جَدِيدا (٤٩) قل كونُوا حِجَارَة أَو حديدا (٥٠) ﴾
أَي: نعلل ونخدع، وَهُوَ على تَأْوِيل الخدع، وَهُوَ الْأَصَح.
وَقيل: مسحورا أَي: مصروفا عَن الْحق.
стр. 3225
وَقَوله تَعَالَى: ﴿انْظُر كَيفَ ضربوا لَك الْأَمْثَال﴾ أَي: الْأَشْبَاه.
وَقَوله: ﴿فضلوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ أَي: وصُولا إِلَى طَرِيق الْحق.
следующие страницы →