← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلنَا على قُلُوبهم أكنة﴾ أَي: أغطية، وَحكى بعض السّلف أَنه

стр. 3222

﴿يفقهوه وَفِي آذانهم وقرا وَإِذا ذكرت رَبك فِي الْقُرْآن وَحده ولوا على أدبارهم نفورا (٤٦) نَحن أعلم بِمَا يَسْتَمِعُون بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُون إِلَيْك وَإِذ هم نجوى إِذْ يَقُول الظَّالِمُونَ﴾ سمع رجلا يقْرَأ: ﴿وَمَا منع النَّاس أَن يُؤمنُوا إِذا جَاءَهُم الْهدى﴾ فَقَالَ: الأكنة. وَقَوله: ﴿أَن يفقهوه﴾ مَعْنَاهُ: كَرَاهَة أَن يفقهوه، وَقيل: لِئَلَّا يفقهوه. وَقَوله: ﴿وَفِي آذانهم وقرا﴾ أَي: ثقلا، وَمَعْنَاهُ: لِئَلَّا يسمعوه. وَفِي الْآيَة رد على الْقَدَرِيَّة صَرِيحًا. وَقَوله: ﴿وَإِذا ذكرت رَبك فِي الْقُرْآن وَحده﴾ هُوَ قَوْله: لَا إِلَه إِلَّا الله. وَقَوله: ﴿ولوا على أدبارهم نفورا﴾ أَي: نافرين. وَمثل هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا ذكر الله وَحده اشمأزت قُلُوب الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة﴾ .

стр. 3223

قَوْله تَعَالَى: ﴿نَحن أعلم بِمَا يَسْتَمِعُون بِهِ﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: " بِهِ " صلَة، وَمَعْنَاهُ نَحن أعلم بِمَا يَسْتَمِعُون، أَي: يطْلبُونَ سَمَاعه، وَهُوَ فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا ذكر الَّذين من دونه إِذا هم يستبشرون﴾ . وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِذْ يَسْتَمِعُون إِلَيْك وَإِذ هم نجوى﴾ أَي: ذووا نجوى. وَفِي الْقِصَّة: أَن النَّبِي كَانَ يقْرَأ، وَالْمُشْرِكُونَ قد اجْتَمعُوا، وَكَانُوا يتناجون فِيمَا بَينهم، فَيَقُول هَذَا: كَاهِن، وَيَقُول هَذَا: سَاحر، وَيَقُول هَذَا: شَاعِر، وَيَقُول هَذَا: مَجْنُون؛ ويريدون بِهِ الرَّسُول. وَقَوله: ﴿إِذْ يَقُول الظَّالِمُونَ إِن تتبعون إِلَّا رجلا مسحورا﴾ قَالَ مُجَاهِد: مخدوعا، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: رجلا لَهُ سحر، وَهُوَ الرئة، يَعْنِي: أَنه بشر. قَالَ الشَّاعِر: (أرانا موضِعين (لحتم) غيب ... ونسحر بِالطَّعَامِ وبالشراب)

стр. 3224

﴿إِن تتبعون إِلَّا رجلا مسحورا (٤٧) انْظُر كَيفَ ضربوا لَك الْأَمْثَال فضلوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا (٤٨) وَقَالُوا أئذا كُنَّا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جَدِيدا (٤٩) قل كونُوا حِجَارَة أَو حديدا (٥٠) ﴾ أَي: نعلل ونخدع، وَهُوَ على تَأْوِيل الخدع، وَهُوَ الْأَصَح. وَقيل: مسحورا أَي: مصروفا عَن الْحق.

стр. 3225

وَقَوله تَعَالَى: ﴿انْظُر كَيفَ ضربوا لَك الْأَمْثَال﴾ أَي: الْأَشْبَاه. وَقَوله: ﴿فضلوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ أَي: وصُولا إِلَى طَرِيق الْحق.

стр. 3226

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا أءذا كُنَّا عظاما ورفاتا﴾ قَالَ الْفراء: رفاتا، أَي: تُرَابا، وَقَالَ غَيره: رفاتا: أَي: حطاما. يَعْنِي: إِذا تحطمنا. وَقَوله: ﴿أءنا لمبعوثون خلقا جَدِيدا﴾ قَالُوا ذَلِك على طَرِيق الْإِنْكَار.

стр. 3227

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل كونُوا حِجَارَة أَو حديدا﴾ فَإِن قيل: كَيفَ يَأْمُرهُم بِأَن يَكُونُوا حِجَارَة أَو حديدا، وهم لَا يقدرُونَ عَلَيْهِ قطعا؟ وَالْجَوَاب: أَن هَذَا أَمر تعجيز، وَلَيْسَ بِأَمْر إِلْزَام، وَمعنى الْآيَة أَي: استشعروا فِي قُلُوبكُمْ أَنكُمْ حِجَارَة أَو (حَدِيد) ، فَلَو كُنْتُم كَذَلِك لم تفوتوني، وَقيل مَعْنَاهُ: لَو كُنْتُم خلقْتُمْ من الْحِجَارَة وَالْحَدِيد بدل اللَّحْم والعظم لمتم ثمَّ بعثتم. قَالَه أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ.

стр. 3228

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو خلقا مِمَّا يكبر فِي صدوركم﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس، وَابْن عمر، وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ: هُوَ الْمَوْت. وَمَعْنَاهُ: لَو كُنْتُم الْمَوْت بِعَيْنِه لأدرككم الْمَوْت. وَقد ثَبت الْخَبَر عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " يجاء بِالْمَوْتِ يَوْم الْقِيَامَة على هَيْئَة كَبْش أغبر، فَيُوقف بَين الْجنَّة وَالنَّار؛ فيعرفه كلهم، فَيذْبَح، فَيُقَال: يَا أهل الْجنَّة، خُلُود لكم وَلَا موت، وَيَا أهل النَّار، خُلُود وَلَا موت ".

стр. 3229

﴿أَو خلقا مِمَّا يكبر فِي صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الَّذِي فطركم أول مرّة فسينغضون إِلَيْك رُءُوسهم وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قل عَسى أَن يكون قَرِيبا (٥١) يَوْم يدعوكم فتستجيبون بِحَمْدِهِ وتظنون إِن لبثتم إِلَّا قَلِيلا (٥٢) ﴾ وَعَن مُجَاهِد أَن معنى قَوْله: ﴿أَو خلقا مِمَّا يكبر فِي صدوركم﴾ هُوَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال. أَي: لَو كُنْتُم كَذَلِك لمتم وبعثتم. وَقَالَ قَتَادَة: هُوَ كل مَا يعظم فِي عين الْإِنْسَان وصدره. وَعَن الْكَلْبِيّ قَالَ: هُوَ الْقِيَامَة. وَقَوله: ﴿فسيقولون من يعيدنا﴾ ظَاهر الْمَعْنى. وَقَوله: ﴿قل الَّذِي فطركم أول مرّة﴾ أَي: أنشأكم أول مرّة، وَمن قدر على الْإِنْشَاء فَهُوَ على الْإِعَادَة أقدر. وَقَوله: ﴿فسينغضون إِلَيْك رُءُوسهم﴾ أَي: يحركون إِلَيْك رُءُوسهم، وَهَذَا على طَرِيق الِاسْتِهْزَاء. وَقَوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ﴾ أَي: مَتى السَّاعَة؟ وَهَذَا أَيْضا قَالُوهُ استهزاء. وَقَوله: ﴿قل عَسى أَن يكون قَرِيبا﴾ مَعْنَاهُ: أَنه قريب، " وَعَسَى " من الله وَاجِب على مَا بَينا.

стр. 3230

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم يدعوكم فتستجيبون بِحَمْدِهِ﴾ أَي: حامدين لَهُ. فَإِن قيل: كَيفَ يَصح هَذَا؟ وَالْخطاب مَعَ الْكفَّار؛ وَالْكَافِر كَيفَ يبْعَث حامدا لرَبه؟ وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه خطاب للْمُؤْمِنين، وَقد انْقَطع خطاب الْكفَّار إِلَى هَذِه الْآيَة. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الْخطاب مَعَ الْكفَّار، وَمعنى قَوْله: ﴿فتستجيبون بِحَمْدِهِ﴾ أَي: مقرين أَنه خالقكم وباعثكم. وَقَوله: ﴿وتظنون إِن لبثتم إِلَّا قَلِيلا﴾ هَذَا فِي جنب مُدَّة الْقِيَامَة (وَالْخُلُود) فَلَو مكث الْإِنْسَان فِي قَبره الألوف من السنين، يعد ذَلِك قَلِيلا فِي جنب مَا يصل إِلَيْهِ من

стр. 3231

﴿وَقل لعبادي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أحسن إِن الشَّيْطَان ينزغ بَينهم إِن الشَّيْطَان كَانَ للْإنْسَان عدوا مُبينًا (٥٣) ربكُم أعلم بكم إِن يَشَأْ يَرْحَمكُمْ أَو إِن يَشَأْ يعذبكم وَمَا أَرْسَلْنَاك﴾ الخلود. وَعَن قَتَادَة قَالَ: إِنَّهُم يستحقرون مُدَّة الدُّنْيَا فِي جنب الْقِيَامَة. وَعَن سعيد بن أبي عرُوبَة قَالَ: يقومُونَ فَيَقُولُونَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك. وَالْأولَى أَن يكون هَذَا فِي الْمُؤمنِينَ. وَقَالَ الْكَلْبِيّ: إِن الله تَعَالَى يرفع الْعَذَاب عَن الْكفَّار بَين النفختين، وَهُوَ أَرْبَعُونَ سنة، فَإِذا حشروا وَقد استراحوا تِلْكَ الْمدَّة قَالُوا: مَا لبثنا إِلَّا قَلِيلا.

стр. 3232

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقل لعبادي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أحسن﴾ فِي الْآيَة قَولَانِ: الْأَشْهر وَالْأَظْهَر أَن قَوْله: ﴿يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أحسن﴾ أَي: الْكفَّار، وَهَذَا قبل نُزُوله آيَة السَّيْف. قَالَ أهل التَّفْسِير: كَانَ الْمُشْركُونَ يُؤْذونَ الْمُؤمنِينَ، وَكَانَ الْمُؤْمِنُونَ يستأذنون رَسُول الله فِي الْقِتَال فينهاهم عَن ذَلِك، وَيَأْمُرهُمْ بِالْإِحْسَانِ فِي القَوْل، وَالْإِحْسَان فِي القَوْل هُوَ قَوْلهم للْكفَّار: يهديكم الله. وَفِي بعض الرِّوَايَات: أَن عمر شَتمه بعض الْكفَّار، فَأَرَادَ أَن يقاتله، فَأمره رَسُول الله بالصفح وَالْعَفو. وَالْقَوْل الثَّانِي: فِي الْآيَة: أَن المُرَاد بِهِ الْمُؤْمِنُونَ، وَأَرَادَ بِهِ: أَن يَقُولُوا ويفعلوا الَّتِي هِيَ أحسن. أَي: الْخلَّة الَّتِي هِيَ أحسن. وَقيل: المُرَاد مِنْهُ الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْي عَن الْمُنكر. وَقَوله: ﴿إِن الشَّيْطَان ينزغ بَينهم﴾ أَي: يفْسد بإيقاع الْعَدَاوَة. وَقَوله: ﴿إِن الشَّيْطَان كَانَ للْإنْسَان عدوا مُبينًا﴾ أَي: عدوا ظَاهر الْعَدَاوَة.

стр. 3233

قَوْله تَعَالَى: ﴿ربكُم أعلم بكم إِن يَشَأْ يَرْحَمكُمْ وَإِن يَشَأْ يعذبكم﴾ قَالَ: يَرْحَمكُمْ بالتوفيق وَالْهِدَايَة، ويعذبكم بالإضلال، وَقيل: يَرْحَمكُمْ بالإنجاء من النَّار، أَو يعذبكم بالإيقاع فِيهِ. وَقَوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك عَلَيْهِم وَكيلا﴾ أَي: كَفِيلا. قَالَ الشَّاعِر: ( [ذكرت] أَبَا أروى فَبت كأنني ... برد الْأُمُور الماضيات وَكيل)

стр. 3234

﴿عَلَيْهِم وَكيلا (٥٤) وَرَبك أعلم بِمن فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَلَقَد فضلنَا بعض النَّبِيين على بعض وآتينا دَاوُد زبورا (٥٥) قل ادعوا الَّذين زعمتم من دونه فَلَا يملكُونَ كشف الضّر عَنْكُم وَلَا تحويلا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذين يدعونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبهم الْوَسِيلَة أَيهمْ﴾ أَي: كَفِيل. وَمِنْهُم من قَالَ مَعْنَاهُ: لم يسلطك عَلَيْهِم بمنعهم من الْكفْر.

стр. 3235

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَبك أعلم بِمن فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ أَي: وَرَبك الْعَالم بِمن فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض، وَهُوَ الْعَالم بأحوالهم وأفعالهم ومقاصدهم. وَقَوله: ﴿وَلَقَد فضلنَا بعض النَّبِيين على بعض﴾ مَعْنَاهُ: أَنه اتخذ بَعضهم خَلِيلًا، وكلم بَعضهم، وسخر الْجِنّ وَالْإِنْس وَالطير وَالرِّيح لبَعْضهِم، وَأَحْيَا الْمَوْتَى لبَعْضهِم، فَهَذَا معنى التَّفْضِيل. وَقَوله: ﴿وآتينا دَاوُد زبورا﴾ قَالُوا: الزبُور كتاب يشْتَمل على مائَة وَخمسين سُورَة، كلهَا تحميد وتمجيد وثناء على الله، لَيْسَ فِيهَا أَمر وَلَا نهي وَلَا حَلَال وَلَا حرَام. وَمعنى الْآيَة: أَنكُمْ لما لم تنكروا تَفْضِيل سَائِر النَّبِيين وإعطائهم الْكتب، فَلَا تنكروا فضل النَّبِي وإعطائه الْقُرْآن. فَيجوز أَن يكون هَذَا الْخطاب مَعَ أهل الْكتاب، وَيجوز أَن يكون مَعَ قوم كَانُوا مقرين بِهَذَا من مُشْركي الْعَرَب. وَالزَّبُور مَأْخُوذ من الزبر؛ والزبر هُوَ الْكِتَابَة.

стр. 3236

وَقَوله تَعَالَى: ﴿قل ادعوا الَّذين زعمتم من دونه﴾ رُوِيَ أَن الْمُشْركين لما قحطوا حَتَّى أكلُوا الْكلاب والجيف اسْتَغَاثُوا بِالنَّبِيِّ، ليدعو لَهُم؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة: ﴿قل ادعوا الَّذين زعمتم﴾ أَنهم آلِهَة ﴿من دونه﴾ أَي: من دون الله. وَقَوله: ﴿فَلَا يملكُونَ كشف الضّر عَنْكُم﴾ أَي: كشف الْجُوع والقحط عَنْكُم. وَقَوله: ﴿وَلَا تحويلا﴾ أَي: لَا يملكُونَ نقل الْحَال، وتحويلا من السقم إِلَى الصِّحَّة، وَمن الجدب إِلَى الخصب، وَمن الْعسر إِلَى الْيُسْر.

стр. 3237

قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذين يدعونَ﴾ قَرَأَ ابْن مَسْعُود: " أُولَئِكَ الَّذين تدعون "

стр. 3238

﴿أقرب ويرجون رَحمته وَيَخَافُونَ عَذَابه إِن عَذَاب رَبك كَانَ محذورا (٥٧) وَإِن من قَرْيَة إِلَّا نَحن مهلكوها قبل يَوْم الْقِيَامَة أَو معذبوها عذَابا شَدِيدا كَانَ ذَلِك فِي الْكتاب﴾ وَعنهُ أَنه قَالَ: كَانَ قوم من الْمُشْركين يعْبدُونَ قوما من الْجِنّ، فَأسلم الجنيون الَّذين كَانُوا يعْبدُونَ، وَبَقِي هَؤُلَاءِ على شركهم؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة. مَعْنَاهُ: إِن الَّذين كُنْتُم تدعونهم وتعبدونهم ﴿يَبْتَغُونَ﴾ أَي: يطْلبُونَ ﴿إِلَى رَبهم الْوَسِيلَة﴾ والوسيلة هِيَ الدرجَة الرفيعة فِي الْجنَّة، وَقيل: الْوَسِيلَة كل مَا يتوسل بِهِ إِلَى الله تَعَالَى أَي: يتَقرَّب. وَقَوله: ﴿أَيهمْ أقرب﴾ مَعْنَاهُ: ينظرُونَ أَيهمْ أدنى وَسِيلَة، وَقيل: أَيهمْ أقرب إِلَى الله فيتوسلون بِهِ، وَقيل: الْآيَة فِي عُزَيْر والمسيح وَغَيرهمَا، وَقيل: الْآيَة فِي الْمَلَائِكَة؛ فَإِن الْمُشْركين كَانُوا يعْبدُونَ الْمَلَائِكَة، وَالْمَلَائِكَة عبيد يطْلبُونَ إِلَى الله الْوَسِيلَة، وَهَذَا فِي نفر من الْمُشْركين دون جَمِيعهم. وَقَوله: ﴿ويرجون رَحمته وَيَخَافُونَ عَذَابه﴾ يَعْنِي: الجنيين الَّذين أَسْلمُوا وَالْمَلَائِكَة، أَو عُزَيْرًا والمسيح. وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي: " لَو وزن خوف الْمُؤمن ورجاؤه لاعتدلا ". وَقَوله: ﴿إِن عَذَاب رَبك كَانَ محذورا﴾ أَي: يطْلب مِنْهُ الحذر.

стр. 3239

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن من قَرْيَة إِلَّا نَحن مهلكوها قبل يَوْم الْقِيَامَة﴾ مَعْنَاهُ: وَمَا من قَرْيَة إِلَّا نَحن مهلكوها فإهلاك الْمُؤمنِينَ بالإماتة، وإهلاك الْكفَّار بالاستئصال وَالْعَذَاب، وَقيل قَوْله: ﴿مهلكوها﴾ هَذَا فِي حق الْمُؤمنِينَ بالإماتة. قَوْله: ﴿أَو معذبوها عذَابا شَدِيدا﴾ فِي حق الْكفَّار.

стр. 3240

﴿مسطورا (٥٨) ﴾ وَذكر النقاش فِي تَفْسِيره بِإِسْنَادِهِ عَن مقَاتل بن سُلَيْمَان قَالَ: وجدت فِي كتاب ضحاك بن مُزَاحم - وَهُوَ الْكتاب المخزون - وَقد ذكر فِيهِ مَا يهْلك الله بِهِ أهل كل بَلْدَة، أما مَكَّة فيهلكها الحبشان، وَأما الْمَدِينَة فالجوع، وَأما الْبَصْرَة فَالْفرق، وَأما الْكُوفَة فعدو [سلطه] الله عَلَيْهِم، وَأما الشَّام ومصر فويل لَهَا من عدوها، وَقيل: تخربها الرِّيَاح، وَأما أصفهان وَفَارِس وكرمان فبالظلمات وَالصَّوَاعِق، وَكَذَلِكَ ذكر فِي أرمينية وأذربيجان، وَأما الرّيّ، فيغلب عَلَيْهِم عدوهم من الديلم، وَأما الهمذان فيهلكهم عَدو لَهُم فَلَا همذان بعده، وَأما النيسابور فالرعود والبروق وَالرِّيح، وَأما مرو فيغلب عَلَيْهِ الرمل وَبِهِمَا الْعلمَاء الْكثير، وَأما هراة فيمطرون حيات فتأكلهم، وَأما سجستان فتهلك بِالرِّيحِ، وَأما بَلخ فيغلب عَلَيْهِ المَاء فتهلك، وَأما بُخَارى فيغلب عَلَيْهِم التّرْك، وَأما سَمَرْقَنْد وفرغانة والشاش وإسبيجاب وخوارزم فيغلب عَلَيْهِم بَنو قنطورا بن كركرى فيهلكون عَن آخِرهم، وَالْخَبَر غَرِيب جدا. وَفِي بعض الرِّوَايَات: " ويل لأهل بَغْدَاد يخسف بهم " والأثر غَرِيب. وَفِي بعض المسانيد عَن عبد الله بن مَسْعُود أَنه قَالَ: لَا يهْلك الله قوما حَتَّى يظْهر فيهم الزِّنَا والربا. وَقَوله: ﴿كَانَ ذَلِك فِي الْكتب مسطورا﴾ أَي: مَكْتُوبًا، وَمعنى الْكتاب: هُوَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ. وَفِي الْأَخْبَار الْمَشْهُورَة عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " أول مَا خلق الله الْقَلَم فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَقَالَ: وَمَا أكتب؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ". يُقَال: سطر إِذا كتب.

стр. 3241

﴿وَمَا منعنَا أَن نرسل بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كذب بهَا الْأَولونَ وآتينا ثَمُود النَّاقة مبصرة فظلموا بهَا وَمَا نرسل بِالْآيَاتِ إِلَّا تخويفا (٥٩) وَإِذ قُلْنَا لَك إِن رَبك أحَاط بِالنَّاسِ وَمَا جعلنَا﴾

стр. 3242

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا منعنَا أَن نرسل بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كذب بهَا الْأَولونَ﴾ الْآيَة. فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يجوز أَلا يُرْسل الله الْآيَات لِأَن الْأَوَّلين كذبُوا بهَا؟ وَمَا وَجه الإمتناع عَن إرْسَال الْآيَات بتكذيب الْأَوَّلين؟ وَالسُّؤَال مَعْرُوف، وَهُوَ مُشكل. وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن " إِلَّا " مَحْذُوف، وَمثله قَول الشَّاعِر: (وكل أَخ مفارقه أَخُوهُ ... لعَمْرو أَبِيك إِلَّا الفرقدان) وَمَعْنَاهُ: وَمَا منعنَا من إرْسَال الْآيَات وَإِن كذب بهَا الْأَولونَ، يَعْنِي: أَن تَكْذِيب الْأَوَّلين لَا يمنعنا من إرْسَال الْآيَات. وَالْجَوَاب الثَّانِي - وَهُوَ الْمَعْرُوف - وَمَا منعنَا أَن نرسل بِالْآيَاتِ الَّتِي اقترحها الْكفَّار، فَإِنَّهُ قَالُوا للنَّبِي: اجْعَل لنا الصَّفَا ذَهَبا، أَو بعد عَنَّا هَذِه الْجبَال لنزرع الْأَرَاضِي. وَقَوله: ﴿إِلَّا أَن كذب بهَا الْأَولونَ﴾ معنى الِاسْتِثْنَاء فِي إهلاك الْأَوَّلين حِين كذبُوا بِالْآيَاتِ المقترحة، وَقد حكمنَا أَن هَذِه الْأمة ممهلة فِي الْعَذَاب، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿بل السَّاعَة موعدهم والساعة أدهى وَأمر﴾ وتلخيص الْجَواب: أَن الْأَوَّلين اقترحوا الْآيَات فَلَمَّا أعْطوا كذبوها فأهلكوا، فَلَو أعطينا هَؤُلَاءِ الْآيَات المقترحة وكذبوا بهَا عاجلناهم بِالْعَذَابِ، وَقد حكمنَا بإمهالهم، وَالدَّلِيل على صِحَة هَذَا الْجَواب أَنه قَالَ: ﴿وآتينا ثَمُود النَّاقة مبصرة﴾ أَي: آيَة نيرة مضيئة، أَو آيَة يبصر بهَا الْحق، وَقَوله: ﴿فظلموا بهَا﴾ أَي: كذبُوا بهَا، فعوجلوا بالعقوبة. فَهَذَا هُوَ المُرَاد، وَإِن كَانَ غير مَذْكُور. وَقَوله: ﴿وَمَا نرسل بِالْآيَاتِ إِلَّا تخويفا﴾ أَي: تحذيرا.

стр. 3243

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قُلْنَا لَك إِن رَبك أحَاط بِالنَّاسِ﴾ قَالَ مُجَاهِد أَي هم فِي قَبضته. قَالَ الْحسن: حَال بَينهم وَبَين أَن يَقْتُلُوك أَو يكيدوك بِغَيْر الْقَتْل. فَهَذَا معنى الْإِحَاطَة.

стр. 3244

﴿الرُّؤْيَا الَّتِي أريناك إِلَّا فتْنَة للنَّاس والشجرة الملعونة فِي الْقُرْآن ونخوفهم فَمَا يزيدهم إِلَّا طغيانا كَبِيرا (٦٠) ﴾ وَقَوله: ﴿وَمَا جعلنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أريناك إِلَّا فتْنَة للنَّاس﴾ الْأَكْثَرُونَ أَن هَذِه الرُّؤْيَا هِيَ لَيْلَة الْمِعْرَاج، قَالَه ابْن عَبَّاس، وَمُجاهد، وَقَتَادَة، وَالْحسن، وَسَعِيد بن جُبَير، وَالضَّحَّاك، وَغَيرهم. فَإِن قَالَ قَائِل: لَيْلَة الْمِعْرَاج كَانَت رُؤْيَة عين لَا رُؤْيا نوم؟ وَالْجَوَاب: أَنه قد صَحَّ عَن عبد الله بن عَبَّاس أَنه قَالَ فِي هَذِه الْآيَة: هِيَ رُؤْيا عين، أسرى بِالنَّبِيِّ تِلْكَ اللَّيْلَة. ﴿والشجرة الملعونة﴾ هِيَ شَجَرَة الزقوم. قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْأَجَل أَبُو المظفر مَنْصُور بن مُحَمَّد السَّمْعَانِيّ: أخبرنَا أَبُو عَليّ الشَّافِعِي بِمَكَّة قَالَ: أَنا أَبُو الْحسن بن فراس، قَالَ: أَنا أَبُو جَعْفَر الديبلي، قَالَ: أَنا سعيد بن عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، ذكره البُخَارِيّ فِي صَحِيحه. وَأما ذكر الرُّؤْيَا بِمَعْنى الرُّؤْيَة هَاهُنَا يجوز؛ لِأَنَّهُمَا أخذا من معنى وَاحِد. وَمِنْهُم من قَالَ: كَانَ لَهُ معراجان: مِعْرَاج رُؤْيَة، ومعراج رُؤْيا. وَأما معنى الْفِتْنَة على هَذَا القَوْل: أَن قوما من الَّذين آمنُوا ارْتَدُّوا حِين سمعُوا عَن النَّبِي هَذَا، وَفِي أصل الْآيَة قَول آخر: (وَهُوَ) أَن الرُّؤْيَا الْمَذْكُورَة فِي الْآيَة هِيَ " أَن النَّبِي رأى فِي النّوم أَنه قد دخل مَكَّة، فاستعجل، وَسَار إِلَى مَكَّة عَام الْحُدَيْبِيَة محرما بِالْعُمْرَةِ، وَذكر الصَّحَابَة أَنه رأى هَذِه الرُّؤْيَا، فَلَمَّا صد عَن مَكَّة حَتَّى احْتَاجَ إِلَى الرُّجُوع افْتتن بذلك قوم.

стр. 3245

وَفِي الْخَبَر الْمَشْهُور، أَن عمر قَالَ لأبي بكر: أَلَيْسَ قد رأى أَنه يدْخل مَكَّة؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر: هَل قَالَ: إِنَّه يدْخل الْعَام؟ قَالَ: لَا. قَالَ: سيدخلها. . الْخَبَر إِلَى آخِره. وَالْقَوْل الثَّالِث فِي الْآيَة: مَا حَكَاهُ الدمياطي فِي تَفْسِيره عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: " رأى النَّبِي فِي مَنَامه كَأَن أَوْلَاد الحكم بن أبي الْعَاصِ ينزون على منبره نزو القرود - وَفِي رِوَايَة (يتداولون منبره تداول الكرة) - فساءه ذَلِك، فَدَعَا أَبَا بكر وَعمر وأخبرهما بذلك، ثمَّ سمع أَن الحكم بن أبي الْعَاصِ يَحْكِي الرُّؤْيَا، فَلم يتهم أَبَا بكر، واتهم عمر فَدَعَاهُ، وَقَالَ لَهُ: لم أفشيت سري؟ فَقَالَ: وَالله مَا ذكرته لأحد؟ فَقَالَ رَسُول الله، كَيفَ وَالْحكم يَحْكِي هَذَا للنَّاس؟ ! فَقَالَ عمر: نَجْتَمِع ثَانِيًا حَتَّى أخْبرك من أفشاه. قَالَ: فجَاء هُوَ وَأَبُو بكر، وقعدا مَعَ الرَّسُول فِي ذَلِك الْموضع، وَجعلُوا يذكرُونَ هَذَا، ثمَّ إِن عمر خرج مبادرا، فَإِذا هُوَ بالحكم يستمع، فَذكر ذَلِك للنَّبِي، فطرده رَسُول الله من الْمَدِينَة، وَلم يأوه أَبُو بكر وَلَا عمر، وَمَا زَالَ طريدا إِلَى زمن عُثْمَان " الْقِصَّة إِلَى آخرهَا. هَذَا هُوَ الرُّؤْيَا الَّتِي ذكر فِي الْآيَة. وَقد رُوِيَ " أَن النَّبِي مَا روى مستجمعا [ضَاحِكا] مُنْذُ رأى هَذِه الرُّؤْيَا إِلَى أَن مَاتَ. وَأما الشَّجَرَة الملعونة فالأكثرون أَنَّهَا شَجَرَة الزقوم، فَإِن قيل: أَيْن لعنها فِي الْقُرْآن؟ وَالْجَوَاب: أَن المُرَاد من الشَّجَرَة الملعونة، أَي: الملعون آكلها. وَقَالَ الزّجاج: الْعَرَب تَقول لكل طَعَام كريه: طَعَام مَلْعُون. فعلى هَذَا تَقْدِير الْآيَة: ﴿وَمَا جعلنَا الرُّؤْيَا الَّتِي

стр. 3246

﴿وَإِذ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجوا لآدَم فسجدوا إِلَّا إِبْلِيس قَالَ أأسجد لمن خلقت طينا (٦١) ﴾ أريناك) ، وَكَذَلِكَ مَا جعلنَا الشَّجَرَة الملعونة ﴿فِي الْقُرْآن﴾ إِلَّا فتْنَة للنَّاس. وَأما الْفِتْنَة فِي شَجَرَة الزقوم من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن أَبَا جهل قَالَ: إِن النَّار تَأْكُل الشّجر، وَأَن مُحَمَّدًا يزْعم أَن النَّار تنْبت الشَّجَرَة. وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن عبد الله بن الزبعري قَالَ: يَا قوم، إِن مُحَمَّدًا يخوفنا بالزقوم، وَمَا نَعْرِف الزقوم إِلَّا الزّبد وَالتَّمْر، فَقَالَ أَبُو جهل: يَا جَارِيَة، هَلُمِّي فزقمينا. وَالْقَوْل الثَّانِي: فِي شَجَرَة الزقوم أَنَّهَا شَجَرَة الكشوثا الَّتِي تلتوي على الشّجر فتجففه. وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن الشَّجَرَة الملعونة فِي الْقُرْآن أَوْلَاد الحكم بن أبي الْعَاصِ، وَهُوَ مَرْوَان وَبَنوهُ. ذكره سعيد بن الْمسيب، وَأنكر جمَاعَة من أهل التَّفْسِير هَذَا القَوْل، وَالله أعلم. وَقَوله: ﴿ونخوفهم﴾ أَي: نحذرهم ﴿فَمَا يزيدهم﴾ أَي: مَا يزيدهم التخويف ﴿إِلَّا طغيانا كَبِيرا﴾ أَي: تمردا وعتوا عَظِيما.

стр. 3247

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا لآدَم﴾ قد ذكرنَا معنى السُّجُود فِي سُورَة الْبَقَرَة، وَاخْتِلَاف النَّاس فِيهِ. وَقَوله: ﴿فسجوا إِلَّا إِبْلِيس قَالَ أأسجد لمن خلقت طينا﴾ مَعْنَاهُ: لمن خلقته طينا. وَقَوله: ﴿طينا﴾ نصب على الْحَال أَي: فِي حَال طينته، وَفِي الْآيَة حذف، وَمَعْنَاهُ: أأسجد لمن خلقته من طين، وخلقتني من نَار، وللنار فضل على الطين، فَإِن النَّار تَأْكُل الطين. وَلم يعلم الْخَبيث أَن الْجَوَاهِر كلهَا من جنس وَاحِد؛ وَالْفضل لما فَضله الله تَعَالَى. وَفِي الطين من الْمَنَافِع مَا يقادم مَنَافِع النَّار، أَو يرقى عَلَيْهَا، وللطين من كرم الطَّبْع مَا لَيْسَ للنار.

стр. 3248

﴿قَالَ أرأيتك هَذَا الَّذِي كرمت عَليّ لَئِن أخرتن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لأحتنكن ذُريَّته إِلَّا قَلِيلا (٦٢) ﴾ وروى سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس: أَن الله بعث إِبْلِيس حَتَّى أَخذ من الأَرْض قَبْضَة من التُّرَاب، وَكَانَ فِيهَا المالح والعذب فخلق مِنْهَا آدم، فَمن خلقه من العذب كَانَ سعيدا وَإِن كَانَ من أبوين كَافِرين، وَمن خلقه من المالح كَانَ شقيا، وَإِن كَانَ من صلب (بني آدم) . قَالَ ابْن عَبَّاس فَقَوله: ﴿أأسجد لمن خلقت طينا﴾ أَي: أأخضع لمن خلقته من طين، وَأَنا جِئْت بِهِ؟ .

стр. 3249

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ أرأيتك هَذَا الَّذِي﴾ قَوْله: " أَرَأَيْت " أَي: أَخْبرنِي، وَالْكَاف لتأكيد المخاطبة. وَقَوله تَعَالَى: ﴿هَذَا الَّذِي كرمت عَليّ﴾ أَي: كرمته عَليّ وفضلته. وَقَوله: ﴿لَئِن أخرتن﴾ أَي: أمهلتني ﴿إِلَى يَوْم الْقِيَامَة﴾ فطمع الْخَبيث أَن ينطر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وينجو من الْمَوْت، فَأبى الله تَعَالَى ذَلِك عَلَيْهِ، على مَا قَالَ فِي سُورَة الْحجر: ﴿فَإنَّك من المنظرين إِلَى يَوْم الْوَقْت الْمَعْلُوم﴾ . وَقَوله: ﴿لأحتنكن ذُريَّته﴾ قَالُوا: لأستأصلنهم؛ يُقَال: احتنك الْجَرَاد الزَّرْع إِذا استأصله. وَمِنْهُم من قَالَ: هُوَ مَأْخُوذ من حنك الدَّابَّة إِذا شدّ فِي حنكها الْأَسْفَل حبلا (رسنا) يَسُوقهَا بِهِ. وَمَعْنَاهُ: لأسوقنهم إِلَى الْمعاصِي سوقا، ولأميلنهم إِلَيْهِ ميلًا، وَقيل: لأستولين عَلَيْهِم بالإعواء، وَقيل: لأضلنهم. وَقَوله: ﴿ذُريَّته﴾ أَوْلَاده ﴿إِلَّا قَلِيلا﴾ والقليل هم الَّذين قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان﴾ فَإِن قيل: كَيفَ عرف إِبْلِيس أَن

стр. 3250

﴿قَالَ اذْهَبْ فَمن تبعك مِنْهُم فَإِن جَهَنَّم جزاؤكم جَزَاء موفورا (٦٣) واستفزز من اسْتَطَعْت مِنْهُم بصوتك وأجلب عَلَيْهِم بخيلك ورجلك وشاركهم فِي الْأَمْوَال﴾ أَكثر ذُرِّيَّة آدم يتبعونه؟ قُلْنَا: الْجَواب من وَجْهَيْن: أَنه لما رأى انقياد آدم لوسوسته طمع فِي ذُريَّته. وَالثَّانِي: أَنه رأى ذَلِك فِي اللَّوْح مَكْتُوبًا، وَعرف كَمَا عرف الْمَلَائِكَة حِين قَالُوا: ﴿أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا ويسفك الدِّمَاء﴾ .

стр. 3251

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمن تبعك مِنْهُم فَإِن جَهَنَّم جزاؤكم جَزَاء موفورا﴾ أَي: موفرا وَمعنى موفرا أَي: مكملا وَقَالَ الشَّاعِر: (وَمن يَجْعَل الْمَعْرُوف من دون عرضه ... يفسره وَمن لَا يتق الشتم يشْتم)

стр. 3252

قَوْله تَعَالَى: ﴿واستفزز﴾ قَالَ الْأَزْهَرِي مَعْنَاهُ: وادعوهم دُعَاء تستفزهم إِلَى إجابتك، أَي: فتستخفهم. وَقيل: استفزز بهم أَي: أسْرع بهم، وَقيل: احملهم على الإغواء. وَقَوله: ﴿من اسْتَطَعْت مِنْهُم﴾ بَينا معنى الِاسْتِطَاعَة، وَأنْشد الشَّاعِر فِي معنى الاستفزاز: (فَقلت لَهَا هِيَ فَلَا تستفزي ... ذَوَات الْعُيُون وَالْبَيَان المحصب) وَقَوله: ﴿بصوتك﴾ قَالَ مُجَاهِد: الْغناء وَاللَّهْو، وَقَالَ الْحسن: الدُّف والمزمار، وَقيل: كل صَوت يَدْعُو إِلَى غير طَاعَة الله، وَقيل: كل كَلَام يتَكَلَّم بِهِ فِي غير ذَات الله. وَقَوله: ﴿وأجلب عَلَيْهِم﴾ أَي: اجْمَعْ عَلَيْهِم مكائدك وحيلك، يُقَال: جلب على الْعَدو إِذا جمع عَلَيْهِم الْجَيْش. وَفِي الْمثل: " إِذا لم تغلب فأجلب " وَقيل مَعْنَاهُ: أجمع عَلَيْهِم جيشك وجندك. وَقَوله: ﴿بخيلك ورجلك﴾ كل رَاكب فِي مَعْصِيّة فَهُوَ من خيل إِبْلِيس، وكل ماشي فِي مَعْصِيَته فَهُوَ فِي رجل إِبْلِيس. وَالْخَيْل: الرَّاكِب، وَالرجل: المشاة، وَفِي الْخَبَر:

стр. 3253

﴿وَالْأَوْلَاد وعدهم وَمَا يعدهم الشَّيْطَان إِلَّا غرُورًا (٦٤) ﴾ " يَا خيل الله، ارْكَبِي ". وَقَوله: ﴿وشاركهم فِي الْأَمْوَال﴾ كل كسب من حرَام، وكل مَا أنْفق [فِي] مَعْصِيّة الله، فَهُوَ الَّذِي شَارك فِيهِ إِبْلِيس، وَقيل: مَا زين لَهُم من الْبحيرَة والسائبة والوصيلة والحام. وَقَوله: ﴿وَالْأَوْلَاد﴾ فِيهِ أَقْوَال: قَالَ ابْن عَبَّاس: الموءودة. قَالَ مُجَاهِد: أَوْلَاد الزِّنَا، وَقَالَ غَيره: هُوَ تهويدهم وتنصيرهم وتمجيسهم. وَعَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة أُخْرَى هُوَ: تسميتهم الْأَوْلَاد: عبد الْعُزَّى، وَعبد الدَّار، وَعبد منَاف، وَمَا أشبه ذَلِك. وَفِي بعض المسانيد عَن ابْن عَبَّاس أَن رجلا أَتَاهُ، وَقَالَ: إِن امْرَأَتي استيقظت، وَكَأن فِي فرجهَا شعلة نَار، قَالَ: ذَاك من وطىء الْجِنّ. قَالَ: فَمن أَوْلَادهم؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ المخنثون. وَعَن جَعْفَر بن مُحَمَّد: إِن الشَّيْطَان يقْعد على ذكر الرجل؛ فَإِذا لم يسم الله أصَاب امْرَأَته مَعَه، وَأنزل فِي فرجهَا كَمَا ينزل الرجل. وَرُوِيَ قَرِيبا من هَذَا عَن مُجَاهِد. وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي قَالَ: " إِن فِيكُم مغربين. قيل: وَمن المغربون؟ قَالَ: الَّذين شَارك فيهم الْجِنّ ". وَقَوله: ﴿وعدهم﴾ أَي: قل لَهُم: لَا جنَّة وَلَا نَار، وَقيل: قل لَهُم: أَن لَا بعث. وَقَوله: ﴿وَمَا يعدهم الشَّيْطَان إِلَّا غرُورًا﴾ الْغرُور: تَزْيِين الْبَاطِل بِمَا يظنّ أَنه حق. وَفِي بعض التفاسير بِرِوَايَة أنس عَن النَّبِي: " أَن إِبْلِيس قَالَ: يَا رب، لعنتني، وأخرجتني من الْجنَّة لأجل آدم؛ فسلطني عَلَيْهِ وعَلى ذُريَّته، فَقَالَ الله تَعَالَى: أَنْت مسلط، فَقَالَ: إِنِّي لَا أستطيعه إِلَّا بك فزدني، فَقَالَ: ﴿واستفزز من اسْتَطَعْت مِنْهُم﴾

стр. 3254

﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان وَكفى بِرَبِّك وَكيلا (٦٥) ﴾ إِلَى آخر الْآيَة. فَقَالَ آدم: يَا رب، أَنْت سلطت إِبْلِيس عَليّ وعَلى ذريتي، وَإِنِّي لَا أستطيعه إِلَّا بك فَمَالِي، فَقَالَ: لَا يُولد لَك ولد إِلَّا وكلت بِهِ من يَحْفَظُونَهُ، فَقَالَ: زِدْنِي، فَقَالَ: الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا، والسيئة بِمِثْلِهَا، فَقَالَ: زِدْنِي. فَقَالَ: التَّوْبَة معروضة مادام الرّوح فِي الْجَسَد، فَقَالَ: زِدْنِي، فَقَالَ: ﴿يَا عبَادي الَّذين أَسْرفُوا على أنفسهم﴾ الْآيَة ". وَفِي هَذَا الْخَبَر " أَن إِبْلِيس قَالَ: يَا رب، بعثت أَنْبيَاء، وأنزلت كتبا، فَمَا قرآني؟ قَالَ: الشّعْر. قَالَ: فَمَا كتابي؟ قَالَ: الوشم. قَالَ: فَمَا طَعَامي؟ قَالَ: كل طَعَام مَا لم يذكر عَلَيْهِ اسْم الله. قَالَ: فَمَا شرابي؟ قَالَ: كل مُسكر. قَالَ: فَمَا حبائلي؟ قَالَ: النِّسَاء. قَالَ: فَمَا آذَانِي؟ قَالَ المزمار. قَالَ: فَمَا بَيْتِي؟ قَالَ: الْحمام. قَالَ: فَمَا منتصبي؟ قَالَ: السُّوق ". وَالْخَبَر غَرِيب جدا، وَالله أعلم. فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يَأْمر الله تَعَالَى بِهَذِهِ الْأَشْيَاء، وَهُوَ يَقُول: ﴿إِن الله لَا يَأْمر بالفحشاء﴾ وَالْجَوَاب: أَن هَذَا أَمر تهديد ووعيد، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُم﴾ وكالرجل يَقُول لغيره: افْعَل مَا شِئْت فسترى، وَمثل هَذَا يكثر.

стр. 3255

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان﴾ قد بَينا، وَقد قيل إِن مَعْنَاهُ: لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان فِي أَن تحملهم على ذَنْب لَا أقبل تَوْبَتهمْ مِنْهُ. وَقَوله: ﴿وَكفى بِرَبِّك وَكيلا﴾ أَي: حَافِظًا، أَو من يُوكل إِلَيْهِ الْأَمر.

стр. 3256

﴿ربكُم الَّذِي يزجي لكم الْفلك فِي الْبَحْر لتبتغوا من فَضله إِنَّه كَانَ بكم رحِيما (٦٦) وَإِذا مسكم الضّر فِي الْبَحْر ضل من تدعون إِلَّا إِيَّاه فَلَمَّا نجاكم إِلَى الْبر أعرضتم وَكَانَ الْإِنْسَان كفورا (٦٧) أفأمنتم أَن يخسف بكم جَانب الْبر أَو يُرْسل عَلَيْكُم﴾

стр. 3257

قَوْله تَعَالَى: ﴿ربكُم الَّذِي يزجي لكم الْفلك فِي الْبَحْر﴾ أَي: يَسُوق ويسير، قَالَ الشَّاعِر: (يَا أَيهَا الرَّاكِب المزجى مطيته ... سَائل بني أَسد مَا هَذِه الصَّوْت) وَقَوله: ﴿لكم الْفلك فِي الْبَحْر﴾ أَي: السَّفِينَة فِي الْبَحْر. ﴿ولتبتغوا من فَضله﴾ أَي: لتطلبوا من رزقه. وَقَوله: ﴿إِنَّه كَانَ بكم رحِيما﴾ ظَاهر.

стр. 3258

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا مسكم الضّر فِي الْبَحْر﴾ أَي: الشدَّة فِي الْبَحْر، وَإِنَّمَا خص الْبَحْر بِالذكر؛ لِأَن الْيَأْس عِنْد وُقُوع الشدَّة فِيهِ أغلب. وَقَوله: ﴿ضل من تدعون إِلَّا إِيَّاه﴾ أَي: بَطل وَسقط. وَقَوله: ﴿من تدعون﴾ أَي: من تَدعُونَهُ ﴿إِلَّا إِيَّاه﴾ أَي: إِلَّا الله، وَهَذَا فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مُخلصين لَهُ الدّين﴾ . وَقَوله: ﴿فَلَمَّا نجاكم إِلَى الْبر أعرضتم﴾ يَعْنِي: عَن الْإِخْلَاص والالتجاء إِلَى الله. وَقَوله: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَان كفورا﴾ أَي: كَافِرًا.

стр. 3259

قَوْله تَعَالَى: ﴿أفأمنتم أَن يخسف بكم جَانب الْبر﴾ الْخَسْف بالشَّيْء: هُوَ تغييبه فِي الأَرْض، وَقيل: هُوَ ابتلاع الأَرْض إِيَّاه. وَقَوله ﴿جَانب الْبر﴾ أَي: طرفا من الْبر. وَقَوله: ﴿أَو يُرْسل عَلَيْكُم حاصبا﴾ أَي: ريحًا ذَات حَصْبَاء، والحصباء الْحِجَارَة. مَعْنَاهُ: ريحًا ترمي بِالْحِجَارَةِ.

стр. 3260

﴿حاصبا ثمَّ لَا تَجدوا لكم وَكيلا (٦٨) أم أمنتم أَن يعيدكم فِيهِ تَارَة أُخْرَى فَيُرْسل عَلَيْكُم قاصفا من الرّيح فيغرقكم بِمَا كَفرْتُمْ ثمَّ لَا تَجدوا لكم علينا بِهِ تبيعا (٦٩) وَلَقَد كرمنا بني آدم وحملناهم فِي الْبر وَالْبَحْر ورزقناهم من الطَّيِّبَات وفضلناهم﴾ وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة الحاصب: الْبرد، وَقَالَ بَعضهم الحاصب: الثَّلج. قَالَ الفرزدق: (مُسْتَقْبلين شمال الرّيح بطردهم ... ذُو حاصب كنديف [الْقطن] منثور) وَقَوله: ﴿ثمَّ لَا تَجدوا لكم وَكيلا﴾ أَي: من تكلون أَمركُم إِلَيْهِ فينجيكم؟ .
следующие страницы →