← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

﴿من الْبشر أحدا فَقولِي إِنِّي نذرت للرحمن صوما فَلَنْ أكلم الْيَوْم إنسيا (٢٦) فَأَتَت بِهِ﴾ (إِن السّري إِذا سرى بِنَفسِهِ ... وَابْن السّري إِذا سرى أسراهما)

стр. 3327

قَوْله تَعَالَى: ﴿وهزي إِلَيْك بجذع الْخلَّة﴾ قد بَينا هَذَا من قبل، وَذكرنَا أَنَّهَا هزت وأورقت وأثمرت. وَقَوله: ﴿تساقط عَلَيْك رطبا﴾ أَي: تتساقط، فأدغمت إِحْدَى التَّاءَيْنِ فِي الْأُخْرَى. والجني: هُوَ الَّذِي بلغ الْغَايَة، وَجَاء أَوَان اجتنائه. قَالَ الْكَلْبِيّ: رطبا بغباره. وَعَن ابْن الْمسيب بن دارم قَالَ: كَانَ برنيا، وَهِي أشْبع التَّمْر. وَعَن مُحَمَّد بن كَعْب قَالَ: كَانَ عَجْوَة.

стр. 3328

قَوْله تَعَالَى: ﴿فكلي واشربي﴾ أَي: كل من الرطب، واشربي من النَّهر. وَقَوله: ﴿وقري عينا﴾ أَي: طيبي نفسا. وَمِنْه قَوْلهم: أقرّ الله عَيْنك، وَقيل: [أَن] الْعين إِذا بَكت من السرُور بالدمع يكون بَارِدًا، وَإِذا بَكت من الْحزن يكون حارا، فَمن هَذَا: أقرّ الله عَيْنك، وأسخن الله عينه. وَقَوله: ﴿فإمَّا تَرين﴾ مَعْنَاهُ: فإمَّا تَرين، وَذكر النُّون للتَّأْكِيد. وَقَوله: ﴿من الْبشر أحدا﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى. وَقَوله: ﴿فَقولِي إِنِّي نذرت للرحمن صوما﴾ قرىء فِي الشاذ: " صمتا ". وَالْمَعْرُوف: " صوما " وَمَعْنَاهُ هُوَ: صمت، وَيُقَال: إِنَّهَا صَامت عَن الْكَلَام وَالطَّعَام جَمِيعًا، وَقيل: كَانَ الرجل من بني إِسْرَائِيل إِذا اجْتهد فِي الْعِبَادَة صَامَ عَن الْكَلَام وَالطَّعَام جَمِيعًا. وَالنّذر عقد على الْبر لَو تمّ أَمر. وَقَوله: ﴿فَلَنْ أكلم الْيَوْم إنسيا﴾ أَي: أحدا. فَإِن قيل: هِيَ تَكَلَّمت بِهَذَا، فَكيف تكون صَائِمَة عَن الْكَلَام؟ قُلْنَا: أذن لَهَا فِي هَذَا الْقدر من الْكَلَام.

стр. 3329

﴿قَومهَا تحمله قَالُوا يَا مَرْيَم لقد جِئْت شَيْئا فريا (٢٧) يَا أُخْت هَارُون مَا كَانَ أَبوك امْرأ﴾

стр. 3330

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَتَت بِهِ قَومهَا تحمله﴾ فِي الْقِصَّة أَنَّهَا ولدت ثمَّ (حَملته) فِي الْحِين إِلَى قَومهَا، وَفِي بعض الرِّوَايَات: أَنَّهَا حَملته إِلَى قَومهَا بعد أَرْبَعِينَ يَوْمًا من وِلَادَتهَا. وَقَوله: ﴿قَالُوا يَا مَرْيَم لقد جِئْت شَيْئا فريا﴾ قَالَ مُجَاهِد: عَظِيما مُنْكرا، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: عجبا. وَقيل: مختلقا مفتعلا. وَقد رُوِيَ أَنَّهَا لما أَتَت بِعِيسَى إِلَى قَومهَا وَأهل بَيتهَا حزنوا حزنا شَدِيدا - وَكَانُوا أهل بَيت صالحين - وظنوا بهَا الظنون.

стр. 3331

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أُخْت هَارُون﴾ يَا شَبيهَة هَارُون. قَالَ قَتَادَة: وَكَانَ هَارُون رجلا عابدا فِي بني إِسْرَائِيل، وَلَيْسَ هُوَ هَارُون أَخُو مُوسَى، فشبهوها بِهِ على معنى أَنا ظننا وحسبنا (أَنَّك فِي) الصّلاح مثل هَارُون، وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن المبذرين كَانُوا إخْوَان الشَّيَاطِين﴾ أَي: أشباه الشَّيَاطِين. وَعَن كَعْب: أَن هَارُون كَانَ من أعبد بني إِسْرَائِيل وأمثلهم، قَالَ: وَلما توفّي صلى على جنَازَته أَرْبَعُونَ ألفا، كلهم يسمون هَارُون سوى سَائِر النَّاس، وَكَانُوا يسمون أَوْلَادهم باسمه لحبهم إِيَّاه. وروى الْمُغيرَة بن شُعْبَة " أَن النَّبِي لما (بَعثه) إِلَى نَجْرَان قَالَ لَهُ نَصَارَى نَجْرَان: إِنَّكُم تقرءون: يَا أُخْت هَارُون! بَين مَرْيَم وَهَارُون كَذَا وَكَذَا من السنين، فَلم يدر الْمُغيرَة كَيفَ يُجيب، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى النَّبِي ذكر ذَلِك لَهُ، فَقَالَ: أَلا قلت لَهُم: كَانُوا يسمون باسم أَنْبِيَائهمْ وصالحيهم ". رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه. وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَن المُرَاد بهَارُون: أَخُو مُوسَى، وَهَذَا كَمَا يَقُول الْقَائِل:

стр. 3332

﴿سوء وَمَا كَانَت أمك بغيا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيفَ نُكَلِّم من كَانَ فِي المهد صَبيا﴾ أَخا تَمِيم، أَو يَا أَخا ثَعْلَب، إِذا كَانَ من أَوْلَاده، وَقد كَانَت مَرْيَم من أَوْلَاد هَارُون. وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن هَارُون كَانَ رجلا فَاسِقًا فِي بني إِسْرَائِيل عَظِيم الْفسق، فشبهوها بِهِ. وَفِي الْآيَة قَول رَابِع: أَن هَارُون كَانَ أَخا مَرْيَم لأَبِيهَا، فعلى هَذَا المُرَاد من الْأُخوة فِي النّسَب. وَقَوله: ﴿مَا كَانَ أَبوك امْرأ سوء وَمَا كَانَت أمك بغيا﴾ أَي: زَانِيَة. وَمَعْنَاهُ: كَيفَ جِئْت مفْسدَة زَانِيَة من أبوين صالحين؟

стр. 3333

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ مَعْنَاهُ: فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ أَي: كَلمُوهُ. قَالَ ابْن مَسْعُود: لما لم يكن لَهَا حجَّة أشارت إِلَيْهِ؛ لتبرىء ساحتها، وَيكون كَلَامه حجَّة (لَهَا) . وَفِي الْقِصَّة: أَنَّهَا لما أشارت إِلَيْهِ غضب الْقَوْم، وَقَالُوا: مَعَ مَا فعلت تهزئين وتسخرين بِنَا. وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالُوا كَيفَ نُكَلِّم من كَانَ فِي المهد صَبيا﴾ فَإِن قيل: أيش معنى قَوْله: ﴿كَانَ فِي المهد صَبيا﴾ ، وَمَا من رجل من الْعَالم إِلَّا كَانَ فِي المهد صَبيا؟ ! وَالْجَوَاب عَنهُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كَانَ صلَة، وَمعنى الْآيَة: كَيفَ نُكَلِّم صَبيا فِي المهد؟ . وَقَالَ الزّجاج: هَذَا على طَرِيق الشَّرْط، أَي: من هُوَ صبي فِي المهد كَيفَ نكلمه؟ . وَمعنى " كَانَ ": هُوَ، أَو معنى " كَانَ ": صَار، وَهَذَا اخْتِيَار [ابْن] الْأَنْبَارِي.

стр. 3334

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنِّي عبد الله﴾ فِي التَّفْسِير: أَن مَرْيَم لما أشارت إِلَيْهِ فَكَانَ يرتضع من ثديها فَترك الثدي، وَأَقْبل على (الْقَوْم، واتكأ على) يسَاره، وَجعل يُشِير بِيَمِينِهِ، وَقَالَ هَذَا القَوْل. وَقَوله: ﴿إِنِّي عبد الله﴾ أقرّ بالعبودية أَولا؛ لِئَلَّا يتَّخذ إِلَهًا.

стр. 3335

( ﴿٢٩) قَالَ إِنِّي عبد الله آتَانِي الْكتاب وَجَعَلَنِي نَبيا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْن مَا كنت وأوصاني بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة مَا دمت حَيا (٣١) وَبرا بوالدتي وَلم يَجْعَلنِي جبارا شقيا﴾ وَقَوله: ﴿آتَانِي الْكتاب﴾ . أَي: الْإِنْجِيل. وَالْأَكْثَرُونَ على أَنه أُوتِيَ الْإِنْجِيل وَهُوَ صَغِير طِفْل؛ إِلَّا أَنهم قَالُوا: كَانَ يعقل عقل الرِّجَال. هَذَا قَول الْحسن وَغَيره من السّلف، وَعَن الْحسن أَنه قَالَ: جعل نَبيا، وأوتي الْإِنْجِيل، وَهُوَ فِي بطن أمه. وَقَالَ بَعضهم: ﴿آتَانِي الْكتاب﴾ أَي: سيؤتيني الْكتاب، ويجعلني نَبيا إِذا صرت رجلا. وَالصَّحِيح هُوَ الأول. وَقَالَ بَعضهم: كَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت على وصف آدم فِي الْعقل وَالْعلم دون الْقَامَة والجثة. وَعَن سعيد بن جُبَير قَالَ: أسلمته أمه إِلَى الْمعلم، فَقَالَ الْمعلم: قل بِسم. فَقَالَ: الله. فَقَالَ: قل: الرَّحْمَن. قَالَ: الرَّحِيم. فَجعل كلما ذكر اسْما ذكر هُوَ الَّذِي يَلِيهِ، فَقَالَ الْمعلم: هَذَا أعلم مني، ثمَّ جعل يخبر الصّبيان بِمَا خبأت أمهاتهم فِي الْبيُوت، فَجعل الصّبيان يرجعُونَ إِلَى بُيُوتهم ويأخذونها، فضجت الْأُمَّهَات من ذَلِك.

стр. 3336

فَقَوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾ أَي: نَفَّاعًا معلما للخير، وَقَالَ الضَّحَّاك: قَضَاء للحوائج. وَقَالَ الثَّوْريّ: آمرا بِالْمَعْرُوفِ وناهيا عَن الْمُنكر. وَقَوله: ﴿أَيْنَمَا كنت﴾ أَي: حَيْثُ كنت. وَقَوله: ﴿وأوصاني بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة﴾ أَي: أَمرنِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة. فَإِن قيل: لم يكن لعيسى مَال، فَكيف يُؤمر بِالزَّكَاةِ؟ وَالْجَوَاب: أَن مَعْنَاهُ أَمرنِي بِالزَّكَاةِ لَو كَانَ لي مَال، وَقيل: أَمرنِي بِالزَّكَاةِ أَي: بِالطَّهَارَةِ من الذُّنُوب، وَيُقَال: بالاستكثار من الْخَيْر. وَقَوله: ﴿مادمت حَيا﴾ أَي: مَا حييت.

стр. 3337

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَبرا بوالدتي﴾ أَي: رءوفا وعطوفا بوالدتي.

стр. 3338

( ﴿٣٢) وَالسَّلَام عَليّ يَوْم ولدت وَيَوْم أَمُوت وَيَوْم أبْعث حَيا (٣٣) ذَلِك عِيسَى ابْن مَرْيَم قَول الْحق الَّذِي فِيهِ يمترون (٣٤) مَا كَانَ لله أَن يتَّخذ من ولد سُبْحَانَهُ إِذا قضى أمرا فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كن فَيكون (٣٥) ﴾ وَقَوله: ﴿وَلم يَجْعَلنِي جبارا شقيا﴾ الْجَبَّار: المتكبر، والشقي هُوَ الَّذِي يَعْصِي الله، وَيُقَال: الْجَبَّار هُوَ الَّذِي يقتل، وَيضْرب على الْغَضَب، وَهَذَا قَول مَعْرُوف، وَيُقَال: الْجَبَّار هُوَ الَّذِي يظلم النَّاس، والشقي هُوَ الَّذِي يُذنب، وَلَا يَتُوب من الذَّنب.

стр. 3339

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّلَام عَليّ يَوْم ولدت﴾ مَعْنَاهُ: التَّحِيَّة وَالْحِفْظ من الله لي يَوْم ولدت ﴿وَيَوْم أَمُوت وَيَوْم أبْعث حَيا﴾ وَقَالَ بَعضهم: السَّلَام بِمَعْنى السَّلامَة عِنْد الْولادَة، هُوَ السَّلامَة من طعن الشَّيْطَان وهمزه، والسلامة عِنْد الْمَوْت هُوَ من الشّرك، فَإِن أَكثر الشّرك يكون عِنْد الْمَوْت، والسلامة يَوْم الْقِيَامَة من الْأَهْوَال. وَقيل: السَّلامَة عِنْد الْمَوْت من ضغطة الْقَبْر، وَقيل: سَلامَة عِنْد الْمَوْت بالوصول إِلَى السَّعَادَة.

стр. 3340

قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك عِيسَى ابْن مَرْيَم﴾ يَعْنِي: هَذَا عِيسَى ابْن مَرْيَم ﴿قَول الْحق الَّذِي فِيهِ يمترون﴾ . يَعْنِي: هَذَا القَوْل هُوَ القَوْل الْحق، وَقَوله ﴿الَّذِي فِيهِ يمترون﴾ أَي: يَخْتَلِفُونَ.

стр. 3341

قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لله أَن يتَّخذ من ولد﴾ مَعْنَاهُ: مَا يصلح لله، وَمَا يَنْبَغِي أَن يتَّخذ من ولد. فَإِن قيل: هلا قَالَ ولدا؟ قُلْنَا: قَالَ من ولد للْمُبَالَغَة؛ فَإِن الرجل قد يَقُول: مَا اتخذ فلَان فرسا يُرِيد الْعدَد، وَإِن كَانَ قد اتخذ وَاحِدًا. فَإِذا قَالَ: مَا اتخذ فلَان من فرس، يكون ذَلِك نفيا للْوَاحِد وَالْعدَد. وَقد بَينا أَن الْوَلَد يكون من جنس الْوَالِد، وَالله لَا جنس لَهُ. وَقَوله سُبْحَانَهُ: ﴿إِذا قضى أمرا﴾ قد بَينا معنى الْقَضَاء. وَقَوله: ﴿فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾ قد ذكرنَا أَيْضا.

стр. 3342

﴿وَإِن الله رَبِّي وربكم فاعبدوه هَذَا صِرَاط مُسْتَقِيم (٣٦) فَاخْتلف الْأَحْزَاب من بَينهم فويل للَّذين كفرُوا من مشْهد يَوْم عَظِيم (٣٧) أسمع بهم وَأبْصر يَوْم يأتوننا لَكِن﴾

стр. 3343

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن الله رَبِّي وربكم﴾ . أَكثر الْمُفَسّرين أَن هَذَا بِنَاء على قَول عِيسَى ﵇، وَمَعْنَاهُ: قَالَ إِنِّي عبد الله ... إِلَى آخِره، وَقَالَ: إِن الله رَبِّي وربكم، وَأما أَن بِالْفَتْح مَعْنَاهُ: وَأخْبر بِأَن الله رَبِّي وربكم، وَقيل تَقْدِيره: وَلِأَن الله رَبِّي وربكم، فاعبده، وَالْعَامِل قَوْله: ﴿فاعبدوه﴾ . وَقَوله: ﴿فاعبدوه هَذَا صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 3344

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاخْتلف الْأَحْزَاب من بَينهم﴾ قَالَ قَتَادَة وَابْن جريج وَغَيرهمَا: لما رفع عِيسَى ﵇ إِلَى السَّمَاء، اخْتَار بَنو إِسْرَائِيل أَرْبَعَة من رُءُوسهم، وسألوهم عَن عِيسَى، فَاخْتَلَفُوا، فَقَالَ أحدهم: كَانَ هُوَ الله نزل من السَّمَاء، وَصَارَ فِي بطن مَرْيَم، وَأَحْيَا وأمات، ثمَّ صعد إِلَى السَّمَاء. فَقَالَ الْآخرُونَ: كذبت، وَهَذَا قَول اليعقوبية من النَّصَارَى. وَقَالَ الثَّانِي: كَانَ هُوَ ابْن الله، فَقَالَ الْآخرَانِ: كذبت. وَهَذَا قَول النسطورية من النَّصَارَى. وَقَالَ الثَّالِث: كَانَ ثَالِث ثَلَاثَة: الله وَمَرْيَم وَعِيسَى، فعيسى أحد الأقانيم الثَّلَاثَة، وَهَذَا قَول الملكانية من النَّصَارَى، قَالَ الرَّابِع: كذبت. ثمَّ إِن الرَّابِع قَالَ: هُوَ عبد الله وَرَسُوله، وَتبع كل وَاحِد جمَاعَة فَاقْتَتلُوا، وَظهر على الْمُسلمين، وَبَقِي الْأَقْوَال الثَّلَاثَة من النَّصَارَى. فَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاخْتلف الْأَحْزَاب من بَينهم﴾ . وَقَوله: ﴿فويل للَّذين كفرُوا﴾ . قد بَينا معنى الويل. وَقَوله: ﴿من مشْهد يَوْم عَظِيم﴾ يَعْنِي: يَوْم الْقِيَامَة.

стр. 3345

قَوْله تَعَالَى: ﴿أسمع بهم وَأبْصر﴾ يَعْنِي: مَا أسمعهم وأبصرهم يَوْم الْقِيَامَة. وَإِنَّمَا

стр. 3346

﴿الظَّالِمُونَ الْيَوْم فِي ضلال مُبين (٣٨) وَأَنْذرهُمْ يَوْم الْحَسْرَة إِذْ قضي الْأَمر وهم فِي غَفلَة﴾ وَصفهم بِهَذَا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى كَانَ وَصفهم بالبكم والعمي والصمم فِي الدُّنْيَا، فَأخْبر أَنهم يسمعُونَ ويبصرون فِي الْآخِرَة، مَا لم يسمعوا ويبصروا فِي الدُّنْيَا. وَيُقَال: وَصفهم بِشدَّة السّمع وَالْبَصَر فِي الْآخِرَة بِحُصُول الْإِدْرَاك بِغَيْر رُؤْيَة وَلَا فكر. وَقَوله: ﴿يَوْم يأتوننا﴾ ظَاهر الْمَعْنى. وَقَوله: ﴿لَكِن الظَّالِمُونَ الْيَوْم فِي ضلال مُبين﴾ أَي: خطأ بَين. وَيُقَال قَوْله: ﴿أسمع بهم وَأبْصر﴾ تهديد ووعيد وَمَعْنَاهُ: أَنهم يسمعُونَ مَا تصدع قُلُوبهم، ويرون مَا يُهْلِكهُمْ.

стр. 3347

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَأَنْذرهُمْ يَوْم الْحَسْرَة﴾ مَعْنَاهُ: يَوْم الندامة، وَيُقَال: كل النَّاس يندمون يَوْم الْقِيَامَة؛ أما الْمُسِيء فيندم هلا أحسن، وَأما المحسن فيندم هلا ازْدَادَ (حسنا) . وَأما قَول أَكثر الْمُفَسّرين فِي الْآيَة: هَذِه الْحَسْرَة حَيْثُ يذبح الْمَوْت على الصِّرَاط، وَقد صَحَّ الْخَبَر بِرِوَايَة أبي هُرَيْرَة، وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي، أَنه قَالَ: " إِذا أَدخل الله أهل الْجنَّة الْجنَّة، وَأهل النَّار النَّار يُنَادي مُنَاد: يَا أهل الْجنَّة، فيشرفون وَيَنْظُرُونَ، وينادي: يَا أهل النَّار، فيشرفون وَيَنْظُرُونَ؛ فَيُؤتى بِالْمَوْتِ على صُورَة كَبْش أَمْلَح، فَيُقَال لَهُم: هَل تعرفُون هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نعرفه، هَذَا هُوَ الْمَوْت فَيذْبَح ". وَفِي رِوَايَة أبي هُرَيْرَة: " يذبح على الصِّرَاط " ثمَّ يُقَال: يَا أهل الْجنَّة خُلُود (وَلَا موت) ، وَيَا أهل النَّار، خُلُود فَلَا موت ". وَفِي بعض الرِّوَايَات: " لَو مَاتَ أهل الْجنَّة لماتوا فَرحا، وَلَو مَاتَ أهل النَّار لماتوا حزنا، ثمَّ قَرَأَ النَّبِي: ﴿وَأَنْذرهُمْ يَوْم الْحَسْرَة إِذْ قضي الْأَمر﴾ . . الْآيَة ".

стр. 3348

﴿وهم لَا يُؤمنُونَ (٣٩) إِنَّا نَحن نرث الأَرْض وَمن عَلَيْهَا وإلينا يرجعُونَ (٤٠) وَاذْكُر فِي الْكتاب إِبْرَاهِيم إِنَّه كَانَ صديقا نَبيا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَت لم تعبد مَا لَا يسمع وَلَا يبصر وَلَا يُغني عَنْك شَيْئا (٤٢) يَا أَبَت إِنِّي قد جَاءَنِي من الْعلم مَا لم يأتك فاتبعني﴾ وَقَوله: ﴿قضي الْأَمر﴾ أَي: فرغ من الْأَمر. وَقَوله: ﴿وهم فِي غَفلَة﴾ مَعْنَاهُ: وهم فِي غَفلَة فِي الدُّنْيَا عَمَّا يعْمل بهم فِي الْآخِرَة. وَقَوله: ﴿وهم لَا يُؤمنُونَ﴾ أَي: لَا يصدقون.

стр. 3349

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحن نرث الأَرْض وَمن عَلَيْهَا﴾ الْآيَة. مَعْنَاهُ: إِنَّا نميت سكان الأَرْض، ونهلكهم، فَتكون الأَرْض وَمن عَلَيْهَا لنا وَفِي حكمنَا. وَمعنى الْإِرْث: هُوَ أَنه لَا يبْقى لأحد ملك وَلَا سَبَب سوى الله. قَوْله: ﴿وإلينا يرجعُونَ﴾ أَي: يردون.

стр. 3350

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُر فِي الْكتاب إِبْرَاهِيم إِنَّه كَانَ صديقا﴾ الصّديق هُوَ: الْكثير الصدْق، الْقَائِم عَلَيْهِ. وَيُقَال: من صدق الله فِي وحدانيته، وَصدق أنبياءه وَرُسُله، وَصدق بِالْبَعْثِ، وَقَامَ بالأوامر فَعمل بهَا؛ فَهُوَ صديق. وَقَوله: ﴿نَبيا﴾ النَّبِي هُوَ: العالي فِي الرُّتْبَة بإرسال الله إِيَّاه، وَإِقَامَة الدَّلِيل على صدقه.

стр. 3351

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَت﴾ مَعْنَاهُ: يَا أبي، فأقيمت التَّاء مقَام يَاء الْإِضَافَة. وَقَوله: ﴿لم تعبد مَا لَا يسمع وَلَا يبصر وَلَا يُغني عَنْك شَيْئا﴾ أَي: لَا يسمع إِن دَعوته، وَلَا يبصر إِن أَتَيْته ﴿وَلَا يُغني عَنْك شَيْئا﴾ لَا يدْفع عَنْك، وَمَعْنَاهُ: لَا يغيثك إِن استغثت بِهِ.

стр. 3352

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَبَت إِنِّي قد جَاءَنِي مَا لم يأتك﴾ أَي: من الْعلم والمعرفة بِاللَّه مَا لم يأتك.

стр. 3353

﴿أهدك صراطا سويا (٤٣) يَا أَبَت لَا تعبد الشَّيْطَان إِن الشَّيْطَان كَانَ للرحمن عصيا (٤٤) يَا أَبَت إِنِّي أَخَاف أَن يمسك عَذَاب من الرَّحْمَن فَتكون للشَّيْطَان وليا (٤٥) قَالَ أراغب أَنْت عَن آلهتي يَا إِبْرَاهِيم لَئِن لم تَنْتَهِ لأرجمنك واهجرني مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلام﴾ ﴿فاتبعني أهدك﴾ أرشدك ﴿صراطا سويا﴾ مُسْتَقِيمًا.

стр. 3354

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَبَت لَا تعبد الشَّيْطَان﴾ مَعْنَاهُ: لَا تُطِع الشَّيْطَان فِيمَا يزين لَك من الْكفْر والشرك. وَقَوله: ﴿إِن الشَّيْطَان كَانَ للرحمن عصيا﴾ أَي: عَاصِيا.

стр. 3355

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَبَت إِنِّي أَخَاف﴾ الْخَوْف هَا هُنَا بِمَعْنى: الْعلم، وَمَعْنَاهُ: إِنِّي أعلم أَنه ﴿يمسك عَذَاب من الرَّحْمَن﴾ إِن أَقمت على الْكفْر. ﴿فَتكون للشَّيْطَان وليا﴾ يَعْنِي: يلزمك ولَايَة أَي: مُوالَاة الشَّيْطَان وَتَكون مثله. وَقيل: فتوكل إِلَى الشَّيْطَان، ويخذلك الله.

стр. 3356

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ أراغب أَنْت عَن آلهتي يَا إِبْرَاهِيم﴾ فِي الْقِصَّة: أَن أَبَا إِبْرَاهِيم كَانَ ينحت الصَّنَم ويعبده، وَكَانَ يُعْطي الْأَصْنَام بنيه يبيعونها، فَكَانَ إِذا أعْطى إِبْرَاهِيم صنما يَبِيعهُ، فَيَقُول إِبْرَاهِيم: من يَشْتَرِي مني مَا يضرّهُ وَلَا يَنْفَعهُ؟ ! فَيرجع وَمَا بَاعَ، وَيرجع سَائِر الْبَنِينَ وَقد باعوا. وَقَوله: ﴿قَالَ أراغب أَنْت عَن آلهتي يَا إِبْرَاهِيم﴾ يُقَال: رغب عَن الشَّيْء إِذا تَركه، وَرغب (فِي الشَّيْء إِذا طلبه) . وَقَوله: ﴿لَئِن لم تَنْتَهِ﴾ يَعْنِي: عَن عَمَلك. ﴿لأرجمنك﴾ . قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: لأَقْتُلَنك بِالْحِجَارَةِ، وَقَالَ غَيره: لأشتمنك، ولأبعدنك عَن نَفسِي بالشتم والقبح من القَوْل "، وَهَذَا أعرف الْقَوْلَيْنِ. وَقَوله: ﴿واهجرني مَلِيًّا﴾ قَالَ الْحسن: زَمَانا طَويلا. وَقَالَ عِكْرِمَة: دهرا.

стр. 3357

﴿عَلَيْك سأستغفر لَك رَبِّي إِنَّه كَانَ بِي حفيا (٤٧) وأعتزلكم وَمَا تدعون من دون الله وأدعو رَبِّي عَسى أَلا أكون بِدُعَاء رَبِّي شقيا (٤٨) فَلَمَّا اعتزلهم وَمَا يعْبدُونَ من دون﴾ قَالَ مهلهل شعرًا: (فتصدعت صم الْجبَال لمَوْته ... وبكت عَلَيْهِ المرملات مَلِيًّا) وَمِنْه: الملوان هُوَ اللَّيْل وَالنَّهَار. وَيُقَال: مَلِيًّا أَي: سليما سويا من عقوبتي وإيذائي، وَحكي هَذَا عَن ابْن عَبَّاس، وَمِنْه: فلَان ملي بِأَمْر كَذَا، إِذا كَانَ كَامِلا فِيهِ.

стр. 3358

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ سَلام عَلَيْك﴾ . قَالَ بَعضهم: هَذَا سَلام هجران ومفارقة. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ سَلام بر ولطف، وَهُوَ جَوَاب حَلِيم لسفيه، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذا خاطبهم الجاهلون قَالُوا سَلاما﴾ . وَيُقَال: معنى قَوْله: ﴿سَلاما﴾ أَي: سَلامَة لَك مني؛ لِأَنَّهُ لم يكن أَمر بقتاله. وَقَوله: ﴿سأستغفر لَك رَبِّي﴾ . فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: سأستغفر لَك رَبِّي إِن آمَنت، وَالْقَوْل الثَّانِي: سأسأل الله لَك التَّوْبَة الَّتِي توجب الْمَغْفِرَة، وَقد كَانَت تَوْبَته هِيَ الْإِيمَان. وَقَوله: ﴿إِنَّه كَانَ بِي حفيا﴾ أَي: عودني الْإِجَابَة لدعائي. وَقيل: محبا.

стр. 3359

قَوْله تَعَالَى: ﴿وأعتزلكم﴾ [هَذَا الاعتزال] هُوَ: تَركهم فِي مهاجرته إِلَى الشَّام على مَا قَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿وَقَالَ إِنِّي مهَاجر إِلَى رَبِّي﴾ . وَقَوله: ﴿وَمَا تدعون من دون الله﴾ أَي: تَعْبدُونَ من دون الله. وَقَوله: ﴿وأدعو رَبِّي﴾ أَي: وأعبد رَبِّي. وَقَوله: ﴿عَسى أَلا أكون بِدُعَاء رَبِّي شقيا﴾ عَسى من الله وَاجِب، وَالدُّعَاء بِمَعْنى الْعِبَادَة، والشقاوة: الخيبة من الرَّحْمَة.

стр. 3360

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا اعتزلهم وَمَا يعْبدُونَ من دون الله وهبنا لَهُ إِسْحَاق﴾

стр. 3361

﴿الله وهبنا لَهُ إِسْحَاق وَيَعْقُوب وكلا جعلنَا نَبيا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُم من رَحْمَتنَا وَجَعَلنَا لَهُم لِسَان صدق عليا (٥٠) وَاذْكُر فِي الْكتاب مُوسَى إِنَّه كَانَ مخلصا وَكَانَ رَسُولا نَبيا﴾ ﴿وَيَعْقُوب﴾ هُوَ ابْن إِسْحَاق. وَمَعْنَاهُ: أَنا أعطيناه أَوْلَادًا كراما بررة عوض الَّذين كَانَ يَدعُوهُم إِلَى عبَادَة الله فَلم يجيبوا. وَقَوله: ﴿وكلا جعلنَا نَبيا﴾ يَعْنِي: إِسْحَاق وَيَعْقُوب.

стр. 3362

﴿وَوَهَبْنَا لَهُم من رَحْمَتنَا﴾ يَعْنِي: أنعمنا عَلَيْهِم، وأعطيناهم من كرامتنا ونعمنا. وَقَوله: ﴿وَجَعَلنَا لَهُم لِسَان صدق عليا﴾ أَي: ثَنَاء حسنا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَقد بَينا أَن كل أهل الْأَدْيَان يتولون: إِبْرَاهِيم، فَهُوَ الثَّنَاء الْحسن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.

стр. 3363

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُر فِي الْكتاب مُوسَى إِنَّه كَانَ مخلصا﴾ وَقُرِئَ: " مخلصا " " مخلصا " بِالْفَتْح وَالْكَسْر، فبالكسر أَي: موحدا لله وبالفتح أَي: مُخْتَارًا من الله تَعَالَى. وَقيل: مخلصا أَي: خَالِصا، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿ورجلا سلما لرجل﴾ أَي: خَالِصا لرجل. وَقَوله: ﴿وَكَانَ رَسُولا نَبيا﴾ . قيل: الرَّسُول وَالنَّبِيّ وَاحِد، وَقد فرق بَينهمَا، وَقد بَينا من قبل.

стр. 3364

قَوْله تَعَالَى: ﴿وناديناه من جَانب الطّور الْأَيْمن﴾ الطّور: جبل بَين مصر ومدين، وَيُقَال: اسْمه الزبير. وَقَوله: ﴿الْأَيْمن﴾ وَقيل: يَمِين الْجَبَل، وَقيل: يَمِين مُوسَى، وَالأَصَح يَمِين مُوسَى؛ لِأَن الْجَبَل لَيْسَ لَهُ يَمِين وَلَا شمال.

стр. 3365

( ﴿٥١) وناديناه من جَانب الطّور الْأَيْمن وقربناه نجيا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ من رَحْمَتنَا أَخَاهُ هَارُون نَبيا (٥٣) وَاذْكُر فِي الْكتاب إِسْمَاعِيل إِنَّه كَانَ صَادِق الْوَعْد وَكَانَ رَسُولا نَبيا﴾ وَقَوله: ﴿وقربناه نجيا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: أدناه حَتَّى سمع صرير الْقَلَم، وَقيل: صريف الْقَلَم. وَفِي رِوَايَة: رَفعه على الْحجب. وَيُقَال: قربناه نجيا أَي: كلمناه، والتقريب هَا هُنَا هُوَ التَّكَلُّم، وَأما النجي فَهُوَ المناجي، وَكَأن مَعْنَاهُ على هَذَا القَوْل: أَن الله يكلمهُ، وَهُوَ يكلم الله.
следующие страницы →