Полный текст (8 565 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.
стр. 3466
﴿رب اشرح لي صَدْرِي (٢٥) وَيسر لي أَمْرِي (٢٦) واحلل عقدَة من لساني (٢٧) يفقهوا قولي (٢٨) وَاجعَل لي وزيرا من أَهلِي (٢٩) هرون أخي (٣٠) اشْدُد بِهِ أزري (٣١) وأشركه فِي أَمْرِي (٣٢) كي نسبحك كثيرا (٣٣) ونذكرك كثيرا (٣٤) إِنَّك﴾
стр. 3467
قَوْله: ﴿واحلل عقدَة من لساني﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: كَانَت على لِسَان مُوسَى عقدَة من أَخذه الْجَمْر، وَوَضعه إِيَّاه فِي فَمه، وَسَببه أَن أمْرَأَة فِرْعَوْن جَاءَت بمُوسَى إِلَى فِرْعَوْن، فَوَضَعته فِي حجره، فَأخذ بلحية فِرْعَوْن، وَفِي رِوَايَة: لطم وَجه فِرْعَوْن لطمة، فَغَضب فِرْعَوْن، وَقَالَ: هَذَا هُوَ عدوي، وَأَرَادَ أَن يقْتله، فَقَالَت امْرَأَة فِرْعَوْن: إِنَّه صبي، لَا يعقل وَلَا يُمَيّز، وَهُوَ لَا يُمَيّز بَين الْجَوْهَر والجمر، فدعي لَهُ بطبق من جمر، وطبق من جَوْهَر، فَأخذ الْجَمْر، وَوَضعه فِي فِيهِ، فَاحْتَرَقَ لِسَانه، وَصَارَت عَلَيْهِ عقدَة. وَذكر بَعضهم: أَنه أَرَادَ أَن يَأْخُذ الْجَوْهَر، فصرف جِبْرِيل يَده إِلَى الْجَمْر.
стр. 3468
وَقَوله: ﴿يفقهوا قولي﴾ أَي: يفهموا قولي.
стр. 3469
﴿وَاجعَل لي وزيرا من أَهلِي﴾ الْوَزير من يؤازرك على الشئ، أَي: يعينك، ويتحمل عَنْك بعض ثقله، ووزير الْأَمِير من يتَحَمَّل عَنهُ بعض مَا عَلَيْهِ.
стр. 3470
وَقَوله: ﴿هَارُون أخي﴾ كَانَ هَارُون أكبر مِنْهُ بِأَرْبَع سِنِين، فَكَانَ أفْصح مِنْهُ لِسَانا، وأجمل مِنْهُ وَجها، وأوسم وأبيض، وَكَانَ مُوسَى أَدَم، أقنى جَعدًا.
стр. 3471
وَقَوله ﴿اشْدُد بِهِ أزري﴾ أَي: قو بِهِ ظَهْري، وَيُقَال: إِنَّه لم يكن أحد على أَخِيه أسعد ولأخيه أَنْفَع من مُوسَى لهارون.
стр. 3472
وَقَوله: ﴿وأشركه فِي أَمْرِي﴾ أَي: النُّبُوَّة وَأَدَاء الرسَالَة.
стр. 3473
وَقَوله: ﴿كي نسبحك كثيرا﴾ أَي: نصلي لَك كثيرا.
стр. 3474
﴿ونذكرك كثيرا﴾ نتعاون على ذكرك.
стр. 3475
﴿إِنَّك كنت بِنَا بَصيرًا﴾ أَي: خَبِيرا عليما.
стр. 3476
﴿كنت بِنَا بَصيرًا (٣٥) قَالَ قد أُوتيت سؤلك يَا مُوسَى (٣٦) وَلَقَد مننا عَلَيْك مرّة أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَينَا إِلَى أمك مَا يُوحى (٣٨) أَن اقذفيه فِي التابوت فاقذفيه فِي اليم فليلقه اليم بالسَّاحل يَأْخُذهُ عَدو لي وعدو لَهُ وألقيت عَلَيْك محبَّة مني ولتصنع على عَيْني﴾
стр. 3477
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ قد أُوتيت سؤلك يَا مُوسَى﴾ أَي: أَعْطَيْت جَمِيع مَا سَأَلت.
стр. 3478
وَقَوله: ﴿وَلَقَد مننا عَلَيْك مرّة أُخْرَى﴾ أَي: أنعمنا عَلَيْك مرّة أُخْرَى سوى هَذِه الْمرة.
стр. 3479
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ أَوْحَينَا إِلَى أمك مَا يُوحى﴾ ذكر نعمه وعددها عَلَيْهِ؛ ليعرفها، وَيزِيد فِي شكره.
وَقَوله: ﴿إِذْ أَوْحَينَا إِلَى أمك مَا يُوحى﴾ أَي: ألهمنا أمك مَا يُوحى، أَي: مَا يلهم.
стр. 3480
وَقَوله تَعَالَى: ﴿أَن اقذفيه﴾ أَي: ألهمناها أَن أقذفيه.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فِي التابوت﴾ هُوَ شَيْء يتَّخذ من الْخشب.
وَقَوله: ﴿فاقذفيه فِي اليم﴾ اليم: هُوَ الْبَحْر، وَيُقَال: إِن اليم هَا هُنَا هُوَ النّيل، وَالْعرب تسمي المَاء الْكثير بحرا.
رُوِيَ أَن الْمُسلمين لما وصلوا إِلَى دجلة يَوْم فتحُوا الْمَدَائِن، فَقَالُوا: كَيفَ نَفْعل، وَهَذَا الْبَحْر بَيْننَا وَبينهمْ؟ ثمَّ إِنَّهُم ارتطموا دجلة بخيولهم، وخاضوا الْقِصَّة إِلَى آخرهَا.
وَقَوله: ﴿فليلقه اليم بالسَّاحل﴾ فِي الْقِصَّة: أَن المَاء أَلْقَاهُ إِلَى مشرعة دَار فِرْعَوْن، وَرُوِيَ أَنَّهَا ألقته فِي النّيل، وألقاه النّيل فِي الْبَحْر، ثمَّ إِن الْبَحْر أَلْقَاهُ بالسَّاحل.
وَقَوله: ﴿وألقيت عَلَيْك محبَّة مني﴾ قَالَ عِكْرِمَة: لم يره أحد إِلَّا أحبه، وَقَالَ قَتَادَة: ملاحة فِي عَيْنَيْهِ تَأْخُذ (بالقلوب) .
وَقَوله: ﴿ولتصنع على عَيْني﴾ أَي: تربى وتغذى على نظر مني، وَهُوَ مثل قَوْله
стр. 3481
( ﴿٣٩) إِذْ تمشي أختك فَتَقول هَل أدلكم على من يكفله فرجعناك إِلَى أمك كي تقر عينهَا وَلَا تحزن وَقتلت نفسا فنجيناك من الْغم وَفَتَنَّاك فُتُونًا﴾ تَعَالَى: ﴿واصنع الْفلك بأعيننا﴾ فَإِن قيل: مَا من أحد فِي الْعَالم إِلَّا وَهُوَ يربى وَيغدى بمرأى من الله وَنظر مِنْهُ، فَأَي معنى لتخصيص مُوسَى؟ وَالْجَوَاب: أَن الله تَعَالَى فعل فِي اللطف فِي تربية مُوسَى مَا لم يفعل فِي تربية غَيره، فالتخصيص إِشَارَة إِلَى ذَلِك اللطف.
стр. 3482
وَقَوله: ﴿إِذْ تمشي أختك﴾ سنذكر هَذَا فِي سُورَة الْقَصَص، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَقَوله: ﴿فَتَقول هَل أدلكم على من يكفله﴾ يَعْنِي: على امْرَأَة ترْضِعه، وتضمه إِلَيْهَا.
وَقَوله: ﴿فرجعناك إِلَى أمك﴾ أَي: فرددناك.
وَقَوله: ﴿إِلَى أمك كي تقر عينهَا﴾ قد بَينا معنى قُرَّة الْعين، وَهُوَ إِشَارَة إِلَى فرحها وسرورها بِوُجُودِهِ.
وَقَوله: ﴿وَلَا تحزن﴾ أَي: يذهب عَنْهَا الْحزن.
وَقَوله: ﴿وَقتلت نفسا﴾ أَي: القبطي، وسنذكره من بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَقَوله: ﴿فنجيناك من الْغم﴾ أَي: من الْقَتْل، وَقيل: من غم التابوت، وغم الْبَحْر.
وَقَوله: ﴿وَفَتَنَّاك فُتُونًا﴾ أَي: ابتليناك مرّة بعد مرّة، وَقيل: بلَاء بعد بلَاء، وَيُقَال: أخلصناك إخلاصا. من الْمَشْهُور الْمَعْرُوف أَن سعيد بن جُبَير، سَأَلَ عبد الله بن عَبَّاس عَن قَوْله: ﴿وَفَتَنَّاك فُتُونًا﴾ فَقَالَ: تَغْدُو على غَدا، فَلَمَّا جَاءَهُ من الْغَد، أَخذ مَعَه فِي قصَّة مُوسَى من أَولهَا، وَجعل يعد عَلَيْهِ شَيْئا فَشَيْئًا من وِلَادَته فِي سنة قتل الْأَبْنَاء، وَمن إلقائه فِي المَاء، وَجعله فِي التابوت، ووقوعه فِي يَد فِرْعَوْن، ولطمه وَجهه، وَأَخذه
стр. 3483
﴿فَلَبثت سِنِين فِي أهل مَدين ثمَّ جِئْت على قدر يَا مُوسَى (٤٠) واصطنعتك لنَفْسي (٤١) اذْهَبْ أَنْت وأخوك بآياتي وَلَا تنيا فِي ذكري (٤٢) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْن إِنَّه طَغى (٤٣) ﴾ الْجَمْرَة، ثمَّ من قَتله القبطي، ثمَّ فراره إِلَى مَدين ... إِلَى آخر الْقِصَّة على مَا يرد، وَجعل يَقُول كلما ذكر شَيْئا من هَذَا: ذَلِك (من) الْفُتُون يَا ابْن جُبَير، حَتَّى عد عَلَيْهِ الْجَمِيع.
وَقَوله: ﴿فَلَبثت سِنِين فِي أهل مَدين﴾ يَعْنِي: تراعي الأغنام.
وَقَوله: ﴿ثمَّ جِئْت على قدر يَا مُوسَى﴾ أَي: على قدر النُّبُوَّة والرسالة. قَالَ ابْن عَبَّاس: وَلم يبْعَث الله نَبيا إِلَّا على رَأس أَرْبَعِينَ سنة، وَجَاء مُوسَى ربه، وَهُوَ ابْن أَرْبَعِينَ سنة؛ فنبأه الله وأرسله، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿ثمَّ جِئْت على قدر يَا مُوسَى﴾ . وَقيل مَعْنَاهُ: جِئْت على موعد يَا مُوسَى، وَلم يكن هَذَا الْموعد مَعَ مُوسَى، وَإِنَّمَا كَانَ موعدا فِي تَقْدِير الله تَعَالَى. وَيُقَال: وافيت فِي الْوَقْت الَّذِي قدرت أَي: توافى فِيهِ، قَالَ الشَّاعِر:
(نَالَ الْخلَافَة إِذْ كَانَت لَهُ قدرا ... كَمثل مُوسَى الَّذِي وافى على قدر)
стр. 3484
وَقَوله: ﴿واصطنعتك لنَفْسي﴾ قَالَ الزّجاج مَعْنَاهُ: اخْتَرْتُك لأمري، وجعلتك الْقَائِم بحجتي، والمخاطب بيني وَبَين خلقي، كَأَنِّي الَّذِي أَقمت عَلَيْهِم الْحجَّة وخاطبتهم، وَقَالَ بَعضهم مَعْنَاهُ: استكفيتك طلب كِفَايَة أَمر من خَاص أَمْرِي، وصنيعة الْإِنْسَان خاصته وتربيته إِذا أعده لأمر من مُهِمّ أمره.
стр. 3485
وَقَوله: ﴿اذْهَبْ أَنْت وأخوك بآياتي﴾ أَي: بدلائلي.
وَقَوله: ﴿وَلَا تنيا فِي ذكري﴾ . أَي: وَلَا تضعفا فِي ذكري، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: " وَلَا تهنا فِي ذكري ".
стр. 3486
وَقَوله: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْن إِنَّه طَغى﴾ قد بَينا.
стр. 3487
قَوْله تَعَالَى: ﴿فقولا لَهُ قولا لينًا﴾ . مَعْنَاهُ: دارياه [بالرفق] ، وارفقا مَعَه، وَيُقَال
стр. 3488
﴿فقولا لَهُ قولا لينًا لَعَلَّه يتَذَكَّر أَو يخْشَى (٤٤) قَالَا رَبنَا إننا نَخَاف أَن يفرط علينا أَو أَن﴾ مَعْنَاهُ: كنياه. وَاخْتلفُوا فِي كنيته: مِنْهُم من قَالَ: كنيته أَبُو الْوَلِيد، وَمِنْهُم من قَالَ: أَبُو مرّة وَمِنْهُم من قَالَ: أَبُو الْعَبَّاس، وَالله أعلم.
وَقَوله: ﴿لَعَلَّه يتَذَكَّر أَو يخْشَى﴾ . أَي: يتعظ وَيخَاف. فَإِن قيل قَوْله ﴿لَعَلَّه﴾ تطميع، فَكيف يطمعهما فِي إِسْلَامه، وَقد قدر أَنه لَا يسلم؟ قُلْنَا مَعْنَاهُ: اذْهَبَا على رجائكما وطمعكما، وَقَضَاء الله وَرَاء أمركما، وَقَالَ بَعضهم: قد تذكر وَخَافَ، إِلَّا أَنه حِين لم تَنْفَعهُ التَّذْكِرَة وَالْخَوْف، وَقد بَينا فِي سُورَة يُونُس.
وَفِي قَوْله: ﴿فقولا لَهُ قولا لينًا﴾ كَلِمَات مَعْرُوفَة؛ قَالَ بَعضهم: هَذَا رفقك بِمن يَقُول: أَنا الْإِلَه، فَكيف رفقك بِمن يَقُول: أَنْت الْإِلَه، وَهَذَا رفقك بالكفار، فَكيف رفقك بالأبرار؟ وَهَذَا رفقك بِمن جحدك، فَكيف رفقك بِمن وَحدك. وَهَذِه تحببك إِلَى من تعاديه، فَكيف إِلَى من تواليه وتناديه؟ .
стр. 3489
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَا رَبنَا إننا نَخَاف أَن يفرط علينا أَو أَن يطغى﴾ يَعْنِي: أَن يُبَادر ويعجل بعقوبتنا قبل أَن نريه الْآيَات. وَحكي عَن سعيد بن جُبَير أَنه قَالَ: كَانَ مُوسَى يخَاف من فِرْعَوْن خوفًا شَدِيدا، وَكَانَ إِذا دخل عَلَيْهِ، يَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من شَره، وأدرأك فِي نَحره، فحول الله تَعَالَى ذَلِك الْخَوْف إِلَى فِرْعَوْن؛ فَكَانَ إِذا رأى مُوسَى بَال فِي ثِيَابه كَمَا يَبُول الْحمار.
وَفِي بعض المسانيد بِرِوَايَة ابْن مَسْعُود، عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " إِذا دخل أحدكُم على سُلْطَان يخَاف تغطرسه، فَلْيقل: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من شَره، وَشر أحزابه؛ أَن يفرط أحد مِنْهُم عَليّ أَو يطغى، عز جَارك، وَجل ثناؤك، وَلَا إِلَه غَيْرك ".
стр. 3490
﴿يطغى (٤٥) قَالَ لَا تخافا إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وَأرى (٤٦) فَأتيَاهُ فقولا إِنَّا رَسُولا رَبك فَأرْسل مَعنا بني إِسْرَائِيل وَلَا تُعَذبهُمْ قد جئْنَاك بِآيَة من رَبك وَالسَّلَام على من اتبع الْهدى (٤٧) إِنَّا قد أُوحِي إِلَيْنَا أَن الْعَذَاب على من كذب وَتَوَلَّى (٤٨) قَالَ فَمن رَبكُمَا﴾
стр. 3491
وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالَ لَا تخافا إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وَأرى﴾ أَي: أسمع دعاءكما فَأُجِيب، وَأرى أمركما مَعَ فِرْعَوْن فأدفعه عنكما.
стр. 3492
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأتيَاهُ فقولا إِنَّا رَسُولا رَبك فَأرْسل مَعنا بني إِسْرَائِيل﴾ أَي: خلهم، وأطلقهم من أعمالك، وَقد بَينا أَنه كَانَ يكلفهم الْأَعْمَال الشاقة، وَقد ضرب عَلَيْهِم الضرائب.
وَقَوله: ﴿وَلَا تُعَذبهُمْ﴾ قد بَينا.
وَقَوله: ﴿قد جئْنَاك بِآيَة من رَبك﴾ بِدلَالَة من رَبك.
وَقَوله: ﴿وَالسَّلَام على من اتبع الْهدى﴾ . لَيْسَ المُرَاد مِنْهُ تَحِيَّة فِرْعَوْن، وَإِنَّمَا المُرَاد مِنْهُ أَن من اتبع الْهدى فقد سلم من عَذَاب الله، وَمِنْهُم من قَالَ: مَعْنَاهُ: (من) أسلم سلم.
وَفِي بعض الْآثَار عَن السّديّ: أَن مُوسَى ﵇ قَالَ لفرعون: " آمن بِاللَّه، وَلَك شباب لَا تهرم فِيهِ، وَملك لَا ينْزع مِنْك، وَلَذَّة فِي الْمطعم وَالْمشْرَب والمنكح إِلَى أَن تَمُوت، ثمَّ إِذا مت دخلت الْجنَّة، فأعجبه هَذَا الْكَلَام، وَكَانَ لَا يقطع أمرا دون هامان، فَقَالَ: حَتَّى أنظر فِي ذَلِك؛ فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ هامان، قَالَ لَهُ: ألم تَرَ أَن هَذَا الرجل الَّذِي أَتَانَا قَالَ كَذَا وَكَذَا، وَكَانَ قبل ذَلِك يُسَمِّيه السَّاحر، فَلم يسمه السَّاحر فِي ذَلِك الْيَوْم، فَقَالَ لَهُ هامان: كنت أَظن أَن لَك رَأيا وعقلا! تُرِيدُ أَن تصير مربوبا بعد أَن كنت رَبًّا، وعبدا بعد أَن كنت معبودا، فغلبه عَن رَأْيه، فَأبى على مُوسَى مَا أَرَادَ مِنْهُ.
стр. 3493
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا قد أُوحِي إِلَيْنَا أَن الْعَذَاب على من كذب وَتَوَلَّى﴾ . أَي: كذب بآيَات الله، وَتَوَلَّى عَن طَاعَة الله.
стр. 3494
﴿يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبنَا الَّذِي أعْطى كل شَيْء خلقه ثمَّ هدى (٥٠) قَالَ فَمَا بَال الْقُرُون الأولى (٥١) قَالَ علمهَا عِنْد رَبِّي فِي كتاب لَا يضل رَبِّي وَلَا ينسى (٥٢) الَّذِي﴾
стр. 3495
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ فَمن رَبكُمَا يَا مُوسَى﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 3496
وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبنَا الَّذِي أعْطى كل شَيْء خلقه ثمَّ هدى﴾ قَالَ الْحسن: أعْطى كل شَيْء مَا يصلحه، ثمَّ هداه إِلَيْهِ. وَقَالَ مُجَاهِد: مَعْنَاهُ أعْطى كل شَيْء صُورَة، ثمَّ هداه إِلَى مَنَافِعه من الْمطعم وَالْمشْرَب والمنكح.
وَفِيه قَول ثَالِث: وَهُوَ أَنه أعْطى كل حَيَوَان زوجه، ثمَّ هداه إِلَى مأتاه، وكل ذكر يَهْتَدِي كَيفَ يَأْتِي الْأُنْثَى. وَرُوِيَ عَن أبس سابط أَنه قَالَ: أبهمت الْبَهَائِم إِلَّا عَن أَربع: تعرف خَالِقهَا، وتطلب رزقها، وتدفع عَن نَفسهَا، وتعرف كَيفَ يَأْتِي (أنثاه) .
стр. 3497
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ فَمَا بَال الْقُرُون الأولى﴾ مَعْنَاهُ: فَمَا حَال الْقُرُون الأولى، وَأَرَادَ بِهِ مَا حَالهم فِيمَا دعوتني إِلَيْهِ؟
وَقيل: لما دَعَاهُ مُوسَى إِلَى الْإِقْرَار بِالْبَعْثِ سَأَلَ وَقَالَ: مَا حَال الْقُرُون الأولى فِي الْبَعْث؟ وَيُقَال: إِنَّه انْصَرف إِلَى هَذَا الْكَلَام تعنتا، وعدولا عَن الْجَواب.
стр. 3498
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ علمهَا عِنْد رَبِّي﴾ أَي: علم الْقُرُون الأولى عِنْد رَبِّي.
[قَوْله: ﴿فِي كتاب﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: هُوَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ] .
وَقَوله: ﴿لَا يضل رَبِّي﴾ أَي: لَا يخطىء رَبِّي، وَقَالَ ثَعْلَب: لَا يذهب عَلَيْهِ مَوْضِعه، وَقيل: لَا يغيب عَن رَبِّي، وَقَرَأَ الْحسن: " لَا يضل رَبِّي " بِرَفْع الْيَاء، من الإضلال، وَيُقَال: لَا يضل رَبِّي: لَا يغْفل عَنهُ رَبِّي.
وَقَوله: ﴿وَلَا ينسى﴾ أَي: لَا يتْركهُ، فينتقم من الْكَافِر، ويجازي الْمُؤمن، وَيُقَال:
стр. 3499
﴿جعل لكم الأَرْض مهدا وسلك لكم فِيهَا سبلا وَأنزل من السَّمَاء مَاء فأخرجنا بِهِ أَزْوَاجًا من نَبَات شَتَّى (٥٣) كلوا وارعوا أنعامكم إِن فِي ذَلِك لآيَات لأولي النهى (٥٤) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وفيهَا نعيدكم وَمِنْهَا نخرجم تَارَة أُخْرَى (٥٥) وَلَقَد أريناه آيَاتنَا كلهَا فكذب وأبى (٥٦) قَالَ أجئتنا لتخرجنا من أَرْضنَا بسحرك يَا مُوسَى (٥٧) ﴾ . هُوَ النسْيَان حَقِيقَة. وَقَرَأَ أَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ: " وَلَا ينسى " على مَا لم يسم فَاعله.
стр. 3500
قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِي جعل لكم الأَرْض مهادا﴾ وقرىء: " مهدا " إِلَى هَذَا الْموضع انْتهى كَلَام فِرْعَوْن مَعَ مُوسَى وَجَوَابه إِيَّاه. وَقَوله: ﴿الَّذِي جعل لكم الأَرْض مهدا﴾ ابْتِدَاء كَلَام من الله وَمَعْنَاهُ: مُسْتَقرًّا.
وَقَوله: ﴿وسلك لكم فِيهَا سبلا﴾ أَي: سهل ووطأ لكم فِيهَا طرقا.
وَقَوله: ﴿وَأنزل من السَّمَاء مَاء﴾ أَي: الْمَطَر.
وَقَوله: ﴿فأخرجنا بِهِ أَزْوَاجًا﴾ أَي: أصنافا: الْأَحْمَر، والأصفر، والأخضر.
وَقَوله: ﴿من نَبَات شَتَّى﴾ أَي: من نَبَات مُتَفَرِّقَة.
стр. 3501
وَقَوله: ﴿كلوا وارعوا أنعامكم﴾ أَي: كلوا، وأسيموا أنعامكم ترعى.
وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات لأولي النهى﴾ قَالَ ثَعْلَب: لأولي الْعُقُول، وَقيل: للَّذين يَنْتَهِي إِلَى رَأْيهمْ، وَقيل: للَّذين يتناهون عَن الْمعاصِي وينزجرون عَنْهَا بعقولهم.
стр. 3502
قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ أَي: من الأَرْض.
وَقَوله: ﴿وفيهَا نعيدكم﴾ أَي: عِنْد الْمَوْت.
وَقَوله: ﴿وَمِنْهَا نخرجكم تَارَة أُخْرَى﴾ أَي: عِنْد الْحَشْر. فَإِن قيل: فِي الِابْتِدَاء لم نخرج عَن الأَرْض، فَكيف قَالَ: ﴿تَارَة أُخْرَى﴾ ؟ . قُلْنَا مَعْنَاهُ: وَمِنْهَا نخلقكم تَارَة أُخْرَى، فَيصح الْمَعْنى على هَذَا.
стр. 3503
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أريناه آيَاتنَا كلهَا﴾ هِيَ الْآيَات التسع الَّتِي أعطيها مُوسَى ﵇.
وَقَوله: ﴿فكذب وأبى﴾ أَي: كذب بِالتَّوْحِيدِ، وأبى عَن الْإِيمَان.
стр. 3504
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ أجئتنا لتخرجنا من أَرْضنَا بسحرك يَا مُوسَى﴾ مَعْنَاهُ: لتأْخذ رمنا أَرْضنَا؛ فَيكون لَك الْملك وَالسُّلْطَان، وَتخرج من تشَاء، وَتدْخل من تشَاء.
стр. 3505
﴿فلنأتينك بِسحر مثله فَاجْعَلْ بَيْننَا وَبَيْنك موعدا لَا نخلفه نَحن وَلَا أَنْت مَكَانا سوى (٥٨) قَالَ مَوْعدكُمْ يَوْم الزِّينَة وَأَن يحْشر النَّاس ضحى (٥٩) فَتَوَلّى فِرْعَوْن فَجمع كَيده ثمَّ أَتَى (٦٠) قَالَ لَهُم مُوسَى وَيْلكُمْ لَا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بِعَذَاب﴾
следующие страницы →