Полный текст (8 565 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.
стр. 3431
قَوْله تَعَالَى: ﴿طه﴾ رُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ أَن رجلا اقْرَأ عَلَيْهِ: " طه " - بالإمالة - فَقَالَ: اقْرَأ ﴿طه﴾ ، فَقَالَ الرجل: أَلَيْسَ مَعْنَاهُ طَيء الأَرْض بقدميك؟ فَقَالَ: " هَكَذَا أَقْرَأَنِيهِ رَسُول الله ".
وَاخْتلفت الْأَقَاوِيل فِي معنى طه، فَروِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: هُوَ بالسُّرْيَانيَّة: يَا رجل. وَنقل الْكَلْبِيّ: أَنه يَا إِنْسَان بلغَة عك. قَالَ الشَّاعِر:
(إِن السفاهة طه من خليقتكم ... لَا قدس الله أَرْوَاح الملاعين)
وَقَالَ آخر:
(هَتَفت بطه فِي الْقِتَال فَلم يجب ... فَخفت عَلَيْهِ أَن يكون مواليا)
стр. 3432
﴿طه (١) مَا أنزلنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتشقى (٢) إِلَّا تذكرة لمن يخْشَى (٣) تَنْزِيلا﴾
وَيُقَال: إِن طه اسْم للسورة، وَقيل: إِنَّه قسم أقسم الله بِهِ.
وَمن الْمَعْرُوف أَن مَعْنَاهُ: طىء الأَرْض بقدميك، وَهَذَا مَنْقُول عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا، وَسَببه أَن النَّبِي اجْتهد فِي الْعِبَادَة حَتَّى جعل يراوح بَين الرجلَيْن، فَيقوم على وَاحِد، وَيرْفَع وَاحِدًا، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة. وَنقل بَعضهم: أَنه قَامَ بمفرد قدم.
وَمِنْهُم من قَالَ: إِن الطَّاء من الطَّهَارَة، وَالْهَاء من الْهِدَايَة، فالطاء: إِشَارَة إِلَى طَهَارَة قلبه من غير الله، وَالْهَاء: إِشَارَة إِلَى اهتداء قلبه إِلَى الله.
стр. 3433
وَقَوله: ﴿مَا أنزلنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتشقى﴾ أَي: لتتعب وتنصب، وَرُوِيَ أَنه لما اجْتهد فِي الْعِبَادَة، قَالَ الْمُشْركُونَ: يَا مُحَمَّد، مَا أنزل الْقُرْآن إِلَّا لشقاوتك، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة. وَمَعْنَاهُ: اجْتهد، وَلَا كل هَذَا التَّعَب حَتَّى تنْسب إِلَى الشقاوة.
стр. 3434
وَقَوله: ﴿إِلَّا تذكرة لمن يخْشَى﴾ مَعْنَاهُ: لَكِن تذكرة، أَي: تذكيرا ووعظا لمن يخْشَى، والخشية وَالْخَوْف بِمَعْنى وَاحِد، وَفرق بَعضهم بَينهمَا، فَقَالَ: الخشية مَا لَا يعرف سَببه، وَالْخَوْف مَا يعرف سَببه، وَهُوَ ضَعِيف.
وَذكر الْأَزْهَرِي أَن تَقْدِير الْآيَة: مَا أنزلنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتشقى مَا أنزلنَا إِلَّا تذكرة لمن
стр. 3435
﴿مِمَّن خلق الأَرْض وَالسَّمَوَات العلى (٤) الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض وَمَا بَينهمَا﴾ يخْشَى.
стр. 3436
وَقَوله: ﴿تَنْزِيلا﴾ أَي: منزل تَنْزِيلا من الله (الَّذِي) ﴿خلق الأَرْض وَالسَّمَوَات العلى﴾ والعلى: جمع الْعليا.
стр. 3437
وَقَوله: ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ اعْلَم أَن مخارج الاسْتوَاء فِي اللُّغَة كَثِيرَة: وَقد يكون بِمَعْنى الْعُلُوّ، وَقد يكون بِمَعْنى الِاسْتِقْرَار، وَقد يكون بِمَعْنى الِاسْتِيلَاء - على بعد - وَقد يكون بِمَعْنى الإقبال.
وَالْمذهب عِنْد أهل السّنة أَنه يُؤمن بِهِ وَلَا يكيف، وَقد [رووا] عَن جَعْفَر بن عبد الله، وَبشر الْخفاف قَالَا: كُنَّا عِنْد مَالك، فَأَتَاهُ رجل وَسَأَلَهُ عَن قَوْله: ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ كَيفَ اسْتَوَى؟ فَأَطْرَقَ مَالك مَلِيًّا، وعلاه الرحضاء، ثمَّ قَالَ: الكيف غير مَعْقُول، والاستواء مَجْهُول، وَالْإِيمَان بِهِ وَاجِب، وَالسُّؤَال عَنهُ بِدعَة، وَمَا أَظُنك إِلَّا ضَالًّا، ثمَّ أَمر بِهِ فَأخْرج.
وَنقل أهل الحَدِيث عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، وَالْأَوْزَاعِيّ، وَاللَّيْث بن سعد، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَعبد الله بن الْمُبَارك أَنهم قَالُوا فِي الْآيَات المتشابهة: أمروها كَمَا جَاءَت.
وَقَالَ بَعضهم: تَأْوِيله الْإِيمَان بِهِ، وَأما تَأْوِيل الاسْتوَاء بالاستقبال، فَهُوَ تَأْوِيل الْمُعْتَزلَة.
وَذكر الزّجاج، والنحاس، وَجَمَاعَة [من] النُّحَاة من أهل السّنة: أَنه لَا يُسمى الاسْتوَاء اسْتِيلَاء فِي اللُّغَة إِلَّا إِذا غلب غَيره عَلَيْهِ، وَهَذَا لَا يجوز على الله تَعَالَى.
стр. 3438
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض وَمَا بَينهمَا﴾ أَي: علم مَا فِي السَّمَوَات، وَمَا فِي الأَرْض، وَمَا بَينهمَا.
стр. 3439
﴿وَمَا تَحت الثرى (٦) وَإِن تجْهر بالْقَوْل فَإِنَّهُ يعلم السِّرّ وأخفى (٧) الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحسنى (٨) ﴾
وَقَوله: ﴿وَمَا تَحت الثرى﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: أَن الثرى هِيَ الأَرْض السَّابِعَة، وَالْآخر: أَن الثرى هُوَ التُّرَاب المبتل، وَهَذَا مَعْرُوف فِي اللُّغَة.
وَحكى سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس: أَن الْأَرْضين على ظهر الْحُوت، والحوت على الْبَحْر، وَالْبَحْر على الصَّخْرَة، والصخرة على قرن ثَوْر، والثور على الثرى، وَمَا تَحت الثرى لَا يُعلمهُ إِلَّا الله.
стр. 3440
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن تجْهر بالْقَوْل فَإِنَّهُ يعلم السِّرّ وأخفى﴾ مَعْنَاهُ: إِن جهرت أَو أسررت فَلَا يغيب عَن علمه. وَاخْتلف الْأَقْوَال فِي قَوْله: ﴿وأخفى﴾ فَروِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: " السِّرّ " مَا تحدث بِهِ غَيْرك، " وأخفى " مَا تحدث بِهِ نَفسك. وَفِي الْآيَة تَقْدِير، وَمَعْنَاهُ: وأخفى مِنْهُ، أَي: من السِّرّ.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن " السِّرّ " مَا تحدث بِهِ نَفسك، " وأخفى " مَا يلقيه الله تَعَالَى فِي قَلْبك من بعد وَلم تحدث بِهِ نَفسك.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن السِّرّ هُوَ الْعَزِيمَة، وأخفى هُوَ دون الْعَزِيمَة، كَأَنَّهُ مَا يخْطر على الْقلب، وَلم تعزم عَلَيْهِ.
وَالْقَوْل الرَّابِع: يعلم السِّرّ وأخفى، أَي: والخفي. قَالَ الشَّاعِر:
(تمنى رجال أَن أَمُوت وَإِن أمت ... فَتلك سَبِيل لست فِيهَا بأوحد)
أَي: بِالْوَاحِدِ.
وَالْقَوْل الْخَامِس: يعلم السِّرّ وأخفى، أَي: أخْفى سره من عباده، وَهَذَا قَول ابْن زيد.
стр. 3441
قَوْله تَعَالَى: ﴿الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحسنى﴾ قيل: فِيهِ إِضْمَار، وَمَعْنَاهُ: فَادعوا الله بهَا. وَقَالَ: الْحسنى للأسماء هُوَ جمع، وَالْحُسْنَى صفة الْوَاحِد، وَذَلِكَ لِأَن
стр. 3442
﴿وَهل أَتَاك حَدِيث مُوسَى (٩) إِذْ رأى نَارا فَقَالَ لأَهله امكثوا إِنِّي آنست نَارا لعَلي آتيكم مِنْهَا بقبس أَو أجد على النَّار هدى﴾ هَذِه تتَنَاوَل الْأَسْمَاء لِأَنَّهَا جمع، كَمَا تتَنَاوَل الْوَاحِدَة من المؤنثات، يُقَال: هَذِه أَسمَاء؛ فَلذَلِك صَحَّ أَن يُقَال: حسنى، وَلم يقل: حسان، وَهَكَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿مآرب أُخْرَى﴾ وَلم يقل: آخر.
стр. 3443
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهل أَتَاك حَدِيث مُوسَى﴾ مَعْنَاهُ: وَقد أَتَاك حَدِيث مُوسَى، وَهُوَ اسْتِفْهَام بِمَعْنى التَّقْرِير.
стр. 3444
وَقَوله: ﴿إِذْ رأى نَارا﴾ فِي الْقِصَّة: أَن مُوسَى ﵇ كَانَ رجلا غيورا، فَكَانَ يصحب الرّفْقَة بِاللَّيْلِ، ويتنحى عَنْهُم بِالنَّهَارِ؛ لِئَلَّا ترى امْرَأَته، فَأَخْطَأَ مرّة الطَّرِيق - لما كَانَ فِي علم الله تَعَالَى - فَكَانَ لَيْلًا مظلما، فَرَأى نَارا من بعيد ﴿فَقَالَ لأَهله امكثوا﴾ أَي: أقِيمُوا.
وَقَوله: ﴿إِنِّي آنست نَارا﴾ أَي: أَبْصرت نَارا.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿لعَلي آتيكم مِنْهَا بقبس﴾ القبس: كل مَا فِي رَأسه نَار من شعلة أَو فَتِيلَة.
وَقَوله: ﴿أَو أجد على النَّار هدى﴾ أَو أجد عِنْد النَّار من يهديني، ويدلني على الطَّرِيق، فَروِيَ أَنه لما توجه إِلَى النَّار رأى شَجَرَة خضراء، أطافت بِهِ النَّار، وَالنَّار كأضوء مَا يكون، والشجرة كأخضر مَا يكون، فَلَا ضوء النَّار يُغير خضرَة الشَّجَرَة، وَلَا خضرَة الشَّجَرَة تغير ضوء النَّار.
وَيُقَال: إِن الشَّجَرَة كَانَت شَجَرَة الْعنَّاب، وَيُقَال: شَجَرَة من عوسج، وَقيل: من العليق.
وَفِي الْقِصَّة: أَن مُوسَى أَخذ شَيْئا من الْحَشِيش الْيَابِس، ودنا من الشَّجَرَة، فَكَانَ كلما دنا من الشَّجَرَة نأت مِنْهُ النَّار، وَإِذا نأى هُوَ دنت النَّار، فَبَقيَ وَاقِفًا متحيرا،
стр. 3445
﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودي يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنا رَبك فاخلع نعليك إِنَّك بالواد الْمُقَدّس طوى (١٢) وَأَنا اخْتَرْتُك فاستمع لما يُوحى (١٣) إِنَّنِي أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدني وأقم﴾ فَنُوديَ: يَا مُوسَى.
стр. 3446
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودي يَا مُوسَى﴾ قد بَينا.
стр. 3447
وَقَوله: ﴿إِنِّي أَنا رَبك﴾ رُوِيَ أَن مُوسَى لما سمع قَوْله: ﴿يَا مُوسَى﴾ قَالَ: من الَّذِي يكلمني؟ قَالَ: ﴿إِنِّي أَنا رَبك﴾ .
فَإِن قيل: بِمَ عرف كَلَام الله عز وَعلا؟ قُلْنَا: سمع كلَاما لَا يشبه كَلَام المخلوقين، وَرُوِيَ أَنه سمع من جَمِيع جوانبه.
وَقَوله: ﴿فاخلع نعليك﴾ اخْتلف القَوْل أَنه لم أمره بخلع نَعْلَيْه؟ وَرُوِيَ عَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ: كَانَتَا من جلد حمَار ميت، وَهَذَا قَول كَعْب.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه أمره بخلع نَعْلَيْه: ليباشر الْوَادي بقدميه، وَهَذَا قَول مُجَاهِد، وَقد جرت عَادَة الْمُسلمين أَنهم يخلعون نعَالهمْ إِذا بلغُوا الْمَسْجِد الْحَرَام لِلْحَجِّ، ويطوفون حُفَاة.
وَقَوله: ﴿إِنَّك بالوادي الْمُقَدّس﴾ أَي: المطهر، قَالَ الشَّاعِر:
(وَأَنت وُصُول للأقارب مَدَرَة ... ترَاءى من الْآفَات إِنِّي مقدس)
أَي: مطهر.
وَقيل: معنى الْمُقَدّس، أَي: الْمُبَارك فِيهِ.
وَقَوله: ﴿طوى﴾ عَامَّة الْمُفَسّرين أَنه اسْم الْوَادي، وَقيل: طوى أَي: قدس مرَّتَيْنِ.
стр. 3448
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنا اخْتَرْتُك﴾ أَي: اصطفيتك.
وَقَوله: ﴿فاستمع لما يُوحى﴾ أَي: لما يُوحى إِلَيْك.
стр. 3449
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّنِي أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدني﴾ أَي: لَا أحد يسْتَحق الْعِبَادَة سواي.
стр. 3450
﴿الصَّلَاة لذكري (١٤) إِن السَّاعَة آتِيَة أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بِمَا تسْعَى (١٥) ﴾
وَقَوله: ﴿وأقم الصَّلَاة لذكري﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: لتذكرني فِيهَا. وَالْآخر: تذكرني، وَهُوَ قَوْله: الله أكبر. وَالثَّالِث: أقِم الصَّلَاة لذكري أَي: صل إِذا ذكرت الصَّلَاة، وَهَذَا قَول مَعْرُوف. روى حَمَّاد بن سَلمَة، عَن قَتَادَة، عَن أنس، أَن النَّبِي قَالَ: " من نسي صَلَاة فليصلها إِذا ذكرهَا؛ فَإِن ذَلِك وَقتهَا، وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وأقم الصَّلَاة لذكري﴾ ".
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام: أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث أَبُو الْحُسَيْن بن النقور، قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم بن حبابة، قَالَ: حَدثنَا ابْن بنت منيع، قَالَ: حَدثنَا هدبة، عَن حَمَّاد بن سَلمَة. . الحَدِيث. خرجه مُسلم فِي الصَّحِيح عَن هدبة.
стр. 3451
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن السَّاعَة آتِيَة أكاد أخفيها﴾ فِي الْآيَة أَقْوَال، وَهِي مشكلة.
رُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود، وَأبي بن كَعْب أَنَّهُمَا قرآ: " أكاد أخفيها من نَفسِي ". وَبَعْضهمْ نقل: " فَكيف أظهرها لكم " فَهَذَا هُوَ أحد الْأَقْوَال فِي معنى الْآيَة.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يَسْتَقِيم قَوْله " أكاد أخفيها من نَفسِي "؟ قُلْنَا: هَذَا على عَادَة الْعَرَب، وَالْعرب إِذا بالغت فِي الْإِخْبَار عَن إخفاء الشَّيْء، قَالَت: كتمته حَتَّى من نَفسِي. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن قَوْله: ﴿أكاد﴾ أَي: أُرِيد، وَمَعْنَاهُ: إِن السَّاعَة آتِيَة أُرِيد أخفيها. وَهَذَا قَول الْأَخْفَش. وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن قَوْله: ﴿أكاد﴾ صلَة، وَمَعْنَاهُ: إِن السَّاعَة آتِيَة أخفيها. وَالْقَوْل الرَّابِع: إِن السَّاعَة آتِيَة أكاد، وَمعنى أكاد: تقريب الْوُرُود والإتيان، كَمَا قَالَ ضبائي البرجمي:
(هَمَمْت وَلم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عُثْمَان تبْكي حلائله)
فَقَوله: كدت لتقريب الْفِعْل، ثمَّ اسْتَأْنف قَوْله: ﴿أخفيها لتجزى كل نفس بِمَا تسْعَى﴾ أَي: تَأْتيكُمْ بَغْتَة، لتجزى كل نفس بِمَا عملت من خير وَشر، هَذَا اختبار
стр. 3452
﴿فَلَا يصدنك عَنْهَا من لَا يُؤمن بهَا وَاتبع هَوَاهُ فتردى (١٦) وَمَا تِلْكَ بيمينك يَا مُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عصاي أتوكأ عَلَيْهَا وأهش بهَا على غنمي ولي فِيهَا مآرب آخرى (١٨) ﴾ ابْن الْأَنْبَارِي.
وَالْقَوْل الْخَامِس: ﴿أكاد أخفيها﴾ أَي: أظهرها، وَقُرِئَ: " أخفيها " بِفَتْح الْألف. وَمعنى الْإِظْهَار فِي هَذِه الْقِرَاءَة أظهر فِي اللُّغَة. قَالَ الشَّاعِر:
(فَإِن تدفنوا الدَّاء لم نخفه ... وَإِن تأذنوا بِحَرب لَا نقعد)
وَمعنى لَا نخفه: لم نظهره.
стр. 3453
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا يصدنك عَنْهَا﴾ أَي: فَلَا يمنعنك عَن التَّصْدِيق بهَا. ﴿من لَا يُؤمن بهَا﴾ أَي: من لَا يصدق بهَا.
وَقَوله: ﴿وَاتبع هَوَاهُ فتردى﴾ أَي: تهْلك.
стр. 3454
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا تِلْكَ بيمينك يَا مُوسَى﴾ هَذَا سُؤال تَقْرِير، وَلَيْسَ بسؤال اسْتِفْهَام، وَالْحكمَة فِيهِ تثبيته وتوثيقه على أَنَّهَا عَصا، حَتَّى إِذا قَلبهَا الله حَيَّة، يعلم أَنَّهَا معْجزَة عَظِيمَة. وَهَذَا قَول على عَادَة الْعَرَب أَيْضا؛ يَقُول الرجل لغيره: هَل تعرف هَذَا؟ وَهُوَ لَا يشك أَنه يعرفهُ، وَيُرِيد بِهِ أَن يَنْضَم إِقْرَاره بِلِسَانِهِ إِلَى مَعْرفَته بِقَلْبِه.
стр. 3455
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ هِيَ عصاي أتوكأ عَلَيْهَا﴾ أَي: أعْتَمد عَلَيْهَا.
وَقَوله: ﴿وأهش بهَا على غنمي﴾ أَي: أخبط بهَا (ورق الشّجر؛ لترعاه غنمي، وَقَرَأَ عِكْرِمَة: " وأهش بهَا) على غنمي " بِالسِّين غير الْمُعْجَمَة، وَالْفرق بَين الهش والهس؛ أَن الهش هُوَ خبط الشّجر، وإلقاء الْوَرق عَنهُ، والهس زجر الْغنم.
وَقَوله: ﴿ولي فِيهَا مآرب أُخْرَى﴾ أَي: حاجات أخر، وَمن تِلْكَ الْحَاجَات؛ قَالَ
стр. 3456
﴿قَالَ ألقها يَا مُوسَى (١٩) فألقاها فَإِذا هِيَ حَيَّة تسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا وَلَا تخف﴾ أهل الْمعَانِي: كَانَ يقتل بهَا الْحَيَّات، ويحارب بهَا السبَاع، وَيحمل بهَا الزَّاد وَالنَّفقَة، ويصل الْحَبل إِذا استقى من الْبِئْر، ويستظل بهَا إِذا قعد، وَعَن الضَّحَّاك: كَانَت تضئ لَهُ بِاللَّيْلِ بِمَنْزِلَة السراج، وَقَالَ وهب: كَانَت الْعَصَا من آس الْجنَّة، وطولها اثْنَا عشر ذِرَاعا، وَلها شعبتان، وَعَلَيْهَا محجن. وَعَن سعيد بن جُبَير، قَالَ: كَانَ اسْم الْعَصَا مَا شَاءَ. وأنشدوا فِي الهش:
(أهش بالعصا على أغنامي ... من ناعم الْأَرَاك والبشام)
стр. 3457
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ ألقها يَا مُوسَى﴾ أَي: انبذها.
стр. 3458
وَقَوله: ﴿فألقاها﴾ أَي: نبذها.
وَقَوله: ﴿فَإِذا هِيَ حَيَّة تسْعَى﴾ أَي: تجئ وَتذهب، وَذكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق أَن مُوسَى ﵇ نظر فَإِذا الْعَصَا صَارَت حَيَّة من أعظم مَا يكون من الْحَيَّات، وَصَارَت شعبتاها شدقين، والمحجن صَار عرفا يَهْتَز كالبتارك وعيناها تتقدان كالنار، وَهِي تمر بِالْحجرِ كَالْجمَلِ البارك فتبتلعه، وَلها أَنْيَاب تقصف الشّجر، فَرَأى مُوسَى أمرا عَظِيما فهرب، ثمَّ تذكر أَمر ربه، فَوقف مستحيا.
стр. 3459
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تخف﴾ لما هرب مُوسَى، قَالَ الله تَعَالَى لَهُ: ﴿أقبل وَلَا تخف﴾ ، فَلَمَّا أقبل، قَالَ: ﴿خُذْهَا﴾ .
وَفِي الْقِصَّة: أَنه كَانَ على مُوسَى مدرعة من صوف، قد خللها بعيدان، فَلَمَّا قَالَ الله لَهُ: ﴿خُذْهَا﴾ ، لف طرف كم المدرعة على يَده، فَأمره الله أَن يكْشف يَده، فكشف يَده، ووضعها فِي شدق الْحَيَّة، فَإِذا هِيَ عَصا كَمَا كَانَت، وَإِذا يَده فِي شعبتها.
وَذكر بَعضهم: أَنه لما لف كم المدرعة على يَده، قَالَ لَهُ ملك: أَرَأَيْت لَو أذن الله لمن تحذره، أَكَانَت تغني عَنْك مدرعتك؟ فَقَالَ أَنا ضَعِيف، خلقت من ضعف.
стр. 3460
﴿سنعيدها سيرتها الأولى (٢١) واضمم يدك إِلَى جناحك تخرج بَيْضَاء من غير سوء آيَة أُخْرَى (٢٢) لنريك من آيَاتنَا الْكُبْرَى (٢٣) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْن إِنَّه طَغى (٢٤) قَالَ﴾
وَقَوله: ﴿سنعيدها سيرتها الأولى﴾ . إِلَى هيئتها الأولى، وَإِنَّمَا انتصب؛ لِأَن مَعْنَاهُ: إِلَى هيئتها الأولى، فَحذف إِلَى فانتصب.
стр. 3461
قَوْله تَعَالَى: ﴿واضمم يدك إِلَى جناحك﴾ . فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: إِلَى جَنْبك، وَالْآخر: إِلَى عضدك. والجناح هُوَ الْعَضُد إِلَى أصل الْإِبِط، قَالَ الشَّاعِر:
(خفضت لَهُم مني جنَاح مَوَدَّة ... على كتف عطفاه أهل ومرحب)
وَقَوله: ﴿تخرج بَيْضَاء من غير سوء﴾ أَي: نيرة مشرقة من غير مَكْرُوه وعيب، السوء هَا هُنَا بِمَعْنى البرص.
وَقَالَ قَتَادَة: كَانَت الْيَد لَهَا نور سَاطِع كضوء الشَّمْس وَالْقَمَر، تضئ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار.
وَقَوله: ﴿آيَة أُخْرَى﴾ أَي: دلَالَة أُخْرَى.
стр. 3462
وَقَوله: ﴿لنريك من آيَاتنَا الْكُبْرَى﴾ . أَي: الْكَبِيرَة. قَالَ ابْن عَبَّاس: أكبر الْآيَتَيْنِ يَده؛ فَكَانَ إِذا أخرجهَا من تَحت عضده، رَأَوْا لَهَا شعاعا وضياء تحار الْأَعْين فِيهَا، فَإِذا ردهَا إِلَى إبطه، وأخرجها عَادَتْ إِلَى مَا كَانَت.
стр. 3463
وَقَوله: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْن إِنَّه طَغى﴾ أَي: جَاوز الْحَد فِي الْعِصْيَان والتمرد، وَيُقَال: كَانَ اسْمه: وليد بن مُصعب، وَكَانَ أغْنى الفراعنة الَّذين كَانُوا بِمصْر.
стр. 3464
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب اشرح لي صَدْرِي﴾ أَي: وَسعه للحق، وَكَانَ مُوسَى يخَاف من فِرْعَوْن خوفًا شَدِيدا؛ لشدَّة شوكته، وَكَثْرَة جنده، فَضَاقَ قلبه لما بعث إِلَى فِرْعَوْن من الْخَوْف؛ فَسَأَلَ الله تَعَالَى أَن يُوسع قلبه للحق؛ فَيعلم أَنه لَا يقدر أحد أَن يعْمل بِهِ شَيْئا إِلَّا بِإِذن الله، أَو يَنَالهُ بمكروه إِلَّا بمشيئته.
стр. 3465
وَقَوله: ﴿وَيسر لي أَمْرِي﴾ أَي: سهل عَليّ الْأَمر الَّذِي بعثتني لَهُ.
стр. 3466
﴿رب اشرح لي صَدْرِي (٢٥) وَيسر لي أَمْرِي (٢٦) واحلل عقدَة من لساني (٢٧) يفقهوا قولي (٢٨) وَاجعَل لي وزيرا من أَهلِي (٢٩) هرون أخي (٣٠) اشْدُد بِهِ أزري (٣١) وأشركه فِي أَمْرِي (٣٢) كي نسبحك كثيرا (٣٣) ونذكرك كثيرا (٣٤) إِنَّك﴾
стр. 3467
قَوْله: ﴿واحلل عقدَة من لساني﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: كَانَت على لِسَان مُوسَى عقدَة من أَخذه الْجَمْر، وَوَضعه إِيَّاه فِي فَمه، وَسَببه أَن أمْرَأَة فِرْعَوْن جَاءَت بمُوسَى إِلَى فِرْعَوْن، فَوَضَعته فِي حجره، فَأخذ بلحية فِرْعَوْن، وَفِي رِوَايَة: لطم وَجه فِرْعَوْن لطمة، فَغَضب فِرْعَوْن، وَقَالَ: هَذَا هُوَ عدوي، وَأَرَادَ أَن يقْتله، فَقَالَت امْرَأَة فِرْعَوْن: إِنَّه صبي، لَا يعقل وَلَا يُمَيّز، وَهُوَ لَا يُمَيّز بَين الْجَوْهَر والجمر، فدعي لَهُ بطبق من جمر، وطبق من جَوْهَر، فَأخذ الْجَمْر، وَوَضعه فِي فِيهِ، فَاحْتَرَقَ لِسَانه، وَصَارَت عَلَيْهِ عقدَة. وَذكر بَعضهم: أَنه أَرَادَ أَن يَأْخُذ الْجَوْهَر، فصرف جِبْرِيل يَده إِلَى الْجَمْر.
стр. 3468
وَقَوله: ﴿يفقهوا قولي﴾ أَي: يفهموا قولي.
стр. 3469
﴿وَاجعَل لي وزيرا من أَهلِي﴾ الْوَزير من يؤازرك على الشئ، أَي: يعينك، ويتحمل عَنْك بعض ثقله، ووزير الْأَمِير من يتَحَمَّل عَنهُ بعض مَا عَلَيْهِ.
стр. 3470
وَقَوله: ﴿هَارُون أخي﴾ كَانَ هَارُون أكبر مِنْهُ بِأَرْبَع سِنِين، فَكَانَ أفْصح مِنْهُ لِسَانا، وأجمل مِنْهُ وَجها، وأوسم وأبيض، وَكَانَ مُوسَى أَدَم، أقنى جَعدًا.
следующие страницы →