← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

﴿عَنْكُم فَالْآن باشروهن وابتغوا مَا كتب الله لكم وكلوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يتَبَيَّن لكم﴾ الشَّاعِر: (إِذا مَا الضجيع ثنى جيده ... تثنت فَصَارَت عَلَيْهِ لباسا) قَالَ الرّبيع بن أنس: مَعْنَاهُ: هن فرش لكم، وَأَنت لحف لَهُنَّ. وَقَوله تَعَالَى: (علم الله أَنكُمْ كُنْتُم تختانون أَنفسكُم) هُوَ افتعال: من الْخِيَانَة، أَي: تخونون أَنفسكُم بمخالفة الْأَمر، وَترك الْوِقَايَة. وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُم وَعَفا عَنْكُم فَالْآن باشروهن﴾ قيل: أَرَادَ بِهِ الْوَطْء. وَقيل: مَا دون الْوَطْء. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وابتغوا مَا كتب الله لكم﴾ قَالَ أنس بن مَالك: أَرَادَ بِهِ طلب الْوَلَد. وروى أَبُو الجوزاء عَن ابْن عَبَّاس: أَرَادَ بِهِ ابْتِغَاء لَيْلَة الْقدر. وَقَالَ قَتَادَة وَهُوَ أحسن الْأَقْوَال: يَعْنِي: وابتغوا مَا كتب الله لكم من الرُّخْصَة بِإِبَاحَة الْأكل، وَالشرب، وَالْوَطْء، فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ. وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس فِي الشواذ: " وَاتبعُوا مَا كتب الله لكم وكلوا وَاشْرَبُوا ". وَسبب نزُول الْآيَة: أَن الله تَعَالَى كَانَ قد أوجب الصَّوْم فِي الِابْتِدَاء من الْعَتَمَة إِلَى اللَّيْلَة الْقَابِلَة، وَكَانَ كل من نَام أَو صلى الْعشَاء حرم عَلَيْهِ الْأكل، وَالشرب، وَالْوَطْء " فروى أَن رجلا يُقَال لَهُ: صرمة أَبُو قيس ظلّ يعْمل جَمِيع النَّهَار، ثمَّ آوى إِلَى منزله، وَطلب من امْرَأَته طَعَاما، فأبطأت، فغلبه النّوم، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ كَانَ قد حرم الطَّعَام وَالشرَاب فَأصْبح وَقد جهد جهدا شَدِيدا، حَتَّى خر مغشيا عَلَيْهِ، فَأخْبر بِهِ

стр. 352

﴿الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود من الْفجْر ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾ رَسُول الله؛ فَنزلت الْآيَة بِإِبَاحَة الْأكل وَالشرب بِاللَّيْلِ. وَسبب إِبَاحَة الْمُبَاشرَة: مَا روى أَن عمر ﵁ قَالَ: " يَا رَسُول الله إِنِّي أصبت امْرَأَتي بعد مَا نمت، فَقَالَ: مَا كنت جَدِيرًا بِهَذَا يَا عمر ". " وروى أَن رجلا من الصَّحَابَة أخبر النَّبِي بِمثل ذَلِك، فَنزلت الْآيَة بِإِبَاحَة الْمُبَاشرَة " وَذَلِكَ معنى قَوْله: ﴿كُنْتُم تختانون أَنفسكُم﴾ . فَأَما قَوْله: ﴿وكلوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود من الْفجْر﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى: أَرَادَ بالخيط: اللَّوْن، وَمَعْنَاهُ: بَيَاض النَّهَار من سَواد اللَّيْل. وَقَوله تَعَالَى: ﴿من الْفجْر﴾ سَبَب نُزُوله مَا روى " أَنه لما نزلت هَذِه الْآيَة أَخذ عدي ابْن حَاتِم عِقَالَيْنِ، أَحدهمَا أَبيض، وَالْآخر أسود، وَوَضعهمَا تَحت وسادته فَلَمَّا أصبح كَانَ ينظر إِلَيْهِمَا، ويتسحر، حَتَّى يتَبَيَّن الْأَبْيَض من الْأسود، فَأخْبر بِهِ النَّبِي فَقَالَ: إِنَّك لَعَرِيض الوساد ". وَفِي رِوَايَة: " إِنَّك لَعَرِيض الْقَفَا، إِنَّمَا هُوَ بَيَاض النَّهَار من سَواد اللَّيْل " وَهِي كلمة لَهُم يكنون بهَا عَن قلَّة الْفَهم؛ فَنزل قَوْله ﴿من الْفجْر﴾ وَالْفَجْر فجران:

стр. 353

﴿وَلَا تباشروهن وَأَنْتُم عاكفون فِي الْمَسَاجِد تِلْكَ حُدُود الله فَلَا تقربوها كَذَلِك﴾ أَحدهمَا فجر مستطيل كذنب السرحان، يطاع صاعدا، ثمَّ يغيب، ويغلب الظلام، وَهُوَ الْفجْر الْكَاذِب. وَالثَّانِي بعده: فجر مستطير، ينتشر فِي الْأُفق سَرِيعا، وَقيل: يخْتَلط بِهِ الْحمرَة، وَهُوَ الْفجْر الصَّادِق الَّذِي يحرم الطَّعَام ويبيح الصّيام. وَتقول الْعَرَب: الْفجْر (بشير) الشَّمْس. ويحكى عَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان خلافًا غَرِيبا، وَهُوَ مَعْرُوف عَنهُ، أَنه قَالَ: أَرَادَ بِالْفَجْرِ طُلُوع الشَّمْس، وَكَانَ يُبِيح التسحر بعد طُلُوع الْفجْر. وَقَوله تَعَالَى: ﴿ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾ وَهَذَا يَقْتَضِي حُرْمَة الصَّوْم بِاللَّيْلِ لِأَنَّهُ قد جعله حدا. وَقد قَالَ: " من صَامَ بِاللَّيْلِ فقد تَعب وَلَا أجر لَهُ ". وَقَالَ أَيْضا: " إِذْ أقبل اللَّيْل من هَاهُنَا، وَأدبر النَّهَار من هَاهُنَا، فقد أفطر الصَّائِم ". قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تباشروهن وَأَنْتُم عاكفون فِي الْمَسَاجِد﴾ والعكوف: هُوَ الْمقَام فِي الْموضع. وَقيل: نزلت الْآيَة فِي قوم من الْمُسلمين كَانُوا يخرجُون من الِاعْتِكَاف، ويباشرون الْأَهْل، ثمَّ يعودون إِلَى الْمُعْتَكف، فَحرم الله تَعَالَى الْمُبَاشرَة فِي الِاعْتِكَاف.

стр. 354

﴿يبين الله آيَاته للنَّاس لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ (١٨٧) وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ وتدلوا بهَا إِلَى الْحُكَّام لتأكلوا فريقا من أَمْوَال النَّاس بالإثم وَأَنْتُم تعلمُونَ (١٨٨) يَسْأَلُونَك﴾ وَالِاعْتِكَاف جَائِز فِي كل الْمَسَاجِد، وَحكى عَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان خلافًا شاذا فِيهِ فَقَالَ: لَا يجوز الِاعْتِكَاف إِلَّا فِي ثَلَاثَة مَسَاجِد: فِي الْمَسْجِد الْحَرَام، وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى، وَمَسْجِد الْمَدِينَة وَكَانَ يعيب على عبد الله بن مَسْعُود اعْتِكَافه فِي غَيرهَا من الْمَسَاجِد، وَكَانَ عبد الله يُنكره وَيرد عَلَيْهِ قَوْله، وَالْأمة على قَول عبد الله. وَقَوله تَعَالَى: ﴿تِلْكَ حُدُود الله﴾ وَهِي مَا منع الله تَعَالَى عَنْهَا من الْمعاصِي. وأصل الْحَد: الْمَنْع. وَمِنْه الْحداد للبواب؛ لِأَنَّهُ يمْنَع النَّاس، وَمِنْه الْحَدِيد؛ لِأَنَّهُ يحتمي بِهِ للامتناع من الأعادي. وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَلَا تقربوها﴾ أَي: فَلَا ترتكبوها. وَقَوله تَعَالَى: ﴿كَذَلِك يبين الله آيَاته للنَّاس لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 355

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ أَي: لَا يَأْكُل بَعْضكُم أَمْوَال بعض بِالْبَاطِلِ. وَالْأكل بِالْبَاطِلِ نَوْعَانِ: أَحدهمَا: أَن يكون بطرِيق الْغَصْب والنهب وَالظُّلم. وَالْآخر: بطرِيق اللَّهْو مثل الْقمَار والرهان وَأُجْرَة الْمُغنِي وَنَحْو ذَلِك. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وتدلوا بهَا إِلَى الْحُكَّام﴾ قيل: مَعْنَاهُ: وَلَا تدلوا بهَا إِلَى الْحُكَّام، أَي لَا ترشوهم وتصانعوهم فيحكموا لكم بالجور. وَقيل: مَعْنَاهُ: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ وتنسبونه إِلَى قَول الْحُكَّام وتتخذون قَوْلهم حجَّة. ﴿وَأَنْتُم تعلمُونَ﴾ خلَافَة، هَذَا دَلِيل على من يَقُول بنفوذ الْقَضَاء ظَاهرا وَبَاطنا. والإدلاء: الْإِلْقَاء يُقَال: أدلى دلوه، إِذا أرسل، ودلى إِذا أخرج.

стр. 356

﴿عَن الْأَهِلّة قل هِيَ مَوَاقِيت للنَّاس وَالْحج وَلَيْسَ الْبر بِأَن تَأْتُوا الْبيُوت من ظُهُورهَا وَلَكِن الْبر من اتَّقى وَأتوا الْبيُوت من أَبْوَابهَا وَاتَّقوا الله لَعَلَّكُمْ تفلحون (١٨٩) ﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿لتأكلوا فريقا﴾ أَي: طَائِفَة ﴿من أَمْوَال النَّاس بالإثم﴾ بالظلم ﴿وَأَنْتُم تعلمُونَ﴾ .

стр. 357

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَك عَن الْأَهِلّة﴾ وَهِي جمع الْهلَال، وَهُوَ اسْم للقمر أول مَا يَبْدُو دَقِيقًا وَإِنَّمَا سمى هلالا؛ لِأَن النَّاس يرفعون أَصْوَاتهم عِنْد رُؤْيَته. يُقَال: اسْتهلّ الصَّبِي: إِذا صَاح بالبكاء، وَالْعرب تسمى كل ثَلَاثَة من الشَّهْر باسم خَاص، فَتَقول للثَّلَاثَة الأولى: غرر، ثمَّ يَلِيهِ، نفل، ثمَّ يَلِيهِ، تسع، ثمَّ يَلِيهِ، عشر، ثمَّ يَلِيهِ، بيض، ثمَّ يَلِيهِ، ربع، وَالأَصَح روع، ثمَّ يَلِيهِ، ظلم، ثمَّ يَلِيهِ، حناوس، ثمَّ يَلِيهِ، وَادي، ثمَّ يَلِيهِ محاق. وَسبب نزُول الْآيَة: مَا روى أَن معَاذ بن جبل، وثعلبة بن عثيمة، قَالَا: " يَا رَسُول الله، مَا بَال حَال الْقَمَر يَبْدُو دَقِيقًا؛ ثمَّ يمتلئ فَوْرًا ثمَّ يعود دَقِيقًا؛ فَنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَك عَن الْأَهِلّة قل هِيَ مَوَاقِيت للنَّاس وَالْحج﴾ . يَعْنِي: فعلت مَا فعلت؛ ليَكُون مَوَاقِيت لصومكم، وفطركم، وحجكم، وآجال ديونكم ". وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ الْبر بِأَن تَأْتُوا الْبيُوت من ظُهُورهَا﴾ قَالَ الْبَراء بن عَازِب: نزلت الْآيَة فِينَا معشر الْأَنْصَار، كَانَ الرجل منا إِذا خرج إِلَى الْحَج ثمَّ عَاد، لَا يدْخل دَاره من الْبَاب، وَلَكِن ينقب نقبا فِي مُؤخر الْبَيْت، فَيدْخل مِنْهُ، ويعد الدُّخُول من بَاب الْبَيْت فجورا؛ فَنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ الْبر بِأَن تَأْتُوا الْبيُوت من ظُهُورهَا﴾ أَي: بآخرها. ﴿وَلَكِن الْبر من اتَّقى﴾ أَي: بر من اتَّقى ﴿وَأتوا الْبيُوت من أَبْوَابهَا﴾ ردهم إِلَى الْأَبْوَاب ﴿وَاتَّقوا الله لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ .

стр. 358

قَوْله تَعَالَى: ﴿وقاتلوا فِي سَبِيل الله الَّذين يقاتلونكم﴾ قيل: كَانَ فِي ابْتِدَاء

стр. 359

﴿وقاتلوا فِي سَبِيل الله الَّذين يقاتلونكم وَلَا تَعْتَدوا إِن الله لَا يحب الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) واقتلوهم حَيْثُ ثقفتموهم وأخرجوهم من حَيْثُ أخرجوكم والفتنة أَشد من الْقَتْل﴾ الْإِسْلَام، أَمر الله تَعَالَى نبيه بالكف عَن قتال الْمُشْركين ثمَّ لما هَاجر إِلَى الْمَدِينَة أمره بقتالهم إِذا قَاتلُوا؛ بقوله تَعَالَى: ﴿وقاتلوا فِي سَبِيل الله الَّذين يقاتلونكم﴾ [ثمَّ] أمره بقتالهم قَاتلُوا أَو لَو يقاتلوا. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَعْتَدوا﴾ أَي: لَا تبدءوهم بِالْقِتَالِ. وَقيل: وَلَا تَعْتَدوا أَي: لَا تقتلُوا المعاهدين مِنْهُم ﴿إِن الله لَا يحب الْمُعْتَدِينَ﴾ .

стр. 360

قَوْله تَعَالَى: ﴿واقتلوهم حَيْثُ ثقفتموهم﴾ قيل: نسخت الْآيَة الأولى بِهَذِهِ كَمَا بَينا. وَقيل: بل نسخت بقوله تَعَالَى: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْركين حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ . وَقَالُوا: نسخت بهَا قَرِيبا من سبعين آيَة. ﴿حَيْثُ ثقفتموهم﴾ أَي: وَجَدْتُمُوهُمْ. وَقَوله تَعَالَى ﴿وأخرجوهم من حَيْثُ أخرجوكم﴾ وَذَلِكَ أَنهم أخرجُوا الْمُسلمين من مَكَّة؛ فَقَالَ: أخرجوهم من دِيَارهمْ كَمَا أخرجوكم من دِيَاركُمْ. ﴿والفتنة أَشد من الْقَتْل﴾ يَعْنِي بالفتنة: الْكفْر، وَسبب ذَلِك: أَن الله تَعَالَى لما حرم بدايتهم بِالْقِتَالِ فِي الشَّهْر الْحَرَام، بَادر إِلَى قِتَالهمْ بعض الْمُسلمين، فعيرهم الْكفَّار عَلَيْهِ، فَقَالَ الله تَعَالَى ﴿والفتنة أَشد من الْقَتْل﴾ يَعْنِي: الشّرك الَّذِي أَنْتُم عَلَيْهِ أَشد من قِتَالهمْ الَّذِي بدءوا بِهِ. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تقاتلوهم عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ كَذَا كَانَ فِي الِابْتِدَاء حَرَامًا بدايتهم بِقِتَال فِي الْبَلَد الْحَرَام، ثمَّ صَار مَنْسُوخا.

стр. 361

﴿وَلَا تقاتلوهم عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام حَتَّى يقاتلونكم فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فاقتلوهم كَذَلِك جَزَاء الْكَافرين (١٩١) فَإِن انْتَهوا فَإِن الله غَفُور رَحِيم (١٩٢) وقاتلوهم حَتَّى لَا تكون فتْنَة وَيكون الدّين لله فَإِن انْتَهوا فَلَا عدوان إِلَّا على الظَّالِمين (١٩٣) الشَّهْر﴾ قَالَ عَطاء: لم يصر هَذَا مَنْسُوخا. وَالأَصَح أَن الْآيَة مَنْسُوخَة. وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَإِن قَاتَلُوكُمْ فاقتلوهم كَذَلِك جَزَاء الْكَافرين﴾

стр. 362

﴿فَإِن انْتَهوا﴾ يَعْنِي فَإِن أَسْلمُوا. ﴿فَإِن الله غَفُور رَحِيم﴾ لما سلف.

стр. 363

قَوْله تَعَالَى: ﴿وقاتلوهم حَتَّى لَا تكون فتْنَة﴾ أَي: شرك ﴿وَيكون الدّين لله﴾ أَي: قاتلوهم حَتَّى يسلمُوا لله. وَقيل: حَتَّى لَا تكون سَجْدَة إِلَّا لله. وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَإِن انْتَهوا فَلَا عدوان إِلَّا على الظَّالِمين﴾ أَي: فَإِن أَسْلمُوا فَلَا نهب، وَلَا أسر، وَلَا قتل، إِلَّا على الَّذين بقوا على الشّرك.

стр. 364

قَوْله تَعَالَى: ﴿الشَّهْر الْحَرَام بالشهر الْحَرَام والحرمات قصاص﴾ فِي معنى الْآيَة قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه أَرَادَ بِهِ فِي أَمر الْعمرَة، وَذَلِكَ مَا روى " أَن النَّبِي خرج مُعْتَمِرًا فِي ذِي الْقعدَة، فَلَمَّا بلغ الْحُدَيْبِيَة صده الْمُشْركُونَ، فَصَالحهُمْ على أَن يعود فِي الْعَام الْمقبل، ثمَّ عَاد مُعْتَمِرًا فِي الْعَام الْمقبل فِي ذِي الْقعدَة فأقضاه الله تَعَالَى مَا فَاتَ فِي الْعَام الأول بِمَا فعله فِي الْعَام الثَّانِي " فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿الشَّهْر الْحَرَام بالشهر الْحَرَام﴾ يَعْنِي ذَا الْقعدَة. ﴿والحرمات قصاص﴾ يَعْنِي: حُرْمَة الشَّهْر الْحَرَام، وَحُرْمَة الْبَلَد الْحَرَام، وَحُرْمَة الْإِحْرَام. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه وَارِد فِي أَمر الْقِتَال، وَمَعْنَاهُ فَإِن بدءوكم بِالْقِتَالِ فِي الشَّهْر الْحَرَام، وانتهكوا حرمته فَقَاتلهُمْ فِيهِ وَلَا تبالوا بحرمته؛ فَإِنَّهُ قصاص بِمَا فعلوا. ﴿فَمن اعْتدى عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ بِمثل مَا اعْتدى عَلَيْكُم﴾ والاعتداء: الظُّلم،

стр. 365

﴿الْحَرَام بالشهر الْحَرَام والحرمات قصاص فَمن اعْتدى عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ بِمثل مَا اعْتدى عَلَيْكُم وَاتَّقوا الله وَاعْلَمُوا أَن الله مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤) وأنفقوا فِي سَبِيل وَإِنَّمَا سمى الْجَزَاء على الظُّلم: اعتداء، على ازدواج الْكَلَام، وَمثله قَوْله تَعَالَى ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾ . وَتقول الْعَرَب: ظَلَمَنِي فلَان فظلمته، أَي: جازيته على الظُّلم. وَيُقَال: جهل فلَان على فجهلت عَلَيْهِ، قَالَ الشَّاعِر: (أَلا لَا يجهلهن أحد علينا ... فنجهل فَوق جهل الجاهلينا) وَقَالَ آخر: (ولي فرس للحلم بالحلم ملجم ... ولي فرس للْجَهْل بِالْجَهْلِ مسرج) (وَاتَّقوا الله وَاعْلَمُوا أَن الله مَعَ الْمُتَّقِينَ)

стр. 366

قَوْله تَعَالَى: ﴿وأنفقوا فِي سَبِيل الله﴾ أَرَادَ بِهِ: الْإِنْفَاق فِي الْجِهَاد، وكل خير سَبِيل الله، وَلَكِن إِذا أطلق سَبِيل الله، ينْصَرف إِلَى الْجِهَاد. ﴿وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ قيل: الْبَاء زَائِدَة، وَتَقْدِيره: وَلَا تلقوا أَيْدِيكُم، وَعبر بِالْأَيْدِي عَن الْأَنْفس، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿بِمَا كسبت أَيْدِيكُم﴾ أَي: بِمَا كسبتم. وَقيل الْبَاء فِي موضعهَا، وَفِيه حذف، وَتَقْدِيره: وَلَا تلقوا أَنفسكُم بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة. والتهلكة والهلاك: وَاحِد. وَقيل: بَينهمَا فرق، فالتهلكة: مَا يُمكن الِاحْتِرَاز عَنهُ، والهلاك: مَا لَا يُمكن الِاحْتِرَاز عَنهُ. وَفِي مَعْنَاهُ قَولَانِ: أَحدهمَا: وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة بترك الْإِنْفَاق فِي سَبِيل الله. وَالثَّانِي: قَالَ النُّعْمَان بن بشير، والبراء بن عَازِب: إِن المُرَاد بِهِ: أَن يُذنب الرجل

стр. 367

﴿الله وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة وأحسنوا إِن الله يحب الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله فَإِن أحصرتم فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي وَلَا تحلقوا رءوسكم حَتَّى﴾ ذَنبا ثمَّ يَقُول: لَا تَوْبَة لي، فيقنط من رَحْمَة الله ونعوذ بِاللَّه. وَالْأول أصح. لما روى عَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ ﵁ أَنه قَالَ: نزلت الْآيَة فِينَا معشر الْأَنْصَار فَإِن الله تَعَالَى لما نصر دنيه، وأعز نبيه، قُلْنَا: لَو أَقَمْنَا فِي أَمْوَالنَا نُصْلِحهَا، ونترك الْجِهَاد، فَإِنَّهَا تضيع، فَنزلت الْآيَة: ﴿وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ يَعْنِي: بترك الْإِنْفَاق فِي الْجِهَاد، وَالْإِقَامَة على الْأَمْوَال، حَتَّى روى: أَنه لما نزلت الْآيَة مازال أَبُو أَيُّوب يَغْزُو حَتَّى آخر غَزْوَة غَزَاهَا بقسطنطينية، فِي بعث بعثة مُعَاوِيَة وَتُوفِّي (هُنَالك) وَدفن فِي أصل سور قسطنطينية وهم يستسقون بِهِ. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وأحسنوا﴾ يَعْنِي: بِالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيل الله. وَقَالَ عِكْرِمَة: مَعْنَاهُ: أَحْسنُوا الظَّن بِاللَّه. وَقيل مَعْنَاهُ: أَدّوا فَرَائض الله ﴿إِن الله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ قَالَ فُضَيْل بن عِيَاض: من كَانَت تَحت يَده دجَاجَة فَلم يحسن إِلَيْهَا لم يكن من الْمُحْسِنِينَ.

стр. 368

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله﴾ وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: فِي الشواذ: " وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة إِلَى الْبَيْت " من غير قَوْله: " لله " وَقَرَأَ الشّعبِيّ: وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله على الِابْتِدَاء. وَاخْتلفُوا معنى الْإِتْمَام، قَالَ عمر: إِتْمَامهمَا أَن لَا ينْسَخ إِذْ كَانَ جَائِزا نسخه فِي الِابْتِدَاء. وَقَالَ عَليّ، وَابْن مَسْعُود: إِتْمَامهمَا أَن يحرم بهما من دويرة الْأَهْل. وَقيل: إِتْمَامهمَا أَن يكون الزَّاد وَالنَّفقَة من الْحَلَال. وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: إِتْمَامهمَا أَن يقْصد

стр. 369

﴿يبلغ الْهَدْي مَحَله فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو بِهِ أَذَى من رَأسه ففدية من صِيَام أَو﴾ الْحَج وَلَا يقْصد التِّجَارَة. وَقيل: إِتْمَامهمَا أَن لَا يَعْصِي الله فِيهِ، وَيَأْتِي بِهِ على وَجهه كَمَا أَمر. ثمَّ اعْلَم أَن الْعمرَة وَاجِبَة، وَهُوَ قَول ابْن عمر، وَعند أبي حنيفَة ﵁ سنة، وَهُوَ مروى عَن جَابر. وَالدَّلِيل على وُجُوبهَا: ظَاهر الْآيَة، وَهُوَ قَوْله: ﴿وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله﴾ وَظَاهر الْأَمر للْوُجُوب. وَقد ورد فِي فضل الْحَج وَالْعمْرَة أَخْبَار، مِنْهَا: مَا روى عَن رَسُول الله أَنه قَالَ: " العمرتان تكفران مَا بَينهمَا، وَالْحج المبرور لَيْسَ لَهُ جَزَاء إِلَّا الْجنَّة ". وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَإِن أحصرتم﴾ قَالَ ابْن عمر: الْإِحْصَار: من الْعَدو. (وَقَالَ ابْن مَسْعُود: الْإِحْصَار: من الْعَدو) وَالْمَرَض كِلَاهُمَا مُعْتَبر. وَعَن ابْن عَبَّاس فِيهِ رِوَايَتَانِ. والإحصار والحصر بِمَعْنى وَاحِد. وَقَالَ الْفراء: الْإِحْصَار: بِالْحَبْسِ، والحصر: منع الْعَدو. وَالصَّحِيح أَنه من الْعَدو دون الْمَرَض لقَوْله: ﴿فَإِذا أمنتم﴾ والأمن: من الْعَدو. وَمن قَالَ: بِالْأولِ قَالَ فِيهِ حذف، وَتَقْدِيره. فَإِذا أمنتم من الْعَدو، وبرأتم من الْمَرَض. وَقَول تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهدى﴾ وَأَقل مَا يجب مِنْهُ: ذبح الشَّاة، والأعلى: نحر بَدَنَة، والأوسط: ذبح بقرة، وَالْهدى والتهدية وَالْهدى بِمَعْنى وَاحِد؛ وَهُوَ مَا يهدي إِلَى مَوضِع، أَو إِلَى شخص. قَالَ الشَّاعِر: (حَلَفت بِرَبّ مَكَّة والمصلى ... وأعناق الْهدى مقلدات) وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تحلقوا رؤوسكم حَتَّى يبلغ الْهدى مَحَله﴾ أَي: حَتَّى

стр. 370

﴿صَدَقَة أَو نسك فَإِذا أمنتم فَمن تمتّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي فَمن﴾ يذبح فِي مَوْضِعه، وَمَوْضِع الذّبْح عندنَا: حَيْثُ أحْصر وتحلل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: مَوْضِعه: مَكَّة. وَمَا قُلْنَاهُ أصح؛ لِأَن رَسُول الله " لما بلغ الْحُدَيْبِيَة مُعْتَمِرًا، فصده الْمُشْركُونَ، تحلل وَذبح هُنَالك ". قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَبُو بِهِ أَذَى من رَأسه﴾ نزل هَذَا فِي كَعْب بن عجْرَة. روى عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى. عَن كَعْب بن عجْرَة أَنه قَالَ: " كنت مَعَ رَسُول الله بِالْحُدَيْبِية، وَكنت أنفخ تَحت الْقدر وَالْقمل يتهافت على وَجْهي، فَقَالَ ﵇: مَا هَذَا؟ ! احْلق رَأسك، وَاذْبَحْ شَاة، أَو صم ثَلَاثَة أَيَّام، أَو أطْعم سِتَّة مَسَاكِين ". فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿ففدية من صِيَام أَو صَدَقَة أَو نسك﴾ يَعْنِي: ذبح الشَّاة. وَذَلِكَ الْمَذْهَب عندنَا، أَن يذبح فِي فديَة الْأَذَى: شَاة، أَو يَصُوم ثَلَاثَة أَيَّام، أَو يتَصَدَّق بفرق من طَعَام، وَالْفرق: ثَلَاثَة أصوع، كل صَاع أَرْبَعَة أَمْدَاد، فَيتَصَدَّق على كل مِسْكين بمدين. وَقَالَ عَطاء: يطعم عشرَة مَسَاكِين. وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَإِذا أمنتم فَمن تمتّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج﴾ قَالَ ابْن الزبير: يخْتَص التَّمَتُّع بالمحصر؛ لقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا أمنتم﴾ وَعَامة الصَّحَابَة على أَنه جَائِز على الْعُمُوم للكافة. ثمَّ مَذْهَب الْمَدَنِيين، والكوفيين: أَن التَّمَتُّع هُوَ: أَن يحرم بِالْعُمْرَةِ فِي أشهر الْحَج،

стр. 371

﴿لم يجد فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج وَسَبْعَة إِذا رجعتم تِلْكَ عشرَة كَامِلَة ذَلِك لمن لم يكن أَهله حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام وَاتَّقوا الله وَاعْلَمُوا أَن الله شَدِيد الْعقَاب﴾ ثمَّ يُقيم بِمَكَّة، ويحج من عَامه ذَلِك. وسمى تمتعا؛ لِأَنَّهُ يسْتَمْتع بالمحظورات إِذا تحلل عَن الْعمرَة إِلَى أَن يحرم بِالْحَجِّ. وَقَالَ طَاوس: لَا يخْتَص التَّمَتُّع بأشهر الْحَج، بل إِذا أحرم بِالْعُمْرَةِ فِي غير أشهر الْحَج يكون مُتَمَتِّعا. وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهدى﴾ أَي: ذبح الشَّاة. وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَمن لم يجد فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج﴾ وَذَلِكَ بِأَن يَصُوم يَوْمًا قبل التَّرويَة، وَيَوْم التَّرويَة، وَيَوْم عَرَفَة، وَيجوز أَن يَصُوم الثَّلَاثَة مُتَفَرِّقَة. وَقَالَ ابْن عمر، وَعَائِشَة: يَصُوم ثَلَاثَة أَيَّام منى، وَذَلِكَ التَّشْرِيق وَهُوَ قَول الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَسَبْعَة إِذا رجعتم﴾ قَالَ ابْن عمر: مَعْنَاهُ إِذا رجعتم إِلَى الْأَهْل. وَالصَّحِيح: أَنه إِذا أَرَادَ الرُّجُوع عَن الْحَج حَتَّى لَو صَامَ السَّبع فِي الطَّرِيق جَازَ وَيجوز مُتَفَرقًا أَيْضا. وَقَوله تَعَالَى: ﴿تِلْكَ عشرَة كَامِلَة﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: لَا يشكل أَن الثَّلَاثَة والسبع عشرَة، فَلم قَالَ: تِلْكَ عشرَة كَامِلَة؟ قُلْنَا: قيل: إِنَّمَا قَالَه تَأْكِيدًا، وَمثله قَول الفرزدق: (ثَلَاث وَاثْنَتَانِ فهن خمس ... وسادسة تميل إِلَى شمام) وَهَذَا لِأَن الْعَرَب مَا كَانُوا يَهْتَدُونَ إِلَى الْحساب، وَكَانُوا يَحْتَاجُونَ إِلَى فضل شرح وَزِيَادَة بَيَان.

стр. 372

( ﴿١٩٦) الْحَج أشهر مَعْلُومَات فَمن فرض فِيهِنَّ الْحَج فَلَا رفث وَلَا فسوق وَلَا جِدَال﴾ وَقد صَحَّ عَن رَسُول الله أَنه قَالَ: " الشَّهْر هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا حبس إبهامه فِي الكرة الثَّالِثَة ". فَأَشَارَ إِلَيْهِم بأصابعه ليعرفوا الْحساب. وَقيل: فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير، يَعْنِي: فَصِيَام عشرَة أَيَّام: ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج، وَسَبْعَة إِذا رجعتم، وَقيل: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك؛ لقطع توهم الزِّيَادَة، فَإِن قَوْله: فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج وَسَبْعَة إِذا رجعتم. يُوهم وَخَمْسَة إِذا فَعلْتُمْ كَذَا، وَنَحْو ذَلِك، فَقَالَ: تِلْكَ عشرَة ليقطع توهم الزِّيَادَة. وَقَوله: ﴿كَامِلَة﴾ أَي: كَامِلَة فِي الْأجر. وَقيل: كَامِلَة فِيمَا أُرِيد بِهِ وَإِقَامَة الصَّوْم مقَام الْهدى. قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك لمن لم يكن أَهله حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ قَالَ بعض الصَّحَابَة: أَرَادَ بحاضري الْمَسْجِد الْحَرَام: أهل مَكَّة، وَكَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول: يَا أهل مَكَّة لَا تمتّع لكم. إِنَّمَا التَّمَتُّع للغرباء. وَقيل: هم جَمِيع أهل الْحرم. وَقَالَ الشَّافِعِي: كل من كَانَ من مَكَّة على مَا دون مَسَافَة الْقصر؛ فَهُوَ من حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام. ﴿وَاتَّقوا الله﴾ أَي: فِي أَدَاء الْأَوَامِر ﴿وَاعْلَمُوا أَن الله شَدِيد الْعقَاب﴾ على ارْتِكَاب المناهي.

стр. 373

قَوْله تَعَالَى: ﴿الْحَج أشهر مَعْلُومَات﴾ الْأَكْثَرُونَ على أَن المُرَاد بِهِ: شَوَّال، وَذُو الْقعدَة، وَعشر من ذِي الْحجَّة. وَقَالَ مَالك: كل ذِي الْحجَّة وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَمن فرض فِيهِنَّ الْحَج﴾ قَالَ ابْن عمر، وَابْن مَسْعُود: أَرَادَ بِهِ: فَمن فرض فِيهِنَّ الْحَج بِالتَّلْبِيَةِ. أَي: فَمن لبّى.

стр. 374

﴿فِي الْحَج وَمَا تَفعلُوا من خير يُعلمهُ الله وتزودوا فَإِن خير الزَّاد التَّقْوَى واتقون يَا﴾ وَعِنْدنَا يخْتَص إِحْرَام الْحَج بأشهر الْحَج، وَعند أبي حنيفَة يجوز فِي جَمِيع السّنة. وَفِيه خلاف الصَّحَابَة، وَهُوَ مَذْكُور فِي الْفِقْه. وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَلَا رفث﴾ قيل: هُوَ الْوَطْء. وَقيل: الرَّفَث: الإفحاش فِي القَوْل. وَقيل: هُوَ أَن يتَعَرَّض لأمر الْوَطْء مَعَ النِّسَاء، وَذَلِكَ بِأَن يَقُول: إِذا حللنا فعلنَا كَذَا. وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ محرما فَأَنْشد: (فهن يَمْشين بِنَا هَميسا ... إِن تصدق الطير نَنكْ لَميسا) فَقيل لَهُ: أَتَرْفُثُ وَأَنت محرم؟ فَقَالَ: الرَّفَث: هُوَ مَا رُوجِعَ بِهِ النِّسَاء، أَي: يذكر فِي مشاهدتهن. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَا فسوق﴾ الفسوق: السباب. وَقيل: هُوَ كل الْمعاصِي. وَقَوله: ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَج﴾ قَالَ ابْن مَسْعُود: الْجِدَال: أَن يمارى الرجل صَاحبه حَتَّى يغضبه. وَقيل: أَرَادَ بِهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ أهل الْجَاهِلِيَّة من الِاخْتِلَاف فِي أَمر الْحَج، حَتَّى كَانَ بَعضهم يقف بِعَرَفَة، وَبَعْضهمْ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَكَانَ يحجّ بَعضهم فِي ذِي الْقعدَة، وَبَعْضهمْ فِي ذِي الْحجَّة، وكل يَقُول: مَا فعلته فَهُوَ صَوَاب، فَقَالَ: ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَج﴾ أَي: اسْتَقر أَمر الْحَج على مَا فعله الرَّسُول، فَلَا خلاف فِيهِ من بعد وَذَلِكَ معنى قَوْله " أَلا إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَته ... " الحَدِيث. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَمَا تَفعلُوا من خير يُعلمهُ الله﴾ أَي: لَا يخفى عَلَيْهِ وَلَا يضيعه، بل يثيب عَلَيْهِ.

стр. 375

﴿أولي الْأَلْبَاب (١٩٧) لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن يَبْتَغُوا فضلا من ربكُم فَإِذا أَفَضْتُم من عَرَفَات فاذكروا الله عِنْد الْمشعر الْحَرَام واذكروه كَمَا هدَاكُمْ وَإِن كُنْتُم من قبله﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿وتزودوا﴾ نزل فِي قوم من الْيمن، كَانُوا يخرجُون إِلَى الْحَج من غير زَاد ويسألون النَّاس الزَّاد، وَرُبمَا يُفْضِي الْحَال بهم فِي السَّلب والنهب، فَقَالَ: ﴿وتزودوا﴾ أَي: اخْرُجُوا مَعَ الزَّاد. وَقَوله: ﴿فَإِن خير الزَّاد التَّقْوَى﴾ يَعْنِي: من السَّلب وَالسُّؤَال. وَقَالَ سعيد بن جُبَير: تزودوا بالكعك والسويق. وَقَالَ غَيره: وتزودوا بالخشكنانج، والسويق. وَقَوله تَعَالَى: ﴿واتقون يَا أولي الْأَلْبَاب﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.

стр. 376

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تَبْتَغُوا فضلا من ربكُم﴾ فِي سَبَب نزُول هَذَا قَولَانِ: أَحدهمَا: مَا روى عَن أبي أُمَامَة التَّيْمِيّ أَنه قَالَ: قلت لِابْنِ عمر: إِنَّا نكرى فِي هَذَا الْوَجْه يَعْنِي إِلَى مَكَّة وَالنَّاس يَقُولُونَ: لَا حج لكم، فَقَالَ ابْن عمر: أَلَسْت تقف؟ أَلَسْت تسْعَى؟ أَلَسْت تَطوف؟ قلت: نعم. فَقَالَ: لَك حج. وروى ابْن عمر " أَن رَسُول الله سُئِلَ عَن ذَلِك، فَلم يجب بِشَيْء حَتَّى نزل جِبْرِيل بِهَذِهِ الْآيَة ". وَالثَّانِي: قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة أسواق يُقَال لَهَا عكاظ، والمجنة، وَذُو الْمجَاز، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يتجرون مِنْهَا، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام كَانَ الْمُسلمُونَ يتحرجون عَن التِّجَارَة فِي تِلْكَ الْأَسْوَاق، فَنزل قَوْله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تَبْتَغُوا فضلا من ربكُم﴾ يَعْنِي: بِالتِّجَارَة فِي تِلْكَ الْأَسْوَاق. وَقَرَأَ ابْن الزبير: فضلا من ربكُم فِي مواسم الْحَج. وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَإِذا أَفَضْتُم من عَرَفَات﴾ أما عَرَفَات: سمى بذلك؛ لِأَن

стр. 377

﴿لمن الضَّالّين (١٩٨) ثمَّ أفيضوا من حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس وَاسْتَغْفرُوا الله إِن الله غَفُور﴾ جِبْرِيل لما وقف بإبراهيم، كَانَ يَقُول لَهُ: عرفت. فَيَقُول: عرفت. والإفاضة: الدّفع بِكَثْرَة، يُقَال: فاض الْإِنَاء. إِذا امْتَلَأَ حَتَّى سَالَ من الجوانب، وَمِنْه: رجل فياض، إِذا كَانَ كثير الْعَطاء، قَالَ الشَّاعِر: (وأبيض فياض يَدَاهُ غمامة ... على معتقيه مَا تغب نوافله) وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿فَإِذا أَفَضْتُم﴾ لِأَنَّهُ يدْفع بَعضهم بَعْضًا بِكَثْرَة عِنْد الرُّجُوع. وَقَوله تَعَالَى: ﴿فاذكروا الله عِنْد الْمشعر الْحَرَام﴾ والمشعر الْحَرَام، والمزدلفة، وَالْجمع أسامي مَوضِع وَاحِد. فالمشعر: الْمعلم فَإِن الْمزْدَلِفَة معلم للمبيت، وَالْوُقُوف، وَالدُّعَاء، وَالْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ. وَإِنَّمَا سمى: جمعا؛ لِأَنَّهُ يجمع هُنَالك بَين الْمغرب وَالْعشَاء. وسمى: مُزْدَلِفَة، من الازدلاف وَهُوَ: الِاجْتِمَاع، والمزدلفة: مَوضِع بَين جبلين، يُسمى أَحدهمَا: قزَح يقف عَلَيْهِ الإِمَام، وَهُوَ من جملَة الْحرم وَلذَلِك سمى الْمشعر الْحَرَام. وَقَوله تَعَالَى: ﴿واذكروه كَمَا هدَاكُمْ﴾ أَي: واذكروه بِالتَّوْحِيدِ والتعظيم، كَمَا ذكركُمْ بالهداية. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِن كُنْتُم من قبله لمن الضَّالّين﴾ قيل: مَا كُنْتُم من قبله إِلَّا من الضَّالّين، وَقيل: مَعْنَاهُ: قد كُنْتُم من قبله لمن الضَّالّين.

стр. 378

قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ أفيضوا من حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس﴾ يَعْنِي: من عَرَفَات. فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: ثمَّ أفيضوا بِكَلِمَة التعقيب والإفاضة من عَرَفَات إِنَّمَا تكون قبل الْوُصُول إِلَى الْمزْدَلِفَة؟ قُلْنَا: " ثمَّ " بِمَعْنى " الْوَاو " هَهُنَا، يَعْنِي: وأفيضوا. وَهُوَ مثل قَوْله: ﴿ثمَّ كَانَ من الَّذين آمنُوا﴾ أَي: وَكَانَ من الَّذين آمنُوا، فَيكون

стр. 379

﴿رَحِيم (١٩٩) فَإِذا قضيتم مَنَاسِككُم فاذكروا الله كذكركم آبَاءَكُم أَو أَشد ذكرا﴾ جمعا بَين الْحكمَيْنِ. وَقيل: تَقْدِيره: ثمَّ أَمركُم أَن تفيضوا من عَرَفَات. وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب﴾ (وَإِنَّمَا آتَاهُ الْكتاب قبل مُحَمَّد لَكِن مَعْنَاهُ ثمَّ أخْبركُم أَنا آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب) ، كَذَلِك هَاهُنَا، فَيكون عمل " ثمَّ " فِي الْأَمر لَا فِي الْإِفَاضَة. وَأما الْكَلَام فِي الْمَعْنى: قيل: إِن قُريْشًا وأحلافهم كَانُوا يقفون بِالْمُزْدَلِفَةِ وَيَقُولُونَ نَحن أهل حرم الله فَلَا نخرج من حرم الله. لِأَن عَرَفَات كَانَت فِي الْحل، وَأما سَائِر الْعَرَب كَانُوا يقفون بِعَرَفَات. فَقَوله: ﴿ثمَّ أفيضوا﴾ خطاب لقريش، يَعْنِي: قفوا بِعَرَفَات، وأفيضوا مِنْهَا ﴿من حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس﴾ يَعْنِي: سَائِر الْعَرَب. وَقيل أَرَادَ بِالنَّاسِ فِي قَوْله: ﴿من حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس﴾ إِبْرَاهِيم، وَقد يُسمى الْوَاحِد نَاسا، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس﴾ وَأَرَادَ بِهِ: نعيم ابْن مَسْعُود الْأَشْجَعِيّ وَحده. وَقَرَأَ الضَّحَّاك، وَسَعِيد بن جُبَير ﴿من حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس﴾ يَعْنِي: آدم ﵇. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَغْفرُوا الله إِن الله غَفُور رَحِيم﴾ .

стр. 380

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا قضيتم مَنَاسِككُم﴾ يَعْنِي: فَرَغْتُمْ من الْمَنَاسِك، وَذَلِكَ عِنْد رمي جَمْرَة الْعقبَة والاستقرار بمنى، وَقَوله: ﴿فاذكروا الله كذكركم آبَاءَكُم﴾

стр. 381

﴿فَمن النَّاس من يَقُول رَبنَا آتنا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة من خلاق (٢٠٠) وَمِنْهُم من يَقُول رَبنَا آتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وقنا عَذَاب النَّار (٢٠١) ﴾ يَعْنِي: فاذكروا الله بِالتَّكْبِيرِ والتمجيد وَالثنَاء عَلَيْهِ. وَفِي قَوْله: ﴿كذكركم آبَاءَكُم﴾ قَولَانِ، قَالَ عَطاء: هُوَ أَن الصَّبِي أول مَا يتَكَلَّم فَإِنَّمَا يلهج بِذكر أَبِيه، فَيَقُول: يَا أَبَة. لَا يذكر غَيره، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فاذكروا الله﴾ لَا غَيره ﴿كذكركم آبَاءَكُم أَو أَشد ذكرا﴾ . وَالثَّانِي: هُوَ أَن الْعَرَب كَانُوا إِذا فرغوا من الْحَج، ذكرُوا مفاخر آبَائِهِم، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فاذكروا الله بدل ذكركُمْ آبَاءَكُم أَو أَشد ذكرا. وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَمن النَّاس من يَقُول رَبنَا آتنا فِي الدُّنْيَا﴾ أَرَادَ بِهِ: الْمُشْركين، كَانُوا لَا يسْأَلُون الله فِي الْحَج إِلَّا الدُّنْيَا، وَكَانَ الرجل مِنْهُم يَقُول: اللَّهُمَّ إِن أبي كَانَ عَظِيم الْقبَّة كَبِير الْجَفْنَة، كثير المَال، اللَّهُمَّ فاعطني مثل مَا أَعْطيته. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة من خلاق﴾ من نصيب.

стр. 382

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُم من يَقُول رَبنَا آتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة﴾ أَرَادَ بِهِ الْمُسلمين، وَاخْتلفُوا فِي مَعْنَاهُ. قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: ﴿فِي الدُّنْيَا حَسَنَة﴾ يَعْنِي: الْعلم وَالْعِبَادَة، ﴿وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة﴾ يَعْنِي: الْجنَّة. وَحكى عَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ ﴿فِي الدُّنْيَا حَسَنَة﴾ الْمَرْأَة الصَّالِحَة، ﴿وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة﴾ الْجنَّة. وَقد ورد فِي الحَدِيث مَرْفُوعا: " من أُوتِيَ قلبا شاكرا، وَلِسَانًا ذَاكِرًا، وَامْرَأَة صَالِحَة تعينه على أَمر دينه، فقد جمع لَهُ خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ".

стр. 383

﴿أُولَئِكَ لَهُم نصيب مِمَّا كسبوا وَالله سريع الْحساب (٢٠٢) ﴾ وَقَالَ قَتَادَة: ﴿فِي الدُّنْيَا حَسَنَة﴾ يَعْنِي: الْعَافِيَة، ﴿وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة﴾ يَعْنِي: الْعَاقِبَة. وروى أنس عَن النَّبِي: " أَنه عَاد مَرِيضا قد أنهكه الْمَرَض حَتَّى صَار كالفرخ، فَقَالَ لَهُ ﵇ بِمَ كنت تَدْعُو؟ فَقَالَ الرجل: قلت: اللَّهُمَّ إِن كنت معاقبي بِشَيْء فِي الْآخِرَة فعجله لي فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ: سُبْحَانَ الله، مَا تطِيق ذَلِك، هلا قلت: ﴿رَبنَا آتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة﴾ ". وَقيل: كَانَ هَذَا أَكثر دُعَاء رَسُول الله. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وقنا عَذَاب النَّار﴾ أَي: اصرف عَنَّا عَذَاب النَّار.

стр. 384

قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ لَهُم نصيب﴾ أَي: الاستجابة ﴿مِمَّا كسبوا﴾ من الدُّعَاء. ﴿وَالله سريع الْحساب﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: يُحَاسب الْعباد أسْرع من لمح الْبَصَر. وَقَالَ أهل الْمعَانِي: يُحَاسب الْعباد من غير تَدْبِير وَلَا رُؤْيَة؛ لكَونه عَالما بِمَا للعباد، وَمَا على الْعباد فَلَا يحْتَاج إِلَى رُؤْيَة. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: مَعْنَاهُ: أَن الله آتٍ بالقيامة عَن قريب، فَإِن مَا هُوَ كَائِن لَا محَالة فَهُوَ قريب، فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى قرب الْقِيَامَة.

стр. 385

﴿فِي أَيَّام معدودات فَمن تعجل فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْم عَلَيْهِ وَمن تَأَخّر فَلَا إِثْم عَلَيْهِ لمن اتَّقى وَاتَّقوا الله اعلموا أَنكُمْ إِلَيْهِ تحشرون (٢٠٣) وَمن النَّاس من يُعْجِبك قَوْله فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيشْهد﴾

стр. 386

قَوْله تَعَالَى: ﴿واذْكُرُوا الله فِي أَيَّام معدودات﴾ يَعْنِي: أَيَّام منى، وَهِي أَيَّام التَّشْرِيق. قَالَ ابْن عمر: الْأَيَّام المعلومات وَالْأَيَّام المعدودات فِي أَرْبَعَة أَيَّام، فَيوم النَّحْر ويومان بعده هِيَ الْأَيَّام المعلومات، وَثَلَاثَة أَيَّام بعد يَوْم النَّحْر هِيَ الْأَيَّام المعدودات. والمعدودات المحصيات، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لقلتهن، وَالْمرَاد بِالذكر مِنْهَا هَهُنَا هُوَ التَّكْبِيرَات أدبار الصَّلَوَات. وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَمن تعجل فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْم عَلَيْهِ﴾ أَرَادَ بِهِ: النَّفر فِي الْيَوْم الثَّانِي من أَيَّام التَّشْرِيق، يَعْنِي: فَمن تعجل بالنفر بِالرُّجُوعِ من منى فِيهِ فَلَا حرج عَلَيْهِ. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَمن تَأَخّر فَلَا إِثْم عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: من تَأَخّر بالنفر الثَّانِي فِي الْيَوْم الثَّالِث من أَيَّام التَّشْرِيق فَلَا حرج عَلَيْهِ. فَإِن قيل: الْآيَة فِيمَن رَجَعَ على إتْمَام الْمَنَاسِك، فَكيف نفى الْحَرج عَنهُ وَهُوَ بِمحل اسْتِحْقَاق الثَّوَاب لَا بِمحل الْحَرج؟ قُلْنَا: قَالَ ابْن مَسْعُود: أَرَادَ بِهِ: من [نفى] الْحَرج: أَنه رَجَعَ مغفورا لَهُ. وَهَذَا مؤيد بِالْحَدِيثِ، وَمَا روى مَرْفُوعا " من حج هَذَا الْبَيْت وَلم يرْفث وَلم يفسق؛ رَجَعَ كَيَوْم وَلدته أمه ". وَقَالَ النَّخعِيّ مَعْنَاهُ: فَمن تعجل فَلَا إِثْم عَلَيْهِ بالتعجيل، وَمن تَأَخّر فَلَا إِثْم عَلَيْهِ بِالتَّأْخِيرِ. وَفِيه قَول ثَالِث: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك، لِأَن بَعضهم كَانَ يزِيد فِي الْمقَام بمنى على الثَّلَاث تبررا وتقربا؛ فَقَالَ الله تَعَالَى: من رَجَعَ فِي الْيَوْم الثَّانِي أَو الثَّالِث وَلم يزدْ على الثَّلَاث فَلَا حرج عَلَيْهِ. يَعْنِي: فِي ترك الزِّيَادَة.

стр. 387

﴿الله على مَا فِي قلبه وَهُوَ أَلد الْخِصَام (٢٠٤) وَإِذا تولى سعي فِي الأَرْض ليفسد فِيهَا وَيهْلك﴾ وَفِيه قَول رَابِع: حسن، مَعْنَاهُ: من ترخص بالتعجيل فَلَا إِثْم عَلَيْهِ بالترخص، وَمن تَأَخّر فَلَا إِثْم عَلَيْهِ بترك التَّرَخُّص؛ وَذَلِكَ أَن النَّبِي كَانَ قد ندب إِلَى الرُّخْصَة بقوله: " إِن الله يحب أَن تُؤْتى رخصه كَمَا يحب أَن تُؤْتى عَزَائِمه ". قَوْله تَعَالَى: ﴿لمن اتَّقى﴾ قَالَ أَبُو الْعَالِيَة: مَعْنَاهُ: لمن اتَّقى الله بعد الْحَج فِي جَمِيع عمره. وَقَالَ الْآخرُونَ: مَعْنَاهُ: لمن اتَّقى الْمعاصِي فِي الْحَج، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَاتَّقوا الله وَاعْلَمُوا أَنكُمْ إِلَيْهِ تحشرون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 388

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن النَّاس من يُعْجِبك قَوْله فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ نزلت الْآيَة فِي الْأَخْنَس بن شريق حَلِيف بني زهرَة فَإِنَّهُ أَتَى النَّبِي ﵇ وَقَالَ: " إِنِّي أحبك، وَأُرِيد أَن أُؤْمِن بك، وَالله يعلم مَا فِي قلبِي، وَكَانَ يبطن بغضه، وَكَانَ ﵇ يُعجبهُ قَوْله (وَيسر بِهِ) فَنزلت الْآيَة: ﴿وَمن النَّاس من يُعْجِبك قَوْله فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ " يَعْنِي فِي الْعَلَانِيَة. وَأما قَوْله: ﴿وَيشْهد الله على مَا فِي قلبه﴾ قَرَأَ ابْن مَسْعُود: وشهيد الله على مَا فِي قلبه. وَقَرَأَ ابْن مُحَيْصِن: وَيشْهد الله على مَا فِي قلبه، وهما فِي الشواذ، وَالْمَعْرُوف هُوَ الأول. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ أَلد الْخِصَام﴾ أَي: شَدِيد الْخُصُومَة قَالَ الشَّاعِر: (إِن تَحت (التُّرَاب) حزما وجودا ... وخصيما أَلد ذَا معلاق)

стр. 389

﴿الْحَرْث والنسل وَالله لَا يحب الْفساد (٢٠٥) وَإِذا قيل لَهُ اتَّقِ الله أَخَذته الْعِزَّة بالإثم فحسبه جَهَنَّم ولبئس المهاد (٢٠٦) وَمن النَّاس، من يشري نَفسه ابْتِغَاء مرضات الله وَالله رؤوف﴾ وَقَالَ مُجَاهِد: ﴿أَلد الْخِصَام﴾ أَي: الظَّالِم فِي الْخُصُومَة.

стр. 390

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِذا تولى سعى فِي الأَرْض ليفسد فِيهَا﴾ فِيهِ نزلت الْآيَة أَيْضا؛ فَإِنَّهُ خرج من عِنْد النَّبِي فَرَأى حمارا فعقره، وَمر بزرع فأحرقه فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿سعى فِي الأَرْض ليفسد فِيهَا وَيهْلك الْحَرْث والنسل﴾ فالحرث: الزَّرْع. والنسل: ولد كل دَابَّة. ﴿وَالله لَا يحب الْفساد﴾ أَي: لَا يرضى الْفساد، وَقيل: من الْفساد: كسر الدِّرْهَم، وشق الثَّوْب من غير مصلحَة.
следующие страницы →