Полный текст (8 565 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
قَوْله تَعَالَى: ﴿واذْكُرُوا الله فِي أَيَّام معدودات﴾ يَعْنِي: أَيَّام منى، وَهِي أَيَّام التَّشْرِيق. قَالَ ابْن عمر: الْأَيَّام المعلومات وَالْأَيَّام المعدودات فِي أَرْبَعَة أَيَّام، فَيوم النَّحْر ويومان بعده هِيَ الْأَيَّام المعلومات، وَثَلَاثَة أَيَّام بعد يَوْم النَّحْر هِيَ الْأَيَّام المعدودات.
والمعدودات المحصيات، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لقلتهن، وَالْمرَاد بِالذكر مِنْهَا هَهُنَا هُوَ التَّكْبِيرَات أدبار الصَّلَوَات.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَمن تعجل فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْم عَلَيْهِ﴾ أَرَادَ بِهِ: النَّفر فِي الْيَوْم الثَّانِي من أَيَّام التَّشْرِيق، يَعْنِي: فَمن تعجل بالنفر بِالرُّجُوعِ من منى فِيهِ فَلَا حرج عَلَيْهِ.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَمن تَأَخّر فَلَا إِثْم عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: من تَأَخّر بالنفر الثَّانِي فِي الْيَوْم الثَّالِث من أَيَّام التَّشْرِيق فَلَا حرج عَلَيْهِ.
فَإِن قيل: الْآيَة فِيمَن رَجَعَ على إتْمَام الْمَنَاسِك، فَكيف نفى الْحَرج عَنهُ وَهُوَ بِمحل اسْتِحْقَاق الثَّوَاب لَا بِمحل الْحَرج؟ قُلْنَا: قَالَ ابْن مَسْعُود: أَرَادَ بِهِ: من [نفى] الْحَرج: أَنه رَجَعَ مغفورا لَهُ. وَهَذَا مؤيد بِالْحَدِيثِ، وَمَا روى مَرْفُوعا " من حج هَذَا الْبَيْت وَلم يرْفث وَلم يفسق؛ رَجَعَ كَيَوْم وَلدته أمه ".
وَقَالَ النَّخعِيّ مَعْنَاهُ: فَمن تعجل فَلَا إِثْم عَلَيْهِ بالتعجيل، وَمن تَأَخّر فَلَا إِثْم عَلَيْهِ بِالتَّأْخِيرِ.
وَفِيه قَول ثَالِث: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك، لِأَن بَعضهم كَانَ يزِيد فِي الْمقَام بمنى على الثَّلَاث تبررا وتقربا؛ فَقَالَ الله تَعَالَى: من رَجَعَ فِي الْيَوْم الثَّانِي أَو الثَّالِث وَلم يزدْ على الثَّلَاث فَلَا حرج عَلَيْهِ. يَعْنِي: فِي ترك الزِّيَادَة.
стр. 387
﴿الله على مَا فِي قلبه وَهُوَ أَلد الْخِصَام (٢٠٤) وَإِذا تولى سعي فِي الأَرْض ليفسد فِيهَا وَيهْلك﴾
وَفِيه قَول رَابِع: حسن، مَعْنَاهُ: من ترخص بالتعجيل فَلَا إِثْم عَلَيْهِ بالترخص، وَمن تَأَخّر فَلَا إِثْم عَلَيْهِ بترك التَّرَخُّص؛ وَذَلِكَ أَن النَّبِي كَانَ قد ندب إِلَى الرُّخْصَة بقوله: " إِن الله يحب أَن تُؤْتى رخصه كَمَا يحب أَن تُؤْتى عَزَائِمه ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿لمن اتَّقى﴾ قَالَ أَبُو الْعَالِيَة: مَعْنَاهُ: لمن اتَّقى الله بعد الْحَج فِي جَمِيع عمره.
وَقَالَ الْآخرُونَ: مَعْنَاهُ: لمن اتَّقى الْمعاصِي فِي الْحَج، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَاتَّقوا الله وَاعْلَمُوا أَنكُمْ إِلَيْهِ تحشرون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 388
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن النَّاس من يُعْجِبك قَوْله فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ نزلت الْآيَة فِي الْأَخْنَس بن شريق حَلِيف بني زهرَة فَإِنَّهُ أَتَى النَّبِي ﵇ وَقَالَ: " إِنِّي أحبك، وَأُرِيد أَن أُؤْمِن بك، وَالله يعلم مَا فِي قلبِي، وَكَانَ يبطن بغضه، وَكَانَ ﵇ يُعجبهُ قَوْله (وَيسر بِهِ) فَنزلت الْآيَة: ﴿وَمن النَّاس من يُعْجِبك قَوْله فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ " يَعْنِي فِي الْعَلَانِيَة.
وَأما قَوْله: ﴿وَيشْهد الله على مَا فِي قلبه﴾ قَرَأَ ابْن مَسْعُود: وشهيد الله على مَا فِي قلبه. وَقَرَأَ ابْن مُحَيْصِن: وَيشْهد الله على مَا فِي قلبه، وهما فِي الشواذ، وَالْمَعْرُوف هُوَ الأول.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ أَلد الْخِصَام﴾ أَي: شَدِيد الْخُصُومَة قَالَ الشَّاعِر:
(إِن تَحت (التُّرَاب) حزما وجودا ... وخصيما أَلد ذَا معلاق)
стр. 389
﴿الْحَرْث والنسل وَالله لَا يحب الْفساد (٢٠٥) وَإِذا قيل لَهُ اتَّقِ الله أَخَذته الْعِزَّة بالإثم فحسبه جَهَنَّم ولبئس المهاد (٢٠٦) وَمن النَّاس، من يشري نَفسه ابْتِغَاء مرضات الله وَالله رؤوف﴾
وَقَالَ مُجَاهِد: ﴿أَلد الْخِصَام﴾ أَي: الظَّالِم فِي الْخُصُومَة.
стр. 390
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِذا تولى سعى فِي الأَرْض ليفسد فِيهَا﴾ فِيهِ نزلت الْآيَة أَيْضا؛ فَإِنَّهُ خرج من عِنْد النَّبِي فَرَأى حمارا فعقره، وَمر بزرع فأحرقه فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿سعى فِي الأَرْض ليفسد فِيهَا وَيهْلك الْحَرْث والنسل﴾ فالحرث: الزَّرْع. والنسل: ولد كل دَابَّة.
﴿وَالله لَا يحب الْفساد﴾ أَي: لَا يرضى الْفساد، وَقيل: من الْفساد: كسر الدِّرْهَم، وشق الثَّوْب من غير مصلحَة.
стр. 391
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا قيل لَهُ اتَّقِ الله أَخَذته الْعِزَّة بالإثم﴾ فِيهِ نزلت الْآيَة أَيْضا. ﴿وَإِذا قيل لَهُ اتَّقِ الله أَخَذته الْعِزَّة﴾ أَي: حمية الْجَاهِلِيَّة ﴿بالإثم﴾ أَي: بالظلم، والعزة: التكبر والمنعة، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿فِي عزة وشقاق﴾ .
وَعَن ابْن مَسْعُود قَالَ: كفى بِالْمَرْءِ إثمان أَن يُقَال لَهُ: اتَّقِ الله، فَيَقُول: أَنْت الَّذِي تَأْمُرنِي بالتقوى.
وروى أَنه قيل لعمر بن الْخطاب ﵁: اتَّقِ الله. فَوضع خَدّه على الأَرْض تواضعا لله.
وَفِي رِوَايَة قيل لعمر: اتَّقِ الله: فَأنْكر الْمُغيرَة بن شُعْبَة على قَائِله، فَقَالَ عمر: إِنَّكُم لَا تزالون بِخَير مَا قَالُوا ذَلِك لنا، وَقَبلنَا مِنْهُم.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فحسبه جَهَنَّم﴾ أَي: كافيه. قَالَ امْرُؤ الْقَيْس.
(وتملأ بيتنا أقطا وَسمنًا ... وحسبك من غنى شبع وروى)
وَقَوله تَعَالَى: ﴿ولبئس المهاد﴾ المهاد: كل فرَاش يسْتَقرّ الْمَرْء عَلَيْهِ.
стр. 392
﴿بالعباد (٢٠٧) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا ادخُلُوا فِي السّلم كَافَّة وَلَا تتبعوا خطوَات الشَّيْطَان إِنَّه لكم عَدو مُبين (٢٠٨) فَإِن زللتم من بعد مَا جاءتكم الْبَينَات فاعلموا أَن الله عَزِيز حَكِيم (٢٠٩) هَل﴾
стр. 393
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن النَّاس من يشري نَفسه ابْتِغَاء مرضات الله﴾ قَالَ سعيد ابْن الْمسيب: " نزلت الْآيَة فِي صُهَيْب بن سِنَان، وَذَلِكَ أَنه خرج من مَكَّة مُهَاجرا إِلَى الْمَدِينَة فَتَبِعَهُ الْمُشْركُونَ ولحقوه، فنثر كِنَانَته وَقَالَ: إِنَّكُم تعلمُونَ أَنِّي من أرماكم، وَالله لَا تصلونَ إِلَيّ حَتَّى أرمي جَمِيع مَا بكنانتي ثمَّ أَخذ سَيفي وأضرب حَتَّى أعجز أَو ترجعوا عني ومالكم مَالِي ثمَّة، فَقَالُوا: أَيْن مَالك؟ فدلهم عَلَيْهِ، فَرَجَعُوا عَنهُ، فَلَمَّا سمع ذَلِك رَسُول الله قَالَ: ربح البيع يَا أَبَا يحيى ". فَهَذَا معنى قَوْله: و ﴿وَمن النَّاس من يشري نَفسه﴾ أَي: يَبِيع.
وَالشِّرَاء: البيع، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
(وشريت بردا لَيْتَني ... من بعد برد [صرت هامه] )
قَالَ رجل كَانَ لَهُ غُلَام يُسمى بردا، وَكَانَ مفتونا بِهِ، فَبَاعَهُ فندم عَلَيْهِ.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَالله رءوف بالعباد﴾ أَي: شَدِيد الرَّحْمَة بهم.
стр. 394
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا ادخُلُوا فِي السّلم كَافَّة﴾ آمنُوا: أَي صدقُوا.
ادخُلُوا فِي السّلم كَافَّة، أَي: ادخُلُوا جَمِيعًا فِي الْإِسْلَام.
قَالَ الْأَزْهَرِي السّلم الصُّلْح، وَالسّلم: الانقياد، وَالْمرَاد بِهِ: الْإِسْلَام هَهُنَا.
стр. 395
﴿ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام وَالْمَلَائِكَة وَقضي الْأَمر وَإِلَى الله ترجع الْأُمُور (٢١٠) سل بني إِسْرَائِيل كم آتَيْنَاهُم من آيَة بَيِّنَة وَمن يُبدل نعْمَة الله من بعد مَا جَاءَتْهُ فَإِن الله﴾
وَقَالَ الْأَزْهَرِي أَيْضا: مَعْنَاهُ: ادخُلُوا فِي الْإِسْلَام وشرائعه كَافَّة.
وَفِيه قَول ثَالِث، مَعْنَاهُ: ادخُلُوا فِي الْإِسْلَام إِلَى مُنْتَهى شرائعه، كافين عَن الْمُجَاوزَة إِلَى غَيره، من الْكَفّ.
قَالَ ابْن عَبَّاس: نزلت الْآيَة فِي عبد الله بن سَلام، وَقوم من الْيَهُود أَسْلمُوا، وَأَرَادُوا أَن يجمعوا بَين الْإِسْلَام واليهودية، فَقَالُوا: نلزم السبت فَلَا نَأْكُل لُحُوم الْإِبِل وَنَحْو ذَلِك، فَنزلت الْآيَة. أَي: كونُوا لِلْإِسْلَامِ خَاصَّة، وَلَا تجمعُوا بَينه وَبَين الْيَهُودِيَّة، وَكفوا عَن الْمُجَاوزَة إِلَى غَيره.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ خَاطب الْمُؤمنِينَ بِالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَام؟ قيل: يحْتَمل مَعْنَاهُ: الثَّبَات على الْإِسْلَام، وَيحْتَمل أَنه خطاب للَّذين آمنُوا بِاللِّسَانِ وَلم يُؤمنُوا بِالْقَلْبِ.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تتبعوا خطوَات الشَّيْطَان﴾ أَي: آثَار الشَّيْطَان، وَهِي جمع الخطوة. والخطوة: مَا بَين الْقَدَمَيْنِ ﴿إِنَّه لكم عَدو مُبين﴾ .
стр. 396
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن زللتم﴾ زل يزل: إِذا ضل وَتَنَحَّى عَن الطَّرِيق، وأزل يزل: إِذا أسدى نعْمَة إِلَى غَيره. وَمِنْه قَوْله: " من أزلت إِلَيْهِ نعْمَة فليشكرها ".
وَقَوله تَعَالَى: ﴿من بعد مَا جاءتكم الْبَينَات﴾ الدلالات الواضحات.
﴿فاعلموا أَن الله عَزِيز حَكِيم﴾ فالعزيز: الْغَالِب الَّذِي لَا يفوتهُ شَيْء، والحكيم: ذُو الْإِصَابَة فِي الْأَمر.
стр. 397
قَوْله تَعَالَى: ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام وَالْمَلَائِكَة﴾ وَالْآيَة من المتشابهات.
стр. 398
﴿شَدِيد الْعقَاب (٢١١) زين للَّذين كفرُوا الْحَيَاة الدُّنْيَا ويسخرون من الَّذين آمنُوا وَالَّذين اتَّقوا﴾
وروى أَصْحَاب الحَدِيث عَن أبي بن كَعْب وَمُجاهد، أَنَّهُمَا قَالَا فِي تَفْسِير الْآيَة: يَأْتِي الله يَوْم الْقِيَامَة فِي ظلل من الْغَمَام.
وَأما أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْحسن النقاش الْمُفَسّر فَلم يتَعَرَّض لِلْآيَةِ بِشَيْء، وَقَالَ الزّجاج: يحْتَمل معنى الْآيَة من حَيْثُ اللُّغَة: يَأْتِي الله بِمَا وعدهم من الْعقَاب.
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام: وَالْأولَى فِي هَذِه الْآيَة وَمَا يشاكلها أَن نؤمن بِظَاهِرِهِ وَنكل علمه إِلَى الله تَعَالَى وننزه الله عَن سمات الْحَدث وَالنَّقْص.
وَأما قَوْله: ﴿فِي ظلل﴾ فَهُوَ جمع الظلة وَهُوَ الستْرَة من الْغَمَام. قد ذكرنَا معنى الْغَمَام.
﴿وَالْمَلَائِكَة﴾ قرئَ بِالرَّفْع والخفض. فَإِذا قرئَ بِالرَّفْع، فَهُوَ منسوق على الله، وَإِذا قرئَ بالخفض فَهُوَ منسوق على الظلل.
﴿وَقضى الْأَمر﴾ أَي: فرغ من الْأَمر، وَذَلِكَ فصل الله الْقَضَاء بِالْحَقِّ بَين الْخلق.
﴿وَإِلَى الله ترجع الْأُمُور﴾ قَالَ قطرب: إِنَّمَا خص بِهِ يَوْم الْقِيَامَة؛ لِأَن الْأَمر يخلص يَوْمئِذٍ لله تَعَالَى.
стр. 399
قَوْله تَعَالَى: ﴿سل بني إِسْرَائِيل﴾ هُوَ خطاب للرسول، يَعْنِي: سل الَّذين أَسْلمُوا مِنْهُم ﴿كم آتَيْنَاهُم من آيَة بَيِّنَة﴾ أَي: من دلَالَة وَاضِحَة على نبوة مُوسَى.
وَقيل: مَعْنَاهُ: الدلالات الَّتِي آتَاهُم فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل على نبوة مُحَمَّد ﴿وَمن يُبدل نعْمَة الله من بعد مَا جَاءَتْهُ فَإِن الله شَدِيد الْعقَاب﴾ فِي مَعْنَاهُ قَولَانِ:
أَحدهمَا: وَمن يُغير عهد الله.
وَالثَّانِي مَعْنَاهُ: وَمن يُنكر الدّلَالَة الَّتِي على نبوة مُحَمَّد.
стр. 400
﴿فَوْقهم يَوْم الْقِيَامَة وَالله يرْزق من يَشَاء بِغَيْر حِسَاب (٢١٢) كَانَ النَّاس أمة وَاحِدَة فَبعث الله النَّبِيين مبشرين ومنذرين وَأنزل مَعَهم الْكتاب بِالْحَقِّ ليحكم بَين النَّاس فِيمَا اخْتلفُوا فِيهِ وَمَا﴾
стр. 401
قَوْله تَعَالَى: ﴿زين للَّذين كفرُوا الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ . قَالَ الزّجاج: المزين هُوَ الشَّيْطَان. فَإِن الله تَعَالَى قد زهد الْخلق فِي الدُّنْيَا، ورغبهم فِي الْآخِرَة. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: المزين هُوَ الله تَعَالَى والتزيين من الله هُوَ أَنه خلق الْأَشْيَاء الْحَسَنَة والمناظر المعجبة، فَنظر الْخلق إِلَيْهَا بِأَكْثَرَ من قدرهَا، فَأَعْجَبَهُمْ ذَلِك، ففتنوا بِهِ؛ [فَلذَلِك] التزيين من الله.
﴿ويسخرون من الَّذين آمنُوا﴾ أَي: يستهزئون. وهم رُؤَسَاء قُرَيْش كَأبي جهل وَغَيره، وَكَانُوا يسخرون من الْفُقَرَاء.
قَالَ ابْن عَبَّاس: أَرَادَ بالذين آمنُوا: عبد الله بن مَسْعُود، وعمار بن يَاسر، وخباب بن الْأَرَت، وَأَبا ذَر.
﴿وَالَّذين اتَّقوا﴾ أَي هَؤُلَاءِ الْفُقَرَاء ﴿فَوْقهم يَوْم الْقِيَامَة﴾ لأَنهم فِي أَعلَى عليين، وَأُولَئِكَ فِي أَسْفَل السافلين.
﴿وَالله يرْزق من يَشَاء بِغَيْر حِسَاب﴾ فِيهِ أَقْوَال، أَحدهَا: أَنه يُوسع على من يَشَاء من غير مضايقة وَلَا تقتير.
وَالْقَوْل الثَّانِي: مَعْنَاهُ: أَنه لَا يَأْخُذ شَيْئا من شَيْء مُقَدّر، كَالْعَبْدِ يَأْخُذ ألفا من أَلفَيْنِ، فَيعْطى قدرا من مقره فيخاف الإجحاف على مَاله؛ وَلَكِن الله يرْزق الْعباد من خزائنه الَّتِي لَا تنفذ.
وَالثَّالِث: مَعْنَاهُ: أَنه يقتر على من يَشَاء، ويبسط على من يَشَاء، وَلَا يُعْطي كل أحد على قدر حَاجته؛ بل يُعْطي الْكثير من لَا يحْتَاج إِلَيْهِ، وَلَا يُعْطي الْقَلِيل من يحْتَاج إِلَيْهِ.
وَالْقَوْل الرَّابِع: قَالَ ابْن عَبَّاس: هَذَا فِيمَا سهل الله تَعَالَى على رَسُوله من
стр. 402
﴿اخْتلف فِيهِ إِلَّا الَّذين أوتوه من بعد مَا جَاءَتْهُم الْبَينَات بغيا بَينهم فهدى الله الَّذين آمنُوا لما﴾ الِاسْتِيلَاء على بني قُرَيْظَة وَالنضير، على اسهل وَجه من غير قتال وَلَا تَعب.
стр. 403
وَقَوله تَعَالَى: ﴿كَانَ النَّاس أمة وَاحِدَة﴾ فالأمة فِي اللُّغَة: على وُجُوه، مِنْهَا: الْأمة بِمَعْنى الدّين، وَمِنْه قَول النَّابِغَة:
(حَلَفت، فَلم أترك لنَفسك رِيبَة ... وَهل يأثمن ذُو أمة وَهُوَ طائع)
أَي ذُو دين.
وَالْأمة: الْفرْقَة من النَّاس وَغَيرهم، فالترك أمة، وَالروم أمة، وَالْفرس أمة، وَمن الطير أمة، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا طَائِر يطير بجناحيه إِلَّا أُمَم أمثالكم﴾ .
وَالْأمة: الْحِين، وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وادكر بعد أمة﴾ أَي: بعد حِين.
وَالْأمة: الإِمَام الَّذِي يَقْتَدِي بِهِ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن إِبْرَاهِيم كَانَ أمة﴾ .
وَالْأمة: الْمعلم للخير. وَالْأمة: الْقَامَة، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
(وَإِن مُعَاوِيَة الأكرمين ... حسان الْوُجُوه طوال الْأُمَم)
وَالْأمة بِكَسْر الْألف: النِّعْمَة، وَالْمرَاد بالأمة هَهُنَا الدّين.
يَعْنِي: كَانَ النَّاس على دين وَاحِد ثمَّ اخْتلفُوا فِي مَعْنَاهُ.
وَقَالَ بَعضهم وَهُوَ قَول مُجَاهِد أَرَادَ بِهِ آدم، كَانَ أمة وَاحِدَة.
وَقيل وَهُوَ قَول قَتَادَة وَسَعِيد بن جُبَير: أَرَادَ بِهِ عشْرين قرنا من بني آدم ونوح كَانُوا على الْإِسْلَام.
стр. 404
﴿اخْتلفُوا فِيهِ من الْحق بِإِذْنِهِ وَالله يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم (٢١٣) أم حسبتم أَن تدْخلُوا الْجنَّة وَلما يأتكم مثل الَّذين خلوا من قبلكُمْ مستهم البأساء وَالضَّرَّاء وزلزلوا حَتَّى﴾
وَقيل: أَرَادَ بِهِ النَّاس فِي زمن إِبْرَاهِيم كَانُوا على مِلَّة الْكفْر.
﴿فَبعث الله النَّبِيين مبشرين ومنذرين وَأنزل مَعَهم الْكتاب بِالْحَقِّ ليحكم بَين النَّاس فِيمَا اخْتلفُوا فِيهِ﴾ .
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يحكم الْكتاب؟ قيل قَرَأَ عَاصِم الجحدري: " ليحكم بَين النَّاس " بِضَم الْيَاء فَيكون الحكم من الْأَنْبِيَاء.
وَأما قَوْله: ﴿ليحكم بَين النَّاس﴾ يَعْنِي: ليحكم الَّذين أُوتُوا الْكتاب من النَّبِيين.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَمَا اخْتلف فِيهِ إِلَّا الَّذين أوتوه﴾ يَعْنِي: أُوتُوا الْكتاب. ﴿من بعد مَا جَاءَتْهُم الْبَينَات بغيا بَينهم﴾ أَي: حسدا وظلما. ﴿فهدى الله الَّذين آمنُوا لما اخْتلفُوا فِيهِ من الْحق بِإِذْنِهِ﴾ قَالَ زيد بن أسلم: اخْتلفُوا فِي الْقبْلَة، فهدانا الله إِلَى الْكَعْبَة، وَاخْتلفُوا فِي الْأَيَّام، فَاخْتَارَ الْيَهُود السبت، وَالنَّصَارَى يَوْم الْأَحَد، فهدانا الله للْجُمُعَة، وَاخْتلفُوا فِي عِيسَى، فَقَالَ بَعضهم: كَذَّاب. وَقَالَ بَعضهم: ابْن الله فهدانا الله لكَونه نَبيا عبدا، وَاخْتلفُوا فِي إِبْرَاهِيم، فَادَّعَاهُ كل فرقة فهدانا الله لكَونه حَنِيفا مُسلما.
وروى عَن رَسُول الله أَنه قَالَ: " نَحن الْآخرُونَ السَّابِقُونَ، وَأول النَّاس دُخُولا الْجنَّة، بيد أَنهم أُوتُوا الْكتاب قبلنَا وأوتيناه من بعدهمْ، النَّاس لنا تبع، فاليوم لنا، يَعْنِي: الْجُمُعَة وَغدا للْيَهُود، وَبعد غَد لِلنَّصَارَى ".
﴿وَالله يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾
стр. 405
﴿يَقُول الرَّسُول وَالَّذين آمنُوا مَعَه حَتَّى نصر الله أَلا إِن نصر الله قريب (٢١٤) يَسْأَلُونَك مَاذَا يُنْفقُونَ قل مَا أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل وَمَا تَفعلُوا﴾
стр. 406
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم حسبتم أَن تدْخلُوا الْجنَّة﴾ .
نزل فِي الْمُهَاجِرين إِلَى الْمَدِينَة حِين أَصَابَهُم حر شَدِيد وفاقة عَظِيمَة فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة؛ تطييبا لقُلُوبِهِمْ وتسلية لَهُم.
فَقَوله: (أم) كلمة لِلْخُرُوجِ من كَلَام إِلَى كَلَام، ونكون بِمَعْنى: بل يَقُول الله تَعَالَى لَهُم: ﴿أم حسبتم أَن تدْخلُوا الْجنَّة وَلما يأتكم مثل الَّذين خلوا من قبلكُمْ﴾ يَعْنِي: وَلم يصبكم مَا أَصَابَهُم، وَقَوله تَعَالَى: ﴿مثل الَّذين خلوا﴾ أَي: صفة الَّذين خلوا. ﴿من قبلكُمْ مستهم البأساء﴾ الْفقر ﴿وَالضَّرَّاء﴾ الْمَرَض ﴿وزلزلوا﴾ حركوا بِشدَّة وخوفوا. ﴿حَتَّى يَقُول الرَّسُول وَالَّذين آمنُوا مَعَه مَتى نصر الله﴾ حَتَّى استبطئوا نصر الله. ﴿أَلا إِن نصر الله قريب﴾ .
стр. 407
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَك مَاذَا يُنْفقُونَ قل مَا أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين﴾ قيل: المُرَاد بِهِ الْوَصِيَّة الَّتِي كَانَت وَاجِبَة فِي الِابْتِدَاء للْوَالِدين والأقربين.
وَقيل: أَرَادَ بِهِ التطوعات وَالصَّدقَات جعلهَا للْوَالِدين، والأقربين، واليتامى، وَالْمَسَاكِين، وَابْن السَّبِيل.
وَقيل: إِنَّه كَانَ فِي الِابْتِدَاء، ثمَّ نسخت بِآيَة الزَّكَاة.
﴿وَمَا تَفعلُوا من خير فَإِن الله بِهِ عليم﴾ أَي: يحصي ويجازي عَلَيْهِ. وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره﴾ أَي: يرى الْجَزَاء على الْعَمَل؛ لِأَن الْعَمَل فَائت فَلَا يرَاهُ.
стр. 408
قَوْله تَعَالَى: ﴿كتب عَلَيْكُم الْقِتَال وَهُوَ كره لكم﴾ أَي: شاق عَلَيْكُم.
وَاعْلَم أَن أَكثر الْعلمَاء على أَن الْجِهَاد فرض على الْكِفَايَة، وَقَالَ عَطاء وَهُوَ قَول الثَّوْريّ: أَنه تطوع قَالُوا: وَالْآيَة فِي الَّذين أمروا بِالْقِتَالِ من الصَّحَابَة.
стр. 409
﴿من خير فَإِن الله بِهِ عليم (٢١٥) كتب عَلَيْكُم الْقِتَال وَهُوَ كره لكم وَعَسَى أَن تكْرهُوا شَيْئا وَهُوَ خير لكم وَعَسَى أَن تحبوا شَيْئا وَهُوَ شرا لكم وَالله يعلم وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ (٢١٦) يَسْأَلُونَك عَن الشَّهْر الْحَرَام قتال فِيهِ قل فِيهِ كَبِير وَصد عَن سَبِيل الله وَكفر بِهِ﴾
﴿وَعَسَى أَن تكْرهُوا شَيْئا﴾ يَعْنِي: الْقِتَال ﴿وَهُوَ خير لكم﴾ بِإِصَابَة الشَّهَادَة، وحيازة الْغَنِيمَة، وَالظفر بالعدو.
(وَعَسَى أَن تحبوا شَيْئا) يَعْنِي: الْقعُود عَن الْقِتَال ﴿وَهُوَ شَرّ لكم﴾ بفوت الْمنَازل. قَالَ ابْن عَبَّاس: " كنت رَدِيف رَسُول الله فَقَالَ لي: يَا غُلَام ارْض بِمَا قدر الله لَك؛ فَعَسَى أَن تكره شَيْئا وَهُوَ خير لَك، وَعَسَى أَن تحب شَيْئا وَهُوَ شَرّ لَك، وتلا هَذِه الْآيَة: ﴿وَالله يعلم وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ ".
стр. 410
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَك عَن الشَّهْر الْحَرَام قتال فِيهِ﴾ أَي: عَن قتال فِيهِ، خفض على الْبَدَل ﴿قل قتال فِيهِ كَبِير﴾ عَظِيم. ثمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: ﴿وَصد عَن سَبِيل الله﴾ يَعْنِي: صدكم الْمُسلمين عَن الْإِسْلَام.
﴿وَكفر بِهِ﴾ أَي: كفركم بِاللَّه. ﴿وَالْمَسْجِد الْحَرَام﴾ أَي: وصدكم الْمُسلمين عَن الْمَسْجِد الْحَرَام.
﴿وَإِخْرَاج أَهله مِنْهُ﴾ أَي: إِخْرَاج أهل مَكَّة من مَكَّة ﴿أكبر عِنْد الله والفتنة أكبر من الْقَتْل﴾ أَي: وَالْكفْر الَّذِي أَنْتُم عَلَيْهِ، وأفعالكم تِلْكَ، أكبر عِنْد الله، وَأَشد من قتال الْمُسلمين فِي الشَّهْر الْحَرَام.
قَالَ عُرْوَة بن الزبير: سَبَب نزُول الْآيَة: مَا روى " أَن النَّبِي بعث عبد الله بن جحش مَعَ ثَمَانِيَة نفر قبل مَكَّة، وَدفع إِلَيْهِم كتابا وَقَالَ: لَا تفكوه إِلَّا بعد يَوْمَيْنِ، فَلَمَّا مضى يَوْمَانِ فكوا الْكتاب، فَإِذا فِيهِ: امضوا إِلَى بطن النّخل وَذَلِكَ مَوضِع بَين مَكَّة والطائف وَفِيه استعلموا أَخْبَار قُرَيْش، فنزلوا هُنَالك، وَكَانُوا يستعلمون خُفْيَة، فَمر بهم عير من الطَّائِف عَلَيْهِم عَمْرو بن الْحَضْرَمِيّ مَعَ زبيب وأدم، فَرَمَاهُ وَاحِد من
стр. 411
﴿وَالْمَسْجِد الْحَرَام وَإِخْرَاج أَهله مِنْهُ أكبر عِنْد الله والفتنة أكبر من الْقَتْل وَلَا يزالون يقاتلونكم حَتَّى يردوكم عَن دينكُمْ إِن اسْتَطَاعُوا وَمن يرْتَد مِنْكُم عَن دينه فيمت وَهُوَ كَافِر فَأُولَئِك حبطت أَعْمَالهم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ (٢١٧) إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هَاجرُوا وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله أُولَئِكَ يرجون رحمت الله وَالله غَفُور رَحِيم﴾ الْمُسلمين فَقتله وقادوا العير إِلَى رَسُول الله. وَكَانَ ذَلِك فِي آخر يَوْم من جُمَادَى الآخر، أَو فِي أول يَوْم من رَجَب وَكَانُوا شاكين فِيهِ فعيرهم الْمُشْركُونَ بِقَتْلِهِم ابْن الْحَضْرَمِيّ فِي الشَّهْر الْحَرَام فَنزلت الْآيَة ".
يَعْنِي الَّذِي فَعلْتُمْ أَنْتُم من تِلْكَ الْأَفْعَال أكبر وَأَشد من قَتلهمْ فِي الشَّهْر الْحَرَام.
وَفِي الْخَبَر: " أَن النَّبِي لم يمد يَده إِلَى شَيْء من ذَلِك العير حَتَّى نزلت الْآيَة، ثمَّ قسمهَا بَين الْمُسلمين ".
﴿وَلَا يزالون يقاتلونكم حَتَّى يردوكم عَن دينكُمْ إِن اسْتَطَاعُوا﴾ يَعْنِي: الْمُشْركين كَانُوا يُقَاتلُون الْمُسلمين ويعيرونهم على الْإِسْلَام.
﴿وَمن يرْتَد مِنْكُم عَن دينه فيمت وَهُوَ كَافِر فَأُولَئِك حبطت أَعْمَالهم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وألئك أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ .
стр. 412
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هَاجرُوا وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله﴾ هَذِه الْآيَة مُتَّصِلَة بِالْأولَى فِي الْمَعْنى وَذَلِكَ أَن عبد الله بن جحش لما مر بالسرية وَقتل ابْن الْحَضْرَمِيّ من قَتله قَالَ: الْمُشْركُونَ إِن لم يُصِيبُوا وزرا فَلَا ينالون خيرا فَنزلت هَذِه الْآيَة ﴿إِن الَّذين آمنُوا﴾ يَعْنِي عبد الله بن جحش وَقَومه ﴿وَالَّذين وَهَاجرُوا﴾ من أوطانهم ﴿وَجَاهدُوا﴾ يَعْنِي بالغزو فِي سَبِيل الله ﴿أُولَئِكَ يرجون رَحْمَة الله﴾ أخبر أَنهم على رَجَاء الرَّحْمَة، وَإِنَّمَا لم يقطعوا لأَنْفُسِهِمْ بِالرَّحْمَةِ؛ لِأَن الْإِنْسَان يعرف من نَفسه أَنه لَا يُمكنهُ تأدية حق الله تَعَالَى على وَجهه فَلَا يَأْمَن تقصيرا؛ فَلَا يُمكنهُ الْقطع لنَفسِهِ بِالرَّحْمَةِ.
стр. 413
( ﴿٢١٨) يَسْأَلُونَك عَن الْخمر وَالْميسر قل فيهمَا إِثْم كَبِير وَمَنَافع للنَّاس وإثمهما أكبر من﴾
وَلِأَنَّهُ رُبمَا يرتكب فِي الْمُسْتَقْبل مَا يسْتَوْجب بِهِ الْعقَاب.
﴿وَالله غَفُور رَحِيم﴾ فالغفور: الستور. والرحيم: العطوف.
стр. 414
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَك عَن الْخمر وَالْميسر﴾ فالخمر: كل شراب مُسكر، وسمى الْمُسكر: خمرًا؛ لِأَنَّهُ يخَامر الْعقل ويستره.
وأصل الْخمر: السّتْر والتغطية. وَمِنْه الْخمار؛ لِأَنَّهُ يستر الرَّأْس. وَيُقَال: دخل فلَان فِي خمار النَّاس، أَي تستر فيهم.
وَقَالَ عمر ﵁: الْخمر مَا خامر الْعقل. وَهُوَ حجَّة أَصْحَاب الحَدِيث على أَن كل مُسكر خمر، وَمِنْه يُقَال للسكران من أَي شراب: كَانَ مخمورا.
وَالْميسر: الْقمَار. وَقَالَ ابْن مَسْعُود: دعوا الكعاب فَإِنَّهُ من الميسر.
وَقَالَ ابْن سِيرِين: كل مَا يعلب بِهِ فَهُوَ ميسر، حَتَّى الْجَوْز الَّذِي يلْعَب بِهِ الصّبيان. ثمَّ اخْتلفُوا فِي تَحْرِيم الْخمر أَنه بِأَيّ آيَة كَانَ؟ .
قَالَ بَعضهم: هُوَ بِهَذِهِ الْآيَة، فَإِنَّهُ قَالَ: (قل فيهمَا إِثْم كَبِير) " وَلَفظ الْإِثْم " يدل على التَّحْرِيم؛ فَإِنَّهُ حرم الْخمر بِلَفْظ الْإِثْم فِي آيَة أُخْرَى، حَيْثُ قَالَ: ﴿قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم﴾ وَأَرَادَ بِهِ: الْخمر. وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
(شربت الْإِثْم حَتَّى ضل عَقْلِي ... كَذَاك الْإِثْم يذهب بالعقول)
وَقَالَ ابْن عَبَّاس، وَأكْثر الْمُفَسّرين: إِن تَحْرِيم الْخمر بِالْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَة الْمَائِدَة. بِأَنَّهُ لما نزلت هَذِه الْآيَة: ﴿قل فيهمَا إِثْم كَبِير﴾ فَانْتهى بَعضهم، وَلم ينْتَه الْبَعْض. فَنزل قَوْله: ﴿لَا تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى﴾ فَكَانُوا يتحينون للشُّرْب حَتَّى كَانَ
стр. 415
الرجل يشرب بعد الْعشَاء الْأَخِيرَة فَيُصْبِح وَقد زَالَ السكر، ثمَّ يشرب بعد صَلَاة الصُّبْح فيصحو إِذا جَاءَ وَقت الظّهْر، فَنزلت آيَة الْمَائِدَة. قَالَ ابْن عمر: حرمت الْخمر بِآيَة الْمِائَة، وروى هُوَ عَن رَسُول الله أَنه قَالَ: " تَحْرِيم الْخمر بِآيَة الْمَائِدَة ".
وَعَن عمر ﵁ أَنه لما سمع قَوْله: ﴿فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ﴾ قَالَ: انتهينا رَبنَا.
﴿قل فيهمَا إِثْم كَبِير﴾ قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ: بالثاء وَقَرَأَ الْبَاقُونَ كَبِير بِالْبَاء، فالكبير: بِمَعْنى الْعَظِيم، وَالْكثير: لِكَثْرَة عدد الآثام فِي الْخمر الَّتِي ذكرهَا فِي آيَة الْمَائِدَة ﴿إِنَّمَا يُرِيد الشَّيْطَان أَن يُوقع بَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء﴾ الْآيَة.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَمَنَافع للنَّاس﴾ فالإثم فِي الْخمر: هُوَ مَا يَقع فِيهِ من الْعَدَاوَة والبغضاء والصد عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة.
وَأما الْمَنَافِع فِي الْخمر: اللَّذَّة، والفرح، واستمراء الطَّعَام، وَالرِّبْح فِي التِّجَارَة فِيهِ.
وَقد قَالَ حسان بن ثَابت: فِي الْخمر ونفعها:
(ونشربها فتتركنا أسودا ... ولبوثا مَا ينهنهنا اللِّقَاء)
وَقَالَ آخر:
(وَإِذا سكرت فإنني ... رب (الخورنق) والسدير)
(وَإِذا صحوت فإنني ... رب الشويهة وَالْبَعِير)
وَأما الْمَنَافِع للنَّاس فِي الميسر: فَهُوَ إِصَابَة المَال فِيهِ من غير كد وتعب.
وَالْإِثْم فِيهِ: أَنه إِذا ذهب مَاله من غير عوض يَأْخُذهُ يسوءه ذَلِك؛ فيعادى صَاحبه، ويقصده بالسوء.
стр. 416
﴿نفعهما ويسألونك مَاذَا يُنْفقُونَ قل الْعَفو كَذَلِك يبين الله لكم الْآيَات لَعَلَّكُمْ تتفكرون (٢١٩) ﴾
وَقَوله ﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ قيل: مَعْنَاهُ: إثمهما بعد التَّحْرِيم أكبر من نفعهما قبل التَّحْرِيم.
وَقيل: إثمهما أكبر من نفعهما قبل التَّحْرِيم، يَعْنِي: الْإِثْم الَّذِي يصير الْخمر سَببا فِيهِ من الْعَدَاوَة والعربدة أكبر من نفعهما.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ويسألونك مَاذَا يُنْفقُونَ قل الْعَفو﴾ قَرَأَ أَبُو عَمْرو وَحده بِضَم الْوَاو، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا، فَمن قَرَأَ بِالضَّمِّ؛ فتقديره مَا الَّذِي يُنْفقُونَ، فَقَالَ: قل الَّذِي يُنْفقُونَ الْعَفو؛ وَمن قَرَأَ بِالْفَتْح فتقديره: مَاذَا يُنْفقُونَ؟ فَقَالَ: قل: يُنْفقُونَ الْعَفو. وَاخْتلفُوا فِي معنى الْعَفو، فَقَالَ طَاوس: هُوَ الْيَسِير من كل شَيْء، وَقَالَ أَكثر الْمُفَسّرين: الْعَفو: الْفضل، وَذَلِكَ أَن الصَّدَقَة إِنَّمَا تجب فِي الْفَاضِل عَن الْحَاجة، وَكَانَت الصَّحَابَة يكتسبون المَال، ويمسكون قدر النَّفَقَة، وَيَتَصَدَّقُونَ بِالْفَضْلِ، بِحكم هَذِه الْآيَة، ثمَّ نسخ ذَلِك بِآيَة الزَّكَاة.
وَقيل مَعْنَاهُ: [التَّصَدُّق] عَن ظهر الْغنى؛ وَذَلِكَ أَن يتَصَدَّق وَهُوَ غَنِي، وَلَا يتَصَدَّق وَهُوَ فَقير. فَيبقى كلا على النَّاس. وَهُوَ معنى قَوْله: " أفضل الصَّدَقَة مَا كَانَ عَن ظهر غنى ".
وَحَقِيقَة الْعَفو: الميسور. وَمِنْه قَوْله: ﴿خُذ الْعَفو﴾ أَي: مَا تيَسّر من أَخْلَاق الرِّجَال.
стр. 417
﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ويسألونك عَن الْيَتَامَى قل إصْلَاح لَهُم خير وَإِن تخالطوهم فإخوانكم وَالله يعلم الْمُفْسد من المصلح وَلَو شَاءَ الله لأعنتكم إِن الله عَزِيز حَكِيم (٢٢٠) ﴾
﴿كَذَلِك يبين الله لكم الْآيَات لَعَلَّكُمْ تتفكرون
стр. 418
فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة) فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَتَقْدِيره: يبين الله لكم الْآيَات فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لَعَلَّكُمْ تتفكرون فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة؛ فتعرفون فضل الْآخِرَة على الدُّنْيَا. فتزهدون فِي الدُّنْيَا، وتنفقون رَغْبَة فِي الْآخِرَة.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿ويسألونك عَن الْيَتَامَى﴾ روى أَنه لما نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يَأْكُلُون أَمْوَال الْيَتَامَى ظلما إِنَّمَا يَأْكُلُون فِي بطونهم نَارا﴾ تحرج الْمُسلمُونَ من أَمْوَال الْيَتَامَى تحرجا شَدِيدا، حَتَّى عزلوا أَمْوَال الْيَتَامَى عَن أَمْوَالهم فِي المرعى، وَالطَّعَام، والإدام، فَنزلت هَذِه الْآيَة بِإِبَاحَة المخالطة فِي ذَلِك كُله؛ لَكِن بِشَرْط أَنه إِن استخدم غُلَام الْيَتِيم يَخْدمه، وَإِن أكل بطعامه يُبدلهُ.
قَالَ مُجَاهِد: يُوسع عَلَيْهِ من طَعَام نَفسه لَا يتوسع من طَعَام الْيَتِيم.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿قل إصْلَاح لَهُم خير﴾ قَرَأَ الضَّحَّاك: قل إصْلَاح إِلَيْهِم خير، والمتلو: قل إصْلَاح لَهُم. وَمَعْنَاهُ: إصْلَاح لَهُم خير لكم فِي الدّين. ﴿وَإِن تخالطوهم فإخوانكم﴾ هُوَ إِبَاحَة المخالطة.
﴿وَالله يعلم الْمُفْسد﴾ يَعْنِي: الَّذِي يخالط فيخون ﴿من المصلح﴾ وَهُوَ الَّذِي يخالط فَلَا يقْصد الْخِيَانَة. ﴿وَلَو شَاءَ الله لأعنتكم﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: لأهلككم. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: يَجْعَل مَا أصبْتُم من أَمْوَال الْيَتَامَى موبقا لكم. وَقيل: مَعْنَاهُ: وَلَو شَاءَ الله لما أَبَاحَ لكم المخالطة.
وَقَالَ أهل اللُّغَة: الْعَنَت: الْمَشَقَّة. وَمَعْنَاهُ: ﴿وَلَو شَاءَ الله لأعنتكم﴾ أَي: كلفكم فِي كل شَيْء مَا يشق عَلَيْكُم.
﴿إِن الله عَزِيز حَكِيم﴾ فالعزيز: هُوَ الَّذِي يَأْمر بعزة؛ سهل على الْعباد، أَو لم يسهل، والحكيم، قد ذكرنَا مَعْنَاهُ.
стр. 419
﴿وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن وَلأمة مُؤمنَة خير من مُشركَة وَلَو أَعجبتكُم﴾
стр. 420
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: لَا يجوز نِكَاح الكوافر أبدا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة؛ بِحكم هَذِه الْآيَة.
وَسَائِر الْمُفَسّرين وَالْعُلَمَاء من الصَّحَابَة وَغَيرهم، على أَن الْآيَة مَنْسُوخَة فِي الكتابيات، بقوله: ﴿وَالْمُحصنَات من الَّذين أُوتُوا الْكتاب﴾ .
وروى عَن عُثْمَان ﵁ أَنه تزوج بنائلة بنت فرافصة وَكَانَت نَصْرَانِيَّة فَأسْلمت تَحْتَهُ. وَعَن طَلْحَة بن عبيد الله: أَنه تزوج بنصرانية. وَعَن حُذَيْفَة: أَنه تزوج يَهُودِيَّة. وَقَالَ قَتَادَة وَسَعِيد بن جُبَير: أَرَادَ بالمشركات: الوثنيات.
فَإِن قَالَ قَائِل: الْكفَّار عنْدكُمْ مشركون كلهم، فَمن لَا يُنكر إِلَّا نبوة مُحَمَّد كَيفَ يكون مُشْركًا بِاللَّه؟
قُلْنَا: قَالَ أَبُو الْحُسَيْن بن فَارس صَاحب الْمُجْمل: هُوَ مُشْرك؛ لِأَنَّهُ يَقُول: الْقُرْآن الَّذِي أَتَى بِهِ مُحَمَّد كَلَام غير الله، وَهَذَا الْقُرْآن معجز لَا يَقُوله إِلَّا من كَانَ إِلَهًا، فَإِذا هُوَ كَلَام غير الله. وَكَأَنَّهُم أشركوا بِاللَّه غير الله.
وَأما سَبَب نزُول الْآيَة: مَا روى " أَن أَبَا مرْثَد الغنوي كَانَت لَهُ حَبِيبَة بِمَكَّة، وَكَانَ يُصِيبهَا بِالْفُجُورِ وَتسَمى عنَاقًا فَلَمَّا هَاجر إِلَى الْمَدِينَة وَأسلم، تمنت لَهُ حَاجَة، فَرجع إِلَى مَكَّة، فتزينت لَهُ، فَقَالَ أَبُو مرْثَد: إِنِّي قد دخلت فِي دين الْإِسْلَام، وَإِن الزِّنَا حرَام فِي ديني، فحتى أرجع فَاسْتَأْذن رَسُول الله أَن أَتزوّج بك، فَرجع وَاسْتَأْذَنَ؛ فَنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن﴾ ".
وَقَوله: ﴿وَلأمة مُؤمنَة خير من مُشركَة﴾ نزل هَذَا فِي عبد الله بن رَوَاحَة. " كَانَت لَهُ أمة سَوْدَاء فلطمها، ثمَّ أخبر رَسُول الله بذلك فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقَالَ:
стр. 421
﴿وَلَا تنْكِحُوا الْمُشْركين حَتَّى يُؤمنُوا ولعَبْد مُؤمن خير من مُشْرك وَلَو أعجبكم أُولَئِكَ يدعونَ إِلَى النَّار وَالله يدعوا إِلَى الْجنَّة وَالْمَغْفِرَة بِإِذْنِهِ وَيبين آيَاته للنَّاس لَعَلَّهُم يتذكرون (٢٢١) ويسألونك عَن الْمَحِيض قل هُوَ أَذَى فاعتزلوا النِّسَاء فِي﴾ إِنَّهَا مُؤمنَة، تؤمن بِاللَّه وَالرسل، وتحسن الْوضُوء، وَالصَّلَاة. فَقَالَ ﵇: بئْسَمَا صنعت. فَقَالَ: وَالله لأَتَزَوَّجَن بهَا، فَأعْتقهَا، وَتزَوج بهَا. وَكَانَ قد عرضت عَلَيْهِ حرَّة مُشركَة، فَعَيَّرَهُ الْمُشْركُونَ على نِكَاح الْأمة السَّوْدَاء؛ فَنزل قَوْله: ﴿وَلأمة مُؤمنَة خير من مُشركَة وَلَو أَعجبتكُم﴾ ".
﴿وَلَا تنْكِحُوا الْمُشْركين حَتَّى يُؤمنُوا﴾ فِي هَذَا إِجْمَاع، أَن الْمسلمَة لَا تنْكح من الْمُشْركين أجمع ﴿ولعَبْد مُؤَن خير من مُشْرك وَلَو أعجبكم﴾ ، فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالَ: ﴿خير من مُشْرك﴾ وَلَا خير فِي الْمُشرك؟ قيل: يجوز مثله كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ءآلله خير أما يشركُونَ﴾ وَيُقَال: الرُّجُوع إِلَى الْحق خير من التَّمَادِي فِي الْبَاطِل.
﴿أُولَئِكَ يدعونَ إِلَى النَّار﴾ أَي: إِلَى أَسبَاب النَّار ﴿وَالله يَدْعُو إِلَى الْجنَّة وَالْمَغْفِرَة بِإِذْنِهِ﴾ أَي: بِقَضَائِهِ وإرادته ﴿وَيبين آيَاته للنَّاس لَعَلَّهُم يتذكرون﴾
стр. 422
قَوْله تَعَالَى: ﴿ويسألونك عَن الْمَحِيض﴾ أما السَّائِل عَنهُ: هُوَ أسيد بن حضير، وَعباد بن بشير. وَأما الْمَحِيض: مفعل من الْحيض. وَالْمرَاد بِهِ: نفس الْحيض.
قَالَ الْأَزْهَرِي: يُقَال: حَاضَت الْمَرْأَة حيضا، ومحيضا: إِذا نزل بهَا الدَّم من الرَّحِم فِي وَقت مَعْلُوم.
وَيُقَال: استحيضت الْمَرْأَة: إِذا نزل بهَا الدَّم من عرق لَا من الرَّحِم لَا فِي وَقت مَعْلُوم.
стр. 423
﴿الْمَحِيض وَلَا تقربوهن حَتَّى يطهرن فَإِذا تطهرن فأتوهن من حَيْثُ أَمركُم الله إِن الله يحب التوابين وَيُحب المتطهرين (٢٢٢) ﴾
﴿قل هُوَ أَذَى﴾ أَي: قذر. وَقَالَ الْكَلْبِيّ: الْأَذَى: هُوَ الدَّم.
﴿فاعتزلوا النِّسَاء فِي الْمَحِيض﴾ وَسبب نزُول الْآيَة مَا روى عَن أنس: أَن الْيَهُود كَانُوا يعتزلون الْمَرْأَة فِي حَالَة الْحيض أَشد الاعتزال، وَكَانُوا لَا يؤاكلونها، وَلَا يشاربونها، ويخرجونها من الْبَيْت، فسألوا رَسُول الله عَن ذَلِك فَنزلت الْآيَة.
وَلم يرد بِهَذَا الاعتزال مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الاعتزال بترك الْوَطْء حَتَّى تحل المضاجعة، وَسَائِر أَنْوَاع الْمُبَاشرَة.
وَقد روى عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " اصنعوا كل شَيْء إِلَّا الْوَطْء ".
وَفِيه قَول آخر: أَنه يفعل كل شَيْء ويجتنب مَا تَحت الْإِزَار، وَذَلِكَ مَا بَين السُّرَّة وَالركبَة وَهُوَ قَول الشَّافِعِي.
﴿وَلَا تقربوهن﴾ أَرَادَ بِهِ القربان: بِالْوَطْءِ؛ فَإِن قربانها بِغَيْر الْوَطْء مُبَاح. ﴿حَتَّى يطهرن﴾ يقْرَأ مخففا. وَالْمرَاد بِهِ حَتَّى يطهرن من الْمَحِيض. وَقَرَأَ أهل الْكُوفَة غير حَفْص " حَتَّى يطهرن " مشدد.
وَقَرَأَ أبي بن كَعْب، وَابْن مَسْعُود ﵄: " حَتَّى يتطهرن " فِي الشواذ.
وَقَوله: ﴿يطهرن﴾ بِمَعْنى: يتطهرن؛ إِلَّا أَنه أدغم التَّاء فِي الطَّاء. وَمَعْنَاهُ: حَتَّى
стр. 424
﴿نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أَنِّي شِئْتُم وَقدمُوا لأنفسكم وَاتَّقوا الله وَاعْلَمُوا﴾ يغتسلن.
قَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس: قَوْله: ﴿يطهرن﴾ على التَّخْفِيف قد يكون بِمَعْنى الِاغْتِسَال، من فعل الطَّهَارَة.
وَالْكل حجَّة الشَّافِعِي فِي وجوب الِاغْتِسَال (لإباحة الْوَطْء فَإِنَّهُ) مد التَّحْرِيم إِلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿فَإِذا تطهرن﴾ أَي: اغْتَسَلْنَ ﴿فأتوهن من حَيْثُ أَمركُم الله﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا مَعْنَاهُ: من حَيْثُ أَمركُم الله بالاجتناب فِي حَال الْحيض.
وَالثَّانِي وَهُوَ قَول مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة مَعْنَاهُ: من حَيْثُ أَبَاحَ الله، وَذَلِكَ بطرِيق النِّكَاح.
﴿إِن الله يحب التوابين وَيُحب المتطهرين﴾ قيل: مَعْنَاهُ: التوابين من الذُّنُوب. والمتطهرين من الْعُيُوب.
وَالْقَوْل الثَّانِي: معنى التوابين الرجاعين إِلَى الله بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَار، وَمعنى المتطهرين: المتبرئين من حول أنفسهم وقوتهم.
وَفِيه قَول ثَالِث: أَن التوابين: من التَّوْبَة، والمتطهرين يَعْنِي: بالاستنجاء بِالْمَاءِ.
وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المتطهرين﴾ يَعْنِي: المتطهرين بالاستنجاء بِالْمَاءِ بعد الْحجر.
стр. 425
قَوْله تَعَالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حرث لكم﴾ أَي: مَوضِع حرث لكم ومزدرع، وَقد قَالَ الشَّاعِر:
(إِذا أكل الْجَرَاد حروث قوم ... فحرثي همه أكل الْجَرَاد)
следующие страницы →