← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

قَوْله تَعَالَى: ﴿ويسألونك عَن الْجبَال﴾ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: سَأَلَ الْمُشْركُونَ رَسُول الله مَا يفعل الله بِهَذِهِ الْجبَال يَوْم الْقِيَامَة؟ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة. وَقَوله: ﴿فَقل ينسفها رَبِّي نسفا﴾ النسف هُوَ الْقلع من الأَصْل، وَمعنى النسف فِي الْآيَة: هُوَ تسيير الْجبَال أَو جعلهَا هباء جعلهَا رملا سَائِلًا.

стр. 3572

وَقَوله: ﴿فيذرها قاعا صفصفا﴾ أَي: يذر أَمَاكِن الْجبَال قاعا صفصفا، والقاع هُوَ الْمَكَان الْوَاسِع المستوي، والصفصف هُوَ الأملس الَّذِي لَا نَبَات فِيهِ.

стр. 3573

وَقَوله: ﴿لَا ترى فِيهَا عوجا وَلَا أمتا﴾ أَي: حدبا ونبكا، وَمَعْنَاهُ: انخفاضا وارتفاعا.

стр. 3574

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْمئِذٍ يتبعُون الدَّاعِي﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: الدَّاعِي هَا هُنَا هُوَ إسْرَافيل يضع الصُّور فِي فِيهِ، وَيَقُول: أيتها الْعِظَام البالية، والجلود المتمزقة، واللحوم المتفرقة، هلموا إِلَى عرض الرَّحْمَن، أَو لفظ هَذَا مَعْنَاهُ. وَقَوله: ﴿لَا عوج لَهُ﴾ أَي: لَا يزيغون يَمِينا وَلَا شمالا، وَقيل: لَا يُمكنهُم أَلا يتبعوه. وَقَوله: ﴿وخشعت الْأَصْوَات للرحمن﴾ أَي: سكنت وخضعت، وَقَالَ قَتَادَة:

стр. 3575

( ﴿١٠٨) يَوْمئِذٍ لَا تَنْفَع الشَّفَاعَة إِلَّا من أذن لَهُ الرَّحْمَن وَرَضي لَهُ قولا (١٠٩) يعلم مَا بَين أَيْديهم وَمَا خَلفهم وَلَا يحيطون بِهِ علما (١١٠) وعنت الْوُجُوه للحي القيوم﴾ ذلت. قَالَ الشَّاعِر: ((فَمَا) أَتَى خبر الزبير تصدعت ... سور الْمَدِينَة وَالْجِبَال الخشع) وَقَوله: ﴿فَلَا تسمع إِلَّا همسا﴾ الهمس هُوَ الصَّوْت الْخَفي، وَيُقَال: صَوت وَطْء الْأَقْدَام كهمس الْإِبِل، قَالَ الشَّاعِر: (فَبَاتُوا يذبحون وَبَات يسري ... بَصِير بالدجى هار هموس)

стр. 3576

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْمئِذٍ لَا تَنْفَع الشَّفَاعَة﴾ أَي: لَا تَنْفَع الشَّفَاعَة لأحد. وَقَوله: ﴿إِلَّا من أذن لَهُ الرَّحْمَن﴾ أَي: إِلَّا لمن أذن الرَّحْمَن فِي الشَّفَاعَة لَهُ. وَقَوله: ﴿وَرَضي لَهُ قولا﴾ أَي: قَول لَا إِلَه إِلَّا الله، وَهُوَ القَوْل المرضي عِنْد الله.

стр. 3577

قَوْله تَعَالَى: ﴿يعلم مَا بَين أَيْديهم وَمَا خَلفهم﴾ أَي: يعلم مَا بَين أَيْديهم من الْآخِرَة، وَمَا خَلفهم من الْأَعْمَال، وَيُقَال: يعلم مَا بَين أَيْديهم أَي: (لم يخلقهم وَهُوَ يُرِيد أَن يخلقهم) . وَقَوله: ﴿وَمَا خَلفهم﴾ أَي: الَّذين خَلفهم من قبلهم فخلفوهم. وَقَوله: ﴿وَلَا يحيطون بِهِ علما﴾ أَي: لَا يحيطون بِاللَّه علما، وَالله يُحِيط بالأشياء، وَلَا يحاط بِهِ؛ لِأَن الْإِحَاطَة بالشَّيْء هِيَ الْعلم بالشَّيْء من كل جِهَة يجوز أَن يعلم، وَالله تَعَالَى لَا يقدر قدره، وَلَا يبلغ كنه عَظمته، وَأما سَائِر الْأَشْيَاء فَإِن الله يعلم كل شَيْء بِكُل جِهَة يجوز أَن تعلم.

стр. 3578

قَوْله تَعَالَى: ﴿وعنت الْوُجُوه للحي القيوم﴾ أَي: ذلت الْوُجُوه، وَقَالَ طلق بن أبي حبيب: خرت الْوُجُوه للسُّجُود. وَقَوله: ﴿للحي القيوم﴾ هُوَ الدَّائِم الَّذِي لم يزل، والقيوم هُوَ الْقَائِم بتدبير الْخلق،

стр. 3579

﴿وَقد خَابَ من حمل ظلما (١١١) وَمن يعْمل من الصَّالِحَات وَهُوَ مُؤمن فَلَا يخَاف ظلما وَلَا هضما (١١٢) وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا وصرفنا فِيهِ من الْوَعيد لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ أَو يحدث لَهُم ذكرا (١١٣) فتعالى الله الْملك الْحق وَلَا تعجل بِالْقُرْآنِ من﴾ والقائم على كل نفس بِمَا كسبت. وَقَوله: ﴿وَقد خَابَ من حمل ظلما﴾ أَي: هلك من حمل شركا، وَحمل الشّرك هُوَ نفس الْإِشْرَاك.

стр. 3580

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يعْمل من الصَّالِحَات وَهُوَ مُؤمن﴾ ظَاهر الْمَعْنى. وَقَوله: ﴿فَلَا يخَاف ظلما وَلَا هضما﴾ قَوْله: ﴿ظلما﴾ أَي: يحمل عَلَيْهِ ذَنْب غَيره. ﴿وَلَا هضما﴾ أَي: لَا يخَاف أَن ينقص من حَقه، وَقيل: ظلما أَي: لَا يقبل طَاعَته، و ﴿هضما﴾ أَي: ينقص من ثَوَابه.

стр. 3581

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا﴾ أَي: بِلِسَان الْعَرَب. وَقَوله: ﴿وصرفنا فِيهِ من الْوَعيد﴾ أَي: صرفنَا القَوْل فِيهِ بِذكر الْوَعيد. قَالَ قَتَادَة: هُوَ ذكر وقائع الله فِي الْأُمَم الخالية. وَقَوله: ﴿لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ﴾ أَي: يَتَّقُونَ الشّرك والمعاصي. وَقَوله: ﴿أَو يحدث لَهُم ذكرا﴾ أَي: يحدث لَهُم الْقُرْآن اعْتِبَارا؛ فيعتبرون بِهِ، وَقَالَ بَعضهم: يحدث لَهُم الْوَعيد ذكر الْعَذَاب؛ فينزجرون عَن الْمعاصِي. وَقَالَ بَعضهم: أَو يحدث لَهُم ذكرا أَي: شرفا لإيمانهم بِهِ.

стр. 3582

قَوْله تَعَالَى: ﴿فتعالى الله الْملك الْحق﴾ ارْتَفع الْملك الْحق ذُو الْحق. وَقَوله: ﴿وَلَا تعجل بِالْقُرْآنِ من قبل أَن يقْضى إِلَيْك وحيه﴾ فِيهِ أَقْوَال: الْمَشْهُور مَا ذكره ابْن عَبَّاس وَغَيره، أَن النَّبِي كَانَ إِذا نزل عَلَيْهِ جِبْرِيل بِالْقُرْآنِ، تَلا أول الْآيَة قبل أَن يفرغ جِبْرِيل من الإبلاغ مَخَافَة التفلت مِنْهُ وَالنِّسْيَان؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة " وَمَعْنَاهَا: لَا تعجل بِقِرَاءَة الْقُرْآن قبل أَن يفرغ جِبْرِيل من الإبلاغ. وَالْقَوْل

стр. 3583

﴿قبل أَن يقْضى إِلَيْك وحيه وَقل رب زِدْنِي علما (١١٤) وَلَقَد عهدنا إِلَى آدم من قبل فنسي وَلم نجد لَهُ عزما (١١٥) وَإِذ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا لآدَم فسجدوا إِلَّا إِبْلِيس﴾ الثَّانِي: مَعْنَاهَا: وَلَا تطلب الْإِنْزَال من الله تَعَالَى، واصبر حَتَّى يَأْتِيك جِبْرِيل بِمَا ينزله الله تَعَالَى. وَالْقَوْل الثَّالِث: مَعْنَاهَا: وَلَا تبين للنَّاس مَا لم يُصَلِّي إِلَيْك تَأْوِيله، وَمَعْنَاهُ: وَلَا تبين من قبل نَفسك. وَالْقَوْل الأول هُوَ الْمَعْرُوف. وَقَوله: ﴿وَقل رب زِدْنِي علما﴾ أَي: علما إِلَى مَا علمت، فَكَانَ ابْن مَسْعُود إِذا قَرَأَ هَذِه الْآيَة قَالَ: اللَّهُمَّ زِدْنِي إِيمَانًا ويقينا. وَعَن مَالك بن أنس قَالَ: من شَأْن ابْن آدم أَلا يعلم كل شَيْء، وَمن شَأْن ابْن آدم أَن يعلم ثمَّ ينسى، وَمن شَأْن ابْن آدم أَن يطْلب من الله علما إِلَى علمه.

стр. 3584

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد عهدنا إِلَى آدم من قبل﴾ الْعَهْد هَا هُنَا هُوَ الْأَمر. وَقَوله: ﴿فنسي﴾ مَعْنَاهُ: فَترك، وَعَن ابْن عَبَّاس: أَن الْإِنْسَان سمي إنْسَانا؛ لِأَنَّهُ ينسى. وَقَوله: ﴿وَلم نجد لَهُ عزما﴾ مَعْنَاهُ: صبرا، وَقيل: حزما، وَقَالَ عَطِيَّة: حفظا لما أَمر بِهِ والعزم هُوَ توطين النَّفس على الْفِعْل. وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ: لَو قوبل عقل آدم بعقل جَمِيع وَلَده لرجحهم، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلم نجد لَهُ عزما﴾ . وَعَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ قَالَ: لَو وزن حلم آدم بحلم جَمِيع وَلَده لرجح حلمه، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلم نجد لَهُ عزما﴾ فَإِن قيل: أتقولون أَن آدم ﵇ كَانَ نَاسِيا لأمر الله تَعَالَى حِين أكل من الشَّجَرَة؟ قُلْنَا: يجوز أَنه نسي، وَمِنْهُم من قَالَ: نسي عُقُوبَة الله تَعَالَى، وَظن أَنه نهي تَنْزِيه، لَا نهي تَحْرِيم، وَمِنْهُم من قَالَ: ظن أَنه إِنَّمَا نهى عَن شَجَرَة بِعَينهَا، وَلم ينْه عَن جنس الشَّجَرَة.

стр. 3585

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا لآدَم فسجدوا إِلَّا إِبْلِيس أَبى﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 3586

﴿أَبى (١١٦) فَقُلْنَا يَا آدم إِن هَذَا عَدو لَك ولزوجك فَلَا يخرجنكما من الْجنَّة فتشقى (١١٧) إِن لَك أَلا تجوع فِيهَا وَلَا تعرى (١١٨) وَأَنَّك لَا ظمأ فِيهَا وَلَا تضحى﴾

стр. 3587

وَقَوله: ﴿فَقُلْنَا يَا آدم إِن هَذَا عَدو لَك ولزوجك فَلَا يخرجنكما من الْجنَّة فتشقى﴾ أَي: تتعب وتنصب. وَقَالَ السّديّ: بالحرث والحصد والطحن وَالْخبْز. وَعَن سعيد بن جُبَير: أَن الله تَعَالَى أنزل عَلَيْهِ ثورا أحمرا، فَجعل يحرث، ويرشح الْعرق عَن جَبينه، فَذَلِك شقاؤه. وَرُوِيَ عَن سعيد أَنه قَالَ: جعل آدم يَسُوق الثور، وَقد تَعب، وعرق، فَقَالَ: يَا حَوَّاء، هَذَا من قبلك، فَبَقيَ ذَلِك فِي وَلَده إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، فَيَقُولُونَ عِنْد الحراثة: حوحو. ذكره ابْن فَارس فِي تَفْسِيره. قَالَ أَبُو الْحُسَيْن بن فَارس فِي تَفْسِيره. وَعَلِيهِ الْخَبَر الْمَعْرُوف بِرِوَايَة أبي هُرَيْرَة ﵁، عَن النَّبِي قَالَ: " لَقِي آدم مُوسَى - صلوَات الله عَلَيْهِمَا - فَقَالَ: يَا آدم، أَنْت الَّذِي أشقيتنا، وأخرجتنا من الْجنَّة، فَقَالَ لَهُ آدم: يَا مُوسَى، أتلومني على أَمر قدره الله عَليّ قبل أَن أخلق. . الْخَبَر بِطُولِهِ. إِلَى أَن قَالَ: فحج آدم مُوسَى ثَلَاثًا ". وَفِي بعض الحَدِيث: أَن الله تَعَالَى لما أهبط آدم إِلَى الأَرْض قَالَ: " لأطعمنك حَتَّى يعرق جبينك، ويتعب بدنك، وفهو معنى قَوْله: ﴿فتشقى﴾ . فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ لم يقل: فتشقيا، وَقد قَالَ من قبل: ﴿فَلَا يخرجنكما﴾ ؟ وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن مَعْنَاهُ: فتشقيا، وَلكنه اكْتفى بِذكر أَحدهمَا عَن الآخر، وَنَظِير هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿عَن الْيمن وَعَن الشمَال قعيد﴾ أَي: قعيدان. وَالْآخر: أَنه قَالَ: ﴿فتشقى﴾ ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الكاد والساعي على الْمَرْأَة، فالتعب عَلَيْهِ.

стр. 3588

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن لَك أَلا تجوع فِيهَا وَلَا تعرى﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 3589

وَقَوله: ﴿وَأَنَّك لَا تظمأ فِيهَا وَلَا تضحى﴾ . أَي: لَا تعطش، وَلَا يصيبك أَذَى

стр. 3590

( ﴿١١٩) فوسوس إِلَيْهِ الشَّيْطَان قَالَ يَا آدم هَل أدلك على شَجَرَة الْخلد وَملك لَا يبْلى (١٢٠) فأكلا مِنْهَا فبدت لَهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عَلَيْهِمَا من ورق الْجنَّة وَعصى آدم ربه فغوى (١٢١) ﴾ الشَّمْس. فَإِن قيل: لَيست فِي الْجنَّة شمس، فَكيف يَسْتَقِيم هَذَا الْكَلَام؟ وَالْجَوَاب: أَنه مُسْتَقِيم؛ لِأَن أهل الْجنَّة فِي ظلّ مَمْدُود، فَلَا يصيبهم أَذَى الشَّمْس مثل مَا يصيبهم فِي الدُّنْيَا، وَقيل مَعْنَاهُ: لَا يصيبك حر يُؤْذِيك، وَلَا تضحى: لَا تعرق، وَالْعرب تَقول: أضحى فلَان إِذا بدر للشمس. وَفِي بعض الْآثَار: اضح لمن أخدمت لَهُ. وَقَالَ عمر بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي أَبُو الْخطاب - وَولد لَيْلَة مَاتَ عمر ﵁: (رَأَتْ رجلا أما إِذا الشَّمْس عارضت ... فيضحى وَأما بالْعَشي فيخصر)

стр. 3591

قَوْله تَعَالَى: ﴿فوسوس إِلَيْهِ الشَّيْطَان قَالَ يَا آدم هَل أدلك على شَجَرَة الْخلد وَملك لَا يبْلى﴾ أَي: لَا يخلق وَلَا يفنى، وَقد بَينا معنى [شَجَرَة] الْخلد من قبل.

стр. 3592

قَوْله تَعَالَى: ﴿فأكلا مِنْهَا فبدت لَهما سوءاتهما﴾ أَي: عوراتهما. وَقَالَ بعض أهل الْمعَانِي: بَدَت عورتهما لَهما دون غَيرهمَا؛ لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿فبدت لَهما سوءاتهما﴾ . وَقَوله: ﴿وطفقا يخصفان﴾ أَي: طلبا. يُقَال: طفق يفعل كَذَا، إِذا جعل يَفْعَله. وَقَوله: ﴿يخصفان﴾ أَي: يلصقان الْوَرق بالورق للباسهما. وَقَوله: ﴿عَلَيْهِمَا من ورق الْجنَّة﴾ أَي: للباسهما. وَقَوله: ﴿وَعصى آدم ربه﴾ قَالَ ابْن قُتَيْبَة: يجوز أَن يُقَال: عصى آدم، وَلَكِن لَا يُقَال: آدم عَاص؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَال: عَاص إِذا اعْتَادَ فعل الْمعْصِيَة؛ وَهَذَا كَالرّجلِ يخيط ثَوْبه، يُقَال: خاط ثَوْبه، وَلَا يُقَال: خياط إِلَّا إِذا اعْتَادَ الْخياطَة. وَأما قَوْله: ﴿فغوى﴾ مَعْنَاهُ: ضل وخاب، والضلال هَا هُنَا بِمَعْنى: أَخطَأ طَرِيق الْحق، والخيبة: فَوَات مَا طمع فِيهِ من الخلود.

стр. 3593

﴿ثمَّ اجتباه ربه فَتَابَ عَلَيْهِ وَهدى (١٢٢) قَالَ اهبطا مِنْهَا جَمِيعًا بَعضهم لبَعض عَدو فإمَّا يَأْتينكُمْ مني هدى فَمن اتبع هُدَايَ فَلَا يضل وَلَا يشقى (١٢٣) وَمن أعرض عَن ذكري فَإِنَّهُ لَهُ معيشة ضنكا﴾ وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: غوى أَي: فسد عيشه، وَصَارَ من الْعِزّ إِلَى الذل، وَمن الرَّاحَة إِلَى التَّعَب.

стр. 3594

قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ اجتباه ربه فَتَابَ عَلَيْهِ وَهدى﴾ أَي: اخْتَارَهُ ربه وَتَابَ عَلَيْهِ، أَي: قبل تَوْبَته. وَهدى أَي: أرشده إِلَى الْإِنَابَة.

стр. 3595

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ اهبطا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضكُم لبَعض عَدو﴾ وَقد بَينا من قبل. وَقَوله: ﴿فإمَّا يَأْتينكُمْ مني هدى﴾ أَي: بَيَان. وَقَوله: ﴿فَمن اتبع هُدَايَ فَلَا يضل وَلَا يشقى﴾ أَي: لَا يضل فِي الدُّنْيَا، وَلَا يشقى فِي الْآخِرَة. وَعَن الشّعبِيّ أَنه قَالَ: أَجَارَ الله تَعَالَى من تبع الْقُرْآن، وَعمل بِمَا فِيهِ أَن يضل أَو يشقى، ثمَّ تَلا هَذِه الْآيَة.

стр. 3596

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن أعرض عَن ذكري﴾ أَي: عَن وحيي. وَقَوله: ﴿فَإِن لَهُ معيشة ضنكا﴾ فِيهِ أَقْوَال: رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود وَأبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ أَنهم قَالُوا: عَذَاب الْقَبْر. قَالَ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ ﵁: يضغط حَتَّى تخْتَلف أضلاعه. وَفِي بعض المسانيد هَذَا عَن النَّبِي، وَلَفظه: " يلتئم عَلَيْهِ الْقَبْر، حَتَّى تخْتَلف أضلاعه، وَلَا يزَال كَذَلِك حَتَّى يبْعَث ". قَالَه فِي هَذِه الْآيَة. وَالْقَوْل الثَّانِي: قَالَ الضَّحَّاك: هُوَ أكل الْحَرَام، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ أَن يكْسب دون مَا يَكْفِيهِ، والضنك هُوَ الضّيق، وَقَالَ الْحسن: معيشة ضنكا: عَذَاب جَهَنَّم، وَقَالَ

стр. 3597

﴿ونحشره يَوْم الْقِيَامَة أعمى (١٢٤) قَالَ رب لم حشرتني أعمى وَقد كنت بَصيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِك أتتك آيَاتنَا فنسيتها وَكَذَلِكَ الْيَوْم تنسى (١٢٦) وَكَذَلِكَ نجزي من أسرف وَلم يُؤمن بآيَات ربه ولعذاب الْآخِرَة أَشد وَأبقى (١٢٧) أفلم يهد لَهُم﴾ بَعضهم: هُوَ الضريع، والزقوم (فِي النَّار) . وَقَوله: ﴿ونحشره يَوْم الْقِيَامَة أعمى﴾ فَقَالَ: أعمى عَن الْحجَّة، وَيُقَال: أعمى الْعين، وَقد بَينا أَنه رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: يحشرهم بَصيرًا ثمَّ يعمى، وَقيل: أعمى عَن الْحق، وَقيل: أعمى عَن كل شَيْء إِلَّا عَن عَذَاب جَهَنَّم.

стр. 3598

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب لم حشرتني أعمى وَقد كنت بَصيرًا﴾ مَعْنَاهُ: وَلم حشرتني أعمى عَن الْحجَّة، وَقد كنت بَصيرًا بِالْحجَّةِ؟ وَقيل: أعمى الْعين، وَقد كنت بَصِير الْعين.

стр. 3599

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ كَذَلِك أتتك آيَاتنَا فنسيتها﴾ أَي: تركتهَا. وَقَوله: ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْم تنسى﴾ أَي: تتْرك. قَالَ قَتَادَة: نسوا من الْخَيْر، وَلم ينسوا من الْعَذَاب.

стр. 3600

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ نجزي من أسرف﴾ أَي: من أشرك. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلم يُؤمن بآيَات ربه﴾ ظَاهر الْمَعْنى. وَقَوله: ﴿ولعذاب الْآخِرَة أَشد وَأبقى﴾ . أَي: أعظم وأدوم.

стр. 3601

قَوْله تَعَالَى: ﴿أفلم يهد لَهُم﴾ وَقُرِئَ: " نهد " بالنُّون، فَقَوله: ﴿يهد﴾ بِالْيَاءِ أَي: يهدي الْقُرْآن، وَمعنى نهدي: نبين، وَقَوله: " نهدي " أَي: نبين نَحن، وصلته بِاللَّامِ دَلِيل على أَنه بِمَعْنى التبين. وَقَوله: ﴿كم أهلكنا قبلهم من الْقُرُون يَمْشُونَ فِي مساكنهم﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير:

стр. 3602

﴿كم أهلكنا قبلهم من الْقُرُون يَمْشُونَ فِي مساكنهم إِن فِي ذَلِك لآيَات لأولي النهى (١٢٨) وَلَوْلَا كلمة سبقت من رَبك لَكَانَ لزاما وَأجل مُسَمّى (١٢٩) فاصبر على مَا يَقُولُونَ وَسبح بِحَمْد رَبك قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل غُرُوبهَا وَمن آنَاء اللَّيْل فسبح﴾ هَذَا الْخطاب لقريش، وَقد كَانُوا يسافرون إِلَى الشَّام، فيرون ديار المهلكين من أَصْحَاب الْحجر وَثَمُود وقريات لوط. وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات﴾ أَي: لدلالات وعبرا. وَقَوله: ﴿لأولي النهى﴾ أَي: لأولي الْعُقُول، يُقَال: فلَان ذُو نهية أَي: ذُو عقل.

стр. 3603

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا كلمة سبقت من رَبك﴾ فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَمَعْنَاهُ: وَلَوْلَا كلمة سبقت من رَبك وَأجل مُسَمّى ﴿لَكَانَ لزاما﴾ أَي: الْعَذَاب لزاما، والكلمة هِيَ الحكم بِتَأْخِير الْعَذَاب، وَالْأَجَل الْمُسَمّى هُوَ وعد الْقِيَامَة، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿بل السَّاعَة موعدهم والساعة أدهى وَأمر﴾ . وَقَوله تَعَالَى: ﴿لزاما﴾ أَي: الْعَذَاب لَا يفارقهم.

стр. 3604

قَوْله تَعَالَى: ﴿فاصبر على مَا يَقُولُونَ وَسبح بِحَمْد رَبك﴾ أَي: صل بِأَمْر رَبك. وَقَوله: ﴿قبل طُلُوع الشَّمْس﴾ هُوَ الْفجْر. ﴿وَقبل غُرُوبهَا﴾ هُوَ الْعَصْر ﴿وَمن آنَاء اللَّيْل﴾ الْمغرب وَالْعشَاء. والآناء جمع إنى، والإنى: السَّاعَة. وَقَوله: ﴿وأطراف النَّهَار﴾ هُوَ الظّهْر. فَإِن قيل: كَيفَ سمي أَطْرَاف النَّهَار؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ طرف النّصْف الأول انْتِهَاء، وطرف النّصْف الثَّانِي ابْتِدَاء، وَهَذَا قَول قَتَادَة وَأكْثر الْمُفَسّرين. وَقَالَ بَعضهم: أَطْرَاف النَّهَار: سَاعَات النَّهَار للتطوع، وعَلى هَذَا قَوْله: قبل غرُوب الشَّمْس دخل فِيهِ الظّهْر وَالْعصر، وَقَالَ بَعضهم: أَطْرَاف النَّهَار المُرَاد مِنْهُ الصُّبْح وَالْعصر، وَهُوَ مَذْكُور لتأكيد مَا سبق. وَقد ثَبت بِرِوَايَة جرير بن عبد الله البَجلِيّ قَالَ: " كُنَّا جُلُوسًا مَعَ النَّبِي، فَنظر إِلَى الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر، فَقَالَ: " إِنَّكُم سَتَرَوْنَ ربكُم مثل هَذَا، وَأَشَارَ إِلَى الْقَمَر، لَا تضَامون فِي رُؤْيَته، فَإِن اسْتَطَعْتُم أَلا تغلبُوا على صَلَاة

стр. 3605

﴿وأطراف النَّهَار لَعَلَّك ترْضى (١٣٠) وَلَا تَمُدَّن عَيْنَيْك إِلَى مَا متعنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُم زهرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا لنفتنهم فِيهِ وزرق رَبك خير وَأبقى (١٣١) وَأمر أهلك بِالصَّلَاةِ﴾ قبل غرُوب الشَّمْس، وَقبل طُلُوعهَا فافعلوا، ثمَّ قَرَأَ هَذِه الْآيَة: ﴿فسبح بِحَمْد رَبك قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل غُرُوبهَا﴾ . قَالَ الشَّيْخ الإِمَام: أخبرنَا بِهَذَا الْمَكِّيّ بن عبد الرَّزَّاق، قَالَ: أخبرنَا جدي أَبُو الْهَيْثَم، قَالَ: حَدثنَا الْفربرِي، قَالَ: نَا البُخَارِيّ ﵁، قَالَ: نَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، عَن جرير بن عبد الحميد الضَّبِّيّ، عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد، عَن قيس بن أبي حَازِم عَن جرير ... ... الحَدِيث. قَوْله: ﴿لَعَلَّك ترْضى﴾ أَي: لَعَلَّك ترْضى ثَوَابه، وقرىء: " لَعَلَّك تُرضى " على مَا لم يسم فَاعله، أَي: تُعْطى ثَوَابه.

стр. 3606

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَمُدَّن عَيْنَيْك إِلَى مَا متعنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُم﴾ رُوِيَ عَن أبي رَافع " أَن النَّبِي نزل بِهِ ضيف، وَلم يكن عِنْده شَيْء، فَبعث إِلَى يَهُودِيّ يستقرض مِنْهُ طَعَاما، فَأبى إِلَّا برهن، فرهن مِنْهُ درعه وحزن مِنْهُ، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة ". وَقَوله: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُم﴾ أَي: رجَالًا، وَقيل: أضيافا مِنْهُم. وَقَوله: ﴿زهرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ . (زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا، وَقيل: زهرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا) بهجتها وحسنها، وَمَا تروق النَّاظر مِنْهُمَا. وَقَوله: ﴿لنفتنهم فِيهِ﴾ أَي: نوقعهم فِي الْفِتْنَة بِسَبَبِهِ. وَقَوله: ﴿ورزق رَبك خير وَأبقى﴾ أَي: خير لَك فِي الْآخِرَة، وَأبقى بركَة فِي الدُّنْيَا. وَرُوِيَ عَن أبي بن كَعْب أَنه قَالَ: من لم يتعز بعز الله تَعَالَى تقطعت نَفسه حسرات، وَمن يتبع بَصَره مَا فِي أَيدي النَّاس يطلّ حزنه، وَمن ظن أَن نعْمَة الله تَعَالَى

стр. 3607

﴿واصطبر عَلَيْهَا لَا نَسْأَلك رزقا نَحن نرزقك وَالْعَاقبَة للتقوى (١٣٢) وَقَالُوا لَوْلَا يأتينا بِآيَة من ربه أولم تأتهم بَيِّنَة مَا فِي الصُّحُف الأولى (١٣٣) وَلَو أَنا أهلكناهم بِعَذَاب﴾ فِي مطعمه ومشربه وملبسه، فقد قل عمله وَحضر عَذَابه. وَعَن يزِيد بن ميسرَة، أَنه قَالَ: كَانُوا يسمون الدُّنْيَا: خنزيرة، وَلَو علمُوا اسْما أسوء مِنْهُ لسموها بِهِ، فَكَانَت إِذا أَقبلت على أحدهم، قَالَ: إِلَيْك يَا خنزيرة.

стр. 3608

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأمر أهلك بِالصَّلَاةِ واصطبر عَلَيْهَا﴾ فِي قَوْله: ﴿أهلك﴾ قَولَانِ: أَحدهمَا: أهل دينك، وَالْآخر: قرابتك وقومك. وَفِي بعض المسانيد عَن سلمَان الْفَارِسِي ﵁ أَن النَّبِي كَانَ إِذا أصَاب أَهله خير أَمرهم بِالصَّلَاةِ، وتلا هَذِه الْآيَة ﴿وَأمر أهلك بِالصَّلَاةِ واصطبر عَلَيْهَا﴾ . وَقَوله: ﴿لَا نَسْأَلك رزقا﴾ أَي: لَا نَسْأَلك أَن ترزق أحدا من خلقي، وَلَا أَن ترزق نَفسك، وَقيل: ثَوابًا. وَقَوله: ﴿نَحن نرزقك﴾ . أَي: نوصل إِلَيْك رزقك، وَقيل: ننشئك. وَقَوله: ﴿وَالْعَاقبَة للتقوى﴾ أَي: (لأهل) التَّقْوَى.

стр. 3609

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يأتينا بِآيَة من ربه﴾ أَي: الْآيَة المقترحة، فَإِنَّهُ كَانَ قد أَتَاهُم بآيَات كَثِيرَة. وَقَوله: ﴿أولم تأتهم بَيِّنَة مَا فِي الصُّحُف الأولى﴾ أَي: بَيَان مَا فِي الصُّحُف الأولى من أنباء الْأُمَم، فَإِنَّهُم اقترحوا الْآيَات، فأعطوا وَلم يُؤمنُوا، فأهلكهم الله تَعَالَى، وَلَو أعطينا هَؤُلَاءِ أَيْضا، وَلم يُؤمنُوا ألحقنا إهلاكهم.

стр. 3610

﴿من قبله لقالوا رَبنَا لَوْلَا أرْسلت إِلَيْنَا رَسُولا فنتبع آياتك من قبل أَن نذل ونخزى (١٣٤) قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أَصْحَاب الصِّرَاط السوي وَمن اهْتَدَى (١٣٥) ﴾
следующие страницы →