← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَمُدَّن عَيْنَيْك إِلَى مَا متعنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُم﴾ رُوِيَ عَن أبي رَافع " أَن النَّبِي نزل بِهِ ضيف، وَلم يكن عِنْده شَيْء، فَبعث إِلَى يَهُودِيّ يستقرض مِنْهُ طَعَاما، فَأبى إِلَّا برهن، فرهن مِنْهُ درعه وحزن مِنْهُ، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة ". وَقَوله: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُم﴾ أَي: رجَالًا، وَقيل: أضيافا مِنْهُم. وَقَوله: ﴿زهرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ . (زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا، وَقيل: زهرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا) بهجتها وحسنها، وَمَا تروق النَّاظر مِنْهُمَا. وَقَوله: ﴿لنفتنهم فِيهِ﴾ أَي: نوقعهم فِي الْفِتْنَة بِسَبَبِهِ. وَقَوله: ﴿ورزق رَبك خير وَأبقى﴾ أَي: خير لَك فِي الْآخِرَة، وَأبقى بركَة فِي الدُّنْيَا. وَرُوِيَ عَن أبي بن كَعْب أَنه قَالَ: من لم يتعز بعز الله تَعَالَى تقطعت نَفسه حسرات، وَمن يتبع بَصَره مَا فِي أَيدي النَّاس يطلّ حزنه، وَمن ظن أَن نعْمَة الله تَعَالَى

стр. 3607

﴿واصطبر عَلَيْهَا لَا نَسْأَلك رزقا نَحن نرزقك وَالْعَاقبَة للتقوى (١٣٢) وَقَالُوا لَوْلَا يأتينا بِآيَة من ربه أولم تأتهم بَيِّنَة مَا فِي الصُّحُف الأولى (١٣٣) وَلَو أَنا أهلكناهم بِعَذَاب﴾ فِي مطعمه ومشربه وملبسه، فقد قل عمله وَحضر عَذَابه. وَعَن يزِيد بن ميسرَة، أَنه قَالَ: كَانُوا يسمون الدُّنْيَا: خنزيرة، وَلَو علمُوا اسْما أسوء مِنْهُ لسموها بِهِ، فَكَانَت إِذا أَقبلت على أحدهم، قَالَ: إِلَيْك يَا خنزيرة.

стр. 3608

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأمر أهلك بِالصَّلَاةِ واصطبر عَلَيْهَا﴾ فِي قَوْله: ﴿أهلك﴾ قَولَانِ: أَحدهمَا: أهل دينك، وَالْآخر: قرابتك وقومك. وَفِي بعض المسانيد عَن سلمَان الْفَارِسِي ﵁ أَن النَّبِي كَانَ إِذا أصَاب أَهله خير أَمرهم بِالصَّلَاةِ، وتلا هَذِه الْآيَة ﴿وَأمر أهلك بِالصَّلَاةِ واصطبر عَلَيْهَا﴾ . وَقَوله: ﴿لَا نَسْأَلك رزقا﴾ أَي: لَا نَسْأَلك أَن ترزق أحدا من خلقي، وَلَا أَن ترزق نَفسك، وَقيل: ثَوابًا. وَقَوله: ﴿نَحن نرزقك﴾ . أَي: نوصل إِلَيْك رزقك، وَقيل: ننشئك. وَقَوله: ﴿وَالْعَاقبَة للتقوى﴾ أَي: (لأهل) التَّقْوَى.

стр. 3609

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يأتينا بِآيَة من ربه﴾ أَي: الْآيَة المقترحة، فَإِنَّهُ كَانَ قد أَتَاهُم بآيَات كَثِيرَة. وَقَوله: ﴿أولم تأتهم بَيِّنَة مَا فِي الصُّحُف الأولى﴾ أَي: بَيَان مَا فِي الصُّحُف الأولى من أنباء الْأُمَم، فَإِنَّهُم اقترحوا الْآيَات، فأعطوا وَلم يُؤمنُوا، فأهلكهم الله تَعَالَى، وَلَو أعطينا هَؤُلَاءِ أَيْضا، وَلم يُؤمنُوا ألحقنا إهلاكهم.

стр. 3610

﴿من قبله لقالوا رَبنَا لَوْلَا أرْسلت إِلَيْنَا رَسُولا فنتبع آياتك من قبل أَن نذل ونخزى (١٣٤) قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أَصْحَاب الصِّرَاط السوي وَمن اهْتَدَى (١٣٥) ﴾

стр. 3611

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو أَنا أهلكناهم بِعَذَاب من قبله﴾ أَي: من قبل إرْسَال الرُّسُل وإنزال الْقُرْآن. قَوْله: ﴿لقالوا لَوْلَا أرْسلت إِلَيْنَا رَسُولا﴾ أَي: لقالوا يَوْم الْقِيَامَة. وَقَوله: ﴿فنتبع آياتك من قبل أَن نذل ونخزى﴾ أَي: نذل فِي الدُّنْيَا، ونخزى فِي الْآخِرَة. والذل: الهوان، والخزي: الافتضاح.

стр. 3612

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل كل متربص﴾ رُوِيَ أَن الْمُشْركين قَالُوا: نتربص بِمُحَمد حوادث الدَّهْر، فَإِذا مَاتَ تخلصنا، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة ﴿قل كل متربص﴾ أَي: منتظر. وَقَوله: ﴿فتربصوا﴾ أَي: فانتظروا. وَقَوله: ﴿فستعلمون من أَصْحَاب الصِّرَاط السوي﴾ فِي الشاذ: " من أَصْحَاب الصِّرَاط السوى " على وزن فُعلى، وَالْمَعْرُوف: " السوى ". وَمعنى الصِّرَاط السوى: الدّين القويم. وَقَوله ﴿وَمن اهْتَدَى﴾ أَي: من هدى ورشد، والمهتدون نَحن أم أَنْتُم؟

стр. 3613

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿اقْترب للنَّاس حسابهم وهم فِي غَفلَة معرضون (١) مَا يَأْتِيهم من ذكر من رَبهم﴾ تَفْسِير سُورَة الْأَنْبِيَاء وَهِي مَكِّيَّة، قَالَ ابْن مَسْعُود: سُورَة بني إِسْرَائِيل والكهف وَمَرْيَم وطه والأنبياء من الْعتاق الأول، وَهن من تلادي.

стр. 3614

قَوْله تَعَالَى: ﴿اقْترب للنَّاس حسابهم﴾ قَوْله: ﴿اقْترب﴾ : افتعل، من الْقرب. وَقَوله: ﴿للنَّاس حسابهم﴾ أَي: وَقت حسابهم، وَقيل: عَذَابهمْ، وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من نُوقِشَ فِي الْحساب عذب. وَالْآيَة فِي الْمُشْركين دون الْمُؤمنِينَ، وَهَذَا قَوْله بَعضهم، وَإِنَّمَا سمى السَّاعَة قريبَة؛ لِأَنَّهَا كَانَت لَا محَالة، وكل مَا هُوَ كَائِن لَا محَالة فَهُوَ قريب، وَأَيْضًا فَإِن مَا بَقِي من الدُّنْيَا فِي جنب مَا مضى (قَلِيل) ، فَسمى السَّاعَة قريبَة؛ على هَذَا الْمَعْنى، وَقد رُوِيَ أَنه لما نزلت هَذِه الْآيَة ارتدع الْمُشْركُونَ عَن بعض مَا هم عَلَيْهِ، ثمَّ لما لم يرَوا للقيامة أثرا انهمكوا فِيمَا كَانُوا، وَهَكَذَا رُوِيَ أَيْضا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَتَى أَمر الله﴾ ، وَالله أعلم. وَقَوله: ﴿وهم فِي غَفلَة معرضون﴾ أَي: هم غافلون معرضون، وَقيل: فِي اشْتِغَال بِالْبَاطِلِ عَن الْحق، وَيُقَال: وهم فِي غَفلَة عَمَّا يُرَاد بهم وأريدوا بِهِ.

стр. 3615

قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا يَأْتِيهم من ذكر من رَبهم مُحدث﴾ اسْتدلَّ الْمُعْتَزلَة بِهَذَا على أَن الْقُرْآن مَخْلُوق، وَقَالُوا: كل مُحدث مَخْلُوق، وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن معنى قَوْله: ﴿مُحدث﴾ أَي: مُحدث تَنْزِيله، ذكره الْأَزْهَرِي وَغَيره، وَيُقَال: أنزل فِي زمَان بعد زمَان، قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: كلما جدد لَهُم ذكرا استمروا على جهلهم، وَذكر النقاش فِي تَفْسِيره: أَن الذّكر الْمُحدث هَاهُنَا مَا ذكره النَّبِي، وَبَينه من السّنَن والمواعظ

стр. 3616

﴿مُحدث إِلَّا استمعوه وهم يَلْعَبُونَ (٢) لاهية قُلُوبهم وأسروا النَّجْوَى الَّذين ظلمُوا هَل هَذَا إِلَّا بشر مثلكُمْ أفتأتون السحر وَأَنْتُم تبصرون (٣) قَالَ رَبِّي يعلم القَوْل فِي السَّمَاء﴾ والدلائل سوى مَا فِي الْقُرْآن، وأضافه إِلَى الرب؛ لِأَنَّهُ قَالَه بِأَمْر الرب تَعَالَى. وَقَوله: ﴿إِلَّا استمعوه وهم يَلْعَبُونَ﴾ أَي: استمعوه لاعبين.

стр. 3617

وَله تَعَالَى: ﴿لاهية قُلُوبهم﴾ أَي: غافلة، وَقيل: مشتغلة بِالْبَاطِلِ عَن الْحق. قَالَ امْرُؤ الْقَيْس: (فمثلك حُبْلَى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عَن ذِي تمائم محول) أَي شغلتها. وَقَوله: ﴿وأسروا النَّجْوَى﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: وأخفوا النَّجْوَى، وَالْآخر: وأظهروا النَّجْوَى، وَالْعرب تَقول: أسر إِذا أخْفى، وَأسر إِذا أظهر، وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة: أسر إِذا أخْفى بِالسِّين غير الْمُعْجَمَة، وأشر إِذا أظهر بالشين الْمُعْجَمَة. قَالَ الشَّاعِر: (وَلما رأى الْحجَّاج جرد سَيْفه (أسر) الحروري الَّذِي كَانَ أضمرا) وَقَوله: ﴿الَّذين ظلمُوا﴾ أَي: أشركوا. وَقَوله: ﴿هَل هَذَا إِلَّا بشر مثلكُمْ﴾ أَنْكَرُوا إرْسَال الْبشر، وطلبوا إرْسَال الْمَلَائِكَة. وَقَوله: ﴿أفتأتون السحر﴾ أَي: تحضرون السحر وتقبلونه. وَقَوله: ﴿وَأَنْتُم تبصرون﴾ أَي: تعلمُونَ أَنه سحر.

стр. 3618

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّي يعلم القَوْل فِي السَّمَاء وَالْأَرْض﴾ يَعْنِي: القَوْل يسر بِهِ، ويجهر بِهِ فِي السَّمَاء وَالْأَرْض. وَقَوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 3619

﴿وَالْأَرْض وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم (٤) بل قَالُوا أضغاث أَحْلَام بل افتراه بل هُوَ شَاعِر فليأتنا بِآيَة كَمَا أرسل الْأَولونَ (٥) مَا آمَنت قبلهم من قَرْيَة أهلكناهم أفهم يُؤمنُونَ (٦) وَمَا أرسلنَا قبلك إِلَّا رجَالًا نوحي إِلَيْهِم فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ (٧) وَمَا﴾

стр. 3620

قَوْله تَعَالَى: ﴿بل قَالُوا أضغاث أَحْلَام﴾ أَي: تهاويل أَحْلَام، وَيُقَال: أخلاط أَحْلَام، وَيُقَال: مَا لَا تَأْوِيل لَهُ وَلَا تَفْسِير. قَالَ الشَّاعِر: (أَحَادِيث [طسم] أَو سراب بقيعة ... ترقرق للساري وأضغاث حالم) وَقَوله: ﴿بل افتراه﴾ أَي: اختلقه. وَقَوله: ﴿بل هُوَ شَاعِر﴾ أَي: مثل أُميَّة بن الصَّلْت وَمن أشبه، وَالْمرَاد من الْآيَة: بَيَان تناقضهم فِي قَوْلهم، وَأَنَّهُمْ غير مستقرين على شَيْء وَاحِد. وَقَوله: ﴿فليأتنا بِآيَة كَمَا أرسل الْأَولونَ﴾ بِالْآيَاتِ، وطلبوا آيَة مثل النَّاقة أَو عَصا مُوسَى، وَيَد مُوسَى، وَمَا أشبه ذَلِك، وَقد كَانَ الله تَعَالَى بَين الْآيَات سوى مَا طلبُوا.

стр. 3621

قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا آمَنت قبلهم من قَرْيَة أهلكناها﴾ مَعْنَاهُ: مَا آمَنت قبلهم من أهل قَرْيَة طلبُوا آيَة فأعطوا، أَي: أعطيناهم الْآيَة، وَلم يُؤمنُوا. وَقَوله: ﴿أهلكناها﴾ أَي: حكمنَا بهلاكها. وَقَوله: ﴿أفهم يُؤمنُونَ﴾ مَعْنَاهُ: كَمَا لم يُؤمن أُولَئِكَ، فَلَا يُؤمن هَؤُلَاءِ.

стр. 3622

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أرسلنَا قبلك إِلَّا رجَالًا نوحي إِلَيْهِم﴾ يَعْنِي: أَنا لم نرسل الْمَلَائِكَة قبلك إِلَى الْأَوَّلين، فنرسل ملكا إِلَى قَوْمك. وَقَوله: ﴿فاسألوا أهل الذّكر﴾ الْأَكْثَرُونَ على أَن المُرَاد بِأَهْل الذّكر مؤمنو أهل

стр. 3623

﴿جعلناهم جسدا لَا يَأْكُلُون الطَّعَام وَمَا كَانُوا خَالِدين (٨) ثمَّ صدقناهم الْوَعْد فأنجيناهم وَمن نشَاء وأهلكنا المسرفين (٩) لقد أنزلنَا إِلَيْكُم كتابا فِيهِ ذكركُمْ أَفلا تعقلون (١٠) وَكم قصمنا من قَرْيَة كَانَت ظالمة وأنشأنا بعْدهَا قوما آخَرين (١١) فَلَمَّا أحسوا﴾ الْكتاب، وَعَن عَليّ ﵁ أَنهم عُلَمَاء هَذِه الْأمة. وَقَوله: ﴿إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 3624

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا جعلناهم جسدا﴾ أَي: ذَوي أجساد. وَقَوله: ﴿لَا يَأْكُلُون الطَّعَام﴾ مَعْلُوم. وَقَوله: ﴿وَمَا كَانُوا خَالِدين﴾ أَي: فِي الدُّنْيَا، وَهَذَا رد لقَولهم: ﴿وَقَالُوا مَا لهَذَا الرَّسُول يَأْكُل الطَّعَام﴾ الْآيَة.

стр. 3625

قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ صدقناهم الْوَعْد﴾ مَعْنَاهُ: صدقناهم الْوَعْد فِي الْعقَاب وَالثَّوَاب. وَقَوله: ﴿فأنجيناهم وَمن نشَاء وأهلكنا المسرفين﴾ أَي: أنجينا الْمُؤمنِينَ، وأهلكنا المكذبين، وكل مكذب مُشْرك مُسْرِف على نَفسه، والسرف: مُجَاوزَة الْحَد.

стр. 3626

وَقَوله تَعَالَى: ﴿لقد أنزلنَا إِلَيْكُم كتابا فِيهِ ذكركُمْ﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: ذكركُمْ أَي: حديثكم، وَقيل ذكركُمْ أَي: ذكركُمْ مَا تحتاجون إِلَيْهِ من دينكُمْ، وَقَالَ مُجَاهِد: ذكركُمْ أَي: شرفكم، وَهُوَ شرف لمن يُؤمن بِهِ، لَا لمن يكفر بِهِ. وَقَوله: ﴿أَفلا تعقلون﴾ أَي: أَفلا تعتبرون.

стр. 3627

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكم قصمنا﴾ القصم: الْكسر، والفصم - بِالْفَاءِ - الصدع، وَفِي الْخَبَر: " يرفع أهل الدَّرَجَات الْعلَا إِلَى غرفَة من در لَيْسَ فِيهَا قَصم وَلَا فَصم ". وَقَوله: ﴿من قَرْيَة كَانَت ظالمة﴾ أَي: ظلم أَهلهَا. وَقَوله: ﴿وأنشئنا بعْدهَا قوما آخَرين﴾ أَي: فريقا آخَرين.

стр. 3628

وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أحسوا بأسنا﴾ أَي: (وجدوا عذابنا) ، وَقيل: وصل إِلَيْهِم

стр. 3629

﴿بأسنا إِذا هم مِنْهَا يركضون (١٢) لَا تركضوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أترفتم فِيهِ ومساكنكم لَعَلَّكُمْ تسْأَلُون (١٣) قَالُوا يَا ويلنا إِنَّا كُنَّا ظالمين (١٤) فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعوَاهُم حَتَّى﴾ عذابنا. وَقَوله: ﴿إِذا هم مِنْهَا يركضون﴾ أَي: يهربون ركضا، يُقَال: ركض الدَّابَّة إِذا أسْرع فِي سَيرهَا.

стр. 3630

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تركضوا﴾ أَي: لَا تهربوا. وَقَوله: ﴿وَارْجِعُوا إِلَى مَا أترفتم فِيهِ﴾ أَي: نعمتم فِيهِ، والمترف: الْمُنعم، وَقيل: إِلَى دنياكم ﴿ومساكنكم﴾ الَّتِي نعمتم فِيهَا. قَالَ أَكثر أهل التَّفْسِير: هَذِه الْآيَات نزلت فِي أهل مَدِينَة كفرُوا، فَسلط الله عَلَيْهِم بعض الْجَبَابِرَة - وَقيل: كَانَ بخْتنصر - فَلَمَّا أَصَابَهُم عَذَاب السَّيْف هربوا، فَقَالَ لَهُم الْمَلَائِكَة، وَالسُّيُوف قد أخذتهم: لَا تهربوا، وَارْجِعُوا إِلَى مَا أترفتم فِيهِ ومساكنكم. ﴿لَعَلَّكُمْ تسْأَلُون﴾ من دنياكم، فتعطون من شِئْتُم، وتمنعون من شِئْتُم، قَالُوا هَذَا لَهُم استهزاء، وَقد قيل: هَذَا فِي أهل مَدِينَة أَصَابَهُم عَذَاب من السَّمَاء، فَخَرجُوا هاربين، وَقَالَ لَهُم الْمَلَائِكَة هَذَا القَوْل، وَيُقَال فِي قَوْله: ﴿لَعَلَّكُمْ تسْأَلُون﴾ أَي: تسْأَلُون لم تركْتُم مَا يصلح دينكُمْ وَأمر آخرتكم، واشتغلتم بِمَا يُوجب الْعَذَاب عَلَيْكُم؟ وَيُقَال: لَعَلَّكُمْ تسْأَلُون عَمَّا عاينتم من الْعَذَاب، قَالَت الْمَلَائِكَة هَذَا توبيخا لَهُم.

стр. 3631

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا ويلنا إِنَّا كُنَّا ظالمين﴾ الويل: دُعَاء الْهَلَاك. وَقَوله: ﴿ظالمين﴾ أَي: ظالمين لأنفسنا.

стр. 3632

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعوَاهُم﴾ أَي: دعاؤهم وَقَوْلهمْ. وَقَوله: ﴿حَتَّى جعلناهم حصيدا خامدين﴾ الحصيد: هُوَ المستأصل. وَقَوله: ﴿خامدين﴾ أَي: ميتين، وَمعنى الْآيَة: جعلناهم كَأَن لم يَكُونُوا.

стр. 3633

قَوْله : ﴿وَمَا خلقنَا السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا لاعبين﴾ أَي:

стр. 3634

﴿جعلناهم حصيدا خامدين (١٥) وَمَا خلقنَا السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا لاعبين (١٦) لَو أردنَا أَن نتَّخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إِن كُنَّا فاعلين (١٧) بل نقذف بِالْحَقِّ على الْبَاطِل فيدمغه فَإِذا هُوَ زاهق وَلكم الويل مِمَّا تصفون (١٨) وَله من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ للعب.

стр. 3635

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو أردنَا أَن نتَّخذ لهوا﴾ اخْتلفُوا فِي اللَّهْو هَاهُنَا على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: أَن اللَّهْو هُوَ الْمَرْأَة، وَالْآخر: أَن اللَّهْو هُوَ الْوَلَد، وَهُوَ فِي الْمَرْأَة أظهر؛ فَإِن الْوَطْء يُسمى لهوا فِي اللُّغَة، وَالْمَرْأَة مَحل الْوَطْء، قَالَ الشَّاعِر: (أَلا زعمت بسباسة الْيَوْم أنني ... كَبرت وَألا يحسن اللَّهْو أمثالي) وَعَن بَعضهم: أَن اللَّهْو هُوَ الْغناء، وَهُوَ ضَعِيف فِي هَذَا الْموضع. وَقَوله: ﴿لاتخذناه من لدنا﴾ أَي: لاتخذناه من عندنَا لَا من عنْدكُمْ، وَيُقَال: اتخذناه بِحَيْثُ لَا ترَوْنَ) . وَقَوله: ﴿إِن كُنَّا فاعلين﴾ أَي: مَا كُنَّا فاعلين، وَيُقَال: إِن كُنَّا فاعلين، وَلم نفعله؛ لِأَنَّهُ لَا يَلِيق بِنَا.

стр. 3636

قَوْله : ﴿بل نقذف بِالْحَقِّ على الْبَاطِل﴾ الْحق هَاهُنَا: قَول الله تَعَالَى: " إِنَّه لَا ولد لَهُ " وَالْبَاطِل قَوْلهم: إِن الله اتخذ ولدا، وَيُقَال: إِن الْحق هُوَ الْقُرْآن، وَالْبَاطِل هُوَ الشَّيْطَان. وَقَوله: ﴿نقذف﴾ أَي: نلقي. وَقَوله: ﴿فيدمغه﴾ أَي: يُزِيلهُ، يُقَال: دمغت فلَانا إِذا كسرت دماغه وقتلته. وَقَوله: ﴿فَإِذا هُوَ زاهق﴾ أَي: ذَاهِب، وَهَذَا من حَيْثُ بَيَان الدَّلِيل وَالْحجّة، لَا من حَيْثُ إِزَالَة الْكفْر أصلا، فَإِن الْكفْر وَالْبَاطِل فِي الْعَالم كثير. وَقَوله: ﴿وَلكم الويل مِمَّا تصفون﴾ قَالَ قَتَادَة: مِمَّا تكذبون، وَقَالَ الْحسن: هُوَ لكل واصف كذبا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.

стр. 3637

﴿وَمن عِنْده لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبَادَته وَلَا يستحسرون (١٩) يسبحون اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يفترون (٢٠) أم اتَّخذُوا آلِهَة من الأَرْض هم ينشرون (٢١) لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله﴾

стр. 3638

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَله من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ أَي: من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض عبيدا وملكا. وَقَوله: ﴿وَمن عِنْده﴾ أَي: الْمَلَائِكَة. وَقَوله: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبَادَته﴾ . أَي: لَا يتعظمون عَن عِبَادَته، وَذكر ابْن فَارس فِي تَفْسِيره فِي خبر: أَن الله تَعَالَى لما اسْتَوَى على عَرْشه، سجد ملك فَلَا يرفع رَأسه من السُّجُود إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، فَإِذا رفع رَأسه يَوْم الْقِيَامَة قَالَ: سُبْحَانَكَ، مَا عبدتك حق عبادتك غير أَنِّي لم أشرك بك، وَلم أَتَّخِذ لَك ندا. وَقَوله: ﴿وَلَا يستحسرون﴾ أَي: لَا يعيون، يُقَال: دَابَّة حسيرة إِذا كَانَت عيية، قَالَ كَعْب الْأَحْبَار: التَّسْبِيح لَهُم كالتنفس لبني آدم.

стр. 3639

قَوْله تَعَالَى: ﴿يسبحون اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يفترون﴾ يَعْنِي: يسبحون دَائِما، لَا يضعفون وَلَا يفنون، وَاعْلَم أَنه لَيْسَ عِنْد الْمَلَائِكَة ليل وَلَا نَهَار؛ وَإِنَّمَا المُرَاد بِذكر اللَّيْل وَالنَّهَار هَاهُنَا: هُوَ الدَّوَام على التَّسْبِيح.

стр. 3640

قَوْله تَعَالَى: ﴿أم اتَّخذُوا آلِهَة من الأَرْض هم ينشرون﴾ معنى قَوْله: ﴿من الأَرْض﴾ أَي: من الْخشب وَالْحِجَارَة، (وَقد كَانَت عَامَّة أصنام الْمُشْركين من الْخشب وَالْحِجَارَة) ، وهما من الأَرْض. وَقَوله: ﴿هم ينشرون﴾ أَي: يحيون، وَلَا يسْتَحق الإلهية إِلَّا من يقدر على الْإِحْيَاء والإيجاد من الْعَدَم؛ لِأَنَّهُ الإنعام بأبلغ وُجُوه النعم، وَهَذَا لَا يَلِيق بِوَصْف الْبشر وكل مُحدث. وأنشدوا للأعشى فِي الانتشار: (لَو أسندت مَيتا إِلَى نحرها ... عَاشَ وَلم ينْقل إِلَى قابر) (حَتَّى يَقُول النَّاس مِمَّا رَأَوْا ... أيا عجبا للْمَيت الناشر)

стр. 3641

﴿لفسدتا فسبحان الله رب الْعَرْش عَمَّا يصفونَ (٢٢) لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾ وقرىء: " ينشرون " بِفَتْح الْيَاء أَي: يحيون أبدا، وَمعنى الْآيَة هُوَ الْإِنْكَار على متخذ الْأَصْنَام آلِهَة، وَبَيَان أَنه لَا يَلِيق بهَا الإلهية.

стр. 3642

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ قَالَ أَكثر أهل التَّفْسِير: " إِلَّا " هَاهُنَا بِمَعْنى " غير "، قَالَ الشَّاعِر: (وكل أَخ مفارقه أَخُوهُ ... لعَمْرو أَبِيك إِلَّا الفرقدان) يَعْنِي: غير الفرقدين، وَهَذَا على مَا اعتقدوا من دوَام السَّمَاء وَالْأَرْض. وَقَالَ بَعضهم: ﴿إِلَّا الله﴾ " إِلَّا " بِمَعْنى " الْوَاو " هَاهُنَا، وَمَعْنَاهُ: لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة وَالله (أَيْضا) لفسدتا، وَمعنى الْفساد فِي السَّمَاء وَالْأَرْض إِذا كَانَ الْإِلَه اثْنَيْنِ، هُوَ فَسَاد التَّدْبِير وَعدم انتظام الْأُمُور بِوُقُوع الْمُنَازعَة والمضادة، وَهُوَ أَيْضا معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿ولعلا بَعضهم على بعض﴾ . وَقَوله: ﴿فسبحان الله رب الْعَرْش عَمَّا يصفونَ﴾ نزه نَفسه عَمَّا يصفه بِهِ الْمُشْركُونَ من الشَّرِيك وَالْولد.

стр. 3643

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم (يسْأَلُون﴾ ) يَعْنِي: لَا يسْأَل عَمَّا يحكم على خلقه، والخلق يسْأَلُون عَن (أفعالهم وأعمالهم) ، وَقيل: لَا يسْأَل عَمَّا يفعل؛ لِأَنَّهُ كُله حِكْمَة وصواب، وهم يسْأَلُون عَمَّا يَفْعَلُونَ لجَوَاز الْخَطَأ عَلَيْهِم، وَقيل: معنى لَا يسْأَل عَمَّا يفعل: لَا يُقَال لَهُ: لم؟ ، ولماذا؟ بِخِلَاف الْخلق، وَفِي الْآيَة رد على الْقَدَرِيَّة، وَقطع شبهتهم بِالْكُلِّيَّةِ. وَقد روى أَبُو الْأسود الدؤَلِي أَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ لَهُ: أَرَأَيْت مَا يسْعَى فِيهِ النَّاس ويكدحون، أهوَ أَمر قضي عَلَيْهِم أَو شَيْء يستأنفونه؟ فَقلت: لَا، بل أَمر قضي عَلَيْهِم، قَالَ: أَفلا يكون ظلما؟ قلت: سُبْحَانَ الله ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم

стр. 3644

( ﴿٢٣) أم اتَّخذُوا من دونه آلِهَة قل هاتوا برهانكم هَذَا ذكر من معي وَذكر من قبلي بل أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ الْحق فهم معرضون (٢٤) وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول إِلَّا نوحي﴾ يسْأَلُون) فَقَالَ لي: أصبت يَا أَبَا الْأسود، وَقد أجزت عقلك، ثمَّ روى عمرَان أَن رجلا من جُهَيْنَة - أَو مزينة - أَتَى النَّبِي قَالَ لَهُ: عَمَّا يفعل النَّاس أَو يكدحون فِيهِ، أهوَ شَيْء قضي عَلَيْهِم؟ أم شَيْء يستأنفونه؟ فَقَالَ النَّبِي: " هُوَ شَيْء قضي عَلَيْهِم، فَقَالَ ذَلِك الرجل: يَا رَسُول الله، أَفلا يكون ظلما؟ قَالَ: لَا، ثمَّ تَلا قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾ " قَالَ الشَّيْخ: وَقد ذكرنَا هَذَا الْخَبَر فِي كتاب " مُسْند الْقدر ".

стр. 3645

قَوْله تَعَالَى: ﴿أم اتَّخذُوا من دونه آلِهَة قل هاتوا برهانكم﴾ أَي: حجتكم. وَقَوله: ﴿هَذَا ذكر من معي﴾ أَي: ذكر من معي (بِمَا) أمروا من الْحَلَال وَالْحرَام. وَقَوله: ﴿وَذكر من قبلي﴾ أَي: من يحيى مِنْهُم بِالطَّاعَةِ وَهلك بالمعصية، وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: ذكر من معي فَهُوَ الْقُرْآن، وَذكر من قبلي هُوَ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، وَمَعْنَاهُ: راجعوا الْقُرْآن والتوراة وَالْإِنْجِيل وَسَائِر الْكتب، هَل تَجِدُونَ فِيهَا أَن الله اتخذ ولدا؟ وَقَوله: ﴿بل أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ الْحق فهم معرضون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
следующие страницы →