Полный текст (8 565 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.
стр. 3956
﴿مُبين (٤٥) إِلَى فِرْعَوْن وملئه فاستكبروا وَكَانُوا قوما عالين (٤٦) فَقَالُوا أنؤمن لبشرين مثلنَا وقومهما لنا عَابِدُونَ (٤٧) فكذبوهما فَكَانُوا من المهلكين (٤٨) وَلَقَد آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب لَعَلَّهُم يَهْتَدُونَ (٤٩) وَجَعَلنَا ابْن مَرْيَم وَأمه آيَة وآويناهما إِلَى ربوة ذَات قَرَار ومعين (٥٠) ﴾ وَفِي بعض التفاسير: أَن القبط كَانُوا يعْبدُونَ فِرْعَوْن، وَفرْعَوْن كَانَ يعبد الصَّنَم.
стр. 3957
قَوْله تَعَالَى: ﴿فكذبوهما فَكَانُوا من المهلكين﴾ أَي: بِالْغَرَقِ.
стр. 3958
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب لَعَلَّهُم يَهْتَدُونَ﴾ أَي: التَّوْرَاة.
стр. 3959
قَوْله: ﴿وَجَعَلنَا ابْن مَرْيَم وَأمه آيَة﴾ قد بَينا.
وَقَوله: ﴿وآويناهما إِلَى ربوة﴾ وقرىء: " ربوة "، وَقَرَأَ أَبُو الْأَشْهب الْعقيلِيّ: " رباوة ". وَأما الربوة فِيهَا أَقْوَال: عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: هِيَ رَملَة فلسطين، وَرُوِيَ هَذَا مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي.
وَقَالَ سعيد بن الْمسيب: هِيَ غوطة دمشق، (وَيُقَال: أنزه الْمَوَاضِع فِي الدُّنْيَا [أَرْبَعَة] مَوَاضِع: غوطة دمشق) فِي الشَّام، والإيلة بالعراق، وَشعب بران بِفَارِس، وَسعد سَمَرْقَنْد، وَعَن كَعْب قَالَ: ﴿ربوة﴾ هِيَ بَيت الْمُقَدّس، وَعَن وهب بن مُنَبّه قَالَ: هِيَ مصر، وَفِي اللُّغَة: الربوة هُوَ الْمَكَان الْمُرْتَفع.
وَقَوله: ﴿ذَات قَرَار﴾ أَي: أَرض مستوية يستقرون فِيهَا، وَقيل: مستوية مُرْتَفعَة منبسطة.
وَقَوله: ﴿ومعين﴾ أَي: ذَات مَاء جَار، وَيُقَال: ذَات عُيُون تجْرِي فِيهَا، يُقَال: (عانت) الْبركَة إِذا جرى فِيهَا المَاء، وأنشدوا فِي الْمعِين شعرًا:
(إِن الَّذين غدوا بلبك غادروا ... وسلا بِعَيْنِك لَا يزَال معينا)
стр. 3960
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الرُّسُل كلوا من الطَّيِّبَات وَاعْمَلُوا صَالحا﴾ قَالَ مُجَاهِد
стр. 3961
﴿يَا أَيهَا الرُّسُل كلوا من الطَّيِّبَات وَاعْمَلُوا صَالحا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عليم (٥١) ﴾ وَقَتَادَة والسدى وَجَمَاعَة: إِن المُرَاد من قَوْله: ﴿يَا أَيهَا الرُّسُل﴾ هُوَ مُحَمَّد، وَالْعرب تذكر الْجمع، وتريد بِهِ الْوَاحِد، فَإِنَّهُم يَقُولُونَ للرجل: أَيهَا الْقَوْم، كف عَنَّا أذاك وَمِنْهُم من قَالَ: إِن المُرَاد مِنْهُ جَمِيع الرُّسُل. وَقَالَ بَعضهم المُرَاد: عِيسَى ﵇ كَأَنَّهُ قَالَ: وَقُلْنَا لعيسى: يَا أَيهَا الرُّسُل، وَقد روى أَبُو هُرَيْرَة أَن النَّبِي قَالَ: " يَا أَيهَا النَّاس، إِن الله لَا يقبل إِلَّا الطّيب، وَإِن الله تَعَالَى أَمر الْمُسلمين بِمَا أَمر بِهِ الْمُرْسلين فَقَالَ: ﴿يَا أَيهَا الرُّسُل كلوا من الطَّيِّبَات وَاعْمَلُوا صَالحا﴾ وَقَالَ للْمُؤْمِنين: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كلوا من طَيّبَات من رزقناكم واشكروا لله﴾ ثمَّ ذكر الرجل أَشْعَث أغبر يمد يَده إِلَى السَّمَاء، فَيَقُول: يَا رب، مطعمه حرَام، وملبسه حرَام، وغذى بالحرام، فَأنى يُسْتَجَاب لَهُ "؟ !
وَفِي الْقِصَّة: أَن عِيسَى كَانَ يَأْكُل من غزل أمه، وَالْأكل هُوَ أَخذ الشَّيْء بالفم؛ ليوصله إِلَى الْبَطن بالمضغ، وَأما قَوْله: ﴿من الطَّيِّبَات﴾ أَي: من الْحَلَال. وَقَوله: ﴿وَاعْمَلُوا صَالحا﴾ الصّلاح هُوَ الاسْتقَامَة على مَا توجبه الشَّرِيعَة.
وَقَوله: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عليم﴾ هَذَا حث على فعل الطَّاعَة، يَعْنِي: اعْمَلُوا الصَّالِحَات، فَإِنِّي مجازيكم على عَمَلكُمْ.
стр. 3962
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن هَذِه أمتكُم أمة وَاحِدَة﴾ أَي: دينكُمْ دين وَاحِد، وَقيل: شريعتكم شَرِيعَة وَاحِدَة، وَيُقَال: أَمرتكُم بِمَا أمرت بِهِ من قبلكُمْ من الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ، فأمركم وَاحِد.
وَقَوله: ﴿وَأَنا ربكُم فاتقون﴾ فاحذروني.
стр. 3963
قَوْله تَعَالَى: ﴿فتقطعوا أَمرهم بَينهم﴾ أَي: تفَرقُوا هودا ونصارى وصابئين ومجوسا. ﴿زبرا﴾ أَي: قطعا. قَالَ مُجَاهِد: ﴿زبرا﴾ كتبا أَي: جعلُوا كتبهمْ قطعا وَمَعْنَاهُ: آمنُوا بِالْبَعْضِ، وَكَفرُوا بِالْبَعْضِ، وحرفوا الْبَعْض، وَلم يحرفوا الْبَعْض.
وَقَوله: ﴿كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ﴾ أَي: مسرورون.
стр. 3964
﴿وَإِن هَذِه أمتكُم أمة وَاحِدَة وَأَنا ربكُم فاتقون (٥٢) فتقطعوا أَمرهم بَينهم زبرا كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ (٥٣) فذرهم فِي غمرتهم حَتَّى حِين (٥٤) أيحسبون أَنما نمدهم بِهِ من مَال وبنين (٥٥) نسارع لَهُم فِي الْخيرَات بل لَا يَشْعُرُونَ (٥٦) ﴾
وَيَعْنِي أَن كل فريق مسرورون بِمَا عِنْدهم: فَأهل الْإِيمَان مسرورون بِالْإِيمَان وبمتابعة النَّبِي، وَالْكفَّار مسرورون بكفرهم وبمخالفة النَّبِي.
стр. 3965
قَوْله تَعَالَى: ﴿فذرهم فِي غمرتهم﴾ أَي: فِي ضلالتهم، وَقيل: فِي عمايتهم.
وَقَوله: ﴿حَتَّى حِين﴾ مَعْنَاهُ: إِلَى أَن يموتوا، وَالْآيَة للتهديد.
стр. 3966
قَوْله تَعَالَى: ﴿أيحسبون أَنما نمدهم بِهِ من مَال﴾ الْآيَة. مَعْنَاهُ: أيحسبون أَن الَّذِي نجعله مدَدا لَهُم من المَال والبنين
стр. 3967
﴿نسارع لَهُم فِي الْخيرَات﴾ أَي: نعجل لَهُم فِي الْخيرَات، ونقدمها ثَوابًا لَهُم رضَا بأعمالهم، وَحَقِيقَة الْمَعْنى أَن: لَيْسَ الْأَمر على مَا يظنون أَن المَال والبنين خير لَهُم، بل هُوَ اسْتِدْرَاج لَهُم، ومكر بهم، فَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿بل لَا يَشْعُرُونَ﴾ .
стр. 3968
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين هم من خشيَة رَبهم مشفقون﴾ . الخشية: انزعاج النَّفس لما يتَوَقَّع من الْمضرَّة، والإشفاق هَاهُنَا هُوَ الْخَوْف من الْعَذَاب، فَمَعْنَى الْآيَة: أَن الْمُؤمنِينَ من خشيَة رَبهم لَا يأمنون عَذَابه. قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: الْمُؤمن جمع إحسانا وخشية، وَالْمُنَافِق إساءة وَأمنا.
стр. 3969
قَوْله: ﴿وَالَّذين هم بآيَات رَبهم يُؤمنُونَ﴾ أَي: يصدقون.
стр. 3970
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين هم برَبهمْ لَا يشركُونَ﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.
стр. 3971
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يُؤْتونَ مَا آتوا﴾ رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَرَأَ: " وَالَّذين يأْتونَ مَا أَتَوا بِهِ "، وَهُوَ قِرَاءَة عَائِشَة ﵂.
(وَقَوله: ﴿يُؤْتونَ مَا آتوا﴾ أَي: يُعْطون مَا أعْطوا. وَقَوله: " يأْتونَ مَا آتوا " أَي:
стр. 3972
﴿إِن الَّذين هم من خشيَة رَبهم مشفقون (٥٧) وَالَّذين هم بآيَات رَبهم يُؤمنُونَ (٥٨) وَالَّذين هم برَبهمْ لَا يشركُونَ (٥٩) وَالَّذين يُؤْتونَ مَا آتوا وَقُلُوبهمْ وَجلة﴾ يَفْعَلُونَ مَا فعلوا) .
وَقَوله: ﴿وَقُلُوبهمْ وَجلة﴾ أَي: خائفة.
وَقَوله: ﴿أَنهم إِلَى رَبهم رَاجِعُون﴾ . أَي: لأَنهم إِلَى رَبهم رَاجِعُون، وَمَعْنَاهُ: خَافُوا لأَنهم علمُوا أَن رجوعهم إِلَى رَبهم، وروى عبد الرَّحْمَن بن سعيد بن وهب عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت للنَّبِي: يَا رَسُول الله، قَول الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يُؤْتونَ مَا آتوا وَقُلُوبهمْ وَجلة﴾ أهم الَّذين يسرقون، وَيَشْرَبُونَ الْخمر، وَقُلُوبهمْ وَجلة؟ قَالَ: لَا يَا ابْنة الصّديق، بل هم الَّذين (يصلونَ، وَيَصُومُونَ) ، وَيَتَصَدَّقُونَ، وَقُلُوبهمْ وَجلة أَنَّهَا لَا تقبل مِنْهُم " وَفِي رِوَايَة: " ويخشون أَن لَا تقبل مِنْهُم ". قَالَ الشَّيْخ الإِمَام: أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث أَبُو عَليّ الشَّافِعِي قَالَ: أَبُو الْحسن ابْن [فراس] : أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الله المقرىء، أخبرنَا جدي مُحَمَّد، عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، أخبرنَا مَالك بن مغول، عَن عبد الرَّحْمَن بن سعيد بن وهب ... الْخَبَر. وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: عمِلُوا وَالله بالطاعات، واجتهدوا فِيهَا، وخافوا أَن ترد عَلَيْهِم. هَذَا هُوَ القَوْل الْمَعْرُوف فِي الْآيَة،
стр. 3973
﴿أَنهم إِلَى رَبهم رَاجِعُون (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخيرَات وهم لَهَا سَابِقُونَ (٦١) وَلَا نكلف نفسا إِلَّا وسعهَا ولدينا كتاب ينْطق بِالْحَقِّ وهم لَا يظْلمُونَ (٦٢) بل قُلُوبهم فِي غمرة من هَذَا وَلَهُم أَعمال من دون ذَلِك هم لَهَا عاملون﴾ وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن المُرَاد من الْآيَة أَنهم عمِلُوا بِالْمَعَاصِي، وخافوا من الله.
стр. 3974
قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخيرَات وهم لَهَا سَابِقُونَ﴾ أَي: إِلَيْهَا سَابِقُونَ.
قَالَ الشَّاعِر:
(تجانف عَن جو الْيَمَامَة نَاقَتي ... وَمَا قصدت من أَهلهَا لسوائكا)
أَي: إِلَى سوائكا. وَيُقَال: " لَهَا سَابِقُونَ " أَي: من أجلهَا سَابِقُونَ، يَقُول الْإِنْسَان لغيره: قصدت هَذِه الْبَلدة لَك أَي: لِأَجلِك، وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: ﴿وهم لَهَا سَابِقُونَ﴾ أَي: سبقت لَهُم السَّعَادَة من الله.
стр. 3975
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا نكلف نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ قد بَينا الْمَعْنى، وَيُقَال: لم نكلف الْمَرِيض الصَّلَاة قَائِما، وَلَا الْفَقِير الزَّكَاة وَالْحج، وَلَا الْمُسَافِر الصَّوْم، وَأَشْبَاه هَذَا.
وَقَوله: ﴿ولدينا كتاب ينْطق بِالْحَقِّ﴾ أَي: عندنَا كتاب ينْطق بِالْحَقِّ، وَهُوَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ، وَاسْتدلَّ بَعضهم بِهَذِهِ الْآيَة أَن من كتب إِلَى إِنْسَان كتابا فقد كَلمه.
وَقَوله: ﴿ينْطق بِالْحَقِّ﴾ أَي: يخبر بِالصّدقِ.
وَقَوله: ﴿وهم لَا يظْلمُونَ﴾ أَي: لَا ينقص حَقهم.
стр. 3976
قَوْله تَعَالَى: ﴿بل قُلُوبهم فِي غمرة من هَذَا﴾ أَي: فِي غطاء، يُقَال: فلَان غمره المَاء، أَي: غطاه.
وَقَوله: ﴿وَلَهُم أَعمال من دون ذَلِك هم لَهَا عاملون﴾ (فِيهِ قَولَانِ: أَن للْكفَّار أعمالا خبيثة محكومة عَلَيْهِم سوى مَا عمِلُوا ﴿هم لَهَا عاملون﴾ ) هَذَا قَول مُجَاهِد وَجَمَاعَة، وَقَالَ قَتَادَة: الْآيَة تَنْصَرِف إِلَى أَصْحَاب الطَّاعَات، وَمَعْنَاهُ: أَن الْمُؤمنِينَ لَهُم أَعمال سوى مَا عمِلُوا من الْخَيْر ﴿هم لَهَا عاملون﴾ ، وَالْقَوْل الأول أظهر.
стр. 3977
( ﴿٦٣) حَتَّى إِذا أَخذنَا مترفيهم بِالْعَذَابِ إِذا هم يجأرون (٦٤) لَا تجأروا الْيَوْم إِنَّكُم منا لَا تنْصرُونَ (٦٥) قد كَانَت آياتي تتلى عَلَيْكُم فكنتم على أعقابكم تنكصون (٦٦) مستكبرين بِهِ سامرا تهجرون (٦٧) ﴾
стр. 3978
قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا أَخذنَا مترفيهم بِالْعَذَابِ﴾ قد بَينا معنى المترف.
وَقَوله: ﴿بِالْعَذَابِ﴾ وَهُوَ السَّيْف يَوْم بدر، وَيُقَال: هُوَ الْقَحْط الَّذِي أَصَابَهُم بِدُعَاء الني.
وَقَوله: ﴿إِذا هم يجأرون﴾ أَي: يصيحون ويستغيثون.
стр. 3979
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تجأروا الْيَوْم﴾ لَا تصيحوا الْيَوْم، والجؤار هُوَ رفع الصَّوْت.
وَقَوله: ﴿إِنَّكُم منا لَا تنْصرُونَ﴾ أَي: لَيْسَ أحد يمنعنا من عذابكم، وَقيل: ﴿لَا تنْصرُونَ﴾ لَا ترزقون، يُقَال: أَرض منصورة أَي: ممطورة.
стр. 3980
قَوْله تَعَالَى: ﴿قد كَانَت آياتي تتلى عَلَيْكُم فكنتم على أعقابكم تنكصون﴾ أَي: ترجعون قهقري على أعقابكم، وَيُقَال: أقبح الْمَشْي هُوَ الرُّجُوع على عَقِبَيْهِ قهقري.
стр. 3981
قَوْله تَعَالَى: ﴿مستكبرين بِهِ﴾ اخْتلف القَوْل فِي قَوْله، فأظهر الْأَقَاوِيل: أَن المُرَاد مِنْهُ الْحرم، وَيُقَال: الْبَيْت أَي: متعظمين بِالْبَيْتِ الْحَرَام، وتعظيمهم أَنهم كَانُوا يَقُولُونَ: نَحن أهل الله وجيران بَيته، وَكَانَ سَائِر الْعَرَب فِي خوف، وهم فِي أَمن، هَذَا قَول ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَجَمَاعَة، وَالْقَوْل الثَّانِي: ﴿مستكبرين بِهِ﴾ أَي: بِالْقُرْآنِ، على معنى أَنهم استكبروا فَلم يُؤمنُوا بِهِ، وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنه الرَّسُول على الْمَعْنى الَّذِي ذكرنَا فِي الْقُرْآن.
وَقَوله: ﴿سامرا﴾ وقرىء فِي الشاذ: " سمارا "، والسامر والسمار فِي اللُّغَة بِمَعْنى وَاحِد. وَالْآيَة فِي أَنهم كَانُوا يَقْعُدُونَ بِاللَّيْلِ حول الْبَيْت يسمرون. قَالَ الثَّوْريّ: السمر ظلّ الْقَمَر تَقول الْعَرَب: لَا أُكَلِّمك السمر وَالْقَمَر، أَي: اللَّيْل وَالنَّهَار.
وَقَوله: ﴿تهجرون﴾ أَي: تعرضون عَن النَّبِي وَالْإِيمَان بِهِ وَالْقُرْآن وَالْإِيمَان،
стр. 3982
﴿أفلم يدبروا القَوْل أم جَاءَهُم مَا لم يَأْتِ آبَاءَهُم الْأَوَّلين (٦٨) أم لم يعرفوا رسولهم فهم لَهُ منكرون (٦٩) أم يَقُولُونَ بِهِ جنَّة بل جَاءَهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرهم للحق كَارِهُون (٧٠) وَلَو اتبع الْحق أهواءهم لفسدت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمن فِيهِنَّ بل أتيناهم﴾ وَقيل: ﴿تهجرون﴾ أَي: تهذون. وقرىء: " تهجرون " من الهجر فِي الْكَلَام وَهُوَ الْقَبِيح، وَفِي الرِّوَايَات: أَنهم كَانُوا يَقْعُدُونَ عِنْد الْبَيْت فِي ظلّ الْقَمَر ويسبون النَّبِي.
стр. 3983
قَوْله تَعَالَى: ﴿أفلم يدبروا القَوْل﴾ يَعْنِي: مَا جَاءَهُم من القَوْل، وَهُوَ الْقُرْآن.
وَقَوله: ﴿أم جَاءَهُم مَا لم يَأْتِ آبَاءَهُم الْأَوَّلين﴾ (يَعْنِي: أيظنون أَنه جَاءَهُم مَا لم يَأْتِ من قبلهم، وَمَعْنَاهُ: أَنا بعثنَا إِلَيْهِم رَسُولا كَمَا بعثنَا إِلَى الْأَوَّلين) .
стр. 3984
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم لم يعرفوا رسولهم فهم لَهُ منكرون﴾ . يَعْنِي: أَنهم عرفوه صَغِيرا وكبيرا، وَعرفُوا نسبه، وَعرفُوا وفاءه بالعهد، وأداءه للأمانات، وَصدقه فِي الْأَقْوَال، وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب، على مَا ذكرنَا من قبل.
стр. 3985
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم يَقُولُونَ بِهِ جنَّة﴾ أَي: جُنُون.
وَقَوله: ﴿بل جَاءَهُم بِالْحَقِّ﴾ أَي: بِالصّدقِ. وَقَوله: ﴿وَأَكْثَرهم للحق كَارِهُون﴾ أَي: ساخطون.
стр. 3986
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو اتبع الْحق أهواءهم﴾ أَي: لَو اتبع مَا نزل من الْقُرْآن أهواءهم.
﴿لفسدت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمن فِيهِنَّ﴾ وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا؛ لأَنهم كَانُوا يودون أَن ينزل الله تَعَالَى ذكر أصنامهم على مَا يعتقدونها، وَلِأَنَّهُ هُوَ فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ وَفِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود: " لفسدت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمن فِيهِنَّ وَمن خلق ".
وَالْقَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة: أَن المُرَاد من ﴿الْحق﴾ هُوَ الله تَعَالَى، وَمَعْنَاهُ: لَو اتبع (الله) أهواءهم لسمى لنَفسِهِ شَرِيكا وَولدا، ولفسدت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمن
стр. 3987
﴿بذكرهم فهم عَن ذكرهم معرضون (٧١) أم تَسْأَلهُمْ خرجا فخراج رَبك خير وَهُوَ خير الرازقين (٧٢) وَإنَّك لتدعوهم إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم (٧٣) وَإِن الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة عَن الصِّرَاط لناكبون (٧٤) ﴾ فِيهِنَّ.
وَقَوله: ﴿بل أتيناهم بذكرهم﴾ أَي: بِمَا يذكرهم، وَيُقَال: بشرفهم، وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإنَّهُ لذكر لَك ولقومك﴾ أَي: شرف لَك ولقومك.
وَقَوله: ﴿فهم عَن ذكرهم معرضون﴾ أَي: عَن شرفهم وَعَما يذكرهم معرضون.
стр. 3988
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم تَسْأَلهُمْ خرجا﴾ وقرىء: (" خراجا ") ، وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى الْجعل وَالْأَجْر، وَعَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء قَالَ: الْخراج فِي الأَرْض، والخرج فِي الرّقاب.
وَقَوله: ﴿فخراج رَبك﴾ أَي: ثَوَابه ( ﴿خير﴾ أَي: أجر رَبك) خير.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ خير الرازقين﴾ أَي: المعطين.
стр. 3989
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإنَّك لتدعوهم إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ أَي: إِلَى دين الْحق.
стр. 3990
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة عَن الصِّرَاط لناكبون﴾ . أَي: عَن طَرِيق الْحق لعادلون.
стр. 3991
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو رحمناهم وكشفنا مَا بهم من ضرّ﴾ رُوِيَ أَن النَّبِي دَعَا على قُرَيْش فَقَالَ: " اللَّهُمَّ اجْعَل عَلَيْهِم سِنِين كَسِنِي يُوسُف؛ فَأَصَابَهُمْ الجدب والقحط حَتَّى أكلُوا العلهز، وَهُوَ الدَّم بالوبر، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة: ﴿وَلَو
стр. 3992
﴿وَلَو رحمناهم وكشفنا مَا بهم من ضرّ للجوا فِي طغيانهم يعمهون (٧٥) وَلَقَد أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لرَبهم وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) ﴾ رحمناهم وكشفنا مَا بهم من ضرّ) " أَي: الْجُوع والقحط.
وَقَوله: ﴿للجوا فِي طغيانهم يعمهون﴾ أَي: مضوا فِي طغيانهم يعمهون، وَلم ينزعوا عَنهُ.
стр. 3993
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه السَّيْف يَوْم بدر، وَالْآخر: أَنه الْجُوع والقحط، وَرُوِيَ " أَن النَّبِي لما دَعَا على قومه قدم أَبُو سُفْيَان عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، أَلَسْت تزْعم أَنَّك بعثت رَحْمَة للْعَالمين؟ قَالَ: نعم، فَقَالَ لَهُ: قتلت الْآبَاء بِالسَّيْفِ، وأهلكت الْأَبْنَاء بِالْجُوعِ، فَادع لنا يكْشف عَنَّا هَذَا الْقَحْط، فَدَعَا فكشف عَنْهُم ".
وَقَوله: ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لرَبهم وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ أَي: مَا خضعوا وَمَا ذلوا لرَبهم، والاستكانة طلب السّكُون.
وَقَوله: ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ أَي: لم يتضرعوا إِلَى رَبهم، بل مضوا إِلَى عتوهم وتمردهم.
стр. 3994
﴿حَتَّى إِذا فتحنا عَلَيْهِم بَابا ذَا عَذَاب شَدِيد إِذا هم فِيهِ مبلسون (٧٧) وَهُوَ الَّذِي أنشأ لكم السّمع والأبصار والأفئدة قَلِيلا مَا تشكرون (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذرأكم فِي الأَرْض وَإِلَيْهِ تحشرون (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يحيي وَيُمِيت وَله اخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار أَفلا تعقلون (٨٠) بل قَالُوا مثل مَا قَالَ الْأَولونَ (٨١) قَالُوا أئذا متْنا وَكُنَّا تُرَابا﴾
стр. 3995
قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا فتحنا عَلَيْهِم بَابا ذَا عَذَاب شَدِيد﴾ يُقَال: بِالْمَوْتِ، وَيُقَال: بِقِيَام السَّاعَة.
وَقَوله: ﴿إِذا هم فِيهِ مبلسون﴾ . أَي: متحيرون آيسون، وَعَن السّديّ قَالَ: ﴿حَتَّى إِذا فتحنا عَلَيْهِم بَابا ذَا عَذَاب شَدِيد﴾ هُوَ فتح مَكَّة. وَيُقَال: الْعَذَاب الشَّديد هُوَ الْأَمْرَاض والشدائد، وَعَن مُجَاهِد قَالَ: هُوَ الْقَتْل يَوْم بدر.
следующие страницы →