Полный текст (8 565 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
﴿وَلَهُم عَذَاب أَلِيم بِمَا كَانُوا يكذبُون (١٠) وَإِذا قيل لَهُم لَا تفسدوا فِي الأَرْض قَالُوا إِنَّمَا نَحن مصلحون (١١) أَلا إِنَّهُم هم المفسدون﴾ مرض فزادتهم رجسا إِلَى رجسهم) .
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ أَي: مؤلم. فعيل: بِمَعْنى: مفعل؛ كَمَا قَالَ الْقَائِل:
(أَمن رَيْحَانَة الدَّاعِي السَّمِيع ... يؤرقني وأصحابي هجوع خُفْيَة)
وَأَرَادَ بالسميع المسمع.
قَوْله تَعَالَى: ﴿بِمَا كَانُوا يكذبُون﴾ قرىء بقراءتين: مخفف وَمَعْنَاهُ: يكذبُون بِمَا أظهرُوا من الْإِسْلَام وأبطنوا خِلَافه، وَهُوَ مثل قَوْله: ﴿وَالله يشْهد إِن الْمُنَافِقين لَكَاذِبُونَ﴾ .
وقرىء: " يكذبُون " مشددا، وَمَعْنَاهُ: يكذبُون الرَّسُول.
стр. 37
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا قيل لَهُم لَا تفسدوا فِي الأَرْض﴾ مَعْنَاهُ: لَا تكفرُوا، وَالْكفْر أَشد فَسَادًا فِي الأَرْض.
﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحن مصلحون﴾ يعْنى: أَن الَّذِي أظهرنَا من الْإِسْلَام واستفدنا بِهِ من الْعِزّ والأمان مصلحَة لنا وَنحن مصلحون بِهِ.
стр. 38
﴿أَلا إِنَّهُم هم المفسدون﴾ هَذَا ابْتَدَأَ كَلَام من الله. وَقَوله: (أَلا) للتّنْبِيه؛ قَالَ الشَّاعِر:
(أَلا إِن هَذَا الدَّهْر يَوْم وَلَيْلَة ... وَلَيْسَ على شَيْء قديم بمستمر)
يَقُول الله تَعَالَى: ﴿أَلا إِنَّهُم هم المفسدون﴾ يَعْنِي: بِمَا أظهرُوا من الْإِسْلَام وأبطنوا خِلَافه، فَهُوَ فَسَاد؛ وَإِن ظنوه صلاحا، وأظهروا خلاف مَا أبطنوا.
﴿وَلَكِن لَا يَشْعُرُونَ﴾ أَي: لَا يعلمُونَ.
стр. 39
﴿وَلَكِن لَا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذا قيل لَهُم آمنُوا كَمَا آمن النَّاس قَالُوا أنؤمن كَمَا آمن السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُم هم السُّفَهَاء وَلَكِن لَا يعلمُونَ (١٣) ﴾
فَإِن قيل: كَيفَ يلْزمهُم الْحجَّة إِذا كَانُوا لَا يعلمُونَ؟
قيل: يلْزمهُم الْحجَّة بِمَا أوضح من السَّبِيل، وَنصب من الدَّلَائِل، وجهلهم لَا يكون عذرا لَهُم.
стр. 40
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا قيل لَهُم آمنُوا كَمَا آمن النَّاس﴾ الْآيَة. كَمَا آمن النَّاس يعْنى: الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار.
﴿قَالُوا أنؤمن كَمَا آمن السُّفَهَاء﴾ سموهم سُفَهَاء فأجابهم الله تَعَالَى بقوله: ﴿أَلا إِنَّهُم هم السُّفَهَاء﴾
وَالسَّفِيه خَفِيف الْعقل رَقِيق الْحلم؛ من قَوْلهم: ثوب سَفِيه، أَي: رَقِيق بَال
يَقُول: هم الَّذين خفت عُقُولهمْ، ورقت أحلامهم ﴿وَلَكِن لَا يعلمُونَ﴾ .
стр. 41
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا لقوا الَّذين آمنُوا قَالُوا آمنا﴾ الْآيَة، مَعْنَاهُ: وَإِذا لقوا الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار قَالُوا: آمنا. أظهرُوا الْإِسْلَام بِاللِّسَانِ.
﴿وَإِذا خلوا إِلَى شياطينهم﴾ أَي: بشياطينهم، يذكر " إِلَى " بِمَعْنى " الْبَاء " لِأَن الصلات يقوم بَعْضهَا مقَام الْبَعْض. والشيطان: كل عَاتٍ متمرد من الْجِنّ وَالْإِنْس، وَأَصله: الْبعد والامتداد. يُقَال: بِئْر شطون، أَي: بعيد العمق والقعر. وَيُقَال للحبل: شطن؛ لامتداده. وسمى الشَّيْطَان شَيْطَانا؛ لامتداده فِي الشَّرّ وَبعده عَن الْخَيْر.
فَأَرَادَ بالشياطين هَاهُنَا عتاتهم ورؤساءهم فِي الْكفْر. يَقُول: إِذا خلوا برءوسهم، قَالُوا: إِنَّا مَعكُمْ فِي دينكُمْ ﴿إِنَّمَا نَحن مستهزئون﴾ بِمَا أظهرنَا من الْإِسْلَام مَعَ الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار.
стр. 42
﴿وَإِذا لقوا الَّذين آمنُوا قَالُوا آمنا وَإِذا خلوا إِلَى شياطينهم قَالُوا إِنَّا مَعكُمْ إِنَّمَا نَحن نَحن مستهزئون (١٤) الله يستهزىء بهم ويمدهم فِي طغيانهم﴾
стр. 43
وَقَوله تَعَالَى: ﴿الله يستهزىء بهم﴾ الْآيَة. فَإِن قَالَ قَائِل: مَا معنى الِاسْتِهْزَاء من الله تَعَالَى؟ قُلْنَا فِيهِ أَقْوَال: قَالَ بَعضهم: مَعْنَاهُ يجازيهم على صنيعهم، إِلَّا أَنه سَمَّاهُ الله استهزاء؛ لِأَنَّهُ جَزَاء الِاسْتِهْزَاء؛ كَمَا قَالَ: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾ وَإِن لم يكن الْجَزَاء سَيِّئَة حَقِيقَة.
وَقَالَ بَعضهم: يستهزىء بهم أَي يعيبهم، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿يكفر بهَا ويستهزأ بهَا﴾ أَي: يعاب كَذَلِك هَذَا.
وَقَالَ أهل الرِّوَايَة مَعْنَاهُ: الله يستهزىء بهم فِي الْآخِرَة، والاستهزاء بهم فِي الْآخِرَة يحْتَمل وَجْهَيْن؛ أَحدهمَا: أَن يضْرب للْمُؤْمِنين على الصِّرَاط نورا يَمْشُونَ بِهِ، وَإِذا وصل المُنَافِقُونَ إِلَيْهِ حَال بَينهم وَبَين الْمُؤمنِينَ، فَذَلِك الِاسْتِهْزَاء بهم؛ كَمَا قَالَ: ﴿فَضرب بَينهم بسور لَهُ بَاب﴾ .
وَالثَّانِي: أَنه يقربهُمْ من الْجنَّة، حَتَّى إِذا رأو زهرتها وحسنها وبهجتها، واستنشقوا رائحتها صرفهم عَنْهَا إِلَى النَّار، فَذَلِك الِاسْتِهْزَاء بهم، وَقد نطق عَنهُ ﵊ بِمَعْنَاهُ حَدِيث فِي الصِّحَاح.
قَوْله: ﴿ويمدهم﴾ أَي، يمهلهم حَتَّى يستدرجهم. ﴿فِي طغيانهم﴾ أَي: ضلالتهم. ﴿يعمهون﴾ أَي: يتحيرون، قَالَ الشَّاعِر:
(ومهمة أطرافها فِي مهمة ... أعمى الْهدى بالجاهلين العمه)
стр. 44
قَوْله تَعَالَى: (أُولَئِكَ الَّذين اشْتَروا الضَّلَالَة بِالْهدى) لِأَن مَعْنَاهُ: اخْتَارُوا الْكفْر على الْإِيمَان؛ لأَنهم لما آثروا أَشْيَاء على شَيْء فكأنهم استبدلوا هَذَا بذلك ﴿فَمَا
стр. 45
﴿يعمهون (١٥) أُولَئِكَ الَّذين اشْتَروا الضَّلَالَة بِالْهدى فَمَا ربحت تِجَارَتهمْ وَمَا كَانُوا مهتدين (١٦) مثلهم كَمثل الَّذِي استوقد نَارا فَلَمَّا أَضَاءَت مَا﴾ ربحت تِجَارَتهمْ) أَي: فَمَا ربحوا فِي تِجَارَتهمْ. ﴿وَمَا كَانُوا مهتدين﴾ .
стр. 46
قَوْله تَعَالَى: ﴿مثلهم كَمثل الَّذِي استوقد نَارا﴾ الْآيَة. الْمثل: قَول سَائِر فِي عرف النَّاس، يعرف بِهِ معنى الشَّيْء من الشَّيْء. وَهَذَا أحد أَقسَام الْقُرْآن؛ فَإِن الْقُرْآن على سَبْعَة أَقسَام.
وَقيل مثلهم، أَي: صفتهمْ. ﴿كَمثل الَّذِي استوقد نَارا﴾ أوقد النَّار، واستوقد بِمَعْنى وَاحِد، كَمَا يُقَال: أجَاب، واستجاب.
وَقيل: أوقد إِذا فعل بِنَفسِهِ، واستوقد إِذا طلب الإيقاد من غَيره. ﴿فَمَا أَضَاءَت مَا حوله﴾ يعْنى: أَضَاءَت النَّار الموقدة حول المستوقد. ضربه مثلا لِلْمُنَافِقين وَمعنى هَذَا الْمثل قَوْله تَعَالَى: ﴿كَمثل الَّذِي استوقد نَارا﴾ ضربه مثلا لما أظهرُوا بِاللِّسَانِ من الْإِسْلَام.
﴿فَلَمَّا أَضَاءَت مَا حوله﴾ يعْنى: مَا استفادوا بذلك الْإِسْلَام الظَّاهِر من التجمل والعز والأمان فِي الدُّنْيَا.
﴿ذهب الله بنورهم﴾ قيل: فِيهِ معَان: أَحدهَا: ذهب الله بِمَا أظهرُوا من الْإِسْلَام بِإِظْهَار عقيدتهم على لِسَان النَّبِي وَقيل: مَعْنَاهُ ذهب الله بنورهم، يعْنى فِي الْقَبْر. وَقيل: فِي الْقِيَامَة؛ يعْنى أَن مَا استفادوا بِهِ فِي الدُّنْيَا لَا يَنْفَعهُمْ فِي الْآخِرَة إِذا كَانَ مصيرهم إِلَى النَّار.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالَ: ﴿ذهب الله بنورهم﴾ وَلَا نور لَهُم، وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿يخرجهم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور﴾ وَلَا نور لَهُم؟ قيل: أَرَادَ بِهِ نور مَا أظهرُوا من الْإِسْلَام؛ وَذَلِكَ نوع نور.
وَقيل: قد يذكر مثله على معنى الحرمان كَمَا يُقَال: أخرجتني من صلتك، وَإِن لم
стр. 47
﴿حوله ذهب الله بنورهم وتركهم فِي ظلمات لَا يبصرون (١٧) صم بكم عمي فهم لَا يرجعُونَ (١٨) أَو كصيب من السَّمَاء فِيهِ ظلمات ورعد﴾ يكن دَاخِلا فِي صلته. بِمَعْنى: أَنَّك حرمتني صلتك، كَذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿ذهب الله بنورهم﴾ أَي: حرمهم ذَلِك النُّور. (وتركهم فِي ظلمات) أَي: شَدَائِد ﴿لَا يبصرون﴾ الْحق.
стр. 48
قَوْله: (صم بكم عمي فهم لَا يرجعُونَ) فالصم: جمع الْأَصَم، وَهُوَ الَّذِي لَا يسمع، والبكم: جمع الأبكم، وَهُوَ الَّذِي لَا ينْطق، وَولد على الخرس.
والعمي: جمع الْأَعْمَى، وَهُوَ الَّذِي لَا يبصر؛ فَمَعْنَاه أَنهم صم لَا يبصرون الْحق، وَلَا يعرفونه كَأَنَّهُمْ لم يسمعوا؛ وَهُوَ مثل قَول الشَّاعِر:
(أَصمّ عَمَّا سَاءَهُ سميع ... )
أَي: لَا يسمع مَا سَاءَهُ مَعَ كَونه سميعا.
﴿بكم﴾ يَعْنِي: أَنهم لما أبطنوا خلاف مَا أظهرُوا؛ فكأنهم لم ينطقوا بِالْحَقِّ.
﴿عمي﴾ أَي: لَا بصائر لَهُم، وَمن لَا بَصِيرَة لَهُ كمن لَا بصر لَهُ.
﴿فهم لَا يرجعُونَ﴾ عَمَّا هم عَلَيْهِ من الضَّلَالَة.
стр. 49
قَوْله تَعَالَى ﴿أَو كصيب من السَّمَاء فِيهِ ظلمات ورعد وبرق﴾ الْآيَة. فالصيب: الْمَطَر، وكل مَا نزل من الْأَعْلَى إِلَى الْأَسْفَل فَهُوَ صيب، من قَوْلهم: صاب يصوب، إِذا نزل.
وَقيل: الْأَهْل مُضْمر فِيهِ، أَي: كَأَهل الصيب؛ كَقَوْلِه ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ أَي: أهل الْقرْيَة.
﴿من السَّمَاء﴾ كل مَا علا فَهُوَ سَمَاء. فالسقف سَمَاء، والسحاب سَمَاء، وَمَا فَوْقه سَمَاء، وَأَرَادَ بِهِ السَّحَاب هَهُنَا.
﴿فِيهِ ظلمات﴾ يعْنى: فِي السَّحَاب؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَن ظلمَة، أَلا ترَاهُ يغشى وَجه
стр. 50
﴿وبرق يجْعَلُونَ أَصَابِعهم فِي آذانهم من الصَّوَاعِق حذر الْمَوْت وَالله مُحِيط بالكافرين (١٩) ﴾ الشَّمْس ﴿ورعد وبرق﴾ قَالَ عَليّ وَابْن عَبَّاس وَأكْثر الْمُفَسّرين: إِن الرَّعْد صَوت ملك يزْجر السَّحَاب، والبرق لمعان سَوط فِي يَد ملك يضْرب بِهِ السَّحَاب يَسُوقهُ إِلَى حَيْثُ قدره الله تَعَالَى.
وَفِي الْخَبَر أَن النَّبِي قَالَ: " إِذا سَمِعْتُمْ صَوت الرَّعْد فاذكروا الله فَإِنَّهُ لَا يُصِيب ذَاكِرًا ". وَكَانَ إِذا سمع صَوت الرَّعْد يَقُول: " اللَّهُمَّ لَا تَقْتُلنَا بِغَضَبِك، وَلَا تُهْلِكنَا بِعَذَابِك، وَعَافنَا قبل ذَلِك ".
وَقيل: الرَّعْد اسْم الْملك. وَقيل: صَوت [اختناق] الرّيح إِلَى السَّحَاب. وَالْأول أصح.
﴿يجْعَلُونَ أَصَابِعهم فِي آذانهم من الصَّوَاعِق﴾ يَعْنِي: من الصَّوْت الْعَذَاب، حذر الْمَوْت. وَقيل: الصاعقة قِطْعَة من الْعَذَاب ينزلها الله تَعَالَى على من يَشَاء وَعَلِيهِ دلّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيُرْسل الصَّوَاعِق فَيُصِيب بهَا من يَشَاء﴾ ﴿وَالله مُحِيط بالكافرين﴾ أَي جامعهم. قَالَ مُجَاهِد: يجمعهُمْ فيعذبهم. والإحاطة بالشَّيْء جمعه بِحَيْثُ لَا يشذ مِنْهُ شئ، والإحاطة من الله تَعَالَى تكون بالقهر والاقتدار وَالْعلم.
وَمعنى الْمثل فِي هَذَا: أما قَوْله: ﴿أَو كصيب من السَّمَاء﴾ يَعْنِي: إِن شِئْت مثلهم بالمستوقد وَإِن شِئْت مثلهم بالصيب، أَي بِأَهْل الصيب. ضرب الصيب مثلا لما أظهرُوا
стр. 51
﴿يكَاد الْبَرْق يخطف أَبْصَارهم كلما أَضَاء لَهُم مَشوا فِيهِ وَإِذا أظلم عَلَيْهِم قَامُوا وَلَو شَاءَ لله لذهب بسمعهم وأبصارهم إِن الله على كل شَيْء قدير (٢٠) ﴾ بِاللِّسَانِ من الْإِسْلَام.
﴿فِيهِ ظلمات﴾ مثل لما فِي الْإِسْلَام من البلايا والمحن والشدائد ﴿ورعد﴾ مثل لما فِيهِ من المخاوف فِي الْآخِرَة.
(وبرق) لما فِيهِ من الْوَعْد والوعيد.
وَقيل: ضرب الصيب مثلا لِلْقُرْآنِ الَّذِي كَانُوا يقرءونه بِاللِّسَانِ؛ لِأَن فِي الْقُرْآن حَيَاة الْبَاطِن كَمَا فِي المَاء حَيَاة الظَّاهِر. ﴿فِيهِ ظلمات﴾ مثل لما ذكرنَا فِي الْقُرْآن من أَنْوَاع الْكفْر والنفاق، ﴿ورعد﴾ مثل لما ذكرنَا فِيهِ من الْوَعيد ﴿وبرق﴾ مثل لما فِيهِ من الْبَيَان.
﴿يجْعَلُونَ أَصَابِعهم فِي آذانهم﴾ يعْنى: أَن الْمُنَافِقين إِذا رَأَوْا فِي الْإِسْلَام بلَاء وَشدَّة هربوا وتأخروا؛ حذرا من الْهَلَاك.
﴿وَالله مُحِيط بالكافرين﴾ يعْنى: لَا يَنْفَعهُمْ حذرهم؛ لِأَن الله تَعَالَى من ورائهم يجمعهُمْ فيعذبهم.
стр. 52
قَوْله تَعَالَى: ﴿يكَاد الْبَرْق يخطف أَبْصَارهم﴾ الْآيَة ﴿يكَاد﴾ كلمة الْقرب، يكَاد يفعل، أَي: قرب يفعل ﴿يخطف أَبْصَارهم﴾ والخطف: استلاب بِسُرْعَة. وَهَذَا من تَمام الْمثل، وَمَعْنَاهُ على القَوْل الأول: تكَاد دَلَائِل الْإِسْلَام تزعجهم إِلَى النّظر لَوْلَا مَا سبق لَهُم من الشقاوة.
وَمَعْنَاهُ على القَوْل الآخر: يكَاد الْقُرْآن يبهر قُلُوبهم.
كلما أَضَاء لَهُم مَشوا فِيهِ) مَعْنَاهُ: كلما نالوا غنيمَة وراحة ثبتوا على الْإِسْلَام. ﴿وَإِذا أظلم عَلَيْهِم قَامُوا﴾ يَعْنِي: كلما رَأَوْا شدَّة وبلاء تأخرا. وَقَامُوا، أَي: وقفُوا. ﴿وَلَو شَاءَ الله لذهب بسمعهم وأبصارهم﴾ يحْتَمل مَعْنيين: أَحدهمَا: لَو شَاءَ
стр. 53
﴿يَا أَيهَا النَّاس اعبدوا ربكُم الَّذِي خَلقكُم وَالَّذين من قبلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون (٢١) ﴾
الله لذهب بِمَا استفادوا من الْعِزّ والأمان الَّذِي لَهُم بمنزله السّمع وَالْبَصَر.
وَالثَّانِي مَعْنَاهُ: وَلَو شَاءَ الله لذهب بأسماعهم وأبصارهم الظَّاهِرَة؛ كَمَا ذهب بأسماعهم وأبصارهم الْبَاطِنَة. ﴿إِن الله على كل شَيْء قدير﴾ يَعْنِي: قَادر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا النَّاس اعبدوا ربكُم﴾ الْآيَة، قَالَ ابْن عَبَّاس: كل مَا ورد فِي الْقُرْآن من قَوْله ﴿يَا أَيهَا النَّاس﴾ فَإِنَّمَا نزل بِمَكَّة، وكل مَا ورد من قَوْله: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ فَإِنَّمَا نزل بِالْمَدِينَةِ.
стр. 54
وَقَوله: ﴿يَا أَيهَا النَّاس﴾ يعْنى: يَا هَؤُلَاءِ النَّاس. وَهَذَا وَإِن عَمت صيغته وَلَكِن دخله الْخُصُوص؛ فَإِنَّهُ لَا يتَنَاوَل الصغار والمجانين. ﴿اعبدوا﴾ أَي: وحدوا.
قَالَ ابْن عَبَّاس: كل مَا ورد فِي الْقُرْآن من الْعِبَادَة فَهُوَ بِمَعْنى التَّوْحِيد، وكل مَا ورد فِي الْقُرْآن من التَّسْبِيح والسبحة فَهُوَ بِمَعْنى الصَّلَاة.
وَقَوله: ﴿اعبدوا ربكُم الَّذِي خَلقكُم﴾ أَي: وحدوا الله الَّذِي خَلقكُم. وَإِنَّمَا خاطبهم بِهِ؛ لِأَن الْكفَّار مقرون أَن الله خالقهم، والخلق: هُوَ اختراع الشَّيْء على غير مِثَال سبق. ﴿وَالَّذين من قبلكُمْ﴾ أَي: وَخلق الَّذين من قبلكُمْ. فَإِن قيل: أَي فَائِدَة فِي قَوْله: ﴿وَالَّذين من قبلكُمْ﴾ فَإِن من عرف أَن الله خالقه فقد عرف أَنه خَالق غَيره من قبله؟ قيل: فَائِدَته الْمُبَالغَة فِي الْبَيَان، أَو يُقَال: فَائِدَته الْمُبَالغَة فِي الدعْوَة، يعْنى: إِذا كَانَ الله خالقكم وخالق من قبلكُمْ فَلَا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه. وَفِيه إِشَارَة لِأَنَّهُ خلق الْأَوَّلين وأماتهم وابتلاهم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة؛ فَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنى أفعل بكم مَا فعلت بهم.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ قيل مَعْنَاهُ: لكَي تتقوا، قَالَه أَبُو عُبَيْدَة، وَقيل مَعْنَاهُ: كونُوا
стр. 55
﴿الَّذِي جعل لكم الأَرْض فراشا وَالسَّمَاء بِنَاء وَأنزل من السَّمَاء مَاء فَأخْرج بِهِ من الثمرات رزقا لكم فَلَا تجْعَلُوا لله أندادا وَأَنْتُم تعلمُونَ (٢٢) ﴾ على رَجَاء التَّقْوَى. فَإِن قَالَ قَائِل: التَّقْوَى [هِيَ] (١) الْعِبَادَة، فَأَي شَيْء معنى قَوْله: اعبدوا لكَي تعبدوا؟ قُلْنَا مَعْنَاهُ: اعبدوه وَكُونُوا على حذر مِنْهُ، وَهَذَا دأب العابد أَن يعبد الله وَيكون على حذر مِنْهُ. وَقيل مَعْنَاهُ: اعبدوه وَكُونُوا على رَجَاء التَّقْوَى؛ بِأَن تصيروا فِي ستر ووقاية من عَذَاب الله تَعَالَى، وَحكم الله من وَرَائِكُمْ يفعل بكم مَا يَشَاء؛ وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿فقولا لَهُ قولا لينًا لَعَلَّه يتَذَكَّر أَو يخْشَى﴾ أَي: ادعواه إِلَى الْحق وكونا على رَجَاء التَّذَكُّر والخشية مِنْهُ. وَحكم الله وَرَاءه يفعل بِهِ مَا يَشَاء.
стр. 56
قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِي جعل لكم الأَرْض فراشا﴾ الْآيَة. هَذَا رَاجع إِلَى مَا تقدم يَعْنِي: اعبدوا الَّذِي جعل لكم الأَرْض فراشا، والجعل هَاهُنَا بِمَعْنى: الْخلق ﴿فراشا﴾ أَي: بساطا، وَقيل: وطاء. وَقيل: مقَاما. يعْنى لكم الأَرْض قرارا لِتَكُونُوا عَلَيْهَا ﴿وَالسَّمَاء بِنَاء﴾ أَي: سقفا ﴿وَأنزل من السَّمَاء مَاء﴾ إِنَّمَا أَضَافَهُ إِلَى السَّمَاء وَإِن كَانَ ينزل من السَّحَاب؛ لِأَنَّهُ ينزل من جِهَة السَّمَاء.
﴿فَأخْرج بِهِ من الثمرات رزقا لكم﴾ قيل: الرزق هُوَ كل مَا يُؤْكَل. وَقيل: كل مَا ينْتَفع بِهِ. ﴿فَلَا تجْعَلُوا لله أندادا﴾ قَالَ قَتَادَة: الند: هُوَ الْمثل. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الند هُوَ الضِّدّ. وَهَذَا من الأضداد، وَالله تَعَالَى بَرِيء عَن الْمثل والضد. قَالَ حسان بن ثَابت فِي مدح رَسُول الله:
(أتهجوه وَلست لَهُ بند ... فشركما لخيركما الْفِدَاء)
يعْنى: وَلست لَهُ بِمثل؛ قَالَ لبيد:
(أَحْمد الله فَلَا ند لَهُ ... بيدَيْهِ الْخَيْر مَا شَاءَ فعل)
стр. 57
﴿وَإِن كُنْتُم فِي ريب مِمَّا نزلنَا على عَبدنَا فَأتوا بِسُورَة من مثله وَادعوا شهداءكم من دون الله إِن كُنْتُم صَادِقين (٢٣) ﴾
أَي: لَا مثل لَهُ. وَمعنى قَوْله ﴿فَلَا تجْعَلُوا لله أندادا﴾ أَي: لَا تَتَّخِذُوا من دونه أَرْبَابًا تعبدونهم كعبادة الله، وتطيعونهم كطاعة الله لَا أَن لَهُ مثلا، أَو لَا مثل لله تَعَالَى.
﴿وَأَنْتُم تعلمُونَ﴾ أَي: فَلَا تعبدوا غَيره وَأَنْتُم تعلمُونَ أَنه خالقكم وخالق السَّمَوَات وَالْأَرْض.
стр. 58
وَقَوله تَعَالَى: (وَإِن كُنْتُم فِي ريب) أَي: شكّ. فَإِن قيل: كَيفَ ذكره على التشكيك وهم فِي ريب على التَّحْقِيق؟ قيل: مثله جَائِز فِي كَلَام الْعَرَب؛ كَمَا يَقُول الرجل لغيره: إِن كنت رجلا فافعل كَذَا؛ وَإِن عرف أَنه رجل على التَّحْقِيق. قيل: أَرَادَ بِهِ " وَإِذ كُنْتُم " فَيكون على التَّحْقِيق، ﴿مِمَّا نزلنَا﴾ من الْقُرْآن ﴿على عَبدنَا﴾ يَعْنِي: على الرَّسُول.
﴿فَأتوا بِسُورَة﴾ السُّورَة: اسْم للمنزلة الرفيعة؛ وَمِنْه سُورَة الْبناء؛ لارتفاعه. قَالَ الشَّاعِر:
(ألم تَرَ أَن الله أَعْطَاك سُورَة ... ترى كل شَيْء دونهَا يتذبذب)
أَي: أَعْطَاك سُورَة منزلَة، أَي: منزلَة رفيعة. وَسميت سُورَة الْقُرْآن سُورَة؛ لِأَن القارىء ينَال بِقِرَاءَة كل سُورَة منزلَة؛ حَتَّى يستكمل جَمِيع الْمنَازل باستكمال الْقُرْآن، وَقيل: السُّورَة اسْم لقطعة من الْقُرْآن مَعْلُوم الأول وَالْآخر، وَمِنْه سُؤْر الطَّعَام لما بَقِي مِنْهُ. وَفِي الْخَبَر " إِذا أكلْتُم فاسأروا " أَي: أَبقوا بَقِيَّة. وَإِنَّمَا نزل الْقُرْآن سُورَة سُورَة حَتَّى [أَن] القارىء كلما قَرَأَ سُورَة وافتتح أُخْرَى ازْدَادَ نشاطا، فَيكون أنشط فِي الْقِرَاءَة، أَو لِأَنَّهُ رُبمَا لَا يُمكنهُ حفظ جَمِيع الْقُرْآن فيحفظ بعض السُّور.
﴿فَأتوا بِسُورَة من مثله﴾ وَقَوله: ﴿من مثله﴾ فِيهِ مَعْنيانِ: أَحدهمَا قَالَه ابْن
стр. 59
﴿فَإِن لم تَفعلُوا وَلنْ تَفعلُوا فَاتَّقُوا النَّار الَّتِي وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة أعدت للْكَافِرِينَ (٢٤) ﴾ عَبَّاس وَجَمَاعَة: أَرَادَ بِهِ من مثل الْقُرْآن. فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: من مثل الْقُرْآن، وَلَا مثل لَهُ؟ قيل: أَرَادَ بِهِ من مثله على زعمهم.
وَفِيه قَول آخر: أَنه أَرَادَ بِهِ من مثل مُحَمَّد؛ لأَنهم كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّه مفتري فَقَالَ: فَأتوا بِسُورَة من مفترى مثله.
﴿وَادعوا شهداءكم من دون الله﴾ أَي: اسْتَعِينُوا بأعوانكم وأربابكم من دون الله ﴿إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ فِيمَا تَزْعُمُونَ. وَفَائِدَته: أَنهم إِذا اجْتَمعُوا وأحضروا أربابهم فعجزوا كَانَ أبلغ فِي إِلْزَام الْحجَّة.
стр. 60
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَإِن لم تَفعلُوا وَلنْ تَفعلُوا﴾ الْآيَة يعْنى: فَإِن لم تَفعلُوا ذَلِك، وَلنْ تفعلوه أبدا على طَرِيق الْإِخْبَار. " وَتمّ " للماضي، " وَلنْ " للمستقبل. وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لبَيَان المعجزة؛ لِأَن الْقُرْآن كَانَ معْجزَة للنَّبِي حَيْثُ عجز الْكل عَن الْإِتْيَان بِمثلِهِ.
﴿فَاتَّقُوا النَّار﴾ أَي: فآمنوا؛ لكَي تتقوا النَّار بِالْإِيمَان ﴿الَّتِي وقودها النَّاس﴾ الْوقُود يَعْنِي: الإيقاد، والوقود بِفَتْح الْوَاو الْحَطب. ﴿وَالنَّاس﴾ أهل جَهَنَّم ﴿وَالْحِجَارَة﴾ قَالَ عَليّ وَابْن مَسْعُود: هِيَ حِجَارَة الكبريت؛ لِأَنَّهَا أَكثر توقدا والتهابا، وَقَالَ الْبَاقُونَ: هِيَ جَمِيع الْحِجَارَة. وَهَذَا دَلِيل على عظم تِلْكَ النَّار، و ﴿أعدت للْكَافِرِينَ﴾ أَي: هيئت للْكَافِرِينَ، وَهَذَا دَلِيل على أَن النَّار مخلوقة، لَا كَمَا قَالَ أهل الْبِدْعَة. وَدَلِيل على أَنَّهَا مخلوقة للْكَافِرِينَ، وَإِن دَخلهَا بعض الْمُؤمنِينَ تأديبا وتعريكا.
стр. 61
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَبشر الَّذين آمنُوا﴾ الْآيَة، الْبشَارَة: اسْم لكل خبر صدق تَتَغَيَّر بِهِ بشرة الْوَجْه وَيظْهر عَلَيْهَا، وَقد تكون فِي الْخَبَر السوء. كَمَا قَالَ: ﴿فبشرهم بِعَذَاب أَلِيم﴾ إِلَّا أَنه فِي الْخَبَر السار أغلب. ﴿الَّذين آمنُوا عمِلُوا الصَّالِحَات﴾
стр. 62
﴿وَبشر الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أَن لَهُم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار كلما رزقوا مِنْهَا من ثَمَرَة رزقا قَالُوا هَذَا الَّذِي رزقنا من قبل وَأتوا بِهِ﴾
يَعْنِي: الْمُؤمنِينَ من أهل الطَّاعَة ﴿أَن لَهُم جنَّات﴾ الجنات: جمع جنَّة وَهُوَ اسْم للبستان الَّذِي فِيهِ أَشجَار مثمرة، فَإِذا لم تكن الْأَشْجَار مثمرة لَا تكون جنَّة وَقيل: الْجنَّة مَا فِيهِ النخيل. والفردوس مَا فِيهِ الْكَرم، وَإِنَّمَا سميت جنَّة من الاجتنان؛ لِأَنَّهَا تستر الأَرْض بالتفافها وأرواقها. وَقيل: الْجنان سبع، وَقيل: ثَمَان، وَالْكل فِي الْقُرْآن.
﴿تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار﴾ أَي: من تَحت أشجارها تجْرِي الْمِيَاه من الْأَنْهَار، وَفِي الحَدِيث: " إِن أَنهَار الْجنَّة تجْرِي فِي غير أخدُود " أَي: فِي غير شقّ.
﴿كلما رزقوا مِنْهَا من ثَمَرَة رزقا﴾ أَي: كلما رزقوا شَيْئا من ثمار الْجنَّة قَالُوا هَذَا الَّذِي رزقنا من قبل. وَفِيه قَولَانِ: أَحدهمَا مَعْنَاهُ: رزقنا من قبل فِي الدُّنْيَا، وَالثَّانِي: أَن الثِّمَار فِي الْجنَّة متشابهة فِي اللَّوْن مُخْتَلفَة فِي الطّعْم، فَإِذا رزقوا مِنْهَا ثَمَرَة ثمَّ رزقوا أُخْرَى ظنُّوا أَنَّهَا الأولى لِاسْتِوَائِهِمَا فِي اللَّوْن ف ( ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رزقنا من قبل﴾ وَأتوا بِهِ متشابها) قَالَ مُجَاهِد: أَي متشابها فِي اللَّوْن. كَمَا ذكرنَا، وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: مَعْنَاهُ كلهَا خِيَار لَيْسَ فِيهَا رذال. قَالَ ابْن عَبَّاس: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا من ثمار الْجنَّة إِلَّا الْأَسَامِي ﴿وَلَهُم فِيهَا أَزوَاج﴾ قيل: من الْحور الْعين، وَيحْتَمل من أَزوَاج الدُّنْيَا: ﴿مطهرة﴾ من الأدناس؛ لَا يتمخطن، وَلَا يتغوطن، وَلَا يحضن. وَقيل: مطهرة الْأَخْلَاق، فيكُن مطهرات خلقا وخلقا. ﴿وهم فِيهَا خَالدُونَ﴾ أَي: مقيمون لَا يظعنون.
стр. 63
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله لَا يستحيي أَن يضْرب مثلا مَا بعوضة فَمَا فَوْقهَا﴾ وَسبب نزُول الْآيَة: أَن الله تَعَالَى لما ضرب الْمثل بالذباب وَالْعَنْكَبُوت، قَالَ الْمُشْركُونَ: إِنَّا
стр. 64
﴿متشابها وَلَهُم فِيهَا أَزوَاج مطهرة وهم فِيهَا خَالدُونَ (٢٥) إِن الله لَا يستحيي أَن يضْرب مثلا مَا بعوضة فَمَا فَوْقهَا فَأَما الَّذين آمنُوا فيعلمون أَنه﴾ لَا نعْبد إِلَهًا يذكر الذُّبَاب وَالْعَنْكَبُوت، فَنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله لَا يستحيي﴾ أَي: لَا يمْتَنع وَلَا يتْرك ﴿أَن يضْرب مثلا﴾ أَي: يذكر مثلا ﴿مَا بعوضة﴾ (مَا) للصلة هَاهُنَا، أَي: مثلا بالبعوضة. قَالَ الشَّاعِر:
(قَالَت أَلا ليتما هَذَا الْحمام لنا ... إِلَى حمامتنا أَو نصفه فقد)
مَعْنَاهُ أَي: لَيْت هَذَا الْحمام لنا. والبعوض: صغَار البق، سميت بعوضة لِأَنَّهَا بعض البق. ﴿فَمَا فَوْقهَا﴾ مَعْنَاهُ: فَمَا دونهَا؛ كَمَا يُقَال: فلَان جَاهِل، فَيُقَال: وَفَوق ذَلِك. يَعْنِي: أَجْهَل من ذَلِك، فَكَذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا فَوْقهَا﴾ يَعْنِي: فِي الصغر، وأصغر من ذَلِك، وَقيل: فَمَا فَوْقهَا على الْحَقِيقَة؛ لِأَنَّهُ ضرب الْمثل بالذباب، وَالْعَنْكَبُوت. قَالَ الرّبيع بن أنس: مثل الْبَعُوضَة مثل صَاحب الدُّنْيَا؛ لِأَن دأب الْبَعُوضَة أَنَّهَا إِذا شبعت هَلَكت، وَإِذا جاعت عاشت؛ كَذَلِك صَاحب الدُّنْيَا إِذا استكثر من الدُّنْيَا هلك، وَإِذا اسْتَقل مِنْهَا فَازَ وَنَجَا. وَقيل: إِن حكم الله تَعَالَى فِي صغَار خلقه أَكثر من حكمه فِي كبار خلقه. قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَما الَّذين آمنُوا فيعلمون أَنه الْحق من رَبهم﴾ يَعْنِي: أَنه الصدْق من رَبهم.
﴿وَأما الَّذين كفرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ الله بِهَذَا مثلا﴾ أَي شَيْء أَرَادَ الله بِهَذَا الْمثل؟ يَقُول الله تَعَالَى: ﴿يضل بِهِ كثيرا وَيهْدِي بِهِ كثيرا﴾ أَي: أَرَادَ هَذَا، والإضلال: هُوَ الصّرْف عَن الْحق إِلَى الْبَاطِل. وَقيل: الإضلال هُوَ الإهلاك؛ يُقَال: ضل اللَّبن فِي المَاء أَي: هلك.
﴿وَيهْدِي بِهِ كثيرا﴾ أَي: ويرشد بِهِ كثيرا. ﴿وَمَا يضل بِهِ إِلَّا الْفَاسِقين﴾ يَعْنِي: الْكَافرين. وَالْفِسْق: هُوَ الْخُرُوج عَن طَاعَة الرب؛ يُقَال: فسقت (الرّطبَة) إِذا خرجت
стр. 65
﴿الْحق من رَبهم وَأما الَّذين كفرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ الله بِهَذَا مثلا يضل بِهِ كثيرا وَيهْدِي بِهِ كثيرا وَمَا يضل بِهِ إِلَّا الْفَاسِقين (٢٦) الَّذين ينقضون﴾ عَن قشرها، وَمعنى إضلالهم بِالْمثلِ أَنه لما ضرب الْمثل فَكَفرُوا بِهِ ازدادوا ضلالا.
стр. 66
وَقَوله تَعَالَى: ﴿الَّذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾ أَي: يخالفون أَمر الله. والميثاق: مفعال من التوثقة وَهُوَ الْعَهْد الْمُؤَكّد. وَفِي مَعْنَاهُ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه أَرَادَ نقض الْمِيثَاق الأول الَّذِي أَخذه على آدم وَذريته بقوله ﴿أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى﴾ .
وَقيل: أَرَادَ بِهِ نقض الْمِيثَاق الَّذِي أَخذه على النَّبِيين وَسَائِر الْأُمَم أَن [يُؤمنُوا] بِمُحَمد بقوله: ﴿وَإِذا أَخذ الله مِيثَاق النَّبِيين﴾ الْآيَة.
﴿ويقطعون مَا أَمر الله بِهِ أَن يُوصل﴾ فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال؛ أَحدهَا: أَنهم يقطعون مَا أمروا بوصله من الْإِيمَان بِمُحَمد وبسائر الرُّسُل. وَقيل: أَرَادَ بِهِ قطع الرَّحِم. وَالْأول أولى؛ لِأَنَّهُ أَعم، وَقيل: أَرَادَ بِهِ قطع الْعَمَل عَن الْقبُول؛ فَإِنَّهُم لم يعملوا بِمَا قبلوا.
﴿ويفسدون فِي الأَرْض﴾ بِالْمَعَاصِي ﴿أُولَئِكَ هم الخاسرون﴾ المغبونون.
стр. 67
قَوْله تَعَالَى: ﴿كَيفَ تكفرون بِاللَّه﴾ قَالَه تَعَجبا، تكفرون بِاللَّه بعد نصب الدَّلَائِل ووضوح الْبَرَاهِين؟ ! ثمَّ ذكر الدَّلِيل فَقَالَ: ﴿وكنتم أَمْوَاتًا﴾ هَذَا دَلِيل، أَي: كُنْتُم نطفا فِي أصلاب الْآبَاء.
(فأحياكم) أَي: خَلقكُم ﴿ثمَّ يميتكم﴾ عِنْد انْتِهَاء الْأَجَل. ﴿ثمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ للبعث ﴿ثمَّ إِلَيْهِ ترجعون﴾ إِلَى الله مصيركم. وَقيل: أَرَادَ بِالْمَوْتِ الأول: الْمَوْت الْمَعْهُود ﴿وكنتم أَمْوَاتًا﴾ أَي: تصيرون أَمْوَاتًا. فأحياكم أَي: يُحْيِيكُمْ فِي الْقَبْر للسؤال، ثمَّ يميتكم بعده فِي الْقَبْر ثمَّ يُحْيِيكُمْ للبعث. ثمَّ إِلَيْهِ ترجعون.
стр. 68
قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خلق لكم مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا﴾ لكَي تعتبروا
стр. 69
(عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون مَا أَمر الله بِهِ أَن يُوصل ويفسدون فِي الأَرْض أُولَئِكَ هم الخاسرون (٢٧) كَيفَ تكفرون بِاللَّه وكنتم أَمْوَاتًا فأحياكم ثمَّ يميتكم ثمَّ يُحْيِيكُمْ ثمَّ إِلَيْهِ ترجعون (٢٨) هُوَ الَّذِي خلق) وتستدلوا، وَقيل: لكَي تنتفعوا.
﴿ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس وَأكْثر الْمُفَسّرين من السّلف: أَي ارْتَفع وَعلا إِلَى السَّمَاء.
وَقَالَ الْفراء وَابْن كيسَان وَجَمَاعَة من النَّحْوِيين مَعْنَاهُ: أقبل على خلق السَّمَاء؛ لِأَنَّهُ خلق الأَرْض أَولا، ثمَّ أقبل على خلق السَّمَاء، كَمَا ذكر فِي " حم السَّجْدَة ". ﴿فسواهن سبع سموات﴾ أَي: خَلقهنَّ مستويات؛ لَا فطر فِيهَا، وَلَا صدع، وَلَا شقّ.
﴿وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم﴾ أَي: عَالم بصغار خلقه وكبارهم.
стр. 70
قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذ قَالَ رَبك للْمَلَائكَة إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة﴾ مَعْنَاهُ: وَقَالَ رَبك. " إِذْ " زَائِدَة فِيهِ.
وَقيل، مَعْنَاهُ: وَاذْكُر إِذْ قَالَ رَبك. وَالْمَلَائِكَة: جمع الْملك، وأصل الْملك مَالك، فَقبلت الْهمزَة فَصَارَ مَالك ثمَّ اسقط الْهمزَة فَصَارَ ملك، واشتقاقه من الألوكة، وَهِي: الرسَالَة، وَمثلهَا المالكة، والمالكة؛ قَالَ الشَّاعِر:
(ألكنى إِلَيْهَا (وَخير) الرَّسُول ... أعلمهم بنواحي الْخَبَر)
يعْنى: أَرْسلنِي إِلَيْهَا.
﴿إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة﴾ اتَّفقُوا على أَن المُرَاد بِهَذَا الْخَلِيفَة آدم صلوَات الله عَلَيْهِ والخليفة، والخليف بِمَعْنى وَاحِد، وَجمع الخليف خلفاء. وَجمع الْخَلِيفَة خلائف.
وَاخْتلفُوا فِي أَنه لما سمى خَليفَة؟ مِنْهُم من قَالَ: لِأَنَّهُ خَليفَة الْجِنّ؛ فَإِن الله تَعَالَى لما خلق الأَرْض أسكنها الْجِنّ، وَلما خلق السَّمَاء أسكنها الْمَلَائِكَة، ثمَّ لما خلق
стр. 71
﴿لكم مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فسواهن سبع سموات وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم (٢٩) وَإِذ قَالَ رَبك للْمَلَائكَة إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض﴾ آدم أزعج الْجِنّ إِلَى أَطْرَاف الأَرْض؛ فَهُوَ الْخَلِيفَة الْجِنّ فِي الأَرْض.
وَقيل: إِنَّمَا سَمَّاهُ خَليفَة؛ لِأَنَّهُ يخلفه غَيره. فَيكون الْخَلِيفَة بِمَعْنى أَنه يخلف غَيره. وَيكون الْخَلِيفَة أَنه يخلفه غَيره.
وَقيل: إِنَّمَا سمى خَليفَة لِأَنَّهُ خَليفَة الله فِي الأَرْض؛ لإِقَامَة أَحْكَامه، وتنفيذ قضاياه، وَهَذَا هُوَ الْأَصَح.
قَوْله تَعَالَى: (قَالُوا أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا) الْآيَة قَالَت الْمَلَائِكَة: أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا ويسفك الدِّمَاء؟ ! فَإِن قيل: من أَيْن عمِلُوا ذَلِك؟ قيل: إِن الله تَعَالَى أعلمهم بذلك. وَقيل: اطلعوا عَلَيْهِ فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ.
﴿وَنحن نُسَبِّح بحَمْدك﴾ هُوَ التَّنْزِيه عَن السوء. وَمَعْنَاهُ: وَنحن ننزهك عَن الأنداد والشركاء.
وَقَالَ الْحسن: معنى قَوْله: ﴿وَنحن نُسَبِّح بحَمْدك﴾ هُوَ قَوْلهم: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ. ﴿ونقدس لَك﴾ يَعْنِي: نثنى عَلَيْك بالقدس وَالطَّهَارَة.
وَقيل: مَعْنَاهُ نطهر أَنْفُسنَا بطاعتك وَالثنَاء عَلَيْك.
فَإِن قيل: قَوْلهم ﴿أَتجْعَلُ فِيهَا﴾ . يشبه الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ. وَقَوْلهمْ نَحن ﴿نُسَبِّح بحَمْدك﴾ يشبه التفاخر بِالْعَمَلِ؛ وَكِلَاهُمَا لَا يجوز على الْمَلَائِكَة. فَمَا معنى هَذَا الْكَلَام؟
قُلْنَا: أما قَوْلهم: ﴿أَتجْعَلُ فِيهَا﴾ مَعْنَاهُ: أَنْت جَاعل فِيهَا على سَبِيل التَّقْدِير، وَمثله قَول الشَّاعِر:
(ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى الْعَالمين بطُون رَاح)
يَعْنِي أَنهم بِهَذِهِ الصّفة.
وَقَالُوا: إِنَّمَا قَالُوهُ على سَبِيل التَّعَجُّب طلبا لوجه الْحِكْمَة فِيهِ.
стр. 72
﴿خَليفَة قَالُوا أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا ويسفك الدِّمَاء وَنحن نُسَبِّح بحَمْدك ونقدس﴾
وَأما قَوْله: ﴿وَنحن نُسَبِّح بحَمْدك﴾ لَيْسَ على سَبِيل التفاخر بل مَعْنَاهُ: أَنه إِذا أفسدوا وسفكوا الدِّمَاء فَنحْن نبقى على هَيْئَة التَّسْبِيح وَالتَّقْدِيس أم لَا؟ قَالَ: ﴿إِنِّي أعلم مَالا تعلمُونَ﴾ لَهُ مَعْنيانِ:
أَحدهمَا: إِنِّي أعلم فيهم من يعبدني ويطيعني من الْأَنْبِيَاء والأولياء والصلحاء.
وَالثَّانِي مَعْنَاهُ: إِنِّي أعلم فِيكُم أَيهَا الْمَلَائِكَة من يعصيني يَعْنِي إِبْلِيس.
стр. 73
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا﴾ أما آدم إِنَّمَا سمى آدم؛ لِأَنَّهُ خلق من أَدِيم الأَرْض، وَلما خلقه الله تَعَالَى علمه أَسمَاء الْأَشْيَاء بأجمعها.
قَالَ ابْن عَبَّاس: علمه أَسمَاء الْأَشْيَاء حَتَّى الْقَصعَة والقصيعة، والفسوة والفسية.
وَإِنَّمَا علمه ذَلِك تكريما وتشريفا لَهُ. وَذَلِكَ دَلِيل على أَن الْأَنْبِيَاء أفضل من الْمَلَائِكَة وَإِن كَانُوا رسلًا كَمَا ذهب إِلَيْهِ أهل السّنة.
﴿ثمَّ عرضهمْ﴾ قَرَأَ أبي بن كَعْب: " ثمَّ عرضهَا " [وَهِي] فِي الشواذ. وَرجع [الْكِنَايَة] إِلَى المسميات الَّتِي لَا تعقل. وَالْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة: " ثمَّ عرضهمْ " فَإِن المسميات لما جمعت من يعقل وَمن لَا يعقل؛ كنى بِلَفْظ من يعقل تَغْلِيبًا لَهُ.
وَإِنَّمَا عرضهمْ على الْمَلَائِكَة لإِظْهَار فضيلته عَلَيْهِم، فَإِنَّهُم كَانُوا قد قَالُوا: لن يخلق الله خلقا أكْرم عَلَيْهِ منا، فَقَالَ: ﴿أنبئوني﴾ أخبروني ﴿بأسماء هَؤُلَاءِ إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ فِيمَا زعمتم.
стр. 74
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا علم لنا إِلَّا مَا علمتنا﴾ قد ذكرنَا معنى التَّسْبِيح. وَمعنى الْآيَة: أَنَّك أجل من أَن نحيط بِشَيْء من علمك؛ إِلَّا الَّذِي علمتنا مِنْهُ.
﴿إِنَّك أَنْت الْعَلِيم﴾ أَي: الْعَالم ﴿الْحَكِيم﴾ لَهُ مَعْنيانِ أَحدهَا: الْحَاكِم، وَهُوَ
стр. 75
﴿لَك قَالَ إِنِّي أعلم مَا لَا تَعْمَلُونَ (٣٠) وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا ثمَّ عرضهمْ على الْمَلَائِكَة فَقَالَ أنبئوني بأسماء هَؤُلَاءِ إِن كُنْتُم صَادِقين (٣١) قَالُوا﴾ القَاضِي بِالْعَدْلِ.
وَالثَّانِي: معنى الْحَكِيم: الْمُحكم لِلْأَمْرِ كَيْلا يتَطَرَّق إِلَيْهِ الْفساد، وَمِنْه: أحكمت الدَّابَّة لِأَنَّهَا (تمنعها) من الْفساد.
следующие страницы →