← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

﴿لكم مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فسواهن سبع سموات وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم (٢٩) وَإِذ قَالَ رَبك للْمَلَائكَة إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض﴾ آدم أزعج الْجِنّ إِلَى أَطْرَاف الأَرْض؛ فَهُوَ الْخَلِيفَة الْجِنّ فِي الأَرْض. وَقيل: إِنَّمَا سَمَّاهُ خَليفَة؛ لِأَنَّهُ يخلفه غَيره. فَيكون الْخَلِيفَة بِمَعْنى أَنه يخلف غَيره. وَيكون الْخَلِيفَة أَنه يخلفه غَيره. وَقيل: إِنَّمَا سمى خَليفَة لِأَنَّهُ خَليفَة الله فِي الأَرْض؛ لإِقَامَة أَحْكَامه، وتنفيذ قضاياه، وَهَذَا هُوَ الْأَصَح. قَوْله تَعَالَى: (قَالُوا أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا) الْآيَة قَالَت الْمَلَائِكَة: أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا ويسفك الدِّمَاء؟ ! فَإِن قيل: من أَيْن عمِلُوا ذَلِك؟ قيل: إِن الله تَعَالَى أعلمهم بذلك. وَقيل: اطلعوا عَلَيْهِ فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ. ﴿وَنحن نُسَبِّح بحَمْدك﴾ هُوَ التَّنْزِيه عَن السوء. وَمَعْنَاهُ: وَنحن ننزهك عَن الأنداد والشركاء. وَقَالَ الْحسن: معنى قَوْله: ﴿وَنحن نُسَبِّح بحَمْدك﴾ هُوَ قَوْلهم: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ. ﴿ونقدس لَك﴾ يَعْنِي: نثنى عَلَيْك بالقدس وَالطَّهَارَة. وَقيل: مَعْنَاهُ نطهر أَنْفُسنَا بطاعتك وَالثنَاء عَلَيْك. فَإِن قيل: قَوْلهم ﴿أَتجْعَلُ فِيهَا﴾ . يشبه الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ. وَقَوْلهمْ نَحن ﴿نُسَبِّح بحَمْدك﴾ يشبه التفاخر بِالْعَمَلِ؛ وَكِلَاهُمَا لَا يجوز على الْمَلَائِكَة. فَمَا معنى هَذَا الْكَلَام؟ قُلْنَا: أما قَوْلهم: ﴿أَتجْعَلُ فِيهَا﴾ مَعْنَاهُ: أَنْت جَاعل فِيهَا على سَبِيل التَّقْدِير، وَمثله قَول الشَّاعِر: (ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى الْعَالمين بطُون رَاح) يَعْنِي أَنهم بِهَذِهِ الصّفة. وَقَالُوا: إِنَّمَا قَالُوهُ على سَبِيل التَّعَجُّب طلبا لوجه الْحِكْمَة فِيهِ.

стр. 72

﴿خَليفَة قَالُوا أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا ويسفك الدِّمَاء وَنحن نُسَبِّح بحَمْدك ونقدس﴾ وَأما قَوْله: ﴿وَنحن نُسَبِّح بحَمْدك﴾ لَيْسَ على سَبِيل التفاخر بل مَعْنَاهُ: أَنه إِذا أفسدوا وسفكوا الدِّمَاء فَنحْن نبقى على هَيْئَة التَّسْبِيح وَالتَّقْدِيس أم لَا؟ قَالَ: ﴿إِنِّي أعلم مَالا تعلمُونَ﴾ لَهُ مَعْنيانِ: أَحدهمَا: إِنِّي أعلم فيهم من يعبدني ويطيعني من الْأَنْبِيَاء والأولياء والصلحاء. وَالثَّانِي مَعْنَاهُ: إِنِّي أعلم فِيكُم أَيهَا الْمَلَائِكَة من يعصيني يَعْنِي إِبْلِيس.

стр. 73

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا﴾ أما آدم إِنَّمَا سمى آدم؛ لِأَنَّهُ خلق من أَدِيم الأَرْض، وَلما خلقه الله تَعَالَى علمه أَسمَاء الْأَشْيَاء بأجمعها. قَالَ ابْن عَبَّاس: علمه أَسمَاء الْأَشْيَاء حَتَّى الْقَصعَة والقصيعة، والفسوة والفسية. وَإِنَّمَا علمه ذَلِك تكريما وتشريفا لَهُ. وَذَلِكَ دَلِيل على أَن الْأَنْبِيَاء أفضل من الْمَلَائِكَة وَإِن كَانُوا رسلًا كَمَا ذهب إِلَيْهِ أهل السّنة. ﴿ثمَّ عرضهمْ﴾ قَرَأَ أبي بن كَعْب: " ثمَّ عرضهَا " [وَهِي] فِي الشواذ. وَرجع [الْكِنَايَة] إِلَى المسميات الَّتِي لَا تعقل. وَالْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة: " ثمَّ عرضهمْ " فَإِن المسميات لما جمعت من يعقل وَمن لَا يعقل؛ كنى بِلَفْظ من يعقل تَغْلِيبًا لَهُ. وَإِنَّمَا عرضهمْ على الْمَلَائِكَة لإِظْهَار فضيلته عَلَيْهِم، فَإِنَّهُم كَانُوا قد قَالُوا: لن يخلق الله خلقا أكْرم عَلَيْهِ منا، فَقَالَ: ﴿أنبئوني﴾ أخبروني ﴿بأسماء هَؤُلَاءِ إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ فِيمَا زعمتم.

стр. 74

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا علم لنا إِلَّا مَا علمتنا﴾ قد ذكرنَا معنى التَّسْبِيح. وَمعنى الْآيَة: أَنَّك أجل من أَن نحيط بِشَيْء من علمك؛ إِلَّا الَّذِي علمتنا مِنْهُ. ﴿إِنَّك أَنْت الْعَلِيم﴾ أَي: الْعَالم ﴿الْحَكِيم﴾ لَهُ مَعْنيانِ أَحدهَا: الْحَاكِم، وَهُوَ

стр. 75

﴿لَك قَالَ إِنِّي أعلم مَا لَا تَعْمَلُونَ (٣٠) وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا ثمَّ عرضهمْ على الْمَلَائِكَة فَقَالَ أنبئوني بأسماء هَؤُلَاءِ إِن كُنْتُم صَادِقين (٣١) قَالُوا﴾ القَاضِي بِالْعَدْلِ. وَالثَّانِي: معنى الْحَكِيم: الْمُحكم لِلْأَمْرِ كَيْلا يتَطَرَّق إِلَيْهِ الْفساد، وَمِنْه: أحكمت الدَّابَّة لِأَنَّهَا (تمنعها) من الْفساد.

стр. 76

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ يَا آدم أنبئهم بِأَسْمَائِهِمْ﴾ لما عرضهمْ على الْمَلَائِكَة فعجزوا؛ يَقُول الله تَعَالَى لآدَم: أخْبرهُم بِأَسْمَائِهِمْ ﴿فَلَمَّا أنباهم بِأَسْمَائِهِمْ﴾ فَأخْبرهُم آدم بأسماء تِلْكَ المسميات، وَالْحكمَة الَّتِي لأَجلهَا خلقُوا، فَلَمَّا أخْبرهُم بهَا ﴿قَالَ الله﴾ تَعَالَى للْمَلَائكَة: ﴿ألم أقل لكم إِنِّي أعلم غيب السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ فَإِنَّهُ قد قَالَ لَهُم: ﴿إِنِّي أعلم مَالا تَعْمَلُونَ﴾ وغيب السَّمَوَات وَالْأَرْض كل مَا غَابَ وخفي عَن الْأَبْصَار. (وَأعلم مَا تبدون) أَي قَوْلكُم: أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا. ﴿وَمَا كُنْتُم تكتمون﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: مَا كتموا من قَوْلهم: لن يخلق الله خلقا أكْرم عَلَيْهِ منا. وَالثَّانِي: مَعْنَاهُ مَا كتمه إِبْلِيس فيهم حِين خلق آدم؛ فَإِنَّهُ قد قَالَ: إِن سلطت عَلَيْهِ لأهلكنه وَإِن سلط عَليّ لَا أطيعه.

стр. 77

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا لآدَم﴾ اخْتلفُوا فِي أَن هَذَا الْخطاب مَعَ أَي الْمَلَائِكَة؟ فَقَالَ بَعضهم: هُوَ خطاب مَعَ مَلَائِكَة الأَرْض خَاصَّة. وَقيل: هُوَ خطاب لجَمِيع الْمَلَائِكَة. هُوَ الْأَصَح لقَوْله تَعَالَى ﴿فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ﴾ . وَالسُّجُود عبَادَة مَعَ التَّوَاضُع والخشوع والخضوع، وَمِنْه شَجَرَة سَاجِدَة إِذا مَاتَت من

стр. 78

﴿سُبْحَانَكَ لَا علم لنا إِلَّا مَا علمتنا إِنَّك أَنْت الْعَلِيم الْحَكِيم (٣٢) قَالَ يَا آدم أنبئهم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أنبأهم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ ألم أقل لكم إِنِّي أعلم غيب﴾ كَثْرَة حملهَا. وَفِي قَوْله: ﴿اسجدوا لآدَم﴾ قَولَانِ أَحدهمَا: أَن مَعْنَاهُ اسجدوا إِلَى آدم، فَيكون آدم كالقبلة. وَالسُّجُود لله تَعَالَى. وَالأَصَح: أَن السُّجُود كَانَ لآدَم على الْحَقِيقَة. وتضمن معنى الطَّاعَة لله تَعَالَى بامتثال أمره فِيهِ. فعلى هَذَا يكون السُّجُود لآدَم على سَبِيل التَّحِيَّة لَهُ. وَهُوَ كسجود إخْوَة يُوسُف ليوسف بِمَعْنى التَّحِيَّة لَهُ. ثمَّ نقل ذَلِك إِلَى السَّلَام بَين الْمُسلمين. ﴿فسجدوا إِلَّا إِبْلِيس﴾ قَالَ بَعضهم: إِبْلِيس مُشْتَقّ من الإبلاس. وَهُوَ الْيَأْس من الْخَيْر، قَالَ الشَّاعِر: (يَا صَاح هَل تعرف (رسما) مكرسا ... قَالَ: نعم أعرفهُ وأبلسا) وَقيل: هُوَ اسْم أعجمي مُعرب لَا اشتقاق لَهُ وَلذَلِك لَا ينْصَرف. وَاخْتلفُوا فِي إِبْلِيس، وَالَّذِي قَالَه ابْن عَبَّاس وَأكْثر الْمُفَسّرين: أَنه كَانَ من الْمَلَائِكَة. وَقَالَ الْحس: كَانَ من الْجِنّ لقَوْله تَعَالَى ﴿كَانَ من الْجِنّ ففسق عَن أَمر ربه﴾ وَلِأَنَّهُ خلق من النَّار، وَالْمَلَائِكَة خلقُوا من النُّور، وَلِأَن لَهُ ذُرِّيَّة وَلَا ذُرِّيَّة للْمَلَائكَة. وَالأَصَح أَنه كَانَ من الْمَلَائِكَة لِأَن خطاب السُّجُود كَانَ مَعَ الْمَلَائِكَة. وَأما قَوْله: ﴿كَانَ من الْجِنّ﴾ قيل: إِن فرقة من الْمَلَائِكَة سموا جنا خلقهمْ الله تَعَالَى من النَّار. وَعَلِيهِ دلّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجعلُوا بَينه وَبَين الْجنَّة نسبا﴾ . حَيْثُ قَالُوا الْمَلَائِكَة بَنَات الله. فسماهم جنَّة. وَإِنَّمَا سموا جنا لاستتارهم عَن الْأَعْين. وإبليس كَانَ من ذَلِك الْقَبِيل. وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ ذُرِّيَّة؛ لِأَنَّهُ أخرجه من الْمَلَائِكَة ثمَّ جعل

стр. 79

﴿السَّمَوَات وَالْأَرْض وَأعلم مَا تبدون وَمَا كُنْتُم تكتمون (٣٣) وَإِذ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا لآدَم فسجدوا إِلَّا إِبْلِيس أَبى واستكبر وَكَانَ من﴾ لَهُ ذُرِّيَّة. وَقيل: إِن الله تَعَالَى لما خلق إِبْلِيس أعطَاهُ ملك الأَرْض، وَملك السَّمَاء الدُّنْيَا، وَجعله خَازِن الْجنَّة. قَوْله تَعَالَى: ﴿أَبى﴾ امْتنع ﴿واستكبر﴾ أَي: أنف؛ حَيْثُ ظن أَنه خير من آدم ﴿وَكَانَ من الْكَافرين﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: مَعْنَاهُ وَصَارَ من الْكَافرين فِي علم الله تَعَالَى. قَالَ مُجَاهِد: علم الله فِي أزله أَنه تكون مِنْهُ الْمعْصِيَة فخلقه للمعصية.

стр. 80

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدم اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة﴾ أَرَادَ بزوجه حَوَّاء، فَإِن قيل: [لم] أَمرهمَا بِدُخُول الْجنَّة، وَقد وعد أَن من دَخلهَا يكون خَالِدا فِيهَا فَكيف أخرجهُمَا من الْجنَّة؟ قُلْنَا: إِنَّمَا ذَلِك الْوَعْد فِي حق من يدخلهَا للثَّواب وَالْجَزَاء، وآدَم إِنَّمَا دخل الْجنَّة بالكرامة دون الثَّوَاب. ﴿وكلا مِنْهَا رغدا حَيْثُ شئتما﴾ الرغد: الْوَاسِع من الْعَيْش. وَهُوَ أَن يَأْكُل مَا شَاءَ إِذا شَاءَ كَيفَ شَاءَ. ﴿وَلَا تقربا هَذِه الشَّجَرَة﴾ يَعْنِي: للْأَكْل. والشجرة: اسْم لما يقوم على السَّاق، والنجم اسْم لما (لَا) يقوم على سَاق. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿والنجم وَالشَّجر يسجدان﴾ وَفِي تِلْكَ الشَّجَرَة ثَلَاثَة أَقْوَال: قَالَ ابْن مَسْعُود: كَانَت شَجَرَة الْعِنَب. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَت شَجَرَة السنبلة. وَقَالَ ابْن جريج: كَانَت شَجَرَة التِّين. وَقيل: إِنَّهَا شَجَرَة الْعَلِيم. ﴿فتكونا من الظَّالِمين﴾ الظُّلم وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه وَفِيه يُقَال: " من أشبه

стр. 81

﴿الْكَافرين (٣٤) وَقُلْنَا يَا آدم اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة وكلا مِنْهَا رغدا حَيْثُ شئتما وَلَا تقربا هَذِه الشَّجَرَة فتكونا من الظَّالِمين (٣٥) فأزلهما﴾ باه فَمَا ظلم " أَي: فَمَا وضع الشّبَه فِي غير مَوْضِعه.

стр. 82

قَوْله تَعَالَى: ﴿فأزلهما الشَّيْطَان عَنْهَا﴾ قَرَأَ حَمْزَة: " فأزالهما " وَمَعْنَاهُ: نحاهما وبعدهما عَن الْجنَّة. وَقَوله: (فأزلهما) إِلَى الزلة ﴿فأخرجهما مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ يَعْنِي من نعيم الْجنَّة. وَإِنَّمَا نسب الْإِخْرَاج إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ السَّبَب فِيهِ. (وَقُلْنَا اهبطوا) الهبوط هُوَ النُّزُول من الْأَعْلَى إِلَى الْأَسْفَل، وَالْخطاب مَعَ آدم، وإبليس، وحواء، والحية، وَهِي الْحَيَّة [الَّتِي] كَانَت من خزان الْجنَّة فخدعها إِبْلِيس حَتَّى أدخلته (الْجنَّة) . ﴿بَعْضكُم لبَعض عَدو﴾ الْعَدو: اسْم للْوَاحِد وَالْجمع، مَعْنَاهُ أَعدَاء. ﴿وَلكم فِي الأَرْض مُسْتَقر﴾ أَي: قَرَار ﴿ومتاع﴾ مُتْعَة تتغذون بهَا ﴿إِلَى حِين﴾ إِلَى مُنْتَهى الْآجَال.

стр. 83

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتلقى آدم من ربه كَلِمَات﴾ التلقي: هُوَ قبُول عَن فطنة وَفهم دَلِيل: فَتلقى هُوَ [أَي: تعلم] : ﴿ظلمنَا أَنْفُسنَا﴾ إِلَى آخِره. وَقَالَ عبيد بن عُمَيْر: هِيَ كَلِمَات قَالَهَا آدم حِين ابتلاه الله بالمعصية. ﴿من ربه كَلِمَات﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس وَالْأَكْثَرُونَ: الْكَلِمَات هِيَ قَوْله: رَبنَا أَي: تعلم بالمعصية يارب هَذَا شَيْء كتبته عَليّ [أم] ابتدعته من تِلْقَاء نَفسِي؟ فَقَالَ: بل شَيْء كتبته عَلَيْك. فَقَالَ آدم: (فَكَمَا) كتبته عَليّ فاغفره.

стр. 84

﴿الشَّيْطَان عَنْهَا فأخرجهما مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهبطوا بَعْضكُم لبَعض عَدو وَلكم فِي الأَرْض مُسْتَقر ومتاع إِلَى حِين (٣٦) فَتلقى آدم من ربه كَلِمَات فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّه هُوَ التواب الرَّحِيم (٣٧) قُلْنَا اهبطوا مِنْهَا جَمِيعًا فإمَّا﴾ ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ فَقبل تَوْبَته ﴿إِنَّه هُوَ التواب الرَّحِيم﴾ هُوَ الْقَابِل للتَّوْبَة من الْعباد؛ الرَّحِيم بهم.

стр. 85

قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْنَا اهبطوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ الهبوط الأول كَانَ من الْجنَّة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا، والهبوط الثَّانِي كَانَ من السَّمَاء الدُّنْيَا إِلَى الأَرْض. (فإمَّا يَأْتينكُمْ مني هدى) أَي: رشد [و] بَيَان شَرِيعَة. ﴿فَمن تبع هُدَايَ﴾ أَي: ذَلِك الرشد والشريعة. ﴿فَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ فِي الْآخِرَة.

стр. 86

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين كفرُوا وكذبوا بِآيَاتِنَا﴾ أَي: كفرُوا بِاللَّه وبالرسل وكذبوا بآياته ﴿أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار﴾ يَعْنِي يَوْم الْقِيَامَة ﴿هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ .

стр. 87

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا بني إِسْرَائِيل﴾ إِسْرَائِيل اسْم يَعْقُوب. وَله فِي الْقُرْآن اسمان: يَعْقُوب وَإِسْرَائِيل. وَمعنى إِسْرَائِيل عبد الله، " إسر " مثل قَوْلنَا " عبد "، و " إيل " مثل قَوْلنَا " الله " ﴿اذْكروا نعمتي الَّتِي أَنْعَمت عَلَيْكُم﴾ الذّكر يكون بِالْقَلْبِ، وَيكون بِاللِّسَانِ، وَهُوَ ضد النسْيَان. وَقَوله: ﴿نعمتي﴾ أَي: نعمي، ذكر الْجمع بِلَفْظ الوحدان، وَمثله كثير فِي الْقُرْآن. وَاخْتلفُوا فِي تِلْكَ النعم. قَالَ قَتَادَة: هِيَ النعم الَّتِي خصت بهَا بَنو إِسْرَائِيل من

стр. 88

﴿يَأْتينكُمْ مني هدى فَمن تبع هُدَايَ فَلَا خوف عَلَيْهِم ولاهم يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذين كفرُوا وكذبوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ (٣٩) يَا بني إِسْرَائِيل اذْكروا نعمتي الَّتِي أَنْعَمت عَلَيْكُم وأوفوا بعهدي﴾ إنجائهم من فِرْعَوْن بتغريقه، وإرسال مُوسَى إِلَيْهِم، وإنزال التَّوْرَاة عَلَيْهِم، وَنَحْو ذَلِك. وَقَالَ غَيره: هِيَ جَمِيع النعم الَّتِي لله على عباده. فَإِن قَالَ قَائِل: لم أَمرهم بِالذكر وهم كَانُوا ذاكرين لتِلْك النعم؟ قُلْنَا: الذّكر بِمَعْنى الشُّكْر، وَمَعْنَاهُ: اشكروا نعمتي. وَإِنَّمَا ذكر بِلَفْظ الذّكر؛ لِأَن فِي الشُّكْر ذكرا، وَفِي الْكفْر نِسْيَانا. ﴿وأوفوا بعهدي﴾ أوفي يُوفى، ووفى يَفِي، بِمَعْنى وَاحِد. وَقد جمعهَا الشَّاعِر فِي بَيت وَاحِد فَقَالَ: (أما ابْن عَوْف فقد أوفى بِذِمَّتِهِ ... كَمَا وفى بقلاص النَّجْم حاويها) والعهد: هُوَ الْأَمر الْمُؤَكّد. وَمَعْنَاهُ: " أَوْفوا بعهدي " بامتثال أَمْرِي. ﴿أوف بعهدكم﴾ بِالْقبُولِ وَالثَّوَاب. وَقَالَ مُجَاهِد: أَرَادَ بِهَذَا الْعَهْد مَا ذكر فِي سُورَة الْمَائِدَة ﴿وَلَقَد أَخذ الله مِيثَاق بني إِسْرَائِيل وبعثنا مِنْهُم اثْنَي عشر نَقِيبًا﴾ إِلَى آخر الْآيَة. ﴿وإياي فارهبون﴾ فخافوني.

стр. 89

قَوْله تَعَالَى ﴿وآمنوا بِمَا أنزلت مُصدقا لما مَعكُمْ﴾ بِمَا أنزلت فِي الْقُرْآن مُصدقا لما مَعكُمْ من التَّوْرَاة. يَعْنِي أَن الْقُرْآن مُصدق لما فِي التَّوْرَاة من التَّوْحِيد ونعت مُحَمَّد

стр. 90

﴿أوف بعهدكم وإياي فارهبون (٤٠) وآمنوا بِمَا أنزلت مُصدقا لما مَعكُمْ وَلَا تَكُونُوا أول كَافِر بِهِ وَلَا تشتروا بآياتي ثمنا قَلِيلا وإياي فاتقون (٤١) وَلَا﴾ ﴿وَلَا تَكُونُوا أول كَافِر بِهِ﴾ يَعْنِي أول من كفر بِهِ. وَقيل: أول فريق كَافِر بِهِ. وهما فِي الْمَعْنى سَوَاء. فَإِن قيل: قد كفر بِهِ مشركو الْعَرَب قبلهم، فَكيف قَالَ: وَلَا تَكُونُوا أول كَافِر بِهِ؟ قُلْنَا: أَرَادَ بِهِ من أهل الْكتاب؛ لِأَن الْخطاب مَعَ أهل الْكتاب. ﴿وَلَا تشتروا بآياتي ثمنا قَلِيلا﴾ وَلَا تستبدلوا؛ ذَلِك أَن علماءهم وَأَحْبَارهمْ كَانَت لَهُم مأكلة على أغنيائهم وجهالهم؛ فخافوا أَن تذْهب مأكلتهم إِن آمنُوا بِمُحَمد فغيروا نَعته، وكتموا اسْمه، فَهَذَا معنى بيع الْآيَات بِالثّمن الْقَلِيل. ﴿وإياي فاتقون﴾ فاحذرون.

стр. 91

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تلبسوا الْحق بِالْبَاطِلِ﴾ اللّبْس: هُوَ الْخَلْط والتعمية. يُقَال: لبس يلبس لبسا، من اللبَاس. وَلبس يلبس لبسا، من التلبيس. قَالَ الله تَعَالَى ﴿وللبسنا عَلَيْهِم مَا يلبسُونَ﴾ أَي: خلطنا عَلَيْهِم كَمَا خلطوا. وَقَالَ عَليّ ﵁ لِلْحَارِثِ: لَا يكن ملبوسا عَلَيْك، الْحق لَا يعرف بِالرِّجَالِ، أعرف الْحق تعرف أَهله. فَمَعْنَى قَوْله: ﴿وَلَا تلبسوا الْحق بِالْبَاطِلِ﴾ أَي: الْإِسْلَام باليهودية والنصرانية، كَذَا قَالَ الْأَكْثَرُونَ. وَقيل: هُوَ لبس التَّوْرَاة بِمَا غيروا من نعت مُحَمَّد. ﴿وتكتموا الْحق﴾ يَعْنِي نعت مُحَمَّد. ﴿وَأَنْتُم تعلمُونَ﴾ أَنه حق. قَالَ مُحَمَّد ابْن سِيرِين: هَذَا الْخطاب مَعَ قوم من الْيَهُود كَانُوا بِالشَّام رَأَوْا فِي كتبهمْ اسْم مُحَمَّد ونعته، وَأَنه يبْعَث من الْقرى الْعَرَبيَّة، فَخَرجُوا فِي طلبه ونزلوا بِالْمَدِينَةِ فَلَمَّا بعث مُحَمَّد حسدوه، وغيروا اسْمه ونعته؛ خوفًا من ذهَاب مأكلتهم.

стр. 92

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة﴾ أما الصَّلَاة فقد ذكرنَا. وَأما

стр. 93

﴿تلبسوا الْحق بِالْبَاطِلِ وتكتموا الْحق وَأَنْتُم تعلمُونَ (٤٢) وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة واركعوا مَعَ الراكعين (٤٣) أتأمرون النَّاس بِالْبرِّ وتنسون﴾ الزَّكَاة: فمأخوذ من زكا الزَّرْع، إِذا كثر ونما. وَقيل: هِيَ من تزكّى. أَي: تطهر، وكلا الْمَعْنيين مَوْجُود فِي الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة؛ لِأَن فِيهَا تنمية المَال وتطهيره. (واركعوا مَعَ الراكعين) أَي: صلوا مَعَ الْمُصَلِّين. وأصل الرُّكُوع: عبَادَة مَعَ انحناء. يُقَال: ركعت النَّخْلَة إِذا انحنت، وَمِنْه قَول الشَّاعِر: (أخبر أَخْبَار الْقُرُون الَّتِي مَضَت ... أدب كَأَنِّي كلما قُمْت رَاكِع) وَإِنَّمَا ذكره بِلَفْظ الرُّكُوع؛ لِأَن صَلَاة الْيَهُود مَا كَانَ فِيهَا رُكُوع؛ فَكَأَنَّهُ قَالَ: وصلوا صَلَاة ذَات رُكُوع. فَإِن قيل: قد أَمرهم فِي أول الْآيَة بِإِقَامَة الصَّلَاة، فَأَي شَيْء معنى هَذَا الْأَمر الثَّانِي: قُلْنَا: الأول مُطلق فِي حق الْكل، وَهَذَا الثَّانِي خطاب لقوم مخصوصين، قَالَ لَهُم: صلوا مَعَ الَّذين [سبقوكم] بِالْإِيمَان وَالصَّلَاة.

стр. 94

قَوْله تَعَالَى: ﴿أتأمرون النَّاس بِالْبرِّ﴾ أَي: بِالطَّاعَةِ ﴿وتنسون أَنفسكُم﴾ أَي: تتركون أَنفسكُم ﴿وَأَنْتُم تتلون الْكتاب﴾ التَّوْرَاة. ﴿أَفلا تعقلون﴾ الْعقل: مَأْخُوذ من عقال الْبَعِير، وَهُوَ مَا يشد بِهِ ركبة الْبَعِير، سمى بِهِ لِأَن يمنعهُ من الشرود، كَذَلِك الْعقل يمْنَع صَاحبه من التمرد وَالْخُرُوج عَن طَاعَته. وَفِي معنى الْآيَة قَولَانِ، أَحدهمَا: أَنه خطاب لأحبارهم، حَيْثُ أمروا أتباعهم بالتمسك بِالتَّوْرَاةِ، ثمَّ خالفوا وغيروا نعت مُحَمَّد. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن أهل الْمَدِينَة كَانُوا يشاورون علماءهم فِي اتِّبَاع مُحَمَّد فأشاروا عَلَيْهِم باتباعه ثمَّ خالفوه وَكَفرُوا بِهِ. فِي الحَدِيث: (روى أنس) عَن النَّبِي أَنه قَالَ " رَأَيْت لَيْلَة أسرى بِي فِي السَّمَاء أَقْوَامًا تقْرض شفاهم بمقاريض من نَار، فَسَأَلت من هَؤُلَاءِ؟ فَقَالُوا: هَؤُلَاءِ

стр. 95

﴿أَنفسكُم وَأَنْتُم تتلون الْكتاب أَفلا تعقلون (٤٤) وَاسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة وَإِنَّهَا لكبيرة إِلَّا على الخاشعين (٤٥) الَّذين يظنون أَنهم﴾ الخطباء من أمتك كَانُوا يأمرون النَّاس بِالْبرِّ وينسون أنفسهم ".

стр. 96

قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة﴾ الِاسْتِعَانَة طلب المعونة. وَأما الصَّبْر فالأكثرون على أَنه حبس النَّفس عَن الْمعاصِي. وَمِنْه الدَّابَّة المصبورة وَهِي أَن تمسك لترمي كالهدف. وَفِي الحَدِيث: " أنة نهى عَن الدَّابَّة المصبورة ". وَقَالَ فِي الَّذِي يمسك غَيره حَتَّى يقتل: " اصْبِرُوا الصابر واقتلوا الْقَاتِل " أَي: احْبِسُوا الممسك واقتلوا الْمُبَاشر. وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: هُوَ الصَّوْم. وَمِنْه سمى شهر رَمَضَان شهر الصَّبْر. فَإِن قيل: مَا معنى الِاسْتِعَانَة بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاة؟ قيل: لِأَن الصَّوْم يزهده فِي الدُّنْيَا. (وَكَذَلِكَ) فِي الصَّلَاة يقْرَأ مَا يحثه على الزّهْد فِي الدُّنْيَا. فَكَأَنَّهُ قَالَ: اسْتَعِينُوا بِهَذَيْنِ على الدّين؛ لتقووا على الإقبال على الْآخِرَة والإعراض عَن الدُّنْيَا. ﴿وَإِنَّهَا لكبيرة﴾ لثقيلة. وَفِي قَوْله: ﴿وَإِنَّهَا﴾ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن (لكناية)

стр. 97

﴿ملاقو رَبهم وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُون (٤٦) يَا بني إِسْرَائِيل اذْكروا نعمتي الَّتِي أَنْعَمت عَلَيْكُم وَأَنِّي فضلتكم على الْعَالمين (٤٧) وَاتَّقوا يَوْمًا لَا تجزي نفس﴾ رَاجِعَة إِلَى الصَّوْم وَالصَّلَاة جَمِيعًا. إِلَّا أَنه اكْتفى بِأحد الْمَذْكُورين وَالْكِنَايَة عَنهُ. وَهُوَ كَمَا قَالَ الْقَائِل: (وَمن يَك أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رَحْله ... فَإِنِّي وقيار بهَا لغريب) أَي: لغريبان إِلَّا أَنه اكْتفى بِأَحَدِهِمَا. وَأورد الْأَزْهَرِي فِي كتاب التَّقْرِيب قولا حسنا، فَقَالَ: تَقْدِيره: وَاسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَإنَّهُ لكبير، وبالصلاة وَإِنَّهَا لكبيرة، إِلَّا أَنه حذف أَحدهمَا وَاخْتصرَ الْمَعْنى اختصارا. (إِلَّا على الخاشعين) الخاشع: هُوَ الْمُطِيع المتواضع.

стр. 98

﴿الَّذين يظنون﴾ يستيقنون. وَالظَّن يكون بِمَعْنى الشَّك، وَيكون بِمَعْنى الْيَقِين، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنِّي ظَنَنْت أَنِّي ملاق حسابيه﴾ أَي: استيقنت، وَقَالَ الشَّاعِر: (فَقلت لَهُم ظنُّوا بألفي مقنع ... سراتهم فِي الْفَارِسِي المسرد) وَقَوله تَعَالَى: ﴿أَنهم ملاقوا رَبهم﴾ أَي صائرون إِلَى رَبهم. وكل مَا ورد فِي الْقُرْآن من اللِّقَاء فَهُوَ بِمَعْنى الصيرورة إِلَيْهِ، كَذَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ. وَقيل: هُوَ اللِّقَاء الْمَوْعُود، وَهُوَ رُؤْيَة الله تَعَالَى. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ أَي: صائرون.

стр. 99

وَقَوله تَعَالَى: ﴿يَا بني إِسْرَائِيل اذْكروا نعمتي الَّتِي أَنْعَمت عَلَيْكُم﴾ مَعْنَاهُ مَا سبق. ﴿وَأَنِّي فضلتكم على الْعَالمين﴾ التَّفْضِيل نقيض التَّسْوِيَة. وَأَرَادَ بِهِ التَّفْضِيل بِتِلْكَ النعم الَّتِي سبق ذكرهَا. وَذَلِكَ التَّفْضِيل وَإِن كَانَ فِي حق الْآبَاء وَلَكِن يحصل بِهِ الشّرف للأبناء، فصح الْخطاب مَعَهم. ﴿على الْعَالمين﴾ على عالمي زمانهم.

стр. 100

قَوْله تَعَالَى ﴿وَاتَّقوا يَوْمًا لَا تجزي نفس عَن نفس شَيْئا﴾ مَعْنَاهُ: واحذروا

стр. 101

﴿عَن نفس شَيْئا وَلَا يقبل مِنْهَا شَفَاعَة وَلَا يُؤْخَذ مِنْهَا عدل ولاهم ينْصرُونَ (٤٨) وَإِذ نجيناكم من آل فِرْعَوْن﴾ عَذَاب يَوْم الْقِيَامَة. ﴿لَا تجزى نفس عَن نفس شَيْئا﴾ قَالَ الْأَخْفَش: مَعْنَاهُ لَا تقوم نفس مقَام نفس. وَقَالَ غَيره: مَعْنَاهُ لَا تقضى نفس عَن نفس حَقًا لَزِمَهَا. ﴿وَلَا يقبل مِنْهَا شَفَاعَة﴾ يقْرَأ بقراءتين بِالتَّاءِ وَالْيَاء وَالْكل جَائِز لِأَن الشفع والشفاعة بِمَعْنى وَاحِد كالوعظ وَالْمَوْعِظَة وَالصَّوْت والصيحة بِمَعْنى وَاحِد. ثمَّ يذكر تَارَة بالتذكير على الْمَعْنى. وَتارَة بالتأنيث على اللَّفْظ. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قد جاءتكم موعظة من ربكُم﴾ وَقَالَ فِي مَوضِع آخر ﴿فَمن جَاءَهُ موعظة من ربه﴾ قَالَ ﴿وَأخذت الَّذين ظلمُوا الصَّيْحَة﴾ وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿وَأخذ الَّذين ظلمُوا الصَّيْحَة﴾ كَذَا هَذَا. ﴿وَلَا يُؤْخَذ مِنْهَا عدل﴾ الْعدْل وَالْعدْل هُوَ الْمثل، قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَو عدل ذَلِك صياما﴾ أَي: مثله. وَالْمرَاد بِالْعَدْلِ هَاهُنَا الْفِدْيَة، وَسميت عدلا، لِأَنَّهَا مثل المفدي بِهِ. وَأما قَوْلهم: لَا يقبل مِنْهُ صرف وَلَا عدل قيل: الصّرْف النَّافِلَة، وَالْعدْل الْفَرِيضَة. وَقيل: الصّرْف الْحِيلَة، وَالْعدْل الْفِدْيَة. (ولاهم ينْصرُونَ) يمْنَعُونَ الْعَذَاب.

стр. 102

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا نجيناكم من آل فِرْعَوْن﴾ الإنجاء والتنجية وَاحِد. هُوَ الإنقاذ من الْمَكْرُوه. وَآل فِرْعَوْن: أَتْبَاعه الَّذين اقتدوا بِهِ وبفعله. وَكَذَلِكَ آل النَّبِي أَتْبَاعه.

стр. 103

﴿يسومونكم سوء الْعَذَاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وَفِي ذَلِكُم بلَاء من ربكُم عَظِيم (٤٩) وَإِذ فرقنا بكم الْبَحْر فأنجيناكم وأغرقنا﴾ وروى أنس عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " آلى كل مُؤمن تَقِيّ "، فَأَما آل الْقَرَابَة فهم قوم مخصوصون [لَا] تجْرِي عَلَيْهِم الصَّدَقَة. وَقد ذكرُوا فِي الْفِقْه. ﴿يسومونكم سوء الْعَذَاب﴾ أَي: يجشمونكم ويولونكم. وَقيل: يصرفونكم فِي الْعَذَاب مرّة هَكَذَا وَمرَّة هَكَذَا، كَالْإِبِلِ السَّائِمَة فِي الْبَريَّة. ﴿سوء الْعَذَاب﴾ أَشد الْعَذَاب ﴿يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم﴾ مَذْكُور على وَجه الْبَدَل عَن قَوْله ﴿يسومونكم﴾ وَمثله قَول الشَّاعِر: (مَتى تأتنا تلمم بِنَا فِي دِيَارنَا ... تَجِد حطبا جزلا وَنَارًا تأججا) وَقَوله: " تلمم بِنَا فِي دِيَارنَا " بدل عَن قَوْله: " مَتى تأتنا ". وَمعنى قَوْله: ﴿يذبحون أبناءكم﴾ أَي: يقتلُون. الذّبْح والذبيح بِمَعْنى وَاحِد. وَسبب ذَلِك أَن فِرْعَوْن رأى فِي الْمَنَام نَارا جَاءَت من نَحْو بَيت الْمُقَدّس، وأحاطت بِمصْر، وأحرقت كل قبْطِي هُنَالك، وَلم تتعرض لبني إِسْرَائِيل، فَعلم بذلك أَن نَبيا يخرج من بني إِسْرَائِيل؛ يكون هلاكهم على يَدَيْهِ، فَأمر بقتل الْأَبْنَاء، وَترك الْبَنَات، حَتَّى قيل: إِنَّه قتل فِي طلب مُوسَى اثْنَي عشر ألف صَبيا. ﴿ويستحيون نساءكم﴾ أَي: يتركون ويستبقون، وَهُوَ استفعال من الْحَيَاة، وَمِنْه

стр. 104

﴿آل فِرْعَوْن وَأَنْتُم تنْظرُون (٥٠) وَإِذ واعدنا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَة ثمَّ اتخذتم﴾ قَول النَّبِي: " اقْتُلُوا شُيُوخ الْمُشْركين واستحيوا شرخهم " أَي: شبابهم، وَأَرَادَ بِهِ الذُّرِّيَّة وَالنِّسَاء. ﴿وَفِي ذَلِكُم بلَاء من ربكُم عَظِيم﴾ الْبلَاء: يكون بِمَعْنى النِّعْمَة وَيكون بالشدة، لِأَنَّهُ من الِابْتِلَاء. وَالله تَعَالَى قد يختبر على النِّعْمَة بالشكر وَقد يختبر على الشدَّة بِالصبرِ. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ونبلوكم بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فتْنَة﴾ قَالَ الشَّاعِر: (جزى الله إحسانا بِمَا فعلا بِهِ ... وأبلاهما خير الْبلَاء الَّذِي يبلو) وَقَوله - تَعَالَى -: ﴿وَفِي ذَلِكُم بلَاء﴾ يحْتَمل هَذَا الْمَعْنيين، أَحدهمَا: فِيمَا لحقكم من فِرْعَوْن من الْأَذَى والشدة بلَاء عَظِيم. وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ: فِيمَا حصل لكم من النجَاة بغرق فِرْعَوْن بلَاء غظيم، أَي: نعْمَة عَظِيمَة.

стр. 105

قَوْله - تَعَالَى - ﴿وَإِذ فرقنا بكم الْبَحْر﴾ قيل: فرقنا لكم الْبَحْر. وَقيل: الْبَاء فِي موضعهَا، وَمَعْنَاهُ: فرقنا الْبَحْر بدخولكم إِيَّاه فرقا فرقا فَوق الرَّأْس وفرقا من تَحت الْقدَم أَو فرقا من ذَلِك الْجَانِب، وفرقا من ذَلِك الْجَانِب، وَالْبَحْر سمى بحرا، لاتساعه. وَمِنْه يُقَال للْفرس: بَحر إِذا اتَّسع فِي جريه، وللجواد: بَحر إِذا اتَّسع كَفه للجود. وَقَوله تَعَالَى ﴿فأنجيناكم وأغرقنا آل فِرْعَوْن﴾ قيل فِي الْقَصَص: إِن عدد المنجين مِنْهُم كَانُوا سِتّمائَة ألف [وَعشْرين] ألفا، لَا يعد فيهم ابْن عشْرين لصغره،

стр. 106

﴿الْعجل من بعده وَأَنْتُم ظَالِمُونَ (٥١) ثمَّ عَفَوْنَا عَنْكُم من بعد ذَلِك لَعَلَّكُمْ تشكرون (٥٢) وَإِذ آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب وَالْفرْقَان لَعَلَّكُمْ﴾ وَلَا ابْن سِتِّينَ لكبره. وَأما عدد المغرقين فَالله بهم عليم. وَقيل: كَانَ على مقدمته هامان مَعَ ألف ألف وَسَبْعمائة ألف نفر حِين غرقوا، وَالله أعلم بِمن كَانَ على المؤخرة. ﴿وَأَنْتُم تنْظرُون﴾ إِلَى غرقهم وهلاكهم. وَقيل: تعلمُونَ.

стр. 107

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَإِذا واعدنا﴾ وَقَرَأَ: " وَإِذ وعدنا " مَعْنَاهُمَا وَاحِد، فَإِن قَالَ قَائِل: المواعدة على وزن المفاعلة، فتقتضي اثْنَيْنِ يتواعدان، فَكيف تكون المواعدة من الله مَعَ مُوسَى؟ قُلْنَا: المواعدة من الله تَعَالَى بِالْأَمر، وَمن مُوسَى صلوَات الله عَلَيْهِ بِالْقبُولِ وَكَذَلِكَ الْوَعْد. وَأما مُوسَى، اسْم عبري، و " مو " بلغَة العبرية هُوَ المَاء و " شى " هُوَ الشّجر، فَسمى " موشى " لِأَنَّهُ أَخذ من المَاء وَالشَّجر ثمَّ قلب الشين سنا فِي الْعَرَبيَّة فَصَارَ مُوسَى. وَقَوله: ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَة﴾ أَي: انْقِضَاء أَرْبَعِينَ لَيْلَة. أمره الله تَعَالَى أَن يَصُوم أَرْبَعِينَ يَوْمًا لإعطائه التَّوْرَاة، وَكَانَ قد وعده ثَلَاثِينَ؛ إِلَّا أَن الله تَعَالَى كَانَ قد نَهَاهُ أَن يتَنَاوَل شَيْئا فِي هَذِه الثَّلَاثِينَ، فَلَمَّا أتم الثَّلَاثِينَ مر بشجرة، فَتَنَاول من وَرقهَا، أمره الله تَعَالَى أَن يَصُوم عشرَة أَيَّام بِسَبَب ذَلِك. وَعَلِيهِ دلّ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الْأَعْرَاف ﴿وواعدنا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَة وأتممناها بِعشر﴾ الْآيَة. وَقَوله تَعَالَى ﴿ثمَّ اتخذتم الْعجل من بعده﴾ يَعْنِي: إِلَهًا، وَله قصَّة مَعْرُوفَة ستأتي فِي سُورَة طه.

стр. 108

﴿تهتدون (٥٣) وَإِذ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قوم إِنَّكُم ظلمتم أَنفسكُم باتخاذكم الْعجل فتوبوا إِلَى بارئكم فَاقْتُلُوا أَنفسكُم ذَلِكُم خير لكم عِنْد بارئكم فَتَابَ﴾ ﴿وَأَنْتُم ظَالِمُونَ﴾ باتخاذ الْعجل إِلَهًا.

стр. 109

قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ عَفَوْنَا عَنْكُم من بعد ذَلِك﴾ . الْعَفو: محو الْآثَار. وَيُقَال: عفت الرِّيَاح كَذَا، إِذا محت الْآثَار. يَقُول: عَفَوْنَا عَنْكُم من بعد اتخاذكم الْعجل إِلَهًا. ﴿لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 110

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب﴾ يَعْنِي: التَّوْرَاة. ﴿وَالْفرْقَان﴾ فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه أَرَادَ بِهِ التَّوْرَاة أَيْضا. إِلَّا أَنه ذكرهَا باسمين، وَمثله قَول الشَّاعِر: (أَلا حبذا هِنْد وَأَرْض بهَا هِنْد ... وَهِنْد أَتَى من دونهَا النأي والبعد) والنأي والبعد اسمان بِمَعْنى وَاحِد. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَرَادَ بِهِ الْفرْقَان بَين الْحق وَالْبَاطِل. وَقد أعْطى الله مُوسَى ذَلِك. وَمِنْه سمى يَوْم بدر: يَوْم الْفرْقَان؛ لِأَنَّهُ فرق فِيهِ بَين الْحق وَالْبَاطِل. وَالْقَوْل الثَّالِث: أَرَادَ بِهِ انفراق الْبَحْر كَمَا سبق. ﴿لَعَلَّكُمْ تهتدون﴾ بِالتَّوْرَاةِ.
следующие страницы →