← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

﴿فَنصف مَا فرضتم إِلَّا أَن يعفون أَو يعْفُو الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح وَأَن تَعْفُو أقرب للتقوى وَلَا تنسوا الْفضل بَيْنكُم إِن الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (٢٣٧) حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى وَقومُوا لله قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِن خِفْتُمْ فرجالا أَو ركبانا﴾ إِن المُرَاد بِهِ: الزَّوْج، وعفوه: الْفضل بِإِعْطَاء تَمام الْمهْر. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: أَرَادَ بِهِ الْوَلِيّ وَهُوَ الْأَلْيَق بنظم الْآيَة وَرَأى جَوَاز إِبْرَاء الْوَلِيّ عَن مهر الْمَرْأَة. وَفِيه قَول ثَالِث: أَنه فِي أَب الْبكر خَاصَّة، وَله الْعَفو عَن مهر ابْنَته مَا دَامَت بكرا. وَالْفَتْوَى على أَن لَيْسَ إِلَى الْوَلِيّ من الْعَفو شَيْء. وَإِنَّمَا الْآيَة فِي الزَّوْج، كَمَا قَالَ عَليّ ﵁. ﴿وَأَن تَعْفُو أقرب للتقوى﴾ الْخطاب مَعَ الْكل. ﴿وَلَا تنسوا الْفضل بَيْنكُم﴾ أَي: أفضال بَعْضكُم على بعض. ﴿إِن الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ .

стр. 457

قَوْله تَعَالَى: ﴿حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى﴾ أَمر بالمحافظة على جَمِيع الْأَوْقَات. وَأما الصَّلَاة الْوُسْطَى فَفِيهَا سَبْعَة أَقْوَال: أَحدهَا: قَالَ عمر، وَعلي، وَأَبُو هُرَيْرَة، وَأَبُو أَيُّوب، وَعَائِشَة ﵃ هِيَ صَلَاة الْعَصْر، لِأَنَّهَا وسط (صَلَاتي) اللَّيْل وصلاتي النَّهَار. وَعَن حَفْصَة أَنَّهَا قَالَت لكاتب مصحفها: إِذا بلغت قَوْله: ﴿حَافظُوا على الصَّلَوَات﴾ فَأَعْلمنِي، فَلَمَّا بلغه أعلمها، فَقَالَت: اكْتُبْ: وَالصَّلَاة الْوُسْطَى صَلَاة الْعَصْر. وَقد صَحَّ الْخَبَر عَن رَسُول الله أَنه قَالَ يَوْم الخَنْدَق: " شغلونا عَن صَلَاة الْوُسْطَى صَلَاة الْعَصْر مَلأ الله بطونهم وقبورهم نَارا ". وَالْقَوْل الثَّانِي وَهُوَ قَول زيد بن ثَابت: أَنَّهَا صَلَاة الظّهْر، لِأَنَّهَا وسط النَّهَار.

стр. 458

وَالْقَوْل الثَّالِث وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس، وَابْن عمر، وَجَابِر: أَنَّهَا صَلَاة الصُّبْح. وَهُوَ [اخْتِيَار] الشَّافِعِي لِأَنَّهَا وسط صَلَاتي اللَّيْل وصلاتي النَّهَار. ووراء هَذَا فِيهِ أَربع أَقْوَال غَرِيبَة: أَحدهَا قَالَه قبيصَة بن ذُؤَيْب: أَنَّهَا صَلَاة الْمغرب؛ لِأَنَّهَا وسط فِي عدد الرَّكْعَات. وَالْقَوْل الثَّانِي وَهُوَ قَول سعيد بن الْمسيب، وَالربيع بن خثيم: أَنَّهَا كل صَلَاة من الصَّلَوَات الْخمس؛ لِأَن كل صَلَاة من الصَّلَوَات الْخمس: وسطى بَين الْأَرْبَع. وَإِنَّمَا خصّه بعد ذكر الصَّلَوَات تَأْكِيدًا وتحريضا على الْمُحَافظَة على جَمِيع الصَّلَوَات. وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنَّهَا الْجُمُعَة. وَالْقَوْل الرَّابِع: أَنَّهَا الْجَمَاعَة. وَاخْتلفُوا فِي صَلَاة الصُّبْح أَنَّهَا من صَلَاة اللَّيْل، أَو من صَلَاة النَّهَار. فَأكْثر الْعلمَاء على أَنَّهَا من صَلَاة النَّهَار. وَقَالَ بَعضهم: أَنَّهَا [من] صَلَاة اللَّيْل. وَهَذَا الْخلاف يرجع إِلَى أَن النَّهَار من وَقت طُلُوع الْفجْر أَو [من] وَقت طُلُوع الشَّمْس. فَمن قَالَ: إِنَّه من وَقت طُلُوع الْفجْر؛ جعل صَلَاة الصُّبْح من صَلَاة النَّهَار. وَمن قَالَ: إِن النَّهَار من وَقت طُلُوع الشَّمْس؛ جعلهَا من صَلَاة اللَّيْل. وَاسْتدلَّ قَائِل هَذَا القَوْل بقول أُميَّة بن الصَّلْت. (وَالشَّمْس تطلع كل آخر لَيْلَة ... حَمْرَاء يصبح لَوْنهَا يتورد) وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: ليل مَحْض، ونهار مَحْض، ومشترك بَين اللَّيْل، وَالنَّهَار فَصَلَاة الْمغرب وَالْعشَاء الْآخِرَة فِي مَحْض اللَّيْل. وَصَلَاة الظّهْر وَالْعصر فِي مَحْض النَّهَار، وَصَلَاة الصُّبْح مُشْتَرك بَين اللَّيْل وَالنَّهَار.

стр. 459

﴿فَإِذا أمنتم فاذكروا الله كَمَا علمكُم مَا لم تَكُونُوا تعلمُونَ (٢٣٩) وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا وَصِيَّة لأزواجهم مَتَاعا إِلَى الْحول غير إِخْرَاج فَإِن خرجن فَلَا﴾ وَفِيه قَول آخر هُوَ الْمُخْتَار: أَنه ليل لُغَة ونهار شرعا. وَقَوله: ﴿وَقومُوا لله قَانِتِينَ﴾ أَي: مُطِيعِينَ ساكتين. وَذَلِكَ أَن الْكَلَام كَانَ مُبَاحا فِي الصَّلَاة فِي الِابْتِدَاء، فَلَمَّا نزلت هَذِه الْآيَة؛ سكتوا. والقارئ فِي الصَّلَاة سَاكِت عَن الْكَلَام. وَمذهب الشَّافِعِي أَنه [لَو] حلف لَا يتَكَلَّم فَقَرَأَ الْقُرْآن لم يَحْنَث؛ لِأَنَّهُ كَلَام الله لَا كَلَامه. خلافًا لأبي حنيفَة قَالَ: يَحْنَث.

стр. 460

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن خِفْتُمْ فرجالا أَو ركبانا﴾ هَذِه فِي صَلَاة الْخَوْف، يصلونَ مشَاة وفرسانا. وَقَوله: ﴿فَإِذا أمنتم فاذكروا الله كَمَا علمكُم مَا لم تَكُونُوا تعلمُونَ﴾ يَعْنِي: كَمَا علمكُم من أصل الصَّلَاة فِي حَال الْأَمْن.

стр. 461

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا وَصِيَّة لأزواجهم﴾ . يقْرَأ بِالْفَتْح، وَتَقْدِيره: أوصوا وَصِيَّة. وَيقْرَأ بِالضَّمِّ: وَتَقْدِيره: عَلَيْكُم وَصِيَّة، وَهَذَا ورد فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام حِين كَانَت (الْعدة للوفاة) حولا كَامِلا، وَكَانَت نَفَقَة جَمِيع الْحول على الزَّوْج وَاجِبَة، وَكَانَ يجب عَلَيْهِ الْوَصِيَّة بِالْإِنْفَاقِ إِذا مَاتَ، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿وَصِيَّة لأزواجهم مَتَاعا إِلَى الْحول﴾ أَي: نَفَقَة الْحول. وَقَوله: ﴿غير إِخْرَاج﴾ وَحرم على الْوَارِث إِخْرَاج الْمُعْتَدَّة من الْبَيْت قبل تَمام الْحول، لَكِن إِذا خرجت بِنَفسِهَا سَقَطت نَفَقَتهَا. فنسخ ذَلِك بِآيَة عدَّة الْوَفَاة كَمَا سبق، وَتلك

стр. 462

﴿جنَاح عَلَيْكُم فِي مَا فعلن فِي أَنْفسهنَّ من مَعْرُوف وَالله عَزِيز حَكِيم (٢٤٠) وللمطلقات مَتَاع بِالْمَعْرُوفِ حَقًا على الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذَلِك يبين الله لكم آيَاته لَعَلَّكُمْ تعقلون (٢٤٢) ألم تَرَ إِلَى الَّذين خَرجُوا من دِيَارهمْ وهم أُلُوف حذر الْمَوْت﴾ الْآيَة وَإِن كَانَت مُتَقَدّمَة فِي التِّلَاوَة وَلكنهَا مُتَأَخِّرَة فِي الْمَعْنى، وَهِي ناسخة لهَذِهِ الْآيَة. وَقيل لعُثْمَان: أَلا تضع تِلْكَ الْآيَة مَكَان هَذِه الْآيَة، وَهَذِه مَكَان تِلْكَ؟ فَقَالَ: أكره أَن أغير الْقُرْآن عَن مَوْضِعه. وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَإِن خرجن فَلَا جنَاح عَلَيْكُم فِي مَا فعلن فِي أَنْفسهنَّ من مَعْرُوف﴾ هُوَ مَا ذكرنَا بعد الْفَرَاغ من الْعدة. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَالله عَزِيز حَكِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 463

قَوْله تَعَالَى: ﴿وللمطلقات مَتَاع بِالْمَعْرُوفِ﴾ أعَاد ذكر الْمُتْعَة تَأْكِيدًا. وَسبب نزُول الْآيَة: مَا روى أَنهم لما سمعُوا قَوْله تَعَالَى: ﴿مَتَاعا بِالْمَعْرُوفِ حَقًا على الْمُحْسِنِينَ﴾ قَالُوا: إِن شِئْنَا نمتع، وَإِن شِئْنَا لَا نمتع، فَنزلت هَذِه الْآيَة. ﴿وللمطلقات مَتَاع بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَي: الْمُتْعَة لَهُنَّ ملكا، جعلهَا لَهُنَّ بلام التَّمْلِيك. وَقَوله: ﴿حَقًا على الْمُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي: وَاجِبا على الْمُؤمنِينَ.

стр. 464

قَوْله تَعَالَى: ﴿كَذَلِك يبين الله لكم آيَاته﴾ لِأَنَّهُ ذكر فِيمَا قبل كثيرا من الْآيَات، وَالْأَحْكَام، فَأَرَادَ بِهِ ذَلِك. وَقَوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تعقلون﴾ أَي: تفهمون وتفقهون.

стр. 465

قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين خَرجُوا من دِيَارهمْ وهم أُلُوف﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانُوا أَرْبَعَة آلَاف، وَقَالَ غَيره: كَانُوا ثَمَانِيَة آلَاف، وَقَالَ السّديّ: كَانُوا [بضعَة]

стр. 466

فَقَالَ لَهُم الله موتوا ثمَّ أحياهم إِن الله لذُو فضل على النَّاس وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يشكرون (٢٤٣) وقاتلوا فِي سَبِيل الله وَاعْلَمُوا أَن الله سميع عليم (٢٤٤) من ذَا) وَثَلَاثِينَ ألفا وَفِي رِوَايَة ابْن جريج: أَرْبَعِينَ ألفا، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: أُلُوف، أَي: مؤتلفة قُلُوبهم، وَالصَّحِيح أَن المُرَاد بِهِ: الْعدَد كَمَا بَينا. وَقَوله: ﴿حذر الْمَوْت فَقَالَ لَهُم الله موتوا﴾ أَي: أماتهم الله ﴿ثمَّ أحياهم﴾ هَذَا [فِي] قوم من بني إِسْرَائِيل هربوا من الطَّاعُون، وَقَالُوا: نَذْهَب إِلَى أَرض لَيْسَ بهَا طاعون، فَذَهَبُوا فأماتهم اله تَعَالَى هُنَالك وبقوا سَبْعَة أَيَّام كَذَلِك، فَمر بهم نَبِي يُقَال لَهُ: حزقيل، فَدَعَا الله تَعَالَى فأحياهم. قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: أماتهم الله تَعَالَى قبل آجالهم؛ عُقُوبَة لَهُم، ثمَّ أحياهم ليستوفوا آجالهم. وَفِي الْقَصَص: أَنه بعد مَا أحياهم كَانَ يُوجد مِنْهُم ريح الْمَوْت، وَكَذَلِكَ من أَوْلَادهم. وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِن الله لذُو فضل على النَّاس﴾ قيل: هُوَ على الْعُمُوم فِي حق الكافة فِي الدُّنْيَا، وَقيل: هُوَ على الْخُصُوص فِي حق الْمُؤمنِينَ. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يشكرون﴾ أما الْكفَّار فَلَا يشكرون. وَأما [الْمُؤْمِنُونَ] فَلم يبلغُوا غَايَة الشُّكْر.

стр. 467

قَوْله تَعَالَى: ﴿وقاتلوا فِي سَبِيل الله وَاعْلَمُوا أَن الله سميع عليم﴾ قيل الْخطاب مَعَ الصَّحَابَة. وَالْمعْنَى فِيهِ: أَن أُولَئِكَ الْقَوْم لما هربوا من الْمَوْت لم يَنْفَعهُمْ الْهَرَب حَتَّى أدركهم الْمَوْت، فَلَا تقعدوا وَأَنْتُم عَن الْقِتَال خوفًا من الْمَوْت؛ بل جاهدوا وقاتلوا فِي سَبِيل الله. وَقيل: الْخطاب مَعَ أُولَئِكَ الْقَوْم من بني إِسْرَائِيل، فَإِنَّهُم إِنَّمَا قعدوا عَن الْقِتَال؛ فأماتهم الله ثمَّ أحياهم، وَأمرهمْ بِالْقِتَالِ.

стр. 468

﴿الَّذِي يقْرض الله قرضا حسنا فيضاعفه لَهُ أضعافا كَثِيرَة وَالله يقبض ويبصط وَإِلَيْهِ﴾

стр. 469

قَوْله تَعَالَى: ﴿من ذَا الَّذِي يقْرض الله قرضا حسنا﴾ الْقَرْض: هُوَ الْقطع. وَمِنْه المقراض، وسمى الْقَرْض قرضا؛ لِأَنَّهُ يقطع شَيْئا من مَاله ليكافأ عَلَيْهِ. أَو يرد عَلَيْهِ مثله. قَالَ لبيد: (وَإِذا جوزيت قرضا فأجزه ... إِنَّمَا يَجْزِي الْفَتى لَيْسَ الْإِبِل) فَإِن قيل: كَيفَ يكون الْإِقْرَاض من الله تَعَالَى؟ قيل مَعْنَاهُ: يقْرض أَنْبيَاء الله. فَقَالَ الضَّحَّاك: مَعْنَاهُ: يتَصَدَّق لله، وَسَماهُ قرضا لِأَن الله تَعَالَى قد وعد الثَّوَاب عَلَيْهِ. وَقَوله تَعَالَى: ﴿قرضا حسنا﴾ يَعْنِي: حَلَالا، وَقيل: حسنا أَي: طيبَة نَفسه بِهِ. وَقَوله: ﴿فيضاعفه لَهُ أضعافا كَثِيرَة﴾ يقْرَأ بقراءات: فيضاعفه " بِضَم الْفَاء على إتباع قَوْله: ﴿يقْرض﴾ . وَقُرِئَ: " فيضاعفه ". بِفَتْح الْفَاء نصبا على جَوَاب الِاسْتِفْهَام. وَيقْرَأ: " فيضعفه " بِالْيَاءِ وَيقْرَأ بالنُّون: " فنضعفه ". ولتضعيف والمضاعفة بِمَعْنى وَاحِد. والضعف كل مَا زَاد على الْمثل. وَقَوله: ﴿أضعافا كَثِيرَة﴾ قَالَ السّديّ: كَثِيرَة لَا يعلم عَددهَا إِلَّا الله. وَقَالَ غَيره: سَبْعمِائة ضعف. وَقَوله: ﴿وَالله يقبض ويبسط﴾ فِيهِ أَرْبَعَة أَقْوَال:

стр. 470

﴿ترجعون (٢٤٥) ألم تَرَ إِلَى الْمَلأ من بني إِسْرَائِيل من بعد مُوسَى إِذْ قَالُوا لبني لَهُم﴾ [أَحدهمَا] : قَالَ الْحسن: يقبض بالتقتير، ويبسط بالتوسيع. وَقَالَ الزّجاج: يقبض بِقبُول الصَّدَقَة، ويبسط بِإِعْطَاء الثَّوَاب عَلَيْهِ. وَالْقَوْل الثَّالِث: يقبض بتقليل الْأَعْمَار، ويبسط بتكثير الْأَعْمَار. وَالْقَوْل الرَّابِع: يقبض بِالتَّحْرِيمِ، ويبسط بِالْإِبَاحَةِ. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِلَيْهِ ترجعون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 471

قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ إِلَى الْمَلأ من بني إِسْرَائِيل من بعد مُوسَى﴾ الْمَلأ: أَشْرَاف كل قوم. وَفِي الْخَبَر: " أَنه لما قتل رُءُوس الْمُشْركين مثل أبي جهل، وَعتبَة، وَغَيرهمَا يَوْم بدر قَالَ رجل من الْأَنْصَار: مَا قتلنَا إِلَّا عَجَائِز صلعا أَي: أَوَاخِر الْقَوْم شُيُوخًا فكره ذَلِك رَسُول الله وَقَالَ: أُولَئِكَ الْمَلأ من قُرَيْش؛ لَو رَأَيْتهمْ هبتهم، وَإِن أمروك أطعتهم، واحتقرت فعلك مَعَ فعلهم ". وَقَوله: ﴿إِذْ قَالُوا لنَبِيّ لَهُم ابْعَثْ لنا ملكا نُقَاتِل فِي سَبِيل الله﴾ قيل: ذَلِك النَّبِي كَانَ اشمويل، وَقيل: كَانَ يُوشَع بن النُّون، وَقيل: هُوَ شَمْعُون، وسى بذلك؛ لِأَن الله تَعَالَى دَعَاهُ فَسَمعهُ. والقصة فِي ذَلِك: أَن بني إِسْرَائِيل [ظهر] عَلَيْهِم الْعَدو، وَسبوا من أَبنَاء مُلُوكهمْ أَرْبَعمِائَة وَأَرْبَعين نَفرا وَكَانُوا قد قعدوا عَن الْقِتَال أَربع سِنِين فَجَاءُوا إِلَى نَبِيّهم ذَلِك، وَقَالُوا لَهُ: ابْعَثْ لنا ملكا يجْتَمع أمرنَا عَلَيْهِ

стр. 472

﴿ابْعَثْ لنا ملكا نُقَاتِل فِي سَبِيل الله قَالَ هَل عسيتم إِن كتب عَلَيْكُم الْقِتَال أَلا تقاتلوا قَالُوا وَمَا لنا أَلا نُقَاتِل فِي سَبِيل الله وَقد أخرجنَا من دِيَارنَا وأبنائنا فَلَمَّا كتب عَلَيْهِم الْقِتَال توَلّوا إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم وَالله عليم بالظالمين (٢٤٦) وَقَالَ لَهُم نَبِيّهم إِن الله قد﴾ فنقاتل فِي سَبِيل الله. وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالَ هَل عسيتم﴾ الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة: بِفَتْح السِّين. وقرىء: " هَل عسيتم " بِكَسْر السِّين وهما فِي الْمَعْنى سَوَاء. وبالفتح أصوب. وَقَوله: ﴿إِن كتب عَلَيْكُم الْقِتَال أَلا تقاتلوا﴾ وَمعنى الْآيَة: لَعَلَّكُمْ أَن تجبنوا عَن الْقِتَال فَلَا تقاتلوا. وَقَوله: ﴿قَالُوا ومالنا أَلا نُقَاتِل فِي سَبِيل الله﴾ أَي: مَا يمنعنا أَن نُقَاتِل فِي سَبِيل الله. ﴿وَقد أخرجنَا من دِيَارنَا﴾ لأَنهم كَانُوا أخرجُوا من بَيت الْمُقَدّس. ﴿وأبنائنا﴾ أَي: أخرجنَا من أَبْنَائِنَا بِالسَّبْيِ، والسبي فِيهِ مُضْمر، وَمثله قَول الشَّاعِر: (وَرَأَيْت زَوجك فِي الوغى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفا ورمحا) أَي: وحاملا رمحا. وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا كتب عَلَيْهِم الْقِتَال توَلّوا إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم وَالله عَلَيْهِم بالظالمين﴾ وَأَرَادَ بِالْقَلِيلِ: أُولَئِكَ الَّذين اقتصروا على الغرفة، وجاوزوا مَعَ طالوت وَسَيَأْتِي.

стр. 473

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ لَهُم نَبِيّهم إِن الله قد بعث لكم طالوت ملكا﴾ قيل: إِنَّه كَانَ سقاء يَسْتَسْقِي على الْحمار. وسمى طالوت؛ لطوله لِأَنَّهُ كَانَ أطول من كل أحد بِرَأْسِهِ ومنكبه. وَقيل: كَانَ الرجل مِنْهُم إِذا رفع يَدَيْهِ وصل إِلَى رَأسه، يَعْنِي: رَأس طالوت.

стр. 474

بعث لكم طالوت ملكا قَالُوا أَنى يكون لَهُ الْملك علينا وَنحن أَحَق بِالْملكِ مِنْهُ وَلم يُؤْت سَعَة من المَال قَالَ إِن الله اصطفاه عَلَيْكُم وزاده بسطة فِي الْعلم والجسم وَالله يُؤْتِي ملكه من يَشَاء وَالله وَاسع عليم (٢٤٧) وَقَالَ لَهُم نَبِيّهم إِن آيَة ملكه أَن) وَقَوله: ﴿قَالُوا أَنِّي يكون لَهُ الْملك علينا وَنحن أَحَق بِالْملكِ مِنْهُ﴾ أَي: كَيفَ يكون لَهُ الْملك علينا، وَلَيْسَ هُوَ من سبط النُّبُوَّة، وَالْملك؟ وَذَلِكَ أَن سبط النُّبُوَّة كَانَ سبط لاوي بن يَعْقُوب، وَهُوَ سبط مُوسَى بن عمرَان، وسبط الْملك كَانَ سبط يهوذا، وَكَانَ طالوت من سبط بنيامين، وَلم يكن سبط ملك وَلَا نبوة؛ وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا قد عصوا الله مَعْصِيّة عَظِيمَة؛ فَنزع الله مِنْهُم النُّبُوَّة وَالْملك وَكَانُوا يسمون سبط الْإِثْم. وَقَوله: ﴿وَلم يُؤْت سَعَة من المَال﴾ لِأَنَّهُ كَانَ سقاء كَمَا بَينا. قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِن الله اصطفاه عَلَيْكُم﴾ أَي: اخْتَارَهُ عَلَيْكُم. وَقَوله: ﴿وزاده بسطة فِي الْعلم والجسم﴾ أما الزِّيَادَة بالجسم: مَعْلُوم. وَأما الْعلم: قيل أَرَادَ بِهِ علم الْحَرْب وَكَانَ طالوت أعلمهم بِأَمْر الْحَرْب وَقيل: أَرَادَ بِهِ علم الدّين، وَالْأول أصح. وَقَوله: ﴿وَالله يُؤْتى ملكه من يَشَاء وَالله وَاسع عليم﴾ فالواسع: ذُو السعَة، وَهُوَ الَّذِي يعْطى عَن غَنِي. وَأما الْعَلِيم: فَقيل: الْعَلِيم والعالم بِمَعْنى وَاحِد، وَمِنْهُم من فرق بَين الْعَلِيم والعالم، فَقَالَ: الْعَالم: بِمَا كَانَ، والعليم: بِمَا يكون.

стр. 475

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ لَهُم نَبِيّهم إِن آيَة ملكه أَن يأتيكم التابوت﴾ طلبُوا مِنْهُ آيَة على الْملك، فَأخْبرهُم نَبِيّهم بِآيَة ملكه، وَذَلِكَ إتْيَان التابوت. قيل: هُوَ التابوت الَّذِي كَانَ مَعَ مُوسَى وَهَارُون، كَانَت بَنو إِسْرَائِيل يخرجُون بِهِ إِلَى الْغَزَوَات ويستنصرون بِهِ.

стр. 476

﴿يأتيكم التابوت فِيهِ سكينَة من ربكُم وَبَقِيَّة مِمَّا ترك آل مُوسَى وَآل هَارُون تحمله﴾ وَقيل: كَانَ من شجر الشمشاذ، وَكَانَ ثَلَاثَة أَذْرع فِي ذراعين. وَفِيه قَول آخر: أَنه التابوت الَّذِي أنزلهُ الله تَعَالَى على آدم مَعَ الرُّكْن، وَكَانَ فِيهِ صور الْأَنْبِيَاء. وَقَوله: ﴿فِيهِ سكينَة من ربكُم﴾ قَالَ عَليّ ﵁: السكينَة لَهَا وَجه كوجه الْإِنْسَان، وَهِي بعد ريح هفافة. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ طست من ذهب كَانَ يغسل فِيهِ قُلُوب الْأَنْبِيَاء، وَقيل: هِيَ شَيْء يشبه الهر لَهُ عينان لَهما شُعَاع، وَله جَنَاحَانِ من الزمرد والزبرجد، وَكَانُوا إِذا سمعُوا صَوته تيقنوا بالنصر، وَكَانُوا إِذا خَرجُوا بالتابوت إِلَى الْحَرْب يضعونه قدامهم، فَإِن سَار سَارُوا، وَإِن وقف وقفُوا. وَقَالَ مُجَاهِد: السكينَة آيَة كَانُوا يسكنون إِلَيْهَا. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَبَقِيَّة مِمَّا ترك آل مُوسَى وَآل هَارُون﴾ وَذَلِكَ عصى مُوسَى، ونعلاه، وعمامة هَارُون، ورضاض الألواح الَّتِي تَكَسَّرَتْ، وقفيز من الْمَنّ الَّذِي أنزل على بني إِسْرَائِيل. وَقيل: أَرَادَ بِهِ التَّوْرَاة، كَانَت فِي التابوت. ﴿مِمَّا ترك آل مُوسَى وَآل هَارُون﴾ يَعْنِي: مُوسَى وَهَارُون، وَمثله قَول الشَّاعِر: (فَلَا تبك مَيتا بعد ميت أجنه ... عَليّ وعباس وَآل أبي بكر) أَي: دَفنه يَعْنِي: وَأَبُو بكر. وَقَوله تَعَالَى: ﴿تحمله الْمَلَائِكَة﴾ قَالَ الْحسن: كَانَ التابوت مَعَ الْمَلَائِكَة فِي السَّمَاء، فَلَمَّا تولى طالوت الْملك، حملت الْمَلَائِكَة التابوت ووضعوه بَينهم. وَقيل: إِن العمالقة غلبوا على التابوت، ودفنوه، فَأمر الله تَعَالَى الْمَلَائِكَة حَتَّى استخرجوه، وَحَمَلُوهُ إِلَيْهِم.

стр. 477

﴿الْمَلَائِكَة إِن فِي ذَلِك لآيَة لكم إِن كُنْتُم مُؤمنين (٢٤٨) فَلَمَّا فصل طالوت بالجنود قَالَ إِن الله مبتليكم بنهر فَمن شرب مِنْهُ فَلَيْسَ مني وَمن لم يطعمهُ فَإِنَّهُ مني إِلَّا من﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: إِن العمالقة لما غلبوا على التابوت أَخذهم الْبَاسُور، فعلموه أَن ذَلِك عُقُوبَة عَلَيْهِم من أجل التابوت، فشدوه على عجلة وَحَمَلُوهُ على ثورين، وساقوهما إِلَى الْمَفَازَة وتركوه فَجَاءَت الْمَلَائِكَة وَسَاقُوا ذَلِك إِلَى بني إِسْرَائِيل. وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَة لكم إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 478

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا فصل طالوت بالجنود﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَ عدد الْجنُود ثَمَانِينَ ألفا. وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِن الله مبتليكم بنهر﴾ وَذَلِكَ نهر كَانَ بَين أردن وفلسطين، وَمَعْنَاهُ: أَن الله ممتحنكم بذلك النَّهر؛ ليظْهر من لَهُ نِيَّة وَقصد فِي الْقِتَال، مِمَّن لَا نِيَّة لَهُ. وَقَوله: ﴿فَمن شرب مِنْهُ فَلَيْسَ منى﴾ قَالَه طالوت، يَعْنِي: لَيْسَ من أهل ولايتي وصحابتي. ﴿وَمن لم يطعمهُ فَإِنَّهُ مني﴾ أَي: من لم يذقه، قَالَ الشَّاعِر: (فَإِن شِئْت حرمت النِّسَاء سواكم ... وَإِن شِئْت لم أطْعم نقاخا وَلَا بردا) أَي: لم أذق مَاء وَلَا نوما. يُقَال: منع الْبرد الْبرد أَي: منع الْبرد النّوم. وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِلَّا من اغترف غرفَة بِيَدِهِ﴾ يقْرَأ بقراءتين، بِفَتْح الْغَيْن وَضمّهَا. والغرفة بِفَتْح الْغَيْن: الْمرة. والغرفة بِضَم الْغَيْن: ملْء الْكَفّ. وَقَوله: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم﴾ قَالَ عِكْرِمَة: كَانَ عدد الْقَلِيل الَّذين اقتصروا على الغرفة: أَرْبَعَة آلَاف.

стр. 479

﴿اغترف غرفَة بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم فَلَمَّا جاوزه هُوَ وَالَّذين آمنُوا مَعَه قَالُوا لَا طَاقَة لنا الْيَوْم بجالوت وَجُنُوده قَالَ الَّذين يظنون أَنهم ملاقوا الله كم من فِئَة قَليلَة غلبت فِئَة كَثِيرَة بِإِذن الله وَالله مَعَ الصابرين (٢٤٩) وَلما برزوا لجالوت﴾ وَأكْثر الْمُفَسّرين وَهُوَ الْأَصَح على أَنهم كَانُوا ثَلَاثمِائَة وَثَلَاثَة عشر نَفرا. قَالَ الْبَراء بن عَازِب: كُنَّا نتحدث أَن عدد أَصْحَاب رَسُول الله، ورضى عَنْهُم يَوْم بدر كَانُوا على عدَّة الَّذين جاوزا مَعَ طالوت، وَكَانُوا يَوْم بدر ثَلَاثمِائَة وَثَلَاثَة عشر نَفرا ". قَالَ الْبَراء بن عَازِب: وَلم يُجَاوز إِلَّا مُؤمن. وَفِي الْقَصَص: أَنهم لما وصلوا إِلَى النَّهر، كَانَ قد ألْقى الله عَلَيْهِم الْعَطش، فَشرب الْكل إِلَّا هَذَا الْعدَد الْقَلِيل. وكل من شرب مِنْهُم اسودت شفتاه، وَلم يرو، وَبَقِي على الشط، وكل من اقْتصر على الغرفة روى وَجَاوَزَ. وَقيل: إِن الْكل جاوزا، وَلَكِن حضر بَعضهم الْقِتَال، وَلم يحضر الْبَعْض. وَقَوله: ﴿فَلَمَّا جاوزه هُوَ وَالَّذين آمنُوا مَعَه قَالُوا لَا طَاقَة لنا الْيَوْم بجالوت وَجُنُوده﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس والسدى: إِنَّمَا قَالَه الَّذين انخذلوا وَلم يجاوزا، وَقيل: إِنَّمَا قَالَه من الَّذين جاوزوا؛ من قلت بصيرته فِي الدّين دون من قويت بصيرته. وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالَ الَّذين يظنون أَنهم ملاقوا الله﴾ يَعْنِي: الَّذين قويت بصيرتهم. ﴿يظنون﴾ يستيقنون أَنهم ملاقو الله، وَقد ذكرنَا الظَّن بِمَعْنى الْيَقِين وَقيل: هُوَ على حَقِيقَة الظَّن يَعْنِي: الَّذين يظنون إِصَابَة الشَّهَادَة فِي الْوَقْعَة. وَقَوله: ﴿كم من فِئَة قَليلَة غلبت فِئَة كَثِيرَة بِإِذن الله﴾ بِقَضَائِهِ وإدارته. ﴿وَالله مَعَ الصابرين﴾ بالنصر والعونة.

стр. 480

وَقَوله: ﴿وَلما برزوا لجالوت وَجُنُوده﴾ كَانَ جالوت رَئِيس تِلْكَ العمالقة.

стр. 481

﴿وَجُنُوده قَالُوا رَبنَا أفرغ علينا صبرا وَثَبت أقدامنا وَانْصُرْنَا على الْقَوْم الْكَافرين (٢٥٠) فهزموهم بِإِذن الله وَقتل دَاوُد جالوت وآتاه الله الْملك وَالْحكمَة وَعلمه مِمَّا يَشَاء وَلَوْلَا دفع الله النَّاس بَعضهم بِبَعْض لفسدت الأَرْض وَلَكِن الله ذُو فضل﴾ وَقَوله: ﴿قَالُوا رَبنَا أفرغ علينا صبرا﴾ مَعْنَاهُ: أصبب علينا. وَقَوله: ﴿وَثَبت أقدامنا﴾ أَي: فِي الْقِتَال ﴿وَانْصُرْنَا على الْقَوْم الْكَافرين﴾ .

стр. 482

قَوْله تَعَالَى: ﴿فهزموهم بِإِذن الله﴾ أَي: كسروهم، يُقَال: سقاء مهزم، ومنهزم أَي: متكسر متثن بعضه على بعض. وَقَوله ﴿بِإِذن الله﴾ أَي: بِقَضَائِهِ وإرادته. وَقَوله: ﴿وَقتل دَاوُد جالوت﴾ وَفِي الْقِصَّة: أَن أَبَا دَاوُد حضر الْحَرْب مَعَ ثَلَاثَة عشر نَفرا من أَوْلَاده كَانَ أَصْغَرهم سنا دَاوُد، وَكَانَ [أصَاب] مَعَه مقلاع وقذافة، فبرز جالوت وَطلب البرَاز وَخرج إِلَيْهِ دَاوُد، ورماه بالمقلاع الْحجر بَين عَيْنَيْهِ وَخرج من قَفاهُ، وَأصَاب قوما آخَرين وقتلهم. وَقَوله: ﴿وآتاه الله الْملك وَالْحكمَة﴾ جمع لدواد بَين الْملك وَالْحكمَة، يَعْنِي: النُّبُوَّة. قيل: بعده بِسبع سِنِين، وَلم يكن من قبل مجتمعا، بل كَانَ الْملك فِي سبط والنبوة فِي سبط، وَقيل: الْملك وَالْحكمَة: هُوَ الْعلم مَعَ الْعَمَل. وَقَوله: ﴿وَعلمه مِمَّا يَشَاء﴾ قيل: صَنْعَة الدروع، وأصوات الطُّيُور، وَالزَّبُور. وَقَوله: ﴿وَلَوْلَا دفع الله النَّاس بَعضهم بِبَعْض لفسدت الأَرْض﴾ قَرَأَ نَافِع: " وَلَوْلَا دفاع الله " وَالْمعْنَى وَاحِد. قَالَ ابْن عَبَّاس وَمُجاهد: مَعْنَاهُ: لَوْلَا دفع الله الْكفَّار بِالْمُؤْمِنِينَ؛ لكثر الْكفْر، وَنزلت السخطة، واستؤصلت الأَرْض.

стр. 483

﴿على الْعَالمين (٢٥١) تِلْكَ آيَات الله نتلوها عَلَيْك بِالْحَقِّ وَإنَّك لمن الْمُرْسلين (٢٥٢) تِلْكَ الرُّسُل فضلنَا بَعضهم على بعض مِنْهُم من كلم الله وَرفع بَعضهم دَرَجَات﴾ وَقَالَ عَليّ، وَعَامة الْمُفَسّرين: إِن الله يدْفع بالمتقي عَن غير المتقي، وبالصالح عَن الْفَاجِر، وبالمصلح عَن غير المصلح، وبالمؤمن عَن الْكَافِر، وَهُوَ معنى قَول النَّبِي " لَوْلَا مَشَايِخ ركع، وبهائم رتع، وصبيان رضع، لصب عَلَيْكُم الْعَذَاب صبا ". وَقَالَ رَسُول الله " أَن الله يدْفع الْبلَاء بِالرجلِ الصَّالح عَن مائَة بَيت من أَهله وجيرانه ". وَقَوله: ﴿وَلَكِن الله ذُو فضل على الْعَالمين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 484

قَوْله تَعَالَى: ﴿تِلْكَ آيَات الله نتلوها عَلَيْك بِالْحَقِّ وَإنَّك لمن الْمُرْسلين﴾ وَهِي مَا ذكر من الْآيَات.

стр. 485

قَوْله تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الرُّسُل فضلنَا بَعضهم على بعض﴾ هَذِه الْآيَة فِي بَيَان فضل الرُّسُل بَعضهم على بعض مَعَ استوائهم فِي أصل الرسَالَة. وَقَوله: ﴿مِنْهُم من كلم الله﴾ يَعْنِي: مُوسَى وَقَوله: ﴿وَرفع بَعضهم دَرَجَات﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا قَالَ الزّجاج: مَا أُوتى نَبِي آيَة إِلَّا أُوتى نَبينَا مثل تِلْكَ الْآيَة، وَقد أُوتى انْشِقَاق

стр. 486

﴿وآتينا عِيسَى ابْن مَرْيَم الْبَينَات وأيدناه بِروح الْقُدس وَلَو شَاءَ الله مَا اقتتل الَّذين من بعدهمْ من بعد مَا جَاءَتْهُم الْبَينَات وَلَكِن اخْتلفُوا فَمنهمْ من آمن وَمِنْهُم من كفر وَلَو شَاءَ الله مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِن الله يفعل مَا يُرِيد (٢٥٣) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَنْفقُوا مِمَّا رزقناكم من قبل أَن يَأْتِي يَوْم لَا بيع فِيهِ وَلَا خلة وَلَا شَفَاعَة والكافرون هم﴾ الْقَمَر، وحنين الْجذع، وَكَلَام الشّجر، ونبع المَاء من بَين الْأَصَابِع، وَالْقُرْآن الْعَظِيم، وَبعث إِلَى الْأَحْمَر وَالْأسود، وَغَيره من الْأَنْبِيَاء بعث إِلَى قوم مخصوصين. وَقَوله: ﴿وآتينا عِيسَى ابْن مَرْيَم الْبَينَات وأيدناه بِروح الْقُدس﴾ قد سبق ذكره. وَقَوله: ﴿وَلَو شَاءَ الله مَا اقتتل الَّذين من بعدهمْ من بعد مَا جَاءَتْهُم الْبَينَات﴾ هَذَا دَلِيل على الْقَدَرِيَّة حَيْثُ أحالوا الاقتتال على الْمَشِيئَة. وَقَوله: ﴿وَلَكِن اخْتلفُوا فَمنهمْ من آمن وَمِنْهُم من كفر﴾ مِنْهُم من تفضل عَلَيْهِ الله فَآمن، وَمِنْهُم من خذله الله فَكفر. وَقَوله: ﴿وَلَو شَاءَ الله مَا اقْتَتَلُوا﴾ أَعَادَهُ ثَانِيًا تَأْكِيدًا. وَقَوله: ﴿وَلَكِن الله يفعل مَا يُرِيد﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 487

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَنْفقُوا مِمَّا رزقناكم﴾ قَالَ السدى: أَرَادَ بِهِ الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة. وَقَالَ غَيره: أَرَادَ بِهِ الْإِنْفَاق فِي سَبِيل الله وَقَوله: ﴿من قبل أَن يَأْتِي يَوْم﴾ يَعْنِي: يَوْم الْقِيَامَة. وَقَوله: ﴿لَا بيع فِيهِ﴾ أَي: لَا فديَة فِيهِ، وسماها بيعا، لِأَن فِي الْفِدْيَة شِرَاء نَفسه. وَقَوله: ﴿وَلَا خلة﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: قد نفى الْخلَّة هَاهُنَا فِي الْقِيَامَة، وَقد قَالَ فِي آيَة أُخْرَى: ﴿الأخلاء يَوْمئِذٍ بَعضهم لبَعض عَدو﴾ فَأثْبت الْخلَّة. وَقيل: تَقْدِيره: الأخلاء فِي الدُّنْيَا بَعضهم لبَعض عَدو يَوْم الْقِيَامَة، وَإِنَّمَا قَالَ ﴿وَلَا خلة وَلَا شَفَاعَة﴾ وَذَلِكَ أَن الْكفَّار كَانُوا يَقُولُونَ: إِن الْمَلَائِكَة أخلاؤنا والأصنام

стр. 488

﴿الظَّالِمُونَ (٢٥٤) الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم لَا تَأْخُذهُ سنة وَلَا نوم لَهُ مَا فِي﴾ شفعاؤنا فَقَالَ: لَا تَنْفَع خلتهم وَلَا شفاعتهم. وَقَوله: ﴿والكافرون هم الظَّالِمُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 489

قَوْله تَعَالَى: ﴿الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ ذكره مُبَالغَة فِي الثَّنَاء، وَهُوَ مثل قَوْلهم: لَا كريم إِلَّا فلَان. أبلغ من قَوْلهم: فلَان كريم. وَقَوله: ﴿الْحَيّ القيوم﴾ قَرَأَ عمر: " الْقيام ". وَقَرَأَ عَلْقَمَة: " الْقيم " وَالْمَعْرُوف: ﴿القيوم﴾ . فالحي هُوَ الْبَاقِي الدَّائِم على الْأَبَد، وَهُوَ من الْحَيَاة. والحياة: صفة الله تَعَالَى وَأما القيوم: قيل: هُوَ الْقَائِم على كل أحد بتدبيره فِي الدُّنْيَا. وَقيل: هُوَ الْقَائِم على كل نفس بِمَا كسبت للمجازاة فِي الْآخِرَة. وَقيل: هُوَ الْقَائِم بالأمور. وَقَوله: ﴿لَا تَأْخُذهُ سنة وَلَا نوم﴾ قَالَ الْمفضل الضَّبِّيّ: السّنة فِي الرَّأْس، وَالنَّوْم فِي الْقلب، فَالسنة أول النّوم، وَهُوَ النعاس. وَمِنْهُم من فرق بَين السّنة وَالنُّعَاس، فَقَالَ: السّنة فِي الرَّأْس وَالنُّعَاس فِي الْعين، وَالنَّوْم فِي الْقلب. وَالنَّوْم: غشية ثَقيلَة تقع على الْقلب تمنع من الْمعرفَة بالأشياء. وَفِي الْأَخْبَار أَن " مُوسَى ﵇ قَالَ يَا رب أَلَك نوم؟ فَأوحى الله إِلَيْهِ يَا مُوسَى انْظُر مَا تَقول، خُذ قَارُورَتَيْنِ فَأَخذهُمَا بيدَيْهِ فَألْقى الله عَلَيْهِ النّوم، فَوَقَعت إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى وانكسرتا، قَالَ الله تَعَالَى: لَو كَانَ لي نوم مَا قَامَت سَمَاء وَلَا أَرض ". وَقَوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض من ذَا الَّذِي يشفع عِنْده إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾

стр. 490

﴿السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض من ذَا الَّذِي يشفع عِنْده إِلَّا بِإِذْنِهِ يعلم مَا بَين أَيْديهم وَمَا خَلفهم وَلَا يحيطون بِشَيْء من علمه إِلَّا بِمَا شَاءَ وسع كرسيه السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ لأَنهم زَعَمُوا أَن الْمَلَائِكَة والأصنام يشفعون لَهُم فَقَالَ: ﴿من ذَا الَّذِي﴾ يُمكنهُ الشَّفَاعَة إِلَّا بِرِضَاهُ. وَقَوله: ﴿يعلم مَا بَين أَيْديهم﴾ يَعْنِي: الْآخِرَة ﴿وَمَا خَلفهم﴾ يَعْنِي: الدُّنْيَا، وَقيل: ﴿مَا بَين أَيْديهم﴾ مَا قدمُوا ﴿وَمَا خَلفهم﴾ مَا خلفوا. وَقَوله: ﴿وَلَا يحيطون بِشَيْء من علمه إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ الْإِحَاطَة: الْعلم بالشَّيْء بِجَمِيعِ جهاته وأنواعه، وَمَعْنَاهُ: وَلَا يحيطون بِشَيْء من علم الْغَيْب إِلَّا بِمَا شَاءَ، يَعْنِي: إِلَّا بِمَا أخبر بِهِ الرُّسُل، وَهُوَ مثل قَوْله فِي سُورَة الْجِنّ: ﴿فَلَا يظْهر على غيبه أحدا إِلَّا من ارتضى من رَسُول﴾ . وَقَوله: ﴿وسع كرسيه السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ قَرَأَ يَعْقُوب الْحَضْرَمِيّ: " وسع كرسيه السَّمَاوَات وَالْأَرْض " وَالْمَعْرُوف هُوَ الأول. وَاخْتلفُوا فِي الْكُرْسِيّ، قَالَ الْحسن: هُوَ الْعَرْش نَفسه. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: الْكُرْسِيّ مَوْضُوع قُدَّام الْعَرْش. وَمعنى قَوْله: ﴿وسع كرسيه السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ أَي: سعته مثل سَعَة السَّمَاوَات وَالْأَرْض وأوسع مِنْهُ، وَهُوَ ظَاهر فِي قِرَاءَة الْحَضْرَمِيّ، وَفِي الْأَخْبَار " أَن السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي جنب الْكُرْسِيّ كحلقة فِي فلاة، والكرسي فِي جنب الْعَرْش كحلقة فِي فلاة ". وَفِي رِوَايَة عَطاء عَن ابْن عَبَّاس: أَن السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي جنب الْكُرْسِيّ كدراهم سَبْعَة على الترس.

стр. 491

﴿وَلَا يئوده حفظهما وَهُوَ الْعلي الْعَظِيم (٢٥٥) لَا إِكْرَاه فِي الدّين قد تبين الرشد من﴾ وروى سعيد بن جُبَير، عَن ابْن عَبَّاس: أَنه أَرَادَ بالكرسي علمه. وَمثله قَول الشَّاعِر: (مَالِي بِأَمْرك كرْسِي أكاتمه ... وَلَا بكرسي علم الله مخلوقه) . وَمَعْنَاهُ: الْعلم. وَقيل: هُوَ ملكه وسلطانه. قَالَ الزّجاج: وَفِي الْجُمْلَة هُوَ أَمر عَظِيم يدل على كَمَال قدرته. وَقَوله: ﴿وَلَا يؤده حفظهما﴾ قيل: هُوَ رَاجع إِلَى الله تَعَالَى. يَعْنِي: وَلَا يثقل عَلَيْهِ حفظ السَّمَاوَات وَالْأَرْض. وَقيل: هُوَ رَاجع إِلَى الْكُرْسِيّ، وَقيل على هَذَا: إِن الْكُرْسِيّ تَحت الأَرْض كالعرش فَوق السَّمَاوَات، وَالسَّمَاوَات وَالْأَرْض على الْكُرْسِيّ. وَقيل: معلقَة بالكرسي. ﴿وَلَا يؤده﴾ أَي: لَا يثقل على الْكُرْسِيّ حفظ السَّمَاوَات وَالْأَرْض. ﴿وَهُوَ الْعلي الْعَظِيم﴾ يَعْنِي بالعلى: المتعالي عَن الْأَشْيَاء والأنداد. وَقيل: العلى بِالْملكِ والسلطنة. والعظيم: الْكَبِير. وَقد ورد فِي فضل آيَة الْكُرْسِيّ أَخْبَار مِنْهَا: مَا روى عَن رَسُول الله أَنه قَالَ لأبي بن كَعْب: " أَي أعظم فِي الْقُرْآن؟ فَقَالَ: آيَة الْكُرْسِيّ. فَقَالَ ﵇: ليهنئك الْعلم أَبَا الْمُنْذر ".

стр. 492

قَوْله: ﴿لَا إِكْرَاه فِي الدّين﴾ قيل: سَبَب نزُول الْآيَة أَن الْمَرْأَة من أهل الْمَدِينَة كَانَ لَا يعِيش لَهَا ولدا؛ فَكَانَت تنذر وَتقول: إِن عَاشَ لي ولد لأهودنه، فَإِذا عَاشَ لَهَا ولد جعلته بَين الْيَهُود، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام وَأجلى رَسُول الله بني النَّضِير إِلَى الشَّام بَقِي بَينهم عدد من أَوْلَاد الْأَنْصَار قد هودوا فَاسْتَأْذنُوا رَسُول الله فِي استردادهم؛

стр. 493

﴿الغي فَمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بِاللَّه فقد استمسك بالعروة الوثقى لَا انفصام لَهَا وَالله سميع عليم (٢٥٦) الله ولي الَّذين آمنُوا يخرجهم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور﴾ فَنزلت الْآيَة ". ﴿لَا إِكْرَاه فِي الدّين﴾ فَمن شَاءَ مِنْهُم أَن يدْخل فِي الْإِسْلَام، فَلْيدْخلْ وَمن لم يَشَأْ فَلَا إِكْرَاه فِي الدّين. وَقَالَ الشّعبِيّ: هَذَا فِي أهل الْكتاب لَا يجبرون على الْإِسْلَام إِذا بذلوا الْجِزْيَة. وَفِيه قَول ثَالِث: أَنه كَانَ فِي الِابْتِدَاء، ثمَّ صَار مَنْسُوخا بِآيَة الْقِتَال. وَقَوله: ﴿قد تبين الرشد من الغي﴾ أَي: الْحق من الْبَاطِل، وَالْإِيمَان من الْكفْر. وَقَوله: ﴿فَمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بِاللَّه﴾ الطاغوت: هُوَ الشَّيْطَان، وينطلق على الْوَاحِد وَالْعدَد. وَقيل: كل مَا يعبد من دون الله فَهُوَ طاغوت. وَأما الطاغوت فِي قَوْله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يتحكموا إِلَى الطاغوت﴾ هُوَ كَعْب بن الْأَشْرَف خَاصَّة. وَقَوله: ﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى لَا انفصام لَهَا﴾ العروة: الْكوز والدلو. وَالْمرَاد هَاهُنَا بالعروة الوثقى: العقد الوثيق الْمُحكم فِي الدّين. قَالَ ابْن عَبَّاس: أَرَادَ بِهِ كلمة لَا إِلَه إِلَّا الله. قَالَ مُجَاهِد: أَرَادَ بِهِ الْإِسْلَام. وَقيل: هُوَ الْقُرْآن وَمَعْنَاهُ: فقد تمسك بتمسك. ﴿لَا انفصام لَهَا﴾ أَي: لَا انْقِطَاع لَهَا ﴿وَالله سميع﴾ بدعائك إيَّاهُم إِلَى الْإِسْلَام ﴿عليم﴾ بحرصك على إسْلَامهمْ.

стр. 494

قَوْله تَعَالَى: ﴿الله ولي الَّذين آمنُوا﴾ يَعْنِي: الْقيم عَلَيْهِم بالنصر والمعونة والمثوبة. وَقَوله: ﴿يخرجهم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور﴾ يَعْنِي: من الْكفْر إِلَى الْإِسْلَام، وَإِنَّمَا سمى الْكفْر ظلمات؛ لِأَن طَرِيق الْكفْر مشتبه ملتبس. وَإِنَّمَا سمى الْإِسْلَام نورا لِأَن طَرِيقه بَين وَاضح.

стр. 495

﴿وَالَّذين كفرُوا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النُّور إِلَى الظُّلُمَات أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ (٢٥٧) ألم تَرَ إِلَى الَّذِي حَاج إِبْرَاهِيم فِي ربه أَن آتَاهُ الله الْملك إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم رَبِّي الَّذِي يحيي وَيُمِيت قَالَ أَنا أحيي وأميت قَالَ﴾ وَقَوله: ﴿وَالَّذين كفرُوا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النُّور إِلَى الظُّلُمَات﴾ أَي: من الْإِسْلَام إِلَى الْكفْر. فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يخرجونهم من الْإِسْلَام وَلم يدخلُوا فِيهِ؟ قيل: هُوَ فِي قوم من الْمُرْتَدين خَاصَّة. وَقيل: هُوَ على الْعُمُوم؛ وَذَلِكَ أَنهم لما عدلوا وصرفوا عَن الْإِسْلَام؛ فكأنهم أخرجُوا عَنهُ، يَقُول الرجل لغيره: أخرجتني عَن صلتك، أَي: لم تعطني، وَلم تصلني. وَقَوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
следующие страницы →