Полный текст (8 565 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
﴿وَلَا يئوده حفظهما وَهُوَ الْعلي الْعَظِيم (٢٥٥) لَا إِكْرَاه فِي الدّين قد تبين الرشد من﴾ وروى سعيد بن جُبَير، عَن ابْن عَبَّاس: أَنه أَرَادَ بالكرسي علمه. وَمثله قَول الشَّاعِر: (مَالِي بِأَمْرك كرْسِي أكاتمه ... وَلَا بكرسي علم الله مخلوقه) .
وَمَعْنَاهُ: الْعلم. وَقيل: هُوَ ملكه وسلطانه. قَالَ الزّجاج: وَفِي الْجُمْلَة هُوَ أَمر عَظِيم يدل على كَمَال قدرته.
وَقَوله: ﴿وَلَا يؤده حفظهما﴾ قيل: هُوَ رَاجع إِلَى الله تَعَالَى. يَعْنِي: وَلَا يثقل عَلَيْهِ حفظ السَّمَاوَات وَالْأَرْض.
وَقيل: هُوَ رَاجع إِلَى الْكُرْسِيّ، وَقيل على هَذَا: إِن الْكُرْسِيّ تَحت الأَرْض كالعرش فَوق السَّمَاوَات، وَالسَّمَاوَات وَالْأَرْض على الْكُرْسِيّ. وَقيل: معلقَة بالكرسي.
﴿وَلَا يؤده﴾ أَي: لَا يثقل على الْكُرْسِيّ حفظ السَّمَاوَات وَالْأَرْض.
﴿وَهُوَ الْعلي الْعَظِيم﴾ يَعْنِي بالعلى: المتعالي عَن الْأَشْيَاء والأنداد.
وَقيل: العلى بِالْملكِ والسلطنة. والعظيم: الْكَبِير.
وَقد ورد فِي فضل آيَة الْكُرْسِيّ أَخْبَار مِنْهَا:
مَا روى عَن رَسُول الله أَنه قَالَ لأبي بن كَعْب: " أَي أعظم فِي الْقُرْآن؟ فَقَالَ: آيَة الْكُرْسِيّ. فَقَالَ ﵇: ليهنئك الْعلم أَبَا الْمُنْذر ".
стр. 492
قَوْله: ﴿لَا إِكْرَاه فِي الدّين﴾ قيل: سَبَب نزُول الْآيَة أَن الْمَرْأَة من أهل الْمَدِينَة كَانَ لَا يعِيش لَهَا ولدا؛ فَكَانَت تنذر وَتقول: إِن عَاشَ لي ولد لأهودنه، فَإِذا عَاشَ لَهَا ولد جعلته بَين الْيَهُود، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام وَأجلى رَسُول الله بني النَّضِير إِلَى الشَّام بَقِي بَينهم عدد من أَوْلَاد الْأَنْصَار قد هودوا فَاسْتَأْذنُوا رَسُول الله فِي استردادهم؛
стр. 493
﴿الغي فَمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بِاللَّه فقد استمسك بالعروة الوثقى لَا انفصام لَهَا وَالله سميع عليم (٢٥٦) الله ولي الَّذين آمنُوا يخرجهم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور﴾ فَنزلت الْآيَة ". ﴿لَا إِكْرَاه فِي الدّين﴾ فَمن شَاءَ مِنْهُم أَن يدْخل فِي الْإِسْلَام، فَلْيدْخلْ وَمن لم يَشَأْ فَلَا إِكْرَاه فِي الدّين.
وَقَالَ الشّعبِيّ: هَذَا فِي أهل الْكتاب لَا يجبرون على الْإِسْلَام إِذا بذلوا الْجِزْيَة.
وَفِيه قَول ثَالِث: أَنه كَانَ فِي الِابْتِدَاء، ثمَّ صَار مَنْسُوخا بِآيَة الْقِتَال.
وَقَوله: ﴿قد تبين الرشد من الغي﴾ أَي: الْحق من الْبَاطِل، وَالْإِيمَان من الْكفْر.
وَقَوله: ﴿فَمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بِاللَّه﴾ الطاغوت: هُوَ الشَّيْطَان، وينطلق على الْوَاحِد وَالْعدَد. وَقيل: كل مَا يعبد من دون الله فَهُوَ طاغوت.
وَأما الطاغوت فِي قَوْله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يتحكموا إِلَى الطاغوت﴾ هُوَ كَعْب بن الْأَشْرَف خَاصَّة.
وَقَوله: ﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى لَا انفصام لَهَا﴾ العروة: الْكوز والدلو. وَالْمرَاد هَاهُنَا بالعروة الوثقى: العقد الوثيق الْمُحكم فِي الدّين.
قَالَ ابْن عَبَّاس: أَرَادَ بِهِ كلمة لَا إِلَه إِلَّا الله. قَالَ مُجَاهِد: أَرَادَ بِهِ الْإِسْلَام. وَقيل: هُوَ الْقُرْآن وَمَعْنَاهُ: فقد تمسك بتمسك.
﴿لَا انفصام لَهَا﴾ أَي: لَا انْقِطَاع لَهَا ﴿وَالله سميع﴾ بدعائك إيَّاهُم إِلَى الْإِسْلَام ﴿عليم﴾ بحرصك على إسْلَامهمْ.
стр. 494
قَوْله تَعَالَى: ﴿الله ولي الَّذين آمنُوا﴾ يَعْنِي: الْقيم عَلَيْهِم بالنصر والمعونة والمثوبة.
وَقَوله: ﴿يخرجهم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور﴾ يَعْنِي: من الْكفْر إِلَى الْإِسْلَام، وَإِنَّمَا سمى الْكفْر ظلمات؛ لِأَن طَرِيق الْكفْر مشتبه ملتبس. وَإِنَّمَا سمى الْإِسْلَام نورا لِأَن طَرِيقه بَين وَاضح.
стр. 495
﴿وَالَّذين كفرُوا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النُّور إِلَى الظُّلُمَات أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ (٢٥٧) ألم تَرَ إِلَى الَّذِي حَاج إِبْرَاهِيم فِي ربه أَن آتَاهُ الله الْملك إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم رَبِّي الَّذِي يحيي وَيُمِيت قَالَ أَنا أحيي وأميت قَالَ﴾
وَقَوله: ﴿وَالَّذين كفرُوا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النُّور إِلَى الظُّلُمَات﴾ أَي: من الْإِسْلَام إِلَى الْكفْر.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يخرجونهم من الْإِسْلَام وَلم يدخلُوا فِيهِ؟ قيل: هُوَ فِي قوم من الْمُرْتَدين خَاصَّة.
وَقيل: هُوَ على الْعُمُوم؛ وَذَلِكَ أَنهم لما عدلوا وصرفوا عَن الْإِسْلَام؛ فكأنهم أخرجُوا عَنهُ، يَقُول الرجل لغيره: أخرجتني عَن صلتك، أَي: لم تعطني، وَلم تصلني.
وَقَوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 496
قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذِي حَاج إِبْرَاهِيم فِي ربه﴾ مَعْنَاهُ: هَل انْتهى إِلَيْك خبر الَّذِي حَاج إِبْرَاهِيم وَهُوَ نمروذ؟ قَالَه قَتَادَة.
وَهُوَ أول من تجبر فِي الأَرْض وَادّعى الربوبية. والمحاجة: المجادلة، ثمَّ بَين المحاجة فِي سِيَاق الْآيَة.
قَوْله: ﴿أَن آتَاهُ الله الْملك﴾ أَي: كَانَت تِلْكَ المحاجة فِي الربوبية من نظر الْملك وطغيانه.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم رَبِّي الَّذِي يحي وَيُمِيت﴾ وَفِي الْقَصَص: أَن النَّاس قحطوا على عهد نمروذ، وَكَانُوا يتمارون من عِنْده الطَّعَام، وَكَانَ إِذا أَتَاهُ الرجل فِي طلب الطَّعَام يسْأَله من رَبك؟ فَإِذا قَالَ: أَنْت، بَاعَ مِنْهُ الطَّعَام، فجَاء إِلَيْهِ إِبْرَاهِيم فِيمَن جَاءَ يمتار الطَّعَام، فَقَالَ لَهُ نمروذ: من رَبك؟ قَالَ: رَبِّي الَّذِي يحيي وَيُمِيت، فأشغل بالمحاجة وَلم يُعْطه شَيْئا، فَانْصَرف عَنهُ إِبْرَاهِيم، وَمر بكثيب من الرمل، فَمَلَأ مِنْهُ الجواليق تطييبا لقلوب أَهله، فَلَمَّا بلغ منزله فَإِذا فِيهِ الدَّقِيق.
стр. 497
﴿إِبْرَاهِيم فَإِن الله يَأْتِي بالشمس من الْمشرق فأت بهَا من الْمغرب فبهت الَّذِي كفر وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين (٢٥٨) أَو كَالَّذي مر على قَرْيَة وَهِي خاوية على﴾
وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالَ أَنا أحيي وأميت﴾ هَذَا قَول نمروذ حِين قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم: ربى الَّذِي يحيى وَيُمِيت.
قَالَ سُفْيَان: إِنَّه دَعَا برجلَيْن وَجب الْقَتْل عَلَيْهِمَا، فَقتل أَحدهمَا وَلم يقتل الآخر، فَهَذَا إحياؤه وإماتته.
وَقَوله: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيم فَإِن الله يَأْتِي بالشمس من الْمشرق فأت بهَا من الْمغرب﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: لم انْتقل إِبْرَاهِيم من حجَّة إِلَى حجَّة، وَهَذَا يكون عَجزا؟ قيل: كَانَت الْحجَّة الأولى لَازِمَة، ومعارضة نمروذ إِيَّاه كَانَت فَاسِدَة؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْحَيَاة وَالْمَوْت اختراعا، وَلم يُعَارضهُ بِمثلِهِ لكنه خَافَ أَن يشْتَبه على السامعين، فَأتى بِحجَّة أوضح من الأولى؛ مُبَالغَة فِي الْإِلْزَام، وقطعا لشغب.
وَقَوله: ﴿فبهت الَّذِي كفر﴾ أَي: تحير بِغَلَبَة الْحجَّة عَلَيْهِ. وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
(وَمَا هُوَ إِلَّا أَن أَرَاهَا فَجْأَة ... فأبهت حَتَّى مَا أكاد أُجِيب)
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ بهت وَكَانَ يُمكنهُ أَن يُعَارض إِبْرَاهِيم فَيَقُول لَهُ: سل أَنْت رَبك حَتَّى يَأْتِي بهَا من الْمغرب؟ قُلْنَا: إِنَّمَا لم يقلهُ؛ لِأَنَّهُ خَافَ أَن لَو سَأَلَهُ ذَلِك دَعَا، فَأتى بهَا من الْمغرب؛ فَكَانَ زِيَادَة فِي فضيحته وانقطاعه.
وَالصَّحِيح أَن الله صرفه عَن تِلْكَ الْمُعَارضَة إِظْهَار للحجة عَلَيْهِ، ولتكون معْجزَة لإِبْرَاهِيم.
وَقَوله: ﴿وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 498
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو كَالَّذي مر على قَرْيَة﴾ تَقْدِيره: ألم تَرَ إِلَى الَّذِي حَاج إِبْرَاهِيم، وَإِلَى الَّذِي مر على قَرْيَة؟
وَقيل: تَقْدِيره: هَل رَأَيْت كَالَّذي حَاج إِبْرَاهِيم، وكالذي مر على قَرْيَة؟ .
стр. 499
﴿عروشها قَالَ أَنى يحيي هَذِه الله بعد مَوتهَا فأماته الله مائَة عَام ثمَّ بَعثه قَالَ كم﴾
وَاخْتلفُوا فِي الَّذِي مر على قَرْيَة، فَقَالَ قَتَادَة: هُوَ عَزِيز النَّبِي. وَقَالَ وهب: هُوَ إرمياء النَّبِي. وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق: هُوَ الْخضر ﵈.
وَالصَّحِيح: أَنه كَانَ عَزِيز النَّبِي مر على قَرْيَة، يَعْنِي: على بَيت الْمُقَدّس.
وَقَوله: ﴿وَهِي خاوية على عروشها﴾ قيل: كَانَت السقوف سَاقِطَة على الأَرْض، وَكَانَت الجدران متساقطة على السقوف، فَهِيَ الخاوية على عروشها. وَمَعْنَاهُ: أَنَّهَا كَانَت خَالِيَة، وَكَانَ قد خربها، بخْتنصر الْملك البابلي.
وَقَوله: ﴿قَالَ أَنى يحيى هَذِه الله بعد مَوتهَا﴾ وَفِي الْقِصَّة: أَن عَزِيزًا مر [بهَا] وَهُوَ على حمَار وَمَعَهُ التِّين والعصير فَقَالَ: إِنِّي يحيي هَذِه الله بعد مَوتهَا؟ !
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالَ: أَنى يحيى هَذِه الله بعد مَوتهَا، وَهَذَا يكون سَببه الشَّك فِي قدرته؟ قيل: لم يكن شاكا فِيهِ؛ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك استبعادا على مَا يُقَال فِي الْعَادة، أَي: لَا يحي هَذِه الله بعد خرابها.
قَالَ عَطاء: دخل فِي قلبه مَا يدْخل فِي قُلُوب النَّاس.
وَقَوله: ﴿فأماته الله مائَة عَام ثمَّ بَعثه﴾ أَي: أَحْيَاهُ، وَإِنَّمَا سمى الْإِحْيَاء بعثا؛ لِأَنَّهُ إِذا أحيي يبتعث للأمور.
وَفِي الْقِصَّة: أَنه لما قَالَ تِلْكَ الْمقَالة غَلَبَة النّوم، فَقبض الله روحه مئة عَام، وَبعث ملكا عمر بَيت الْمُقَدّس فِي تِلْكَ الأعوام، ثمَّ لما أَحْيَاهُ بعث إِلَيْهِ ملكا فَسَأَلَهُ: كم لَبِثت؟
فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿قَالَ كم لَبِثت﴾ وَقَوله: ﴿قَالَ لَبِثت يَوْمًا أَبُو بعض يَوْم﴾ لِأَن الله تَعَالَى إِنَّمَا أَمَاتَهُ فِي أول النَّهَار وَبَعثه فِي آخر النَّهَار وَقبل غرُوب الشَّمْس، فَقَالَ:
стр. 500
﴿لَبِثت قَالَ لَبِثت يَوْمًا أَو بعض يَوْم قَالَ بل لَبِثت مائَة عَام فَانْظُر إِلَى طَعَامك وشرابك لم يتسنه وَانْظُر إِلَى حِمَارك ولنجعلك آيَة للنَّاس وَانْظُر إِلَى الْعِظَام كَيفَ﴾ لَبِثت يَوْمًا، ثمَّ نظر إِلَى الشَّمْس لم تغرب بعد، فَقَالَ: أَو بعض يَوْم ﴿قَالَ﴾ يَعْنِي الْملك: ﴿بل لَبِثت مئة عَام فَانْظُر إِلَى طَعَامك وشرابك لم يتسنه﴾ أَي: لم يتَغَيَّر؛ فَإِن التِّين الَّذِي كَانَ مَعَه لم يتَغَيَّر؛ كَأَنَّهُ قطف من سَاعَته، وَكَذَلِكَ الْعصير كَأَنَّهُ عصر من سَاعَته.
قَالَ الْكسَائي: لم يتسنه، مَعْنَاهُ: كَأَنَّهُ لم تأت عَلَيْهِ السنون، وقطف من سَاعَته.
وَقَالَ مُجَاهِد: مَعْنَاهُ لم ينتن، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿من حمأ مسنون﴾ .
وَقيل: أَصله لم يتسنن، فقلبت إِحْدَى النونين هَاء وَمثله فِي كَلَام الْعَرَب كثير، مثل: يتمطى كَانَ فِي الأَصْل (يتمطط) ، فقلبت إِحْدَى الطائين يَاء. وَقَالَ الشَّاعِر: (يقْضِي الْبَازِي إِذا الْبَازِي انْكَسَرَ ... )
وَكَانَ فِي الأَصْل: (يقضض الْبَازِي) .
وَقَوله: ﴿وَانْظُر إِلَى حِمَارك﴾ قيل: فَنظر إِلَيْهِ، فَإِذا عِظَام بيض تلوح نخرة فَركب الله تَعَالَى الْعِظَام بَعْضهَا على بعض، وَجعله حمارا من عِظَام، ثمَّ أَدخل فِيهِ الدَّم، ثمَّ كَسَاه الْجلد، ثمَّ نفخ فِيهِ الرّوح، فَقَامَ الْحمار ونهق، وَهُوَ ينظر إِلَيْهِ، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿ولنجعلك آيَة للنَّاس وَانْظُر إِلَى الْعِظَام كَيفَ ننشزها﴾ يقْرَأ بقرائتين بالراء: نحييها، وبالزاي: يركب بَعْضهَا على بعض، من النشز، وَهُوَ الِارْتفَاع.
وَقَوله: ﴿ثمَّ نكسوها لَحْمًا﴾ فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير، وتقديرها: وَانْظُر إِلَى حِمَارك، وَانْظُر إِلَى الْعِظَام كَيفَ ننشزها، ثمَّ نكسوها لَحْمًا لنحييها.
стр. 501
﴿ننشزها ثمَّ نكسوها لَحْمًا فَلَمَّا تبين لَهُ قَالَ أعلم أَن الله على كل شَيْء قدير (٢٥٩) وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم رب أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى قَالَ أولم تؤمن قَالَ بلَى وَلَكِن﴾
وَقَوله: ﴿ولنجعلك آيَة للنَّاس﴾ وَبَيَان الْآيَة فِيهِ: أَنه بعث شَابًّا، وَابْنه شيخ.
قَالَ عَليّ ﵁: أَمَاتَهُ الله وَهُوَ ابْن خمسين سنة وَامْرَأَته حَامِل، ثمَّ بعث بعد مئة سنة وَهُوَ ابْن خمسين، وَابْنه [ابْن] مئة سنة.
وَقَوله: ﴿فَلَمَّا تبين لَهُ قَالَ أعلم﴾ فَلَمَّا ظَهرت لَهُ قدرَة الله تَعَالَى على عمَارَة بَيت الْمُقَدّس، وإحياء الْمَوْتَى ﴿قَالَ أعلم﴾ يقْرَأ بقراءتين: على الْخَبَر، وعَلى الْأَمر، أما على الْخَبَر فَمَعْنَاه: علمت أَن الله على كل شَيْء قدير، وَأما على الْأَمر قَالَ لنَفسِهِ: ﴿أعلم أَن الله على كل شَيْء قدير﴾ .
стр. 502
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم رب أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى﴾ قيل: سَبَب سُؤَاله ذَلِك: أَن إِبْرَاهِيم مر على حَيَوَان على شط الْبَحْر مزقته السبَاع والوحش، وَكَانَ يَأْكُل مِنْهُ حيتان الْبَحْر، فَقَالَ: رب أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى.
وَفِيه قَول آخر: أَنه لما حجه نمروذ فِي إحْيَاء الْمَوْتَى؛ أَرَادَ أَن يعرف بالعيان مَا آمن بِهِ بالْخبر وَالِاسْتِدْلَال.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالَ أَو لم تؤمن﴾ يَعْنِي: قد آمَنت فَلم تسْأَل؟ وَهَذَا مثل قَول الشَّاعِر:
(ألستم خير من ركب المطايا ... )
يَعْنِي: أَنْتُم كَذَلِك.
وَقَوله: ﴿قَالَ بلَى وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: أَكَانَ إِبْرَاهِيم شاكا فِيهِ
стр. 503
﴿لِيَطمَئِن قلبِي قَالَ فَخذ أَرْبَعَة من الطير فصرهن إِلَيْك ثمَّ اجْعَل على كل جبل مِنْهُنَّ﴾ حَتَّى احْتَاجَ إِلَى السُّؤَال، وَمَا معنى قَوْله ﵇: " نَحن أَحَق بِالشَّكِّ من إِبْرَاهِيم "؟ وَالْجَوَاب: أَنه لم يكن شاكا فِيهِ، وَلكنه إِنَّمَا آمن بالْخبر وَالِاسْتِدْلَال، فَأَرَادَ أَن يعرفهُ عيَانًا.
قَالَ عِكْرِمَة: لِيَزْدَادَ يَقِينا على يَقِين؛ لِأَن العيان فَوق الْخَبَر فِي ارْتِفَاع الْعلم. وَقد قَالَ ﵇: " لَيْسَ الْخَبَر كالمعاينة ".
وَأما قَوْله: ﴿وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي﴾ ؛ وَذَلِكَ أَنه لما سَأَلَ ذَلِك تعلق بِهِ قلبه، فَقَالَ: وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي عَن ذَلِك التَّعَلُّق.
وَقيل: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَن الله تَعَالَى لما اتَّخذهُ خَلِيلًا، قَالَ ملك الْمَوْت: يَا رب، ائْذَنْ لي حَتَّى أُبَشِّرهُ؛ فبشره بِأَن الله اتخذك خَلِيلًا فَأَرَادَ أَن يرِيه الله إحْيَاء الْمَوْتَى تَخْصِيصًا لَهُ بكرامته؛ لِيَطمَئِن قلبه بالخلة.
وَقيل مَعْنَاهُ: وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي، فأعرف أَنِّي إِذا سَأَلتك أَعْطَيْتنِي، وَإِذا دعوتك أجبتني. وَأما قَوْله: " نَحن أَحَق بِالشَّكِّ من إِبْرَاهِيم " إِنَّمَا قَالَه على سَبِيل التَّوَاضُع، يَعْنِي: نَحن دونه، وأحق بِالشَّكِّ مِنْهُ، فَإِذا لمن نشك نَحن فَكيف يشك إِبْرَاهِيم؟
وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالَ فَخذ أَرْبَعَة من الطير﴾ قيل: هِيَ الطاووس، والديك، والحمامة، والغراب.
стр. 504
﴿جزاءاً ثمَّ ادعهن يأتينك سعيا وَاعْلَم أَن الله عَزِيز حَكِيم (٢٦٠) مثل الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم فِي سَبِيل الله كَمثل حَبَّة أنبتت سبع سنابل فِي كل سنبلة مائَة حَبَّة وَالله﴾
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فصرهن إِلَيْك﴾ أَي: فَضَمَّهُنَّ إِلَيْك. وَقَرَأَ حَمْزَة بِكَسْر الصَّاد.
وَفِيه تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَتَقْدِيره: فَخذ أَرْبَعَة من الطير إِلَيْك فصرهن، أَي: فقطعن،
وَقَوله: ﴿ثمَّ اجْعَل على كل جبل مِنْهُنَّ جُزْءا﴾ قيل: جعلهَا على أَرْبَعَة أجبل.
وَقَالَ السدى: على سَبْعَة أجبل، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: على أَرْبَعَة أَربَاع الْعَالم، جُزْءا على جبل بِجَانِب الشرق، وجزءا على جبل جَانب الغرب، وجزءا على الشمَال، وجزءا على الْجنُوب.
وَفِيه قَول آخر: أَنه أَرَادَ بقوله: ﴿اجْعَل على كل جبل مِنْهُنَّ جُزْءا﴾ أَي: عشرا، وَكَانَ على عشرَة أجبل؛ حَتَّى ذهب بعض الْعلمَاء من هَذَا إِلَى أَنه لَو أوصى الْإِنْسَان بِجُزْء من مَاله ينْصَرف إِلَى الْعشْر.
وَقَوله: ﴿ثمَّ ادعهن يأتينك سعيا﴾ وَفِي الْقِصَّة: أَنه جُزْء تِلْكَ الطُّيُور الْأَرْبَعَة، وخلط اللَّحْم بِاللَّحْمِ، والريش بالريش، والعظم بالعظم، وَجعلهَا على الأجبل.
وَقيل: دقه بالهاون وَأخذ رءوسهن بَين أَصَابِعه، وَقيل: مناقيرهن، ثمَّ دعاهن؛ فَكَانَ يطير الريش إِلَى الريش، وَاللَّحم إِلَى اللَّحْم، وَالدَّم إِلَى الدَّم، ويركب بَعْضهَا على بعض، وأتين ساعيات إِلَى رءوسهن.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَم أَن الله عَزِيز حَكِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 505
قَوْله تَعَالَى: ﴿مثل الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم فِي سَبِيل الله﴾ قيل: سَبِيل الله: الْجِهَاد.
стр. 506
﴿يُضَاعف لمن يَشَاء وَالله وَاسع عليم (٢٦١) الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم فِي سَبِيل الله ثمَّ لَا يتبعُون مَا أَنْفقُوا منا وَلَا أَذَى لَهُم أجرهم عِنْد رَبهم وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم﴾
وَقيل: جَمِيع أَبْوَاب الْخَيْر سَبِيل الله.
وَقَوله: ﴿كَمثل حَبَّة أنبتت سبع سنابل فِي كل سنبلة مئة حَبَّة﴾ ضربه مثلا لِلْمُتقين وَمَا وعد من الثَّوَاب على الْإِنْفَاق.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ ضرب الْمثل بِهِ، وَهل يتَصَوَّر فِي كل سنبلة مئة حَبَّة؟
قيل: لما كَانَ ذَلِك متصورا فِي الْجُمْلَة، صَحَّ ضرب الْمثل بِهِ وَإِن لم يعرف، وَمثله مَا قَالَه امْرُؤ الْقَيْس:
(ومسنونة زرق كأنياب أغوال ... )
وناب الغول لَا يعرف، وَلَكِن لما تصور وجوده بِالْجُمْلَةِ مثل بِهِ. وَقيل: هُوَ يتَصَوَّر فِي سنبلة الدخن وَنَحْوه.
وَقَوله: ﴿وَالله يُضَاعف لمن يَشَاء﴾ قيل: مَعْنَاهُ: يُضَاعف هَذِه المضاعفة لمن يَشَاء. وَقيل: مَعْنَاهُ يُضَاعف على هَذَا وَيزِيد لمن يَشَاء.
وَقَوله: ﴿وَالله وَاسع﴾ أَي: وَاسع الْفضل وَالرَّحْمَة وَالْقُدْرَة، يُعْطي عَن سَعَة.
وَقَوله: ﴿عليم﴾ أَي: عليم بنية من يُعْطي.
стр. 507
قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم فِي سَبِيل الله ثمَّ لَا يتبعُون مَا أَنْفقُوا منا وَلَا أَذَى﴾ أما الْمَنّ: فَهُوَ أَن يَقُول للْفَقِير: أَعطيتك كَذَا، وصنعت بك كَذَا، فيعدد عَلَيْهِ نعمه، وَأما الْأَذَى: فَهُوَ أَن يعير الْفَقِير، فَيَقُول لَهُ: إِلَى كم تسْأَل، وَكم تؤذيني فَلَا زلت فَقِيرا وَنَحْو ذَلِك.
وَقيل: من الْأَذَى: أَن يذكر إِنْفَاقه عَلَيْهِ عِنْد من لَا يُرِيد أَن يعرف.
وَقَوله: ﴿لَهُم أجرهم عِنْد رَبهم﴾ أَي: ثوابهم، وَقَوله: ﴿وَلَا خوف عَلَيْهِم﴾
стр. 508
﴿يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَول مَعْرُوف ومغفرة خير من صَدَقَة يتبعهَا أَذَى وَالله غَنِي حَلِيم (٢٦٣) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدقَاتكُمْ بالمن والأذى كَالَّذي ينْفق مَاله رئاء النَّاس وَلَا يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَمثله كَمثل صَفْوَان عَلَيْهِ تُرَاب فَأَصَابَهُ وابل﴾ وَلَا يخَافُونَ فَوَات الثَّوَاب، وَقَوله: ﴿وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ أَي: على مَا أَنْفقُوا إِذا رَأَوْا الثَّوَاب.
стр. 509
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَول مَعْرُوف﴾ قَالَ الْحسن: هُوَ القَوْل الْجَمِيل.
وَقيل: هُوَ أَن يُعْطِيهِ ويبرك لَهُ، فَيَقُول: بَارك الله لَك فِيهِ، أَو يمنعهُ وَيَدْعُو لَهُ.
وَقَوله: ﴿ومغفرة﴾ هُوَ: أَن تستر خلته، وَلَا تهتك ستره.
وَقيل: هُوَ أَن تَعْفُو عَن الْفَقِير إِن بدرت مِنْهُ مساءة أَو أَذَى.
وَقَوله: ﴿خير من صَدَقَة يتبعهَا أَذَى﴾ يَقُول: ذَلِك القَوْل الْمَعْرُوف، وَتلك الْمَغْفِرَة، خير من صَدَقَة يتبعهَا أَذَى.
وَقَوله: ﴿وَالله غَنِي﴾ أَي: مستغن عَن صَدقَاتكُمْ. وَقَوله: ﴿حَلِيم﴾ أَي: لَا يعجل بالعقوبة إِذا منعتم الصَّدَقَة.
стр. 510
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدقَاتكُمْ بالمن والأذى﴾ قد ذكرنَا مَعْنَاهُمَا.
وَقيل: الْمَنّ فِي الصَّدَقَة بِمَنْزِلَة الْحَدث فِي الصَّلَاة، يُبْطِلهَا ويحبطها.
وَقَوله: ﴿كَالَّذي ينْفق مَاله رئاء النَّاس﴾ أَي: كإبطال الَّذِي ينْفق مَاله رئاء النَّاس؛ لِأَن الرِّيَاء يبطل الصَّدَقَة ويحبطها.
وَقَوله: ﴿وَلَا يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ يَعْنِي: النَّفَقَة مَعَ الرِّيَاء لَيْسَ من فعل الْمُؤمنِينَ.
وَفِي الْجُمْلَة كل من أَتَى بِالصَّدَقَةِ تقربا إِلَى مَخْلُوق فَلَا يكون مُؤمنا.
стр. 511
﴿فَتَركه صَلدًا لَا يقدرُونَ على شَيْء مِمَّا كسبوا وَالله لَا يهدي الْقَوْم الْكَافرين (٢٦٤) وَمثل الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم ابْتِغَاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كَمثل جنَّة﴾
وَقَوله: ﴿فَمثله كَمثل صَفْوَان عَلَيْهِ تُرَاب﴾ الصفوان: الْحجر الصلد الأملس.
وَقَوله: ﴿فَأَصَابَهُ وابل﴾ الوابل: الْمَطَر الشَّديد الْعِظَام الْقطر.
وَقَوله: ﴿فَتَركه صَلدًا﴾ أَي: أملس ﴿لَا يقدرُونَ على شَيْء مِمَّا كسبوا﴾ وَمعنى هَذَا الْمثل: أَن الَّذِي يرائي بِالْإِنْفَاقِ يفرق نَفَقَته، وَلَا يفوز بِشَيْء من الثَّوَاب، كالتراب الَّذِي يكون على الْحجر فَيُصِيبهُ الوابل؛ فَيفوت الَّذِي عَلَيْهِ، وَيبقى أملس، بِحَيْثُ لَا يقدر على شَيْء مِنْهُ.
وَقَوله: ﴿وَالله لَا يهدي الْقَوْم الْكَافرين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 512
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمثل الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم ابْتِغَاء مرضات الله﴾ أَي: خَالِصا لوجه الله.
وَقَوله: ﴿وتثبيتا من أنفسهم﴾ قَالَ قَتَادَة: هُوَ أَن يكون محتسبا بِالْإِنْفَاقِ.
وَقَالَ الْحسن: هُوَ أَن يثبت من نَفسه حَتَّى إِن كَانَت نِيَّته أَن يتَصَدَّق لله يفعل، وَإِن كَانَت نِيَّته غَيره يمسك، وَقَالَ الْكَلْبِيّ، وَالشعْبِيّ: هُوَ أَن يتَصَدَّق على يَقِين بالثواب، وتصديق بوعد الله فِيهِ.
وَقَوله: ﴿كَمثل جنَّة بِرَبْوَةٍ﴾ الْجنَّة: الْبُسْتَان. والربوة: الْمَكَان الْمُرْتَفع.
وَقَوله: ﴿أَصَابَهَا وابل﴾ كَمَا ذكرنَا. وَقَوله: ﴿فآتت أكلهَا ضعفين﴾ أَي: ثَمَرهَا ضعف مَا تُؤْتى غَيرهَا. قَوْله: ﴿فَإِن لم يصبهَا وابل فطل﴾ الطل: الْمَطَر الْخَفِيف الصغار الْقطر، وَيكون دَائِما.
وَمعنى هَذَا الْمثل: أَن الَّذِي ينْفق خَالِصا لوجه الله تَعَالَى لَا تخلف نَفَقَته، بل تنمو وتزكو بِكُل حَال: كَمَا أَن الْجنَّة الَّتِي على الربوة لَا تخلف، بل تنمو وتزكوا بِكُل حَال سَوَاء أَصَابَهَا الوابل، أَو أَصَابَهَا الطل؛ وَذَلِكَ أَن الطل إِذا كَانَ يَدُوم يعْمل عمل
стр. 513
﴿بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وابل فآتت أكلهَا ضعفين فَإِن لم يصبهَا وابل فطل وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (٢٦٥) أيود أحدكُم أَن تكون لَهُ جنَّة من نخيل وأعناب تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار لَهُ فِيهَا من كل الثمرات وأصابه الْكبر وَله ذُرِّيَّة ضعفاء فأصابها إعصار فِيهِ نَار فاحترقت كَذَلِك يبين الله لكم الْآيَات لَعَلَّكُمْ تتفكرون (٢٦٦) يَا أَيهَا الَّذين﴾
الوابل الشَّديد.
وَقَوله: ﴿وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 514
قَوْله تَعَالَى: ﴿أيود أحدكُم أَن تكون لَهُ جنَّة من نخيل وأعناب تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار لَهُ فِيهَا من كل الثمرات وأصابه الْكبر وَله ذُرِّيَّة ضعفاء﴾ أَي صغَارًا.
﴿فأصابها إعصارا فِيهِ نَار فاحترقت﴾ الإعصار: ريح ترْتَفع كالعمود نَحْو السَّمَاء، تسميه الْعَرَب، وَسَائِر النَّاس: زَوْبَعَة، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
(إِن كنت ريحًا فقد لاقيت إعصارا ... )
وَأما معنى الْآيَة: روى أَن عمر ﵁ سَأَلَ الصَّحَابَة عَن معنى هَذِه الْآيَة، فَقَالُوا: الله أعلم، فَغَضب عمر، وَقَالَ: قُولُوا: نعلم، أَو لَا نعلم، وَنحن نعلم أَن الله يعلم؛ فَسَكَتُوا، وَكَانَ ابْن عَبَّاس فيهم فَقَالَ: فِي قلبِي شَيْء، فَقَالَ لَهُ عمر: قل، وَلَا تحقر نَفسك، ضرب مثلا لعمل. وروى تَمام الْكَلَام فِيهِ. - ثمَّ اخْتلفُوا، مِنْهُم من قَالَ: تَمام الْكَلَام من عمر، وَمِنْهُم من قَالَ: تَمام الْكَلَام من ابْن عَبَّاس -
وَتَمَامه: أَن الله تَعَالَى ضرب هَذَا مثلا للَّذي يعْمل طول عمره عملا، ثمَّ يحبطه برياء أَو بِشَيْء فِي آخر عمره، فيفوته ذَلِك، وَلَا يَنْفَعهُ فِي أحْوج حَال يكون إِلَيْهِ؛ كَالَّذي لَهُ بُسْتَان ذَات أَشجَار، وثمار وأنهار، فيدركه الْكبر، وَله عيلة كَبِيرَة وَأَوْلَاده صغَار، فَلَمَّا قرب إِدْرَاكه وَاحْتَاجَ إِلَيْهِ، أَصَابَته نَار فَأَحْرَقتهُ، فيفوته ذَلِك (وَلَا ينْفق) فِي أحْوج حَال يكون إِلَيْهِ.
стр. 515
﴿آمنُوا أَنْفقُوا من طَيّبَات مَا كسبتم وَمِمَّا أخرجنَا لكم من الأَرْض وَلَا تيمموا الْخَبيث مِنْهُ تنفقون ولستم بآخذيه إِلَّا أَن تغمضوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَن الله غَنِي حميد (٢٦٧) ﴾
قَوْله: ﴿كَذَلِك يبين الله لكم الْآيَات لَعَلَّكُمْ تتفكرون﴾ . ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 516
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَنْفقُوا من طَيّبَات مَا كسبتم﴾ أَي: من حَلَال مَا كسبتم، وَفِي هَذَا دلَالَة على أَن الْكسْب يتنوع إِلَى الطّيب، والخبيث.
وَقَوله: ﴿وَمِمَّا أخرجنَا لكم من الأَرْض﴾ قيل: هُوَ الْأَمر بِإِخْرَاج العشور.
وَقيل: هُوَ أَمر بِإِخْرَاج الْحُقُوق الَّتِي كَانَت وَاجِبَة فِي نَبَات الأَرْض فِي الِابْتِدَاء، ثمَّ صَارَت مَنْسُوخَة بآيَات الزَّكَاة.
وَقيل: هُوَ فِي صدقَات التَّطَوُّع.
وَقَوله: ﴿وَلَا تيمموا الْخَبيث مِنْهُ تنفقون﴾ أم، وَتيَمّم: إِذا قصد. وَأَرَادَ بالخبيث: الرَّدِيء هَاهُنَا، أَي: وَلَا تقصدوا الرَّدِيء مِنْهُ تنفقون.
وَسبب نزُول الْآيَة: " مَا روى أَن أَصْحَاب النخيل على عهد رَسُول الله كَانُوا يأْتونَ بقنو فيعلقونه فِي الْمَسْجِد؛ ليأكله الْفُقَرَاء، فجَاء رجل بقنو حشف أَرَادَ مَا يكون، وعلقه، فَلم يرضه رَسُول الله وَنزلت الْآيَة: ﴿وَلَا تيمموا الْخَبيث مِنْهُ تنفقون﴾ ".
وَقَوله: ﴿ولستم بآخذيه إِلَّا أَن تغمضوا فِيهِ﴾ إِلَّا أَن تسامحوا وتساهلوا فِي أَخذه، وَمَعْنَاهُ: أَن الْحق لَو كَانَ لكم على غَيْركُمْ، فجَاء بِهِ رديئا لَا تأخذونه إِلَّا بإغماض فِيهِ، فتعتقدون أَنكُمْ تركْتُم بعض حقكم وأغمصتم.
وَقَوله: ﴿وأعلموا أَن الله غَنِي﴾ يُعْطي عَن غنى (حميد) مَحْمُود الْغنى، وَفِيه دَلِيل على أَن الْغنى لغير الله مَذْمُوم.
وَقيل: الحميد: الْمُسْتَحق للحمد.
стр. 517
﴿الشَّيْطَان يَعدكُم الْفقر ويأمركم بالفحشاء وَالله يَعدكُم مغْفرَة مِنْهُ وفضلا وَالله وَاسع عليم (٢٦٨) يُؤْتِي الْحِكْمَة من يَشَاء وَمن يُؤْت الْحِكْمَة فقد أُوتِيَ خيرا﴾
стр. 518
قَوْله تَعَالَى: ﴿الشَّيْطَان يَعدكُم الْفقر﴾ يخوفكم بالفقر، وَالْبَاء محذوفة.
وَقَوله: ﴿ويأمركم بالفحشاء﴾ أَي: بِأَن لَا تتصدقوا وتبخلوا، وَمِنْه قَول طرفَة:
(عقيلة مَال الْفَاحِش المتشدد ... )
أَي: الْبَخِيل المتشدد.
وَالْبخل دَاء عَظِيم، قَالَ " وَلَا دَاء أدوى من الْبُخْل ".
وَقَوله: ﴿وَالله يَعدكُم مغْفرَة مِنْهُ وفضلا﴾ مغْفرَة، أَي: عَفْو الله، وفضلا: بالثواب.
وَقَوله: ﴿وَالله وَاسع عليم﴾ وَقد ذكرنَا مَعْنَاهُمَا.
стр. 519
وَقَوله تَعَالَى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَة من يَشَاء﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: وَهُوَ حِكْمَة الْقُرْآن، وَهُوَ أَن يعرف ناسخه ومنسوخه، ومقدمه ومؤخره، ومحكمه ومتشابهه، وَحَرَامه وَحَلَاله، وَأَمْثَاله.
وَقيل: هُوَ الْفِقْه فِي الدّين.
وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: هُوَ معرفَة مَعَاني الْأَشْيَاء وفهمها.
وَفِيه قَول رَابِع: هُوَ الْإِصَابَة، فعلا وقولا.
وَقَوله: ﴿وَمن يُؤْت الْحِكْمَة فقد أُوتِيَ خيرا كثيرا وَمَا يذكر إِلَّا أولُوا الْأَلْبَاب﴾ .
قَرَأَ يَعْقُوب: " وَمن يُؤْت " بِكَسْر التَّاء يَعْنِي: وَمن يؤته الله الْحِكْمَة.
стр. 520
﴿كثيرا وَمَا يذكر إِلَّا أولُوا الْأَلْبَاب (٢٦٩) وَمَا أنفقتم من نَفَقَة أَو أنذرتم من نذر فَإِن الله يُعلمهُ وَمَا للظالمين من أنصار (٢٧٠) إِن تبدوا الصَّدقَات فَنعما هِيَ وَإِن تخفوها﴾
قيل: هَذِه الْحِكْمَة: هِيَ الْكِتَابَة، وَمَعْرِفَة الْخط.
وَقيل: هِيَ الْعقل. وَقيل الْأَمَانَة.
﴿وَمَا يذكر إِلَّا أولُوا الْأَلْبَاب﴾ أَي: وَمَا يتفكر إِلَّا أولُوا الْعُقُول.
стр. 521
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أنفقتم من نَفَقَة أَو أنذرتم﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن المُرَاد بِالنَّفَقَةِ: الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة، وَأما النّذر: هُوَ أَن يَنْوِي عمل الْخَيْر، وَصدقَة التَّطَوُّع.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن النَّفَقَة هِيَ صَدَقَة التَّطَوُّع، وَأما النّذر هُوَ مَا عرف من نذر اللِّسَان؛ وَهُوَ أَن يُوجب التَّصَدُّق على نَفسه.
وَقَوله: ﴿فَإِن الله يُعلمهُ﴾ أَي: يجازي. وَقَالَ مُجَاهِد: يُحْصِيه.
وَقَوله: ﴿وَمَا للظالمين﴾ أَي: الَّذين يتصدقون من الْغَصْب والنهب. ﴿من أنصار﴾ جمع النصير، أَي: مَا لَهُم من ينصر وَيمْنَع من الْعَذَاب.
стр. 522
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَن تبدوا الصَّدقَات﴾ مَعْنَاهُ: إِن تظهروا. ﴿فَنعما هِيَ﴾ يقْرَأ بالقراءات بِفَتْح النُّون، وَكسر الْعين، وَيقْرَأ: بكسرهما، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو: بِكَسْر النُّون وَجزم الْعين، وَلم يرض ذَلِك مِنْهُ نحاة الْبَصْرَة، وَقَالُوا فِيهِ التقاء الساكنين، وَاسْتشْهدَ أَبُو عَمْرو بقوله لعَمْرو بن الْعَاصِ: " نعم المَال الصَّالح للرجل الصَّالح " وَالْكل فِي الْمَعْنى سَوَاء، وَمَعْنَاهُ: نعم خلة، هِيَ أَو نعم شَيْء هُوَ.
قَوْله: ﴿وَإِن تخفوها وتؤتوها الْفُقَرَاء فَهُوَ خير لكم﴾ قيل: هَذَا فِي صدقَات
стр. 523
﴿وتؤتوها الْفُقَرَاء فَهُوَ خير لكم وَيكفر عَنْكُم من سَيِّئَاتكُمْ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير﴾
التَّطَوُّع، والإخفاء فِيهَا أفضل، وَقد روى عَن النَّبِي " أَنه قَالَ: صَدَقَة السِّرّ تفضل صَدَقَة الْعَلَانِيَة بسبعين ضعفا ".
وَإِمَّا الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة: فالإظهار فِيهَا أفضل، وَقد قَالَ " صَدَقَة الْعَلَانِيَة تفضل صَدَقَة السِّرّ بِخمْس وَعشْرين "، وَهَذَا فِي الزَّكَاة، وَالْأول فِي التطوعات.
وَقيل: الْآيَة فِي الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة، وَكَانَ الْإخْفَاء خيرا فِي الْكل على عهد رَسُول الله فَأَما فِي زمننا فالإظهار خير فِي الزَّكَاة لسوء الزَّمَان، كَيْلا يساء الظَّن بِهِ.
وَقَوله: ﴿وَيكفر عَنْكُم﴾ يقْرَأ: بالنُّون، وَالْيَاء: وَيقْرَأ: بِالرَّفْع، والجزم ﴿من سَيِّئَاتكُمْ﴾ قيل: من صلَة فِيهِ. وَتَقْدِيره: وَيكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ، فعلى هَذَا يكون شَامِلًا للصغائر، والكبائر.
وَفِيه قَول آخر: أَن " من " على التَّحْقِيق، والتفكير بالصدقات يكون من الصَّغَائِر فَأَما الْكَبَائِر فَإِنَّمَا تكفرها التَّوْبَة.
وَالْأول أقرب إِلَى أهل السّنة، وَقد قَالَ النَّبِي: " صَدَقَة السِّرّ تُطْفِئ غضب الرب ".
وَقَوله: ﴿وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير﴾ هَذَا ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 524
( ﴿٢٧١) لَيْسَ عَلَيْكُم هدَاهُم وَلَكِن الله يهدي من يَشَاء وَمَا تنفقوا من خير فلأنفسكم وَمَا تنفقون إِلَّا ابْتِغَاء وَجه الله وَمَا تنفقوا من خير يوف إِلَيْكُم وَأَنْتُم لَا تظْلمُونَ (٢٧٢) للْفُقَرَاء الَّذين أحْصرُوا فِي سَبِيل الله لَا يَسْتَطِيعُونَ ضربا فِي﴾
стр. 525
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم هدَاهُم﴾ لَيْسَ المُرَاد بِهِ: هِدَايَة الدعْوَة، فَإِنَّهَا عَلَيْهِ حتم، وَإِنَّمَا المُرَاد بِهِ: هِدَايَة التَّوْفِيق.
قَالَ سعيد بن جُبَير: " سَبَب نزُول الْآيَة مَا روى: أَن النَّبِي نهى عَن التَّصْدِيق على المشتركين، وَإِنَّمَا كَانَ نهى عَنهُ، كي تحملهم الْحَاجة على الدُّخُول فِي الْإِسْلَام فَنزلت الْآيَة فَأمر النَّبِي - بالتصدق على أهل الْأَدْيَان كلهَا ".
وَمَعْنَاهُ: لَيْسَ عَلَيْك هدَاهُم، بِأَن تلجئهم وتحملهم على الدُّخُول فِي الْإِسْلَام، ﴿وَلَكِن الله يهدي من يَشَاء﴾ أَي يوفق من يَشَاء، ويخذل من يَشَاء.
قَوْله: ﴿وَمَا تنفقوا من خير فلأنفسكم﴾ أَي: تعلمونه لأنفسكم.
قَوْله: ﴿وَمَا تنفقون إِلَّا ابْتِغَاء وَجه الله﴾ هَذَا خبر بِمَعْنى الْأَمر، أَي: أَنْفقُوا لوجه الله، وَمَعْنَاهُ: ابْتِغَاء مرضاة الله.
وَقيل: هُوَ على الْمُبَالغَة، فَإِن قَول الرجل: عملت لوجه فلَان. أبلغ وأشرف من قَوْله: عملت لفُلَان، فَذَكرنَا شرف اللَّفْظَيْنِ.
وَقَوله: ﴿وَمَا تنفقوا من خير يوف إِلَيْكُم﴾ أَي: يوفر عَلَيْكُم ثَوَابه.
﴿وَأَنْتُم لَا تظْلمُونَ﴾ ظَاهر.
стр. 526
قَوْله تَعَالَى: ﴿للْفُقَرَاء الَّذين أحْصرُوا فِي سَبِيل الله﴾ يَعْنِي: تِلْكَ الصَّدقَات الَّتِي سبق ذكرهَا للْفُقَرَاء.
قَالَ مُجَاهِد: أَرَادَ بِهِ فُقَرَاء الْمُهَاجِرين من مَكَّة.
وَأما قَوْله: ﴿أحْصرُوا فِي سَبِيل الله﴾ فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال:
[أَحدهَا] : قَالَ ابْن عَبَّاس: يَعْنِي: حَبسهم الْعَدو والفقر عَن سَبِيل الله وَالْجهَاد، فصاروا مَحْصُورين عَنهُ.
стр. 527
﴿الأَرْض يَحْسبهُم الْجَاهِل أَغْنِيَاء من التعفف تعرفهم بِسِيمَاهُمْ لَا يسْأَلُون النَّاس إلحافا﴾
وَقَالَ سعيد بن الْمسيب: أَرَادَ بِهِ: أَنهم خَرجُوا إِلَى الْحَرْب، فَأَصَابَتْهُمْ جراحات، فصاروا محصرين عَن الْجِهَاد بِسَبَب الْجِرَاحَات.
وَقَالَ قَتَادَة - وَهُوَ أحسن الْأَقْوَال -: مَعْنَاهُ: أَنهم حبسوا أنفسهم على الْجِهَاد فِي سَبِيل الله، وَتركُوا الْخُرُوج للتِّجَارَة والمعاش، ووقفوا أنفسهم على الْحَرْب.
وَقد ورد ذَلِك فِي أهل الصّفة، كَانُوا قَرِيبا من أَرْبَعمِائَة نفر، اجْتَمعُوا فِي مَسْجِد رَسُول الله وَكَانُوا لَا يأوون إِلَى أهل وَلَا إِلَى مَال، وَكَانَ يبْعَث النَّاس إِلَيْهِم بِفضل قوتهم، وَكَانُوا وقفُوا أنفسهم على الْجِهَاد فِي سَبِيل الله، وَقَالُوا: لَا تخرج سَرِيَّة إِلَّا وَنخرج مَعهَا، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿أحْصرُوا فِي سَبِيل الله﴾ .
وَقَوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضربا فِي الأَرْض﴾ هَذَا على الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلين يرجع إِلَى الضَّرْب فِي الأَرْض للْجِهَاد.
وعَلى القَوْل الثَّالِث: هُوَ الضَّرْب فِي الأَرْض للمعاش وَالتِّجَارَة.
وَقَوله: ﴿يَحْسبهُم الْجَاهِل﴾ قَالَ قَالَ مُجَاهِد: لَيْسَ المُرَاد بِهَذَا الْجَاهِل خلاف الْعَالم وَإِنَّمَا هُوَ الَّذِي لَا خبْرَة لَهُ وَلَا معرفَة بحالهم.
وَقَوله: ﴿أَغْنِيَاء من التعفف﴾ يَعْنِي: من القناعة الَّتِي لَهُم يظنهم من لم يعرفهُمْ أَغْنِيَاء.
قَوْله: ﴿تعرفهم بِسِيمَاهُمْ﴾ قيل: بالتخشع الَّذِي كَانَ لَهُم.
وَقَالَ الضَّحَّاك: بصفرة الألوان.
وَقَالَ ابْن زيد: برثاثة الثِّيَاب.
وَقيل: أثر الْجُوع والجهد.
وَقَوله: (لَا يسْأَلُون النَّاس إلحافا) أَي: إلحاحا.
стр. 528
﴿وَمَا تنفقوا من خير فَإِن الله بِهِ عليم (٢٧٣) الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار سرا﴾
وَقيل: أَصله من إلحاف؛ فالإلحاف: السُّؤَال على الْعُمُوم، كَأَنَّهُ يسْأَل كل من يلقى.
وَفِيه قَول آخر: أَنه أَرَادَ بِهِ ترك السُّؤَال أصلا؛ فَإِنَّهُ إِذا سَأَلَ فقد ألحف، يعْنى: لَا يسْأَلُون أصلا.
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه قَالَ: ﴿أَغْنِيَاء من التعفف﴾ وَإِذا سَأَلَ لَا يكون متعففا، وَقد روى عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من سَأَلَ وَعِنْده أُوقِيَّة فقد ألحف ". يَعْنِي: عِنْده أَرْبَعُونَ درهما.
وروى عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " لِأَن يَأْخُذ أحدكُم حبله فيحتطب على ظَهره، خير لَهُ من يسْأَل النَّاس أعْطى أَو منع ".
وَقَوله: ﴿وَمَا تنفقوا من خير فَإِن الله بِهِ عليم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 529
وَقَوله تَعَالَى: ﴿الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار سرا وَعَلَانِيَة﴾ .
قَالَ ابْن عَبَّاس: هَذَا فِي عَليّ ابْن أبي طَالب، كَانَت لَهُ أَرْبَعَة دَرَاهِم، فَتصدق بدرهم بِاللَّيْلِ، وَدِرْهَم بِالنَّهَارِ، وَدِرْهَم فِي السِّرّ، وَدِرْهَم فِي (العلن) ؛ فَنزلت الْآيَة رضَا بِفِعْلِهِ، وثناء عَلَيْهِ.
وَقيل: أَرَادَ بِالنَّفَقَةِ هَاهُنَا: النَّفَقَة على الْخَيل فِي سَبِيل الله؛ فَإِنَّهَا تعتلف من تِلْكَ النَّفَقَة لَيْلًا وَنَهَارًا، وسرا وَعَلَانِيَة؛ وَالنَّفقَة على الْخَيل فِي سَبِيل الله بَاب عَظِيم فِي
стр. 530
﴿وَعَلَانِيَة فَلهم أجرهم عِنْد رَبهم وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ (٢٧٤) الَّذين يَأْكُلُون الرِّبَا لَا يقومُونَ إِلَّا كَمَا يقوم الَّذِي يتخبطه الشَّيْطَان من الْمس ذَلِك بِأَنَّهُم قَالُوا إِنَّمَا البيع مثل الرِّبَا وَأحل الله البيع وَحرم الرِّبَا فَمن جَاءَهُ موعظة من ربه فَانْتهى فَلهُ مَا سلف﴾
الْخَيْر. وَقد ورد فِي الحَدِيث: " أَنه يُؤجر بأوراثها وَأَبْوَالهَا ".
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَلهم أجرهم عِنْد رَبهم وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
следующие страницы →