Полный текст (8 565 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.
стр. 4866
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الم (١) غلبت الرّوم (٢) فِي أدنى الأَرْض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (٣) فِي﴾
تَفْسِير سُورَة الرّوم
وَهِي مَكِّيَّة
стр. 4867
قَوْله تَعَالَى: ﴿الم﴾ قد بَينا، ولأصح أَن مَعْنَاهُ هَاهُنَا هُوَ الْقسم.
стр. 4868
وَقَوله: ﴿غلبت الرّوم﴾ أَي: قد غلبت الرّوم، فَوَقع الْقسم على هَذَا، وَقد تحذف قد عِنْد أهل اللُّغَة فِي الْكَلَام، قَالَ الشَّاعِر:
(أكلفتني ذَنْب امْرِئ وَتركته ... كذى العر [يكوي] غَيره وَهُوَ راتع)
أَي: لقد كلفتني.
стр. 4869
وَقَوله: ﴿فِي أدنى الأَرْض﴾ الْأَدْنَى بِمَعْنى الْأَقْرَب، وَمَعْنَاهُ: الْأَدْنَى إِلَى أَرض فَارس من أَرض الرّوم، قَالَ مُجَاهِد. هِيَ لجزيرة، وَهِي بِلَاد بَين دجلة والفرات تسمى الجزيرة مِنْهَا حران، ورحبة مَالك بن طوق، والرقة، والرهى، وَغير ذَلِك.
وَقَوله: ﴿وهم من بعد غلبهم سيغلبون﴾ مَعْنَاهُ: أَن الرّوم من بعد غَلَبَة فَارس عَلَيْهِم سيغلبون. فَإِن قيل: قَالَ: ﴿من بعد غلبهم﴾ وهم غلبوا وَلم يغلبوا؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: ذكر غلبتهم، وَالْمرَاد مِنْهُ غَلَبَة غَيرهم عَلَيْهِم، وَإِنَّمَا أضَاف الْغَلَبَة إِلَيْهِم لاتصال تِلْكَ الْغَلَبَة بهم، واتصال الْغَلَبَة بهم وُقُوع الْغَلَبَة عَلَيْهِم، وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿ويطعمون الطَّعَام على حبه﴾ وَالطَّعَام لَا يكون صَاحب الْحبّ، وَإِنَّمَا الْإِنْسَان هُوَ صَاحب الْحبّ، وَلَكِن إِضَافَة إِلَى الطَّعَام لاتصال الْحبّ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَذَلِكَ لمن خَافَ مقَامي وَخَافَ وَعِيد﴾ وَالْمقَام للْعَبد إِلَّا أَنه [أَضَافَهُ] إِلَى الله؛
стр. 4870
﴿بضع سِنِين لله الْأَمر من قبل وَمن بعد ويومئذ يفرح الْمُؤْمِنُونَ (٤) بنصر الله ينصر﴾ لِأَنَّهُ يقوم بَين يَدي الله، فيتصل بِاللَّه من هَذَا الْوَجْه.
стр. 4871
وَقَوله: ﴿فِي بضع سِنِين﴾ فِي الْبضْع قَولَانِ: أَحدهمَا: من الْوَاحِد إِلَى الْعشْر، وَالْقَوْل الثَّانِي: من الثَّلَاث إِلَى السَّبع.
وَكَذَلِكَ اخْتلف القَوْل فِي النيف، فَمنهمْ من قَالَ: من الْوَاحِد إِلَى الثَّلَاث، وَمِنْهُم من قَالَ: من الْوَاحِد إِلَى الْعَاشِر.
وَأما سَبَب نزُول الْآيَة فروى سعيد بن جُبَير، عَن ابْن عَبَّاس: " أَنه كَانَ بَين فَارس وَالروم قتال قَائِم، فَكَانَ الْمُشْركُونَ يُؤْذونَ أَن تغلب فَارس الرّوم، والمسلمون يودون أَن تغلب الرّوم فَارس، لأَنهم كَانُوا أهل الْكتاب، قَالَ: فغلب فَارس الرّوم مرّة، فشمت الْمُشْركُونَ بِالْمُسْلِمين، وَقَالُوا: إِنَّا سنغلبكم كَمَا غلبت فَارس الرّوم، فجَاء الْمُسلمُونَ إِلَى النَّبِي وَذكروا لَهُ ذَلِك، فَقَالَ: أما إِن الرّوم سيغلبون فَارس. فَقَالَ أَصْحَاب النَّبِي: مَتى ذَلِك؟ فَقَالَ: إِلَى بضع سِنِين، وَأنزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
قَالَ: فجَاء أَبُو بكر إِلَى أبي بن خلف، وَذكر لَهُ ذَلِك، فَقَالَ: وَالله لَا تغلب الرّوم فَارس أبدا، ثمَّ قَالَ لأبي بكر: أخاطرك؟ قَالَ: نعم فخاطره على قَلَائِص من الْإِبِل. وَاخْتلفُوا فِي عدد القلائص مِنْهُم من قَالَ: كَانَ سِتا، وَقيل: كَانَ سبعا. وَقيل: غير ذَلِك، ووضعا الْمدَّة إِلَى خمس سِنِين.
قَالَ قَتَادَة: وَكَانَ ذَلِك فِي وَقت لم يكن حوم الْقمَار بعد.
فجَاء أَبُو بكر إِلَى النَّبِي، وَذكر لَهُ ذَلِك، فَقَالَ لَهُ النَّبِي: يَا أَبَا بكر، زد
стр. 4872
﴿من يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيز الرَّحِيم (٥) وعد الله لَا يخلف الله وعده وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا﴾ فِي الْخطر، وَأبْعد فِي الْأَجَل " فَزَاد فِي عدد القلائص، وَجعل الْمدَّة إِلَى سبع سِنِين ". ثمَّ إِن الرّوم ظَهرت على فَارس، واسترجعوا ديار الجزيرة وَالشَّام وَغير ذَلِك من فَارس، وَكَانَ فَارس قد استولوا على الْكل، وَأخذُوا صليبهم الْأَعْظَم، فاستردوا هَذِه الديار، واستردوا صليبهم، وهزموا فَارس.
وَاخْتلفُوا فِي وَقت ذَلِك، مِنْهُم من قَالَ: كَانَ يَوْم بدر، وَمِنْهُم من قَالَ: كَانَ عَام الْحُدَيْبِيَة.
وَفِي بعض التفاسير: أَن أَبَا بكر لما قصد الْهِجْرَة جَاءَ إِلَى أبي بن خلف، وَطلب مِنْهُ كَفِيلا بالقلائص، فكفل بهَا ابْنه عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر، ثمَّ لما خرج أبي بن خلف إِلَى أحد طلب عبد الرَّحْمَن مِنْهُ كَفِيلا، فكفل بالقلائص ابْنه، ثمَّ انه لما ظَهرت الرّوم على فَارس أَخذ أَبُو بكر القلائص.
وَفِي بعض الرِّوَايَات: أَن الْمدَّة كَانَت إِلَى خمس سِنِين لَا زِيَادَة، وَمَضَت الْخمس وَلم تغلب الرّوم على فَارس، واخذ أبي بن خلف القلائص، ثمَّ بعد ذَلِك ظَهرت الرّوم على فَارس.
وَهَذِه الْآيَة من معجزات النَّبِي؛ لِأَنَّهُ أخبر عَن غيب لَا يُعلمهُ إِلَّا الله، وَكَانَ الْأَمر على مَا أخبر.
وَقَوله: ﴿لله الْأَمر من قبل وَمن بعد﴾ أَي: من قبل غلبهم، وَمن بعد غلبهم.
وَقَوله: ﴿ويومئذ يفرح الْمُؤْمِنُونَ بنصر الله﴾ أَي: ينصر الله أهل الْكتاب على غير أهل الْكتاب، وَإِنَّمَا فرحوا بذلك لصدق وعد الله تَعَالَى؛ وَلِأَنَّهُم قَالُوا: كَمَا نصر الله أهل الْكتاب على غير أهل الْكتاب، وَكَذَلِكَ ينصرنا عَلَيْكُم.
стр. 4873
وَقَوله: ﴿ينصر من يَشَاء﴾ أَي: من يَشَاء من عباده.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ أَي: الْغَالِب على أمره، الْمُنعم على عباده.
стр. 4874
﴿يعلمُونَ (٦) يعلمُونَ ظَاهرا من الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم عَن الْآخِرَة هم غافلون (٧) أَو لم يتفكروا فِي أنفسهم مَا خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأجل مُسَمّى وَإِن كثيرا من النَّاس بلقاء رَبهم لكافرون (٨) أَو لم يَسِيرُوا فِي الأَرْض فينظروا كَيفَ﴾
стр. 4875
قَوْله تَعَالَى: ﴿وعد الله لَا يخلف الله وعده﴾ أَي: هَذِه النُّصْرَة من وعد الله، وَلَا يخلف الله وعده ﴿وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ﴾ أَن وعد الله حق.
стр. 4876
قَوْله تَعَالَى: ﴿يعلمُونَ ظَاهرا من الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: أَمر مَعَايشهمْ ومعالجهم فِي الدُّنْيَا يَعْنِي: مَتى يزرعون وَمَتى يحصدون، وَمَتى يغرسون، وَمَتى يبنون. وَقَالَ الضَّحَّاك: بُنيان الدّور، وغرس الْأَشْجَار، وتشقيق الْأَنْهَار، وَعمل التِّجَارَات. وروى عَن الْحسن الْبَصْرِيّ ﵁ قَالَ: إِن أحدهم لينقد الدَّرَاهِم بِطرف ظفره، وَيذكر وَزنه فَلَا يُخطئ، وَهُوَ لَا يحسن أَن يُصَلِّي.
وَقَوله: ﴿وهم عَن الْآخِرَة هم غافلون﴾ فهم الأول ابْتِدَاء، وهم الثَّانِي ابْتِدَاء آخر، وَمَعْنَاهُ: أَنهم غافلون ساهون عَن الْآخِرَة.
стр. 4877
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لم يتفكروا فِي أنفسهم مَا خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أَي: للعدل، وَيُقَال: لإِقَامَة الْحق، وَقيل: للحق. وَقد رُوِيَ فِي بعض الْأَخْبَار: " أَن النَّبِي مر على قوم وهم يتفكرون، فَقَالَ: تَفَكَّرُوا فِي خلق الله، وَلَا تَتَفَكَّرُوا فِي الله ". وَهَذَا خبر غَرِيب.
وَقَوله: ﴿وَأجل مُسَمّى﴾ أَي: وَمُدَّة مُسَمَّاهُ، وَاخْتلفُوا فِي الْمدَّة المسماه، فَقَالَ بَعضهم: هِيَ السَّاعَة، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ الْوَقْت الَّذِي قدر هلاكهم فِيهِ.
وَقَوله: ﴿وَإِن كثيرا من النَّاس بلقاء رَبهم لكافرون﴾ أَي: جاحدون، ولقاء رَبهم هُوَ الْبَعْث يَوْم الْقِيَامَة.
стр. 4878
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لم يَسِيرُوا فِي الأَرْض فينظروا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذين من قبلهم﴾ يَعْنِي: الْأُمَم الَّذين مضوا.
стр. 4879
﴿كَانَ عَاقِبَة الَّذين من قبلهم كَانُوا أَشد مِنْهُم قُوَّة وأثاروا الأَرْض وعمروها أَكثر مِمَّا عمروها وجاءتهم رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ الله ليظلمهم وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ (٩) ثمَّ كَانَ عَاقِبَة الَّذين أساؤوا السوأى أَن كذبُوا بآيَات الله وَكَانُوا بهَا يستهزءون﴾
وَقَوله: ﴿كَانُوا أَشد مِنْهُم قُوَّة﴾ أَي: أَكثر مِنْهُم قُوَّة.
وَقَوله: ﴿وأثاروا الأَرْض﴾ أَي: حرثوا الأَرْض.
وَقَوله: ﴿وعمروها أَكثر مِمَّا عمروها﴾ أَي: عمروا الأَرْض أَكثر مِمَّا عمرها أهل مَكَّة، فَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك؛ لِأَنَّهُ لم يكن لأهل مَكَّة حرث.
وَقَوله: ﴿وجاءتهم رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أَي: بالدلالات.
وَقَوله: ﴿فَمَا كَانَ الله ليظلمهم﴾ أَي: لينقص حُقُوقهم، وَلَكنهُمْ نَقَصُوا وبخسوا حُقُوقهم.
[وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ﴾ ] .
стр. 4880
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ كَانَ عَاقِبَة الَّذين أساءوا﴾ أَي: كفرُوا، وَقَوله: ﴿السوأى﴾ هِيَ جَهَنَّم، ونعوذ بِاللَّه، وَقَرَأَ الْأَعْمَش: " ثمَّ كَانَ عَاقِبَة الَّذين أساءوا السوء ". وَقيل: السوأى: قبح الْعَاقِبَة.
وَمِنْه قَوْله: " سَوَاء ولود خير من حسناء عقيم ". يَعْنِي: قبيحة ولود خير من حسناء عقيم.
стр. 4881
( ﴿١٠) الله يبْدَأ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ ثمَّ إِلَيْهِ ترجعون (١١) وَيَوْم تقوم السَّاعَة يبلس المجرمون (١٢) وَلم يكن لَهُم من شركائهم شُفَعَاء وَكَانُوا بشركائهم كَافِرين (١٣) وَيَوْم تقوم السَّاعَة يَوْمئِذٍ يتفرقون (١٤) فَأَما الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات فهم فِي﴾
وَقَوله: ﴿أَن كذبُوا بآيَات الله﴾ أَي: لِأَن كذبُوا بآيَات الله.
وَقَوله: ﴿وَكَانُوا بهَا يستهزئون﴾ أَي: بآيَات الله يستهزئون.
стр. 4882
قَوْله تَعَالَى: ﴿الله يبْدَأ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ ثمَّ إِلَيْهِ ترجعون﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وَقد بَينا.
стр. 4883
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَوْم تقوم السَّاعَة يبلس المجرمون﴾ أَي: ييأس المجرمون، وَيُقَال: (يسكتون) وتنقطع حجتهم، قَالَ الشَّاعِر:
(يَا صَاح هَل تعرف رسما مكرسا ... قَالَ نعم أعرفهُ وأبلسا)
وَقَالَ مُجَاهِد: يبلس المجرمون: يفتضحون. وَقيل: يتحيرون.
стр. 4884
وَقَوله: ﴿وَلم يكن لَهُم من شركائهم شُفَعَاء﴾ أَي: الْأَصْنَام الَّتِي اتَّخَذُوهَا شُرَكَاء لله.
وَقَوله: ﴿وَكَانُوا بشركائهم كَافِرين﴾ أَي: كفرُوا بالأصنام، وتبرءوا مِنْهَا يَوْم الْقِيَامَة، وَمعنى كَانُوا: صَارُوا.
стр. 4885
قَوْله: ﴿وَيَوْم تقوم السَّاعَة يَوْمئِذٍ يتفرقون﴾ يَعْنِي: يتَمَيَّز أهل الْجنَّة من أهل النَّار، وَقيل مَعْنَاهُ: أَنه يفرق بَين أهل الْمعْصِيَة و [أهل] الطَّاعَة؛ فيعاقب أهل الْمعاصِي، وينعم على المطيعين، وَعَن قَتَادَة قَالَ: هُوَ افْتِرَاق لَا اجْتِمَاع بعده.
стр. 4886
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَما الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات فهم فِي رَوْضَة يحبرون﴾ الرَّوْضَة: هِيَ لبستان الَّذِي هُوَ فِي غَايَة النضارة وَالْحسن.
قَالَ الطَّائِي:
стр. 4887
﴿رَوْضَة يحبرون (١٥) وَأما الَّذين كفرُوا وكذبوا بِآيَاتِنَا ولقاء الْآخِرَة فَأُولَئِك فِي الْعَذَاب محضرون (١٦) فسبحان الله حِين تمسون وَحين تُصبحُونَ (١٧) وَله الْحَمد﴾
((إِنَّمَا الْبشر رَوْضَة فَإِذا ... كَانَ [ربوة] فروضة وغدير))
قَوْله: ﴿يحبرون﴾ أَي: يكرمون وينعمون، وَمِنْه ثوب الْخِبْرَة لحسنة، وَعَن يحيى ابْن كثير قَالَ: يحبرون: هُوَ السماع فِي الْجنَّة. وَذكر ابْن قُتَيْبَة معنى قَوْله: ﴿يحبرون﴾ أَي: يسرون.
стр. 4888
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأما الَّذين كفرُوا وكذبوا بِآيَاتِنَا ولقاء لآخرة﴾ أَي: الْبَعْث يَوْم الْقِيَامَة.
وَقَوله: ﴿فَأُولَئِك فِي الْعَذَاب محضرون﴾ أَي: معذبون.
стр. 4889
قَوْله: ﴿فسبحان الله﴾ بَينا أَن سُبْحَانَ الله: تَنْزِيه الله، وتبرئته عَن كل سوء.
وَعَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ: هُوَ اسْم مُمْتَنع لَا يَنْتَحِلهُ مَخْلُوق.
وَقَوله: ﴿سُبْحَانَ الله﴾ أَي: سبحوا الله، وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: كل سبْحَة فِي الْقُرْآن فَهِيَ فِي معنى الصَّلَاة.
وَفِي بعض الْأَخْبَار: " أَن لنَبِيّ سُئِلَ عَن أفضل الْكَلَام فَقَالَ: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ ".
وَقد ثَبت بِرِوَايَة أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي قَالَ: " كلمتان خفيفتان على اللِّسَان، ثقيلتان فِي الْمِيزَان، حبيبتان إِلَى الرَّحْمَن: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ الله الْعَظِيم ". وَهَذَا آخر خبر ذكره البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح. قَالَ ﵁: حَدثنَا
стр. 4890
﴿فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وعشيا وَحين تظْهرُونَ (١٨) يخرج الْحَيّ من الْمَيِّت وَيخرج﴾ بِهَذَا الحَدِيث من لَفظهَا كَرِيمَة بنت أَحْمد بِمَكَّة، قَالَت: أخبرنَا أَبُو الْهَيْثَم، أخبرنَا الْفربرِي، أخبرنَا البُخَارِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن أبي هُرَيْرَة. . الْخَبَر.
وَفِي بعض الْآثَار: " أَن سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ صَلَاة أهل السَّمَوَات وَصَلَاة الْخلق كلهم ".
وَقَوله: ﴿حِين تمسون﴾ أَي: تدخلون فِي الْمسَاء.
وَقَوله: ﴿وَحين تُصبحُونَ﴾ أَي: تدخلون فِي الصَّباح.
стр. 4891
وَقَوله: ﴿وَله الْحَمد فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ قَالَ الضَّحَّاك: الْحَمد لله رِدَاء الرَّحْمَن.
وَقد ثَبت عَن النَّبِي بِرِوَايَة عَليّ ﵁ أَن النَّبِي لما رفع رَأسه من الرُّكُوع قَالَ: " سمع الله لمن حَمده، رَبنَا لَك الْحَمد، ملْء السَّمَوَات وملء الأَرْض، وملء مَا بَينهمَا، وملء مَا شِئْت من شَيْء بعد، أهل الثَّنَاء وَالْمجد، أَحَق مَا قَالَ العَبْد، وكلنَا لَك عبد، لَا مَانع لما أَعْطَيْت، وَلَا معطي لما منعت، وَلَا ينفع ذَا الْجد مِنْك الْجد ".
وَقَوله: ﴿وعشيا﴾ أَي: صلوا لله عشيا.
стр. 4892
﴿الْمَيِّت من الْحَيّ ويحيي الأَرْض بعد مَوتهَا وَكَذَلِكَ تخرجُونَ (١٩) وَمن آيَاته أَن﴾
وَقَوله: ﴿وَحين تظْهرُونَ﴾ أَي: تدخلون فِي الظّهْر، وَفِي الْآيَة إِشَارَة إِلَى أَوْقَات الصَّلَاة الْخمس، فَقَوله: ﴿حِين تمسون﴾ إِشَارَة إِلَى صَلَاة الْمغرب وَالْعشَاء، وَقَوله: ﴿حِين تُصبحُونَ﴾ إِشَارَة إِلَى صَلَاة الصُّبْح، وَقَوله: ﴿وعشيا﴾ إِشَارَة إِلَى صَلَاة الْعَصْر.
وَقَوله: ﴿وَحين تظْهرُونَ﴾ إِشَارَة إِلَى صَلَاة الظّهْر.
стр. 4893
قَوْله تَعَالَى: ﴿يخرج الْحَيّ من الْمَيِّت وَيخرج الْمَيِّت من الْحَيّ﴾ قد بَينا مَعْنَاهُ من قبل؛ وَهُوَ إِخْرَاج الْبَيْضَة من الدَّجَاجَة، وَإِخْرَاج الدَّجَاجَة من الْبيض، وَإِخْرَاج الْكَافِر من الْمُؤمن، وَالْمُؤمن من الْكَافِر، وَغير ذَلِك.
وَقَوله: ﴿ويحيي الأَرْض بعد مَوتهَا﴾ أَي: كَمَا أَحْيَا الأَرْض بعد مَوتهَا كَذَلِك يُحْيِيكُمْ بعد موتكم، وَهُوَ معنى قَوْله: ﴿وَكَذَلِكَ تخرجُونَ﴾ .
وَقَالَ بَعضهم: يخرج البليد من الفطن، والفطن من البليد.
وروى الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عدي بن الْخِيَار: " أَن النَّبِي دخل على بعض نِسَائِهِ وَعِنْدهَا خالدة بنت الْأسود بن عبد يَغُوث: فَقَالَ: من هَذِه؟ قَالُوا: هِيَ خالدة بنت الْأسود بن يَغُوث. فَقَالَ: سُبْحَانَ الله! يخرج الْحَيّ من الْمَيِّت، وَيخرج الْمَيِّت من الْحَيّ "، وَكَانَت الْمَرْأَة صَالِحَة، وأبوها كَانَ كَافِرًا.
стр. 4894
﴿خَلقكُم من تُرَاب ثمَّ إِذا أَنْتُم بشر تنتشرون (٢٠) من آيَاته أَن خلق لكم من أَنفسكُم أَزْوَاجًا لتسكنوا إِلَيْهَا وَجعل بَيْنكُم مَوَدَّة وَرَحْمَة إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يتفكرون (٢١) وَمن آيَاته خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف أَلْسِنَتكُم وألوانكم إِن فِي ذَلِك﴾
стр. 4895
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن آيَاته أَن خَلقكُم من تُرَاب﴾ أَي: خلق أصلكم من تُرَاب؛ وَهُوَ آدم صلوَات الله عَلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿ثمَّ إِذا أَنْتُم بشر تنتشرون﴾ أَي: تجيئون وَتَذْهَبُونَ، وَيُقَال: (تنتشطون) .
стр. 4896
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن آيَاته أَن خلق لكم من أَنفسكُم أَزْوَاجًا﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن مَعْنَاهُ: خلق حَوَّاء من ضلع آدم، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن مَعْنَاهُ: خلق من أمثالكم أَزْوَاجًا لكم، وَالنِّسَاء من جنس الرِّجَال؛ لأَنهم جَمِيعًا من بني آدم.
وَقَوله: ﴿لتسكنوا إِلَيْهَا﴾ هُوَ فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَخلق مِنْهَا زَوجهَا ليسكن إِلَيْهَا﴾ أَي: ليأنس بهَا.
وَقَوله: ﴿وَجعل بَيْنكُم مَوَدَّة وَرَحْمَة﴾ الْمَوَدَّة: الْحبّ والعطف، وَقد يتَّفق بَين الزَّوْجَيْنِ من الْعَطف والمودة مَا لَا يتَّفق بَين الْأَقَارِب. وَعَن مُجَاهِد وَالْحسن وَعِكْرِمَة أَنهم قَالُوا: الْمَوَدَّة: الوطئ، وَالرَّحْمَة: الْوَلَد.
وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يتفكرون﴾ التفكر: هُوَ طلب الْمَعْنى من الْأَشْيَاء فِيمَا يتَعَلَّق بِالْقَلْبِ.
стр. 4897
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن آيَاته أَن خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف أَلْسِنَتكُم وألوانكم﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن اخْتِلَاف الْأَلْسِنَة هُوَ اخْتِلَاف اللُّغَات؛ فللفرس لُغَة، وللروم لُغَة، وللترك لُغَة، وللعرب لُغَة، وَمَا أشبه هَذَا. وَذكر كَعْب الْأَحْبَار أَن الله تَعَالَى قسم اثْنَتَيْنِ وَسبعين لُغَة بَين النَّاس، فلولد سَام [تسع عشرَة] لُغَة ولولد حام [سبع
стр. 4898
﴿لآيَات للْعَالمين (٢٢) وَمن آيَاته منامكم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وابتغاؤكم من فَضله إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يسمعُونَ (٢٣) وَمن آيَاته يريكم الْبَرْق خوفًا وَطَمَعًا وَينزل من السَّمَاء مَاء﴾ عشرَة] لُغَة، وَالْبَاقِي لولد يافث. وَأما اخْتِلَاف الألوان فَهُوَ أَن هَذَا أَحْمَر، وَهَذَا أسود، وَهَذَا أَبيض، مَا أشبه هَذَا.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن اخْتِلَاف الْأَلْسِنَة هُوَ اخْتِلَاف النغمات، فَلَا يتَّفق لاثْنَيْنِ نَغمَة وَاحِدَة، وَاخْتِلَاف الألوان مَعْلُوم بَين النَّاس، وَإِن كَانَ كلهم بيضًا أَو سُودًا، فَلَا يتَّفق لونان من جَمِيع الْوُجُوه. وَفِيه حِكْمَة عَظِيمَة، وَهُوَ أَنه لَو اتّفقت الألوان والأسنة [لبطل] التَّمْيِيز، فَلم يعرف الْأَب ابْنه، وَالِابْن أَبَاهُ، وَكَذَلِكَ فِي الْأُخوة والأزواج وَجَمِيع النَّاس.
وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات للْعَالمين﴾ قَرَأَ حَفْص بن عَاصِم: " للْعَالمين " هُوَ جمع عَالم، وَأما الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة: " للْعَالمين " يَعْنِي: الْجِنّ وَالْإِنْس وَجَمِيع الْخلق.
стр. 4899
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن آيَاته منامكم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وابتغاؤكم من فَضله﴾ أَي: منامكم بِاللَّيْلِ، وابتغاؤكم من فَضله بِالنَّهَارِ. وَيُقَال مَعْنَاهُ: وَمن آيَاته منامكم [واشتغالكم] من فضل الله بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار.
وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يسمعُونَ﴾ أَي: يسمعُونَ مَا يذكر لَهُم من هَذِه الْآيَات.
стр. 4900
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن آيَاته يريكم الْبَرْق﴾ مَعْنَاهُ: من آيَاته أَنه يريكم الْبَرْق، وَقد بَينا وَجه القَوْل فِي الْبَرْق. وَعَن بَعضهم قَالَ: إِذا أبرقت السَّمَاء أَرْبَعِينَ برقة فَلَا يخلفه أَي: لَا يتَأَخَّر الْمَطَر، قَالَ الشَّاعِر:
(لَا يكن (برقا كبرق) خلبا ... إِن خير الْبَرْق [مَا] الْغَيْث مَعَه)
стр. 4901
﴿فيحيي بِهِ الأَرْض بعد مَوتهَا إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يعْقلُونَ (٢٤) وَمن آيَاته أَن تقوم السَّمَاء وَالْأَرْض بأَمْره ثمَّ إِذا دعَاكُمْ دَعْوَة من الأَرْض إِذا انتم تخرجُونَ (٢٥) وَله من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض كل لَهُ قانتون (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يبْدَأ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ وَهُوَ أَهْون﴾
وَقَوله: ﴿خوفًا وَطَمَعًا﴾ أَي: خوفًا للْمُسَافِر، وَطَمَعًا للحاضر، وَيُقَال: خوفًا من الصَّوَاعِق، وَطَمَعًا فِي الْغَيْث.
وَقَوله: ﴿وَينزل من السَّمَاء مَاء فيحيي بِهِ الأَرْض بعد مَوتهَا إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يعْقلُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 4902
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن آيَاته أَن تقوم السَّمَاء وَالْأَرْض بأَمْره﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن مَعْنَاهُ: تَكُونَا بأَمْره، وَالْقَوْل الثَّانِي: يَدُوم قيامهما بأَمْره) . وَقد أَقَامَ السَّمَاء بِغَيْر عمد ودام ذَلِك إِلَى وقته الْمُسَمّى، وَهُوَ بأَمْره.
وَقَوله: ﴿ثمَّ إِذا دعَاكُمْ دَعْوَة من الأَرْض﴾ قيل: إِن الدعْوَة من صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس، وَيُقَال: هِيَ من السَّمَاء. والدعوة: هِيَ دَعْوَة إسْرَافيل.
وَقَوله: ﴿من الأَرْض﴾ أَي: يدعوكم أَن تخْرجُوا من الأَرْض، وَهَذَا على القَوْل الَّذِي يَقُول إِن الدعْوَة من السَّمَاء.
وَقَوله: ﴿إِذا أَنْتُم تخرجُونَ﴾ قد ذكرنَا.
стр. 4903
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَله من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض كل لَهُ قانتون﴾ أَي: مطيعون، وَيُقَال: مقربون بالعبودية.
وَقَوله: ﴿وَله﴾ أَي: وَله ملكا وخلقا. فَإِن قيل: إِذا حملنَا الْقُنُوت على الطَّاعَة فَلَيْسَ كل من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض يطيعونه! وَالْجَوَاب: أَنه لَيست الطَّاعَة هَاهُنَا بِمَعْنى طَاعَة الْعِبَادَة، إِنَّمَا الطَّاعَة هَاهُنَا بِمَعْنى الانقياد بذل كل شَيْء لما خلق لَهُ.
стр. 4904
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يبْدَأ الْخلق﴾ أَي: ينشئ الْخلق ﴿ثمَّ يُعِيدهُ﴾ أَي:
стр. 4905
﴿عَلَيْهِ وَله الْمثل الْأَعْلَى فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم (٢٧) ضرب لكم﴾ يُحْيِيكُمْ بعد مَا يميتهم.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ﴾ فَإِن قيل: كَيفَ يَسْتَقِيم قَوْله: ﴿وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ﴾ وَالله لَا يشْتَد عَلَيْهِ شَيْء؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن معنى قَوْله: ﴿وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ﴾ أَي: هُوَ هَين عَلَيْهِ. وَفِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود: " وَهُوَ عَلَيْهِ هَين ". قَالَ الفرزدق شعرًا:
(إِن الَّذِي سمك السَّمَاء بنى لنا ... بَيْتا دعائمه أعز وأطول)
((بَيت) زُرَارَة محتب بفنائه ... ومجاشع وَأَبُو الفوارس نهشل)
وَقَوله: أعز وأطول أَي عزيزة طَوِيلَة، وَقَالَ آخر:
(لعمرك لَا أَدْرِي وَإِنِّي لأوجل ... على أَيّنَا تعدو الْمنية أول)
أَي: (لوجل) . وَالْقَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة أَن مَعْنَاهُ: وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ على مَا يَقع فِي عُقُولهمْ؛ فَإِن الَّذِي يَقع فِي عقول الْخلق أَن الْإِعَادَة أَهْون من الْإِنْشَاء، وَيُقَال مَعْنَاهُ: هُوَ أَهْون على الْخلق؛ لِأَن من ابْتَدَأَ شَيْئا مِمَّا يشق عَلَيْهِ، فَإِذا (أعَاد) ثَانِيًا يكون أسهل وأهون.
وَقَوله: ﴿وَله الْمثل الْأَعْلَى﴾ أَي: الصّفة الْأَعْلَى، وَالصّفة الْأَعْلَى أَنه لَا شريك لَهُ وَلَيْسَ كمثله شَيْء، قَالَه ابْن عَبَّاس. وَقَالَ قَتَادَة: الصّفة الْأَعْلَى أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله.
وَقَوله: ﴿فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ يَعْنِي: هَذِه صفة لَهُ عِنْد أهل السَّمَوَات وَالْأَرْض.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ أَي: الْعَزِيز من حَيْثُ الانتقام، الْحَكِيم من حَيْثُ التَّدْبِير.
следующие страницы →