← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

﴿فيحيي بِهِ الأَرْض بعد مَوتهَا إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يعْقلُونَ (٢٤) وَمن آيَاته أَن تقوم السَّمَاء وَالْأَرْض بأَمْره ثمَّ إِذا دعَاكُمْ دَعْوَة من الأَرْض إِذا انتم تخرجُونَ (٢٥) وَله من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض كل لَهُ قانتون (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يبْدَأ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ وَهُوَ أَهْون﴾ وَقَوله: ﴿خوفًا وَطَمَعًا﴾ أَي: خوفًا للْمُسَافِر، وَطَمَعًا للحاضر، وَيُقَال: خوفًا من الصَّوَاعِق، وَطَمَعًا فِي الْغَيْث. وَقَوله: ﴿وَينزل من السَّمَاء مَاء فيحيي بِهِ الأَرْض بعد مَوتهَا إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يعْقلُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 4902

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن آيَاته أَن تقوم السَّمَاء وَالْأَرْض بأَمْره﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن مَعْنَاهُ: تَكُونَا بأَمْره، وَالْقَوْل الثَّانِي: يَدُوم قيامهما بأَمْره) . وَقد أَقَامَ السَّمَاء بِغَيْر عمد ودام ذَلِك إِلَى وقته الْمُسَمّى، وَهُوَ بأَمْره. وَقَوله: ﴿ثمَّ إِذا دعَاكُمْ دَعْوَة من الأَرْض﴾ قيل: إِن الدعْوَة من صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس، وَيُقَال: هِيَ من السَّمَاء. والدعوة: هِيَ دَعْوَة إسْرَافيل. وَقَوله: ﴿من الأَرْض﴾ أَي: يدعوكم أَن تخْرجُوا من الأَرْض، وَهَذَا على القَوْل الَّذِي يَقُول إِن الدعْوَة من السَّمَاء. وَقَوله: ﴿إِذا أَنْتُم تخرجُونَ﴾ قد ذكرنَا.

стр. 4903

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَله من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض كل لَهُ قانتون﴾ أَي: مطيعون، وَيُقَال: مقربون بالعبودية. وَقَوله: ﴿وَله﴾ أَي: وَله ملكا وخلقا. فَإِن قيل: إِذا حملنَا الْقُنُوت على الطَّاعَة فَلَيْسَ كل من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض يطيعونه! وَالْجَوَاب: أَنه لَيست الطَّاعَة هَاهُنَا بِمَعْنى طَاعَة الْعِبَادَة، إِنَّمَا الطَّاعَة هَاهُنَا بِمَعْنى الانقياد بذل كل شَيْء لما خلق لَهُ.

стр. 4904

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يبْدَأ الْخلق﴾ أَي: ينشئ الْخلق ﴿ثمَّ يُعِيدهُ﴾ أَي:

стр. 4905

﴿عَلَيْهِ وَله الْمثل الْأَعْلَى فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم (٢٧) ضرب لكم﴾ يُحْيِيكُمْ بعد مَا يميتهم. وَقَوله: ﴿وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ﴾ فَإِن قيل: كَيفَ يَسْتَقِيم قَوْله: ﴿وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ﴾ وَالله لَا يشْتَد عَلَيْهِ شَيْء؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن معنى قَوْله: ﴿وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ﴾ أَي: هُوَ هَين عَلَيْهِ. وَفِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود: " وَهُوَ عَلَيْهِ هَين ". قَالَ الفرزدق شعرًا: (إِن الَّذِي سمك السَّمَاء بنى لنا ... بَيْتا دعائمه أعز وأطول) ((بَيت) زُرَارَة محتب بفنائه ... ومجاشع وَأَبُو الفوارس نهشل) وَقَوله: أعز وأطول أَي عزيزة طَوِيلَة، وَقَالَ آخر: (لعمرك لَا أَدْرِي وَإِنِّي لأوجل ... على أَيّنَا تعدو الْمنية أول) أَي: (لوجل) . وَالْقَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة أَن مَعْنَاهُ: وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ على مَا يَقع فِي عُقُولهمْ؛ فَإِن الَّذِي يَقع فِي عقول الْخلق أَن الْإِعَادَة أَهْون من الْإِنْشَاء، وَيُقَال مَعْنَاهُ: هُوَ أَهْون على الْخلق؛ لِأَن من ابْتَدَأَ شَيْئا مِمَّا يشق عَلَيْهِ، فَإِذا (أعَاد) ثَانِيًا يكون أسهل وأهون. وَقَوله: ﴿وَله الْمثل الْأَعْلَى﴾ أَي: الصّفة الْأَعْلَى، وَالصّفة الْأَعْلَى أَنه لَا شريك لَهُ وَلَيْسَ كمثله شَيْء، قَالَه ابْن عَبَّاس. وَقَالَ قَتَادَة: الصّفة الْأَعْلَى أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله. وَقَوله: ﴿فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ يَعْنِي: هَذِه صفة لَهُ عِنْد أهل السَّمَوَات وَالْأَرْض. وَقَوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ أَي: الْعَزِيز من حَيْثُ الانتقام، الْحَكِيم من حَيْثُ التَّدْبِير.

стр. 4906

﴿مثلا من أَنفسكُم هَل لكم من مَا ملكت أَيْمَانكُم من شُرَكَاء فِي مَا رزقناكم فَأنْتم فِيهِ سَوَاء تخافونهم كخيفتكم أَنفسكُم كَذَلِك نفصل الْآيَات لقم يعْقلُونَ (٢٨) بل اتبع الَّذين ظلمُوا أهواءهم بِغَيْر علم فَمن يهدي من أضلّ الله وَمَا لَهُم من ناصرين (٢٩) ﴾

стр. 4907

قَوْله تَعَالَى: ﴿ضرب لكم مثلا من أَنفسكُم﴾ أَي: شبها من مثالكم، ثمَّ ذكر الشّبَه فَقَالَ: ﴿هَل لكم من مَا ملكت أَيْمَانكُم من شُرَكَاء فِيمَا رزقناكم﴾ وَمَعْنَاهُ: هَل لكم فِي أَمْوَالكُم شُرَكَاء من عبيدكم يساونكم فِيهَا؟ فَإِذا لم ترضوا بِهَذَا لأنفسكم فَكيف ترضونه لي وتصفونني بِهِ؟ . وَقَوله: ﴿فِيمَا رزقناكم﴾ أَي: فِيمَا أعطيناكم من الرزق وَالْمَال. وَقَوله: ﴿فَأنْتم فِيهِ سَوَاء﴾ إِشَارَة إِلَى مَا قُلْنَا. وَقَوله: ﴿تخافونهم كخيفتكم أَنفسكُم﴾ أَي: تخافون من مشاركتهم لكم فِي أَمْوَالكُم كَمَا تخافون من أمثالكم، وَهُوَ الشَّرِيك الْحر من الشَّرِيك الْحر، وَأَنْفُسكُمْ هُنَا بِمَعْنى أمثالكم، وَفِيه قَول آخر قَالَه سعيد بن جُبَير، وَهُوَ أَن الْآيَة نزلت فِي تَلْبِيَة الْمُشْركين، فَإِنَّهُم كَانُوا يَقُولُونَ: لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك لبيْك، لَا شريك لَك إِلَّا شَرِيكا هُوَ لَك، تملكه وَمَا ملك. وَقَوله: ﴿تخافونهم كخيفتكم أَنفسكُم﴾ أَي: تخافونهم فِي اللائمة كَمَا تخافون لائمة أمثالكم. وَقَوله: ﴿كَذَلِك نفصل الْآيَات لقوم يعْقلُونَ﴾ أَي: ينظرُونَ إِلَى هَذِه الدَّلَائِل بعقولهم.

стр. 4908

قَوْله تَعَالَى: ﴿بل اتبع الَّذين ظلمُوا أهواءهم﴾ الْأَهْوَاء جمع الْهوى، والهوى مَا يهواه الْإِنْسَان، وَعَن بَعضهم: الْهوى أعظم معبود. وَقَوله: ﴿بِغَيْر علم﴾ أَي: اتبعُوا أهواءهم جهلا بِمَا لَا [يجب] عَلَيْهِم. وَقَوله: ﴿فَمن يهدي من أضلّ الله﴾ أَي: أضلّهُ الله.

стр. 4909

﴿فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا فطرت الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل﴾ وَقَوله: ﴿وَمَا لَهُم من ناصرين﴾ أَي: يمنعهُم من عذابنا.

стр. 4910

قَوْله تَعَالَى: ﴿فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا﴾ أَي: أخْلص دينك لله، وَإِقَامَة الْوَجْه هُوَ إِقَامَة الدّين، وَقد بَينا معنى الحنيف. وَقَوله: ﴿فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا﴾ أما نصب الْفطْرَة على الإغراء أَي: الزم فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا، وَاخْتلفُوا فِي هَذِه الْفطْرَة، فَمنهمْ من قَالَ: إِن الْفطْرَة هَاهُنَا بِمَعْنى الدّين. وَقَوله: ﴿فطر النَّاس عَلَيْهَا﴾ أَي: خلق النَّاس عَلَيْهَا، وَيُقَال هَذَا القَوْل عَن ابْن عَبَّاس والكلبي وَمُقَاتِل وَغَيرهم. وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ". وَثَبت أَيْضا عَن النَّبِي أَنه قَالَ فِيمَا يحْكى عَن ربه أَنه قَالَ: " خلقت عبَادي حنفَاء فَاجْتَالَتْهُمْ الشَّيَاطِين عَن دينهم ". فَإِن قيل: كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا على أصولكم، وعندكم أَن الله تَعَالَى خلق النَّاس صنفين: مُؤمنين، وكافرين؟ هَذِه الْآيَة وَالْأَخْبَار تدل على أَن الله تَعَالَى خلق عباده مُؤمنين؛ وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن الله تَعَالَى أخرج ذُرِّيَّة آدم من صلبه، وخاطبهم بقوله: ﴿أَلَسْت بربكم﴾ فأقروا بالعبودية وَالْإِيمَان، فَالنَّاس يولدون على ذَلِك، وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن أهل الْعلم اخْتلفُوا فِي هَذَا، فَحكى النّحاس فِي تَفْسِيره عَن ابْن الْمُبَارك: أَن الْآيَة فِي الْمُؤمنِينَ خَاصَّة، وَحكى أَبُو (عبيد) فِي غَرِيب الحَدِيث عَن مُحَمَّد بن الْحسن أَنه قَالَ: هَذَا قبل نزُول الْأَحْكَام وَالْأَمر بِالْجِهَادِ، كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَن الْآيَة مَنْسُوخَة، ثمَّ ذكر النّحاس أَن كلا الْمَعْنيين ضَعِيف.

стр. 4911

أما [مَا] ذكره ابْن الْمُبَارك فَهُوَ مُجَرّد تَخْصِيص، وَلَيْسَ عَلَيْهِم دَلِيل، وَأما مَا ذكره مُحَمَّد بن الْحسن فَهُوَ إِثْبَات النّسخ فِي الْأَخْبَار، وَالْأَخْبَار لَا يرد عَلَيْهَا النّسخ، وَالصَّحِيح فِي معنى الْآيَة وَالْخَبَر أَن معنى الْفطْرَة هُوَ أَن كل إِنْسَان يُولد على أَنه مَتى سُئِلَ: من خلقك؟ فَيَقُول: الله خلقني، هُوَ الْمعرفَة الَّتِي تقع فِي أصل الْخلقَة. قَالَ أَبُو (عبيد) الْهَرَوِيّ: وَهُوَ معرفَة الغريزة والطبيعة، وَإِلَى هَذَا وَقعت الْإِشَارَة فِي قَوْله: ﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ من خَلقكُم ليقولون الله﴾ وَبِهَذَا الْقدر لَا يحصل الْإِيمَان الْمَأْمُور بِهِ، فَالنَّاس خلقُوا على هَذِه الْفطْرَة، وَأما حَقِيقَة الْإِيمَان وَحَقِيقَة الْكفْر فَالنَّاس من ذَلِك على قسمَيْنِ على مَا ورد بِهِ الْكتاب وَالسّنة. قَالَ الزّجاج والنحاس: وَهَذَا قَول أهل السّنة. وَهَذَا القَوْل اخْتِيَار ابْن قُتَيْبَة أَيْضا. وَقَوله: ﴿لَا تَبْدِيل لخلق الله﴾ على هَذَا القَوْل أَي: لَا أحد يرجع إِلَى نَفسه إِلَّا وَيعلم أَن لَهُ إِلَهًا وخالقا. وَالْقَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة: هُوَ أَن فطْرَة الله هَاهُنَا بِمَعْنى دين الله، فالخلق يولدون على الْعَهْد الَّذِي أَخذ عَلَيْهِم يَوْم لميثاق، وَهُوَ فطْرَة الله، وَهَذَا القَوْل حُكيَ عَن الْأَوْزَاعِيّ وَحَمَّاد بن سَلمَة. وَقد ورد فِي الْخَبَر الَّذِي روينَا، وَهُوَ قَوْله: " كل مَوْلُود يُولد على افطرة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ كَمَا تنْتج الْبَهِيمَة بَهِيمَة هَل تُحِسُّونَ فِيهَا من جَدْعَاء "؟ ! قَالَ: اقْرَءُوا إِن شِئْتُم: ﴿فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا﴾ . قَالَ ﵁: أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث على الْفظ مُحَمَّد بن. عبد الله بن مُحَمَّد ابْن أَحْمد، قَالَ: أخبرنَا أَبُو سهل عبد الصَّمد بن عبد الرَّحْمَن الْبَزَّار، أخبرنَا الغدافري، أخبرنَا الدبرِي، عَن عبد الرَّزَّاق، عَن معمر، عَن الزُّهْرِيّ، عَن سعيد بن الْمسيب، عَن أبي هُرَيْرَة، عَن النَّبِي. . الحَدِيث.

стр. 4912

﴿لخلق الله ذَلِك الدّين الْقيم وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ (٣٠) منيبين إِلَيْهِ واتقوه﴾ وَفِي الْآيَة قَول ثَالِث: وَهُوَ مَا روى أَبُو عبيد الْهَرَوِيّ فِي الغريبين عَن ابْن الْمُبَارك قَالَ: قَوْله: " على الْفطْرَة " أَي: على ابْتِدَاء الْخلقَة الَّتِي فطر عَلَيْهَا الْإِنْسَان فِي الرَّحِم من سَعَادَة أَو شقاوة، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ يَعْنِي: فِي حكم الدُّنْيَا. وَقد صحّح كثير من أهل الْمعَانِي مَا ذَكرْنَاهُ من قبل، وَهُوَ أَن الْآيَة فِي الْمُسلمين خَاصَّة، وَهُوَ عُمُوم بِمَعْنى الْخُصُوص. وَقَوله: ﴿لَا تَبْدِيل لخلق الله﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: مَا بَينا من قبل، وَالْقَوْل الثَّانِي: لَا تَبْدِيل لخلق الله أَي: لَا يَنْقَلِب السعيد شقيا، وَلَا الشقي سعيدا إِذا خلق على أَحدهمَا. وَالْقَوْل الثَّالِث: لَا تَبْدِيل لخلق الله أَي: لَا أحد يَثِق مثل خلق الله، وَمَعْنَاهُ: أَنه لَا خَالق غَيره. وَعَن عِكْرِمَة قَالَ: لَا تَبْدِيل لخلق الله: هُوَ تَحْرِيم الإخصاء. وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِيهِ، مِنْهُم من حرم فِي الْكل، وَمِنْهُم من أَبَاحَ فِي جَمِيع الْبَهَائِم سوى الْآدَمِيّ، وَمِنْهُم من أَبَاحَ فِي جَمِيع الْبَهَائِم سوى الْفرس؛ لِأَن فِيهِ قطع النَّسْل، والنسل يقْصد فِي الْخَيل مَا لَا يقْصد فِي غَيره. وروى عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " خير المَال سكَّة مأبورة، وَفرس مأمورة ". وَالسِّكَّة الْمَأْبُورَة هِيَ النّخل المصطفة الَّتِي قد أبرت، وَالْفرس الْمَأْمُورَة كَثِيرَة النِّتَاج. وَأما إِذا حملنَا الْفطْرَة على الدّين فَقَوله: ﴿لَا تَبْدِيل لخلق الله﴾ خبر بِمَعْنى الْأَمر، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا تبدلوا دين الله. وَقد ورد فِي الْخَيْر: الْفطْرَة بِمَعْنى كلمة الْإِسْلَام. روى الْبَراء بن عَازِب أَن النَّبِي قَالَ: " إِذا أَخذ أحدكُم مضجعه ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أسلمت نَفسِي إِلَيْك، وفوضت امري إِلَيْك، وألجأت ظَهْري إِلَيْك، لَا ملْجأ وَلَا منجا مِنْك إِلَّا إِلَيْك، آمَنت بكتابك الَّذِي أنزلت، وبنبيك الَّذِي أرْسلت، قَالَ: فَإِن مَاتَ مَاتَ على الْفطْرَة ". وَقد وَردت الْفطْرَة بِمَعْنى السّنة، وَذَلِكَ فِي الْخَبَر الْمَعْرُوف عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " عشر من الْفطْرَة " أَي: من السّنة الْخَبَر. وَقَوله: ﴿ذَلِك الدّين الْقيم﴾ أَي: الدّين الْمُسْتَقيم، وَيُقَال: الْحساب الْمُسْتَقيم. وَقَوله: ﴿وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وأنشدوا فِي الْفطْرَة قَول كَعْب بن مَالك شعرًا: (إِن تقتلونا فدين الله فطرتنا ... وَالْقَتْل فِي الْحق عِنْد الله تَفْضِيل)

стр. 4913

قَوْله تَعَالَى: ﴿منيبين إِلَيْهِ أَي: اتبعُوا دين الله ﴿منيبين إِلَيْهِ﴾ أَي: رَاجِعين [إِلَيْهِ] . قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: رَاجِعين إِلَى الله بصلاتكم وَأَعْمَالكُمْ. وَعَن بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ أَنه قَالَ: الْمُنِيب هُوَ الَّذِي يمشي على الأَرْض وَقَلبه عِنْد الله. فَإِن قيل: كَيفَ يَسْتَقِيم قَوْله: ﴿منيبين﴾ وَقد خَاطب غب الِابْتِدَاء وَاحِدًا، وَهُوَ الرَّسُول بقوله: ﴿فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا﴾ ؟ وَالْجَوَاب عَنهُ، أَن قَوْله: ﴿فأقم وَجهك﴾ أَي: فأقم وَجهك وَأمتك مَعَك منيبين إِلَى الله، وَحَقِيقَة الْمَعْنى: اتبعُوا الدّين الْقيم منيبين إِلَى الله.

стр. 4914

﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَلَا تَكُونُوا من الْمُشْركين (٣١) من الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ (٣٢) وَإِذا مس النَّاس ضرّ دعوا رَبهم منيبين إِلَيْهِ ثمَّ إِذا﴾ وَقَوله: ﴿واتقوه وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَلَا تَكُونُوا من الْمُشْركين﴾ أَي: الجاحدين.

стр. 4915

قَوْله تَعَالَى: ﴿من الَّذين فارقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا﴾ أَي: تركُوا دينهم، وَقُرِئَ: " فرقوا دينهم " أَي: تفَرقُوا فِي دينهم. وَفِي الْآيَة أَقُول، أظهر الْأَقَاوِيل: أَن المُرَاد مِنْهُم الْيَهُود وَالنَّصَارَى. وَقد روى فِي بعض الْأَخْبَار: " أَن الْيَهُود افْتَرَقُوا على إِحْدَى وَسبعين فرقة، وَالنَّصَارَى افْتَرَقُوا على اثْنَتَيْنِ وَسبعين فرقة، وَسَتَفْتَرِقُ أمتِي على ثَلَاث وَسبعين فرقة، كلهَا فِي النَّار إِلَّا وَاحِدَة ". وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن المُرَاد من الْآيَة هم الْخَوَارِج، حكى هَذَا عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ. وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن المُرَاد من الْآيَة أهل الْأَهْوَاء والبدع، وَقد روى هَذَا فِي خبر مُسْند عَن عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي قَالَ لَهَا: " إِن الَّذين فارقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا هم أهل الْأَهْوَاء والبدع من هَذِه الْأمة، يَا عَائِشَة، إِن لكل قوم تَوْبَة إِلَّا أهل الْأَهْوَاء والبدع فَلَيْسَ لَهُم تَوْبَة، أَنا مِنْهُم برِئ، وهم مني برَاء ". وَقَوله: ﴿كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ﴾ أَي: راضون بِمَا عِنْدهم. وَقَالَ بعض أهل

стр. 4916

﴿أذاقهم مِنْهُ رَحْمَة إِذا فريق مِنْهُم برَبهمْ يشركُونَ (٣٣) ليكفروا بِمَا آتَيْنَاهُم فتمتعوا فَسَوف تعلمُونَ (٣٤) أم أنزلنَا عَلَيْهِم سُلْطَانا فَهُوَ يتَكَلَّم بِمَا كَانُوا يشركُونَ (٣٥) وَإِذا أذقنا النَّاس رَحْمَة فرحوا بهَا وَإِن تصبهم سَيِّئَة بِمَا قدمت أَيْديهم إِذا هم يقنطون﴾ اللُّغَة: الحزب بِمَعْنى النَّاصِر، قَالَ الشَّاعِر: (أم كَيفَ أخنوا وبلال حزبي ... ) أَي: ناصري

стр. 4917

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا مس النَّاس ضرّ﴾ أَي: شدَّة. وَقَوله: ﴿دعوا رَبهم منيبين إِلَيْهِ﴾ أَي: منقلبين إِلَيْهِ بِالدُّعَاءِ، وَمَعْنَاهُ: أَنهم إِذا وَقَعُوا فِي الشدَّة تركُوا دُعَاء الْأَصْنَام، ودعوا الله وَحده. وَقَوله: ﴿ثمَّ إِذا أذاقهم مِنْهُ رَحْمَة﴾ أَي: كشف الشدَّة عَنْهُم برحمته. وَقَوله: ﴿إِذا فريق مِنْهُم برَبهمْ يشركُونَ﴾ أَي: عَادوا إِلَى رَأس شركهم.

стр. 4918

قَوْله تَعَالَى: ﴿ليكفروا بِمَا آتَيْنَاهُم﴾ قد بَينا من قبل. وَقَوله: ﴿فتمتعوا فَسَوف تعلمُونَ﴾ صُورَة أَمر بِمَعْنى التهديد، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: " وليتمتعوا فَسَوف يعلمُونَ ".

стр. 4919

قَوْله تَعَالَى: ﴿أم أنزلنَا عَلَيْهِم سُلْطَانا﴾ أَي: حجَّة وعذرا، وَيُقَال: أم أنزلنَا عَلَيْهِم سُلْطَانا أَي: كتابا ينْطق بشركهم، وَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَهُوَ يتَكَلَّم بِمَا كَانُوا بِهِ يشركُونَ﴾ .

стр. 4920

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا أذقنا النَّاس رَحْمَة﴾ أَي: الخصب وَكَثْرَة الْمَطَر، وَيُقَال: الْأَمْن والعافية. وَقَوله: ﴿فرحوا بهَا﴾ الْفَرح هَاهُنَا فَرح البطر وَترك الشُّكْر. وَقَوله: ﴿إِن تصبهم سَيِّئَة﴾ أَي: الجدب وَقلة الْمَطَر، وَيُقَال: الْخَوْف وَالْبَلَاء.

стр. 4921

( ﴿٣٦) أَو لم يرَوا أَن الله يبسط الرزق لمن يَشَاء وَيقدر إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يُؤمنُونَ (٣٧) فَآت ذَا الْقُرْبَى حَقه والمسكين وَابْن السَّبِيل ذَلِك خير للَّذين يُرِيدُونَ وَجه الله وَأُولَئِكَ هم المفلحون (٣٨) وَمَا آتيتم من رَبًّا ليربو فِي أَمْوَال النَّاس فَلَا يَرْبُو عِنْد الله﴾ وَقَوله: ﴿بِمَا قدمت أَيْديهم﴾ يَعْنِي: من الذُّنُوب. وَقَوله: ﴿إِذا هم يقنطون﴾ أَي: ييأسون، وَهَذَا عَلامَة غير الْمُؤمنِينَ، فَأَما عَلامَة الْمُؤمنِينَ فَهُوَ شكر الله عِنْد النِّعْمَة، ورجاء الْكَشْف عِنْد الشدَّة.

стр. 4922

وَقَوله تَعَالَى: ﴿أَو لم يرَوا أَن الله يبسط الرزق لمن يَشَاء﴾ . وَقَوله: ﴿وَيقدر﴾ أَي: يضيق. وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يُؤمنُونَ﴾ أَي: يصدقون.

стр. 4923

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَآت ذَا الْقُرْبَى حَقه﴾ أَكثر الْمُفَسّرين على أَن المُرَاد من إيتَاء ذِي الْقُرْبَى هَاهُنَا صلَة الرَّحِم بِالْعَطِيَّةِ والهدية، وَقَالَ قَتَادَة: من لم يُعْط قرَابَته، وَيَمْشي إِلَيْهِ برجليه فقد قطع رَحمَه. وَقد حمل بَعضهم الْآيَة على إِعْطَاء ذَوي قربى الرَّسُول. قَوْله: ﴿والمسكين﴾ أَي: الطّواف. وَقَوله: ﴿وَابْن السَّبِيل﴾ أَي: الْمُسَافِر، وَقيل: الضَّيْف. وَقد صَحَّ أَن النَّبِي قَالَ: " من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَليُكرم ضَيفه ". وروى عَنهُ ﵊ قَالَ: " الضِّيَافَة ثَلَاثَة أَيَّام، وجائزته يَوْم وَلَيْلَة ". قَالَ مَالك: وَمعنى الْجَائِزَة أَنه يتَكَلَّف لَهُ فِي يَوْم وَلَيْلَة، وَأما مَا سوى ذَلِك فَيقدم إِلَيْهِ مَا حضر. وَقَوله: ﴿ذَلِك خير للَّذين يُرِيدُونَ وَجه الله﴾ أَي: يطْلبُونَ رضَا الله عَنهُ. وَقَوله: ﴿وَأُولَئِكَ هم المفلحون﴾ أَي: الفائزون.

стр. 4924

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا آتيتم من رَبًّا ليربوا فِي أَمْوَال النَّاس﴾ أَكثر أهل التَّفْسِير أَن

стр. 4925

﴿وَمَا آتيتم من زَكَاة تُرِيدُونَ وَجه الله فَأُولَئِك هم المضعفون (٣٩) الله الَّذِي خَلقكُم ثمَّ﴾ المُرَاد من الْآيَة هُوَ أَن يُعْطي الرجل غَيره عَطِيَّة ليعطيه أَكثر مِنْهَا، وَهَذَا جَائِز للنَّاس أَن يَفْعَلُوا غير أَنه فِي الْقِيَامَة لَا يُثَاب عَلَيْهِ، فَهُوَ معنى قَوْله: ﴿فَلَا يربوا عِنْد الله﴾ وَقد كَانَ هَذَا الْفِعْل حَرَامًا على النَّبِي، قَالَ الله تَعَالَى لَهُ: ﴿وَلَا تمنن تستكثر﴾ أَي: لَا تعط وتطلب أَن تُعْطى أَكثر مِمَّا أَعْطَيْت. وَعَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ قَالَ: كَانَ الرجل يعْطى صديقه مَالا ليكْثر مَال الصّديق، وَلَا (يرد) بِهِ وَجه الله، فَأنْزل الله تَعَالَى فيهم هَذِه الْآيَة. وَقُرِئَ " لتربوا فِي أَمْوَال النَّاس " من أَمْوَال النَّاس " فَلَا يربوا عِنْد الله " أَي: لَا يكثر عِنْد الله. وَقَوله: ﴿وَمَا آتيتم من زَكَاة﴾ أَي: صَدَقَة. وَقَوله: ﴿تُرِيدُونَ وَجه الله﴾ قد بَينا. وَقَوله: ﴿فَأُولَئِك هم المضعفون﴾ أَي: ذُو الْأَضْعَاف. تَقول الْعَرَب: الْقَوْم مسمنون ومهزلون وملبنون، وَالْمعْنَى مَا بَينا. قَالَ الشَّاعِر: ((يُخْبِرهُمْ على حذر وَقَالَت ... بنى (معلكم) بِظِل مسيف) أَي: ذُو سيف.

стр. 4926

قَوْله تَعَالَى: ﴿الله الَّذِي خَلقكُم ثمَّ رزقكم ثمَّ يميتكم ثمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ الْآيَة ظَاهر الْمَعْنى. وَقَوله: ﴿هَل من شركائكم من يفعل من ذَلِكُم من شئ﴾ أَي: مثل ذَلِكُم من شئ. وَقَوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يشركُونَ﴾ قد بَينا من قبل.

стр. 4927

﴿رزقكم ثمَّ يميتكم ثمَّ يُحْيِيكُمْ هَل من شركائكم من يفعل من ذَلِكُم من شَيْء سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يشركُونَ (٤٠) ظهر الْفساد فِي الْبر وَالْبَحْر بِمَا كسبت أَيدي النَّاس ليذيقهم بعض الَّذِي عمِلُوا لَعَلَّهُم يرجعُونَ (٤١) قل سِيرُوا فِي الأَرْض فانظروا كَيفَ﴾

стр. 4928

قَوْله تَعَالَى: ﴿ظهر الْفساد فِي الْبر وَالْبَحْر﴾ فِي الْآيَة أَقُول: أَحدهَا: مَا روى عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: الْفساد فِي الْبر هُوَ قتل أحد ابْني آدم أَخَاهُ، وَالْفساد فِي الْبَحْر هُوَ غصب الْملك السَّفِينَة، فكلاهما فِي الْقُرْآن. وَعَن الضَّحَّاك قَالَ: كَانَت الأَرْض خضرَة زهرَة نَضرة مؤنقة، وَكَانَ لَا يَأْتِي ابْن آدم شَجَرَة إِلَّا وجد عَلَيْهَا ثَمَرَة، وَكَانَ مَاء الْبَحْر عذبا، وَكَانَ لَا يقْصد الْأسد الْبَقر وَالْغنم، وَلَا السنور الْفَأْرَة، وَمَا أشبه ذَلِك، فَلَمَّا قتل أحد بني آدم أَخَاهُ اقشعرت الأَرْض وشاكت الْأَشْجَار، وَصَارَ مَاء الْبَحْر ملحا زعاقا، وَقصد الْحَيَوَانَات بَعْضهَا بَعْضًا. وَالْقَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة أَن المُرَاد من الْفساد فِي الْبر هُوَ الجدوبة والقحط، وَالْفساد فِي الْبَحْر قلَّة الْمَطَر، فَإِن قيل: وَأي فَسَاد بقلة الْمَطَر فِي الْبَحْر وَالْبر؟ قُلْنَا: أما فِي الْبر فظهور الشدَّة والقحط، وَأما فِي الْبَحْر فقد قَالُوا: إِنَّه إِذا لم يَأْتِ الْمَطَر فِي الْبَحْر عميت دَوَاب الْبَحْر، وَيُقَال: إِذا لم يَأْتِ الْمَطَر فِي الْبَحْر خلت أَجْوَاف الأصداف من اللُّؤْلُؤ، فَإِن الصدف إِذا جَاءَ الْمَطَر يرْتَفع إِلَى وَجه الْبَحْر، وَيفتح فَاه، فَمَا يَقع فِيهِ يصير لؤلؤا. وَالْقَوْل الثَّالِث فِي الْآيَة - وَهُوَ الْأَظْهر - أَن الْبر هُوَ الْبَوَادِي والمفازة، وَالْبَحْر هُوَ الْقرى والأمصار، وَالْعرب تسمى كل قَرْيَة أَو مصر على مَاء جَار بحرا. وَقَوله: ﴿بِمَا كسبت أَيدي النَّاس﴾ أَي: بِمَا أذنبوا، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَو أَن أهل الْقرى آمنُوا وَاتَّقوا لفتحنا عَلَيْهِم بَرَكَات من السَّمَاء﴾ . وَقَوله: ﴿ليذيقهم بعض الَّذِي عمِلُوا لَعَلَّهُم يرجعُونَ﴾ أَي: يرجعُونَ إِلَى الله بِالتَّوْبَةِ.

стр. 4929

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل سِيرُوا فِي الأَرْض فانظروا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذين من قبل﴾ أَي: آخر أَمر الَّذين كَانُوا من قبل.

стр. 4930

﴿كَانَ عَاقِبَة الَّذين من قبل كَانَ أَكْثَرهم مُشْرِكين (٤٢) فأقم وَجهك للدّين الْقيم من قبل أَن يَأْتِي يَوْم لَا مرد لَهُ من الله يَوْمئِذٍ يصدعون (٤٣) من كفر فَعَلَيهِ كفره وَمن عمل صَالحا فلأنفسهم يمهدون (٤٤) ليجزي الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات من فَضله إِنَّه﴾ وَقَوله: ﴿كَانَ أَكْثَرهم مُشْرِكين﴾ أَي: بِاللَّه.

стр. 4931

قَوْله تَعَالَى: ﴿فأقم وَجهك للدّين الْقيم﴾ أَي: اقصد جِهَة الدّين الْقيم، وَقيل: سدد عَمَلك للدّين الْقيم، وَيُقَال: اسْتَقِم على الدّين الْقيم. وَقَوله: ﴿من قبل أَن يَأْتِي يَوْم لَا مرد لَهُ﴾ أَي: الْقِيَامَة لَا يقدر أحد على رده من الله. وَقَوله: ﴿يَوْمئِذٍ يصدعون﴾ أَي: يتفرقون فريق فِي الْجنَّة وفريق فِي السعير. قَالَ الشَّاعِر: (وَكُنَّا كندمانى جذيمة حقبة ... من الدَّهْر حَتَّى قيل لن يتصدعا) أَي: لن يَتَفَرَّقَا.

стр. 4932

وَقَوله تَعَالَى: ﴿من كفر فَعَلَيهِ كفره﴾ أَي: وبال كفره. وَقَوله: ﴿وَمن عمل صَالحا فلأنفسهم يمهدون﴾ أَي: موطئون الْمضَاجِع، وَيُقَال: يبسطون الْفرش، قَالَ الشَّاعِر: (أمهد لنَفسك حَان السقم والتلف ... وَلَا تضيعن نفسا مَا لَهَا خلف)

стр. 4933

وَقَوله: ﴿ليجزي الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات من فَضله إِنَّه لَا يحب الْكَافرين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 4934

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن آيَاته أَن يُرْسل الرِّيَاح مُبَشِّرَات﴾ الرّيح: جسم رَقِيق يجْرِي فِي الجو يَمِينا وَشمَالًا على مَا دبر من حركاته فِي جهاته مُمْتَنع الْقَبْض عَلَيْهِ للطفه. وَعَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ: الرِّيَاح أَرْبَعَة للرحمة، وَأَرْبَعَة للعذاب، وجملتها ثَمَانِيَة: فالتي للرحمة: الْمُبَشِّرَات، والناشرات، والذاريات، والمرسلات، وَالَّتِي للعذاب: الْعَقِيم، والصرصر فِي الْبر، والعاصف، والقاصف فِي الْبَحْر.

стр. 4935

﴿لَا يحب الْكَافرين (٤٥) وَمن آيَاته أَن يُرْسل الرِّيَاح مُبَشِّرَات وليذيقكم من رَحمته ولتجري الْفلك بأَمْره ولتبتغوا من فَضله ولعلكم تشكرون (٤٦) وَلَقَد أرسلنَا من قبلك رسلًا إِلَى قَومهمْ فجاءوهم بِالْبَيِّنَاتِ فانتقمنا من الَّذين أجرموا وَكَانَ حَقًا علينا نصر﴾ وَقَوله: ﴿وليذيقكم من رَحمته﴾ أَي: الْمَطَر، وَيُقَال: طيب الرّيح ولذتها. وَقَوله: ﴿ولتجري الْفلك بأَمْره﴾ أَي: لتجري الْفلك فِي الْبَحْر بِهَذِهِ الرِّيَاح بأَمْره. وَقَوله: ﴿ولتبتغوا من فَضله﴾ أَي: لتطلبوا من فضل الله تَعَالَى بالتجارات فِي الْبَحْر. وَقَوله: ﴿ولعلكم تشكرون﴾ يَعْنِي: تشكرون الله تَعَالَى.

стр. 4936

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أرسلنَا من قبلك رسلًا إِلَى قَومهمْ فجاءوهم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أَي: بالدلالات. وَقَوله: ﴿فانتقمنا من الَّذين أجرموا﴾ أَي: أجرموا بالتكذيب. وَقَوله: ﴿وَكَانَ حَقًا علينا نصر الْمُؤمنِينَ﴾ أَي: نصْرَة الْمُؤمنِينَ بإنجائهم، وَقيل: نصْرَة الْمُؤمنِينَ بالذب عَنْهُم، وَدفع الْعَذَاب [عَنْهُم] . وَفِي بعض المسانيد بِرِوَايَة أم الدَّرْدَاء أَن النَّبِي قَالَ: " من ذب عَن غَرَض أَخِيه الْمُسلم كَانَ حَقًا على الله أَن يرد عَنهُ النَّار يَوْم الْقِيَامَة، ثمَّ تَلا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَانَ حَقًا علينا نصر الْمُؤمنِينَ﴾ ".

стр. 4937

وَقَوله تَعَالَى: ﴿الله الَّذِي يُرْسل الرِّيَاح فتثير سحابا﴾ أَي: ينشر السَّحَاب، وَفِي بعض التفاسير أَن الله تَعَالَى يُرْسل ريحًا فتقم الأَرْض قما، ثمَّ يُرْسل ريحًا فتدر

стр. 4938

﴿الْمُؤمنِينَ (٤٧) الله الَّذِي يُرْسل الرِّيَاح فتثير سحابا فيبسطه فِي السَّمَاء كَيفَ يَشَاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فَإِذا أصَاب بِهِ من يَشَاء من عباده إِذا هم يستبشرون (٤٨) وَإِن كَانُوا من قبل أَن ينزل عَلَيْهِم من قبله لمبلسين (٤٩) فَانْظُر إِلَى﴾ السَّحَاب بالمطر، فَهَذَا معنى الْآيَة. وَقَوله تَعَالَى: ﴿فيبسطه فِي السَّمَاء كَيفَ يَشَاء﴾ أَي: مسيرَة يَوْم ومسيرة يَوْمَيْنِ وَأكْثر على مَا يَشَاء. وَقَوله: ﴿ويجعله كسفا﴾ أَي: قطعا. وَقَوله: ﴿فترى الودق يخرج من خلاله﴾ قَرَأَ الضَّحَّاك " " من خلله "، والودق: الْمَطَر، قَالَ الشَّاعِر: (فَلَا مزنة ودقت ودقها ... وَلَا أَرض أبقل إبقالها) وَقيل: الودق: هُوَ الْبَرْق، وَالْأول أظهر. وَقَوله: ﴿فَإِذا أصَاب بِهِ من يَشَاء من عباده إِذا هم يستبشرون﴾ أَي: يبشر بَعضهم بَعْضًا.

стр. 4939

وَقَوله: ﴿وَإِن كَانُوا من قبل أَن ينزل عَلَيْهِم من قبله لمبلسين﴾ أَي: آيسين. وَفِي حرف ابْن مَسْعُود: " وَإِن كَانُوا من قبل أَن ننزل عَلَيْهِم من قبله لمبلسين ". فَإِن قيل: فَمَا معنى تكْرَار قَوْله: ﴿من قبل﴾ هَاهُنَا، وَأي فَائِدَة فِيهِ؟ وَالْجَوَاب عَنهُ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه على طَرِيق التَّأْكِيد وَهُوَ قَول أَكثر أهل النَّحْو، وَالْعرب تفعل كثيرا مثل هَذَا. وَالثَّانِي: أَن مَعْنَاهُ: من قبل: السَّحَاب، " وَمن قبل، إِنْزَال الْمَطَر؛ فأحدهما يرجع إِلَى إِنْزَال الْمَطَر، والأخر يرجع إِلَى إنْشَاء السَّحَاب.

стр. 4940

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَانْظُر إِلَى آثَار رَحْمَة الله﴾ وَقُرِئَ: " أثر رَحْمَة الله " والْآثَار جمع
следующие страницы →