← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

قَوْله تَعَالَى: ﴿يحسبون الْأَحْزَاب لم يذهبوا﴾ أَي: من الْجُبْن وَالْخَوْف. وَقَوله: ﴿وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَاب﴾ أَي: يرجِعوا بعد الذّهاب. وَقَوله: ﴿يودوا لَو أَنهم بادون فِي الْأَعْرَاب﴾ البادون: خلاف الْحَاضِرين، وهم الَّذين يسكنون الْبَادِيَة، وقولة: ﴿فِي الْأَعْرَاب﴾ أَي: مَعَ الْأَعْرَاب. وَقَوله: ﴿يسْأَلُون عَن أنبأكم﴾ أَي: [عَن] أخباركم، وَمعنى سُؤَالهمْ عَن الْأَخْبَار هُوَ أَن الظفر كَانَ للْمُشْرِكين، أَو لمُحَمد وَأَصْحَابه. وَقَوله: ﴿وَلَو كَانُوا فِيكُم مَا قَاتلُوا إِلَّا قَلِيلا﴾ أَي: تعذيرا، وَمعنى تعذيرا أَي:

стр. 5077

﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة لمن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْم الآخر وَذكر الله كثيرا (٢١) وَلما رأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَاب قَالُوا هَذَا مَا وعدنا الله وَرَسُوله وَصدق الله﴾ يُقَاتلُون شَيْئا يَسِيرا يُقِيمُونَ بِهِ عذرهمْ، فَيَقُولُونَ قد قاتلنا.

стр. 5078

قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ أَي: قدوة حَسَنَة، والتأسي: هُوَ الإقتداء، وَإِنَّمَا ذكر الأسوة هَا هُنَا حَتَّى ينصرُوا (ويقومون) ويصبروا على مَا يصيبهم، كَمَا فعل رَسُول الله فَإِنَّهُ كسرت رباعيته يَوْم أحد، وشج فِي جَبهته، وَكسرت الْبَيْضَة على رَأسه، وَقتل عَمه فَلم يفتر فِي أَمر الله، وصبر على جَمِيع ذَلِك. وَقَوله: ﴿لمن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْم الآخر﴾ أَي: يَرْجُو ثَوَاب الله، وَقيل: لمن كَانَ يخْشَى الله وَالْيَوْم الآخر، والرجاء يكون بِمَعْنى الخشية، وَقد يكون بِمَعْنى الطمع. وَقَوله: ﴿وَذكر الله كثيرا﴾ أَي: فِي جَمِيع المواطن على السَّرَّاء وَالضَّرَّاء.

стр. 5079

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما رأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَاب قَالُوا هَذَا مَا وعدنا الله وَرَسُوله وَصدق الله وَرَسُوله﴾ قَالَ قَتَادَة: معنى هَذِه الْآيَة رَاجع إِلَى قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الْبَقَرَة: ﴿أم حسبتم أَن تدْخلُوا الْجنَّة وَلما يأتكم مثل الَّذين خلوا من قبلكُمْ مستهم البأساء وَالضَّرَّاء وزلزلوا حَتَّى يَقُول الرَّسُول وَالَّذين آمنُوا مَعَه مَتى نصر الله﴾ وَالْآيَة تَتَضَمَّن أَن الْمُؤمنِينَ يلقاهم ويستقبلهم مثل هَذَا الْبلَاء، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك يَوْم الخَنْدَق قَالُوا: هَذَا مَا وعدنا الله وَرَسُوله. وَعَن بَعضهم أَن النَّبِي قَالَ لأَصْحَابه: " إِن الْمُشْركين سائرون إِلَيْكُم فنازلون بكم عشرا " أَو كَمَا قَالَ فَلَمَّا رأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَاب [قَالُوا: هَذَا مَا وعدنا الله

стр. 5080

٣ - ﴿وَرَسُوله وَمَا زادهم إِلَّا إِيمَانًا وتسليما (٢٢) من الْمُؤمنِينَ رجال صدقُوا مَا عَاهَدُوا الله وَرَسُوله] وَقد سَارُوا إِلَيْهِم ﴿وَمَا زادهم إِلَّا إِيمَانًا وتسليما﴾ أَي: تَصْدِيقًا بِاللَّه، وتسليما لأمر الله.

стр. 5081

قَوْله تَعَالَى: ﴿من الْمُؤمنِينَ رجال صدقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ﴾ أَي: قَامُوا بِمَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ، وَيُقَال: قَامُوا بِالْأَمر على الْوَفَاء والصدق. وَقَوله: ﴿فَمنهمْ من قضى نحبه﴾ النحب يرد بمعاني كَثِيرَة، وَأولى الْمعَانِي أَنه بِمَعْنى الْعَهْد، فَمَعْنَى الْآيَة: اتم الْعَهْد وَقَامَ بِهِ، قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: أَي أَقَامَ بِالْوَفَاءِ والصدق. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: النحب هُوَ النّذر، وَمعنى قضى نحبه هَا هُنَا أَي: قتل فِي سَبِيل الله، كَأَن الْقَوْم بقبولهم الْإِيمَان نذروا أَن يموتوا على مَا يرضاه الله، فَمن قتل فِي سَبِيل الله فقد قضى نَذره. قَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق: الْآيَة فِي الَّذين اسْتشْهدُوا يَوْم أحد، وهم حَمْزَة ﵁ وَمن اسْتشْهد مَعَه. وَقد ثَبت بِرِوَايَة يزِيد بن هَارُون، عَن حميد، عَن انس ﵁ أَن عَمه النَّضر بن أنس كَانَ تخلف عَن بدر فَقَالَ: تخلفت عَن أول غَزْوَة غَزَاهَا رَسُول الله، لَئِن أَرَانِي الله قتالا مَعَ الْمُشْركين ليرين الله مَا أصنع، فَلَمَّا كَانَ يَوْم أحد وَانْهَزَمَ الْمُسلمُونَ، وَرَأى ذَلِك النَّضر بن أنس قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أعْتَذر إِلَيْك مَا جَاءَ بِهِ هَؤُلَاءِ يَعْنِي الْمُسلمين وابرأ إِلَيْك مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلَاءِ يَعْنِي الْمُشْركين ثمَّ مضى بِوُجُوه الْكفَّار، فلقي سعد بن معَاذ دون أحد، فَقَالَ لَهُ سعد: أَنا مَعَك، قَالَ سعد: فَلم أستطع أَن أصنع مَا صنع، فَوجدَ بِهِ بضع وَثَمَانُونَ من ضَرْبَة سيف، وطعنة بِرُمْح، ورمية بِسَهْم. وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: فَلم تعرفه إِلَّا أُخْته بثناياه. قَالَ أنس: فَفِيهِ وفيمن اسْتشْهد نزل قَوْله: ﴿فَمنهمْ من قضى نحبه وَمِنْهُم من ينْتَظر﴾ .

стр. 5082

﴿عَلَيْهِ فَمنهمْ من قضى نحبه وَمِنْهُم من ينْتَظر وَمَا بدلُوا تبديلا (٢٣) ليجزي الله الصَّادِقين بصدقهم ويعذب الْمُنَافِقين إِن شَاءَ أَو يَتُوب عَلَيْهِم إِن الله كَانَ غَفُورًا رحِيما (٢٤) ورد الله الَّذين كفرُوا بغيظهم لم ينالوا خيرا وَكفى الله الْمُؤمنِينَ الْقِتَال وَكَانَ﴾ يَعْنِي: من الْمُؤمنِينَ من بَقِي بعد هَؤُلَاءِ الَّذين اسْتشْهدُوا، وهم ينتظرون أحد الْأَمريْنِ إِمَّا الشَّهَادَة فِي سَبِيل الله وَإِمَّا الظفر، وأنشدوا فِي النحب شعرًا: (قضى نحب الْحَيَاة وكل حَيّ ... إِذا يَدعِي لميتته أجابا) وَمن الْمَعْرُوف أَيْضا أَن النحب هُوَ الْخطر الْعَظِيم. قَالَ جرير فِي النحب: (بطخفة جالدنا الْمُلُوك وخلينا ... عَشِيَّة بسطَام جرين على نحب) أَي: على الْخطر الْعَظِيم وَقَوله: ﴿وَمَا بدلُوا تبديلا﴾ أَي: لم يتْركُوا مَا قبلوه وعاهدوا عَلَيْهِ.

стр. 5083

قَوْله تَعَالَى: ﴿ليجزي الله الصَّادِقين بصدقهم﴾ أَي: جَزَاء صدقهم، وَصدقهمْ هُوَ وفاؤهم بالعهد. وَقَوله: ﴿ويعذب الْمُنَافِقين إِن شَاءَ أَو يَتُوب عَلَيْهِم﴾ فيهديهم للْإيمَان. وَقَوله: ﴿وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما﴾ أَي: ستورا عطوفا.

стр. 5084

قَوْله تَعَالَى: ﴿ورد الله الَّذين كفرُوا بغيظهم﴾ أَي: ردهم وَلم يشتفوا من مُحَمَّد وَأَصْحَابه، وَقد كَانُوا قصدُوا قصد الإستئصال. وَقَوله: ﴿لم ينالوا﴾ أَي: لم يظفروا بِمَا أَرَادوا. وَقَوله: ﴿ [خيرا] وَكفى الله الْمُؤمنِينَ الْقِتَال﴾ أَي: بِمَا أرسل من الرّيح عَلَيْهِم، وَفِي بعض الرِّوَايَات الغريبة عَن ابْن عَبَّاس: وَكفى الله الْمُؤمنِينَ الْقِتَال أَي: لعَلي بن أبي طَالب ﵁ وَقد كَانَ قتل عَمْرو بن عبدود فِي ذَلِك الْيَوْم، وَكَانَ رَأْسا من رُءُوس الْكفَّار كَبِيرا فيهم، وضربه عَمْرو بن عبدود فِي ذَلِك الْيَوْم على رَأسه

стр. 5085

﴿الله قَوِيا عَزِيزًا (٢٥) وَانْزِلْ الَّذين ظاهروهم من أهل الْكتاب من صياصيهم وَقذف فِي قُلُوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا (٢٦) وأورثكم أَرضهم وديارهم وَأَمْوَالهمْ﴾ ضَرْبَة فَلَمَّا ضربه، ابْن ملجم وَقعت ضَرْبَة ابْن ملجم على مَوضِع ضَرْبَة عَمْرو بن عبدود، فَهَلَك فِي ذَلِك ﵁. وَقَوله: ﴿وَكَانَ الله قَوِيا عَزِيزًا﴾ أَي: قَوِيا فِي ملكه، عَزِيزًا فِي انتقامه.

стр. 5086

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأنزل الَّذين ظاهروهم من أهل الْكتاب﴾ أَي: عاونوهم من أهل الْكتاب، وهم قُرَيْظَة، وَقد كَانُوا فِي عهد النَّبِي، وسيدهم كَعْب بن أَسد، وَأما بَنو النَّضِير فسيدهم حييّ بن أَخطب، فَلَمَّا أجلى رَسُول الله بني النَّضِير إِلَى الشَّام، ذهب حييّ بن أَخطب، إِلَى قُرَيْش و (استنصرهم) ، وَجمع الْأَحْزَاب وَجَاء بهم لقِتَال النَّبِي، ثمَّ جَاءَ إِلَى قُرَيْظَة وَحَملهمْ على نقض الْعَهْد فِي قصَّة طَوِيلَة، وَعَاهد مَعَهم أَن الْمُشْركين لَو رجعُوا وَلم يظفروا دخل مَعَهم فِي حصنهمْ ليصيبه مَا يصيبهم، فَلَمَّا هزم الْمُشْركُونَ دخل مَعَهم فِي حصنهمْ، وَأما قُرَيْظَة فنقضوا الْعَهْد، وقصدوا حَرْب النَّبِي مَعَ الْأَحْزَاب فِي قصَّة مَذْكُورَة فِي الْمَغَازِي. وَقَوله: ﴿من صياصيهم﴾ أَي: من حصونهم، وَمِنْه صياصي الْبَقر أَي: قُرُونهَا لِأَنَّهَا تمْتَنع بهَا. وَقَوله: ﴿وَقذف فِي قُلُوبهم الرعب﴾ أَي: الْخَوْف. وَقَوله: ﴿فريقا تقتلون﴾ قتل رَسُول الله من قُرَيْظَة أَرْبَعمِائَة وَخمسين، وَفِي رِوَايَة سِتّمائَة، وَفِيهِمْ حييّ بن أَخطب وسادتهم، وَكَانُوا يَقُولُونَ: هَذَا ذبح كتبه الله على بني إِسْرَائِيل. وَقَوله: ﴿وتأسرون فريقا﴾ أسر مِنْهُم سَبْعمِائة وَخمسين، وَفِي رِوَايَة سَبْعمِائة

стр. 5087

﴿وأرضا لم تطئووها وَكَانَ الله على كل شَيْء قَدِيرًا (٢٧) يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك إِن﴾

стр. 5088

﴿وأورثكم أَرضهم وديارهم وَأَمْوَالهمْ﴾ أَي: أغنمكم. وَقَوله: ﴿وأرضا لم تطئوها﴾ أظهر الْأَقَاوِيل: أَنَّهَا خَيْبَر، وَقَالَ عِكْرِمَة: جَمِيع مَا فتح الله تَعَالَى ويفتحه من أَرَاضِي الْمُشْركين إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَعَن بَعضهم فَارس وَالروم. وَقَوله: ﴿وَكَانَ الله على كل شَيْء قَدِيرًا﴾ أَي: قَادِرًا. وَأما قصَّة قتل قُرَيْظَة [فَهُوَ على] مَا روى " أَن النَّبِي لما رَجَعَ من الخَنْدَق إِلَى بَيته وَوضع لامته أَي: درعه واغتسل جَاءَ جِبْرِيل ﵇ على فرس وَدعَاهُ، فَلَمَّا خرج من بَيته قَالَ: أتضع سِلَاحك وَلم تضع الْمَلَائِكَة أسلحتكم! وَكَانَ الْغُبَار على وَجهه وَوجه فرسه، وَقَالَ: يَا جِبْرِيل، إِلَى أَيْن؟ قَالَ: إِلَى قُرَيْظَة "، " فَخرج النَّبِي وَخرج أَصْحَابه إِلَى قُرَيْظَة، ونادى فِي أَصْحَابه: لَا يصلين أحد مِنْكُم الْعَصْر إِلَّا فِي [بني] قُرَيْظَة، فَلم يصلوا حَتَّى غربت الشَّمْس، فبعضهم صلى الْعَصْر، وَبَعْضهمْ لم يصل حَتَّى وصل، فَلم يعنف وَاحِدًا من الْفَرِيقَيْنِ " وحاصرهم إِحْدَى وَعشْرين لَيْلَة، ونزلوا على حكم سعد بن معَاذ، وَكَانُوا حلفاءه فِي الْجَاهِلِيَّة وَسعد بن معَاذ سيد الْأَوْس، وَسعد بن عبَادَة سيد الْخَزْرَج فَلَمَّا نزلُوا على حكمه، وَكَانَ سعد مَرِيضا بِالْمَدِينَةِ فِي بَيته برمية أَصَابَت أكحله يَوْم الخَنْدَق، وَكَانَ الدَّم لَا يرقأ، فَدَعَا الله تَعَالَى وَقَالَ: اللَّهُمَّ أبقني حَتَّى تريني مَا يقر عَيْني فِي قُرَيْظَة، فرقأ الدَّم.

стр. 5089

﴿كنتن تردن الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينتهَا فتعالين أمتعتكن وأسرحكن سراحا جميلا (٢٨) وَإِن﴾ فَلَمَّا نزلُوا على حكمه استحضره رَسُول الله، فجَاء على حمَار موكف وَقد حف بِهِ قومه، وَجعلُوا يَقُولُونَ لَهُ: حلفاؤك ومواليك، فَقَالَ سعد: قد آن لسعد أَن لَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم، فَلَمَّا جَاءَ إِلَى النَّبِي قَالَ ﵊ للْأَنْصَار: قومُوا إِلَى سيدكم، ثمَّ إِنَّه حكم بِأَن يقتل الْمُقَاتلَة، وتسبى الذُّرِّيَّة، وَيقسم المَال، فَقَالَ لَهُ النَّبِي: حكمت بِحكم الْملك. وروى أَنه قَالَ: حكمت بِحكم الله من فَوق عَرْشه، ثمَّ إِنَّه فعل بهم مَا حكم، ثمَّ إِن سَعْدا قَالَ لما قتلوا: اللَّهُمَّ إِن كنت أبقيت حَربًا بَين رَسُولك وَبَين قُرَيْش فأبقني لَهَا، وَإِن كنت قد وضعت الْحَرْب بَين رَسُولك وَبَين قُرَيْش فاقبضني إِلَيْك، فانفجر كَلمه فِي الْحَال، فَلم يرعهم إِلَّا وَالدَّم يسيل إِلَيْهِم، وَتوفى فِي ذَلِك ﵁.

стр. 5090

قَوْله تَعَالَى: ﴿يأيها النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك إِن كنتن تردن الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينتهَا﴾ الْآيَة. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: سَبَب نزُول الْآيَة أَن نسَاء النَّبِي سألنه شَيْئا من الدُّنْيَا، وَلم يكن عِنْده، وطلبن مِنْهُ زِيَادَة فِي النَّفَقَة، وآذينه بِغَيْرِهِ بَعضهنَّ على بعض؛ فَأنْزل الله تَعَالَى آيَة التَّخْيِير. وَحكى النقاش فِي تَفْسِيره عَن الضَّحَّاك: أَن زينت بنت جحش سَأَلته ثوبا ممصرا، وَهُوَ الْبرد المخطط، ومَيْمُونَة سَأَلته حلَّة يَمَانِية، وَأم حَبِيبَة سَأَلته ثوبا من ثِيَاب خضر، وَجُوَيْرِية سَأَلته معجرا، وَعَن بَعضهنَّ: أَنَّهَا سَأَلته قطيفة، وَلم يكن عِنْده شَيْء من ذَلِك. وَحكى أَنَّهُنَّ قُلْنَ: لَو كُنَّا عِنْد غَيره كَانَ لنا حليا وثيابا، فَأنْزل الله تَعَالَى آيَة التَّخْيِير. وَقد ثَبت أَن النَّبِي آلى مِنْهُنَّ شهرا وَاعْتَزل فِي غرفَة فِي قصَّة

стр. 5091

﴿كنتن تردن الله وَرَسُوله وَالدَّار الْآخِرَة فَإِن الله أعد للمحسنات مِنْكُن أجرا عَظِيما (٢٩) يَا نسَاء النَّبِي من يَأْتِ مِنْكُن بِفَاحِشَة مبينَة يُضَاعف لَهَا الْعَذَاب ضعفين وَكَانَ﴾ طَوِيلَة. وَفِي بعض الرِّوَايَات عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي كَانَ فِي بَيت حَفْصَة فتشاجرا، فَقَالَ لَهَا رَسُول الله: أجعَل بيني وَبَيْنك رجلا، أَتُرِيدِينَ أَبَاك؟ قَالَت: نعم، فَدَعَا عمر ﵁ فَلَمَّا دخل قَالَ النَّبِي لحفصة: تكلمي. فَقَالَت حَفْصَة: يَا رَسُول الله، تكلم وَلَا تقل إِلَّا حَقًا. فَرفع عمر يَده وَضرب وَجههَا، وَقَالَ: يَا عدوة نَفسهَا، أتقولين هَذَا لرَسُول الله؟ ثمَّ إِن رَسُول الله آلى مِنْهُنَّ شهرا وَاعْتَزل، وَأنزل الله تَعَالَى آيَة التَّخْيِير، فَلَمَّا أنزل الله آيَة التَّخْيِير بَدَأَ بعائشة ﵂. وَقد ثَبت هَذَا بِرِوَايَة الزُّهْرِيّ، عَن أبي سَلمَة، عَن عَائِشَة أَن النَّبِي بَدَأَ بهَا لما أنزل الله تَعَالَى آيَة التَّخْيِير، قَالَت عَائِشَة: فَدخل عَليّ وَقَالَ: " يَا عَائِشَة، إِنِّي ذَاكر لَك أمرا فَلَا عَلَيْك أَن تعجلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْك، وَقد علم أَن أَبَوي لَا يأمرانني بِفِرَاقِهِ، ثمَّ تَلا على الْآيَة، فَقلت: أَفِي هَذَا أَستَأْمر أبواي؟ لقد اخْتَرْت الله وَرَسُوله وَالدَّار الْآخِرَة، ثمَّ عرض ذَلِك على سَائِر نِسَائِهِ؛ فَقُلْنَ مثل ذَلِك ". وروى هَذَا الْخَبَر البُخَارِيّ عَن أبي الْيَمَان، عَن شُعَيْب، عَن الزُّهْرِيّ، والإسناد كَمَا بَينا من قبل، وَأما أَزوَاجه اللَّاتِي خيرهن فَكُن تسعا، خَمْسَة قرشيات هن: عَائِشَة بنت أبي بكر، وَحَفْصَة بنت عمر، وَأم سَلمَة بنت أُميَّة، وَأم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان، وَسَوْدَة بنت زَمعَة، وَأما غير الْقُرَشِيَّات: فزينب بنت جحش الأَسدِية، وَصفِيَّة بنت حييّ الْخَيْبَرِية، ومَيْمُونَة بنت الْحَارِث الْهِلَالِيَّة، وَجُوَيْرِية بنت الْحَارِث الْمُصْطَلِقِيَّة.

стр. 5092

قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: فَلَمَّا اخترنه شكر الله تَعَالَى لَهُنَّ ذَلِك، فَنهى النَّبِي أَن يتَزَوَّج بسواهن أَو يتبدل بِهن، وَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يحل لَك النِّسَاء من بعد وَلَا أَن تبدل بِهن من أَزوَاج وَلَو أعْجبك حسنهنَّ﴾ وَسَنذكر حكم ذَلِك من بعد وَاخْتلف الْعلمَاء فِي هَذَا الْخِيَار، أَكَانَ طَلَاقا؟ وَإِنَّمَا خيرهن على إِن اخْترْنَ الدُّنْيَا فارقهن بِلَا طَلَاق، وَإِن اخترنه أمسكهن، وَذهب جمَاعَة إِلَى أَن هَذَا الْخِيَار كَانَ طَلَاقا فَكَأَنَّهُ خيرهن، وَلَو اخْترْنَ أَنْفسهنَّ كَانَ طَلَاقا. وَاخْتلف الصَّحَابَة فِي الرجل يَقُول لإمرأته: اخْتَارِي. فَتَقول: اخْتَرْت نَفسِي، فَذهب عمر إِلَى أَنَّهَا لَو اخْتَارَتْ زَوجهَا لَا تكون شَيْئا، وَإِن اخْتَارَتْ نَفسهَا فطلقة وَاحِدَة، وَالزَّوْج أَحَق برجعتها. وَقَالَ عَليّ: إِن اخْتَارَتْ زَوجهَا فطلقة وَاحِدَة، وَالزَّوْج أَحَق برجعتها، وَإِن اخْتَارَتْ نَفسهَا فَوَاحِدَة بَائِنَة، وَلَا يملك الزَّوْج رَجعتهَا، وَذهب إِلَى أَنَّهَا إِن اخْتَارَتْ زَوجهَا فَوَاحِدَة رَجْعِيَّة، وَإِن اخْتَارَتْ نَفسهَا فَثَلَاث، وَقد قيل غير هَذَا. وَهَذِه الْأَقْوَال الثَّلَاثَة هِيَ الْمَعْرُوفَة، وَقد ذهب إِلَى كل قَول من هَذِه الْأَقْوَال جمَاعَة من الْعلمَاء، وَالدَّلِيل على أَنَّهَا إِذا اخْتَارَتْ زَوجهَا لَا تكون طَلَاقا أَن عَائِشَة قَالَت: خيرنا رَسُول الله فاخترناه، أَفَكَانَ طَلَاقا؟ ! وَقَوله: ﴿فتعالين أمتعكن﴾ أَي: مُتْعَة الطَّلَاق، وَقد بَينا فِي سُورَة الْبَقَرَة. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وأسرحكن سراحا جميلا﴾ السراح الْجَمِيل هُوَ الْمُفَارقَة الجميلة، وَذَلِكَ من غير تعنيف وَلَا أَذَى.

стр. 5093

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن كنتن تردن الله وَرَسُوله وَالدَّار الْآخِرَة فَإِن الله أعد للمحسنات﴾ والمحسنات هِيَ اللَّاتِي اخْترْنَ الله وَرَسُوله وَالدَّار الْآخِرَة، وَجَمِيع نسَاء النَّبِي قد اخْترْنَ ذَلِك، فجميعهن محسنات. وَيجوز أَن تذكر " من " وَلَا تكون للتَّبْعِيض، فَلَا يدل ذَلِك على أَن مِنْهُنَّ من لَيست بمحسنة.

стр. 5094

﴿ذَلِك على الله يَسِيرا (٣٠) وَمن يقنت مِنْكُن لله وَرَسُوله وتعمل صَالحا نؤتها أجرهَا﴾ وَقَوله: ﴿أجرا عَظِيما﴾ وَفِي التَّفْسِير: أَن الله تَعَالَى خيرهن بَين الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَبَين الْجنَّة وَالنَّار، فاخترن الْآخِرَة على الدُّنْيَا، وَالْجنَّة على النَّار.

стр. 5095

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا نسَاء النَّبِي من يَأْتِ مِنْكُن بِفَاحِشَة مبينَة﴾ فَإِن قيل: أيدل هَذَا الْخطاب على أَن مِنْهُنَّ من أَتَت بِفَاحِشَة أَو تَأتي بِفَاحِشَة؟ قُلْنَا: لَا، كَمَا أَن الله تَعَالَى قَالَ للنَّبِي: ﴿لَئِن أشركت ليحبطن عَمَلك﴾ وَهَذَا لَا يدل على أَنه قد أَتَى بشرك أَو يَأْتِي. جَوَاب آخر: أَنه قد حكى عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: الْفَاحِشَة هَا هُنَا بِمَعْنى النُّشُوز وَسُوء الْخلق. وَقَوله: ﴿يُضَاعف لَهَا الْعَذَاب ضعفين﴾ وَقُرِئَ: " يضعف " من التَّضْعِيف، وَقُرِئَ: " نضعف " بالنُّون، فَقَوله ﴿نضعف﴾ بالنُّون ظَاهر الْمَعْنى، وَهُوَ نِسْبَة الْفِعْل إِلَى نَفسه، وَقَوله: " يضعف " و " يُضَاعف " خبر. وَقَوله: ﴿ضعفين من الْعَذَاب﴾ أَي: مثلي عَذَاب غَيرهَا، فَإِن قيل: وَلم تسْتَحقّ مثلي عَذَاب غَيرهَا؟ قُلْنَا: لشرف حَالهَا بِصُحْبَة النَّبِي، وَهَذَا كَمَا أَن الْحرَّة تحد مثلي حد الْأمة لشرف حَالهَا. وَقد اسْتدلَّ أَبُو بكر الْفَارِسِي فِي أَحْكَام الْقُرْآن بِهَذِهِ الْآيَة على أَنَّهُنَّ أشرف نسَاء الْعَالم. وَقَوله: ﴿وَكَانَ ذَلِك على الله يَسِيرا﴾ أَي: هينا، وَقد ذكر بَعضهم أَن قَوْله: ﴿يُضَاعف لَهَا الْعَذَاب﴾ يقتضى ثَلَاثَة أعذبة؛ لِأَن ضعف الْوَاحِد مثلاه، وَالأَصَح هُوَ الأول.

стр. 5096

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يقنت مِنْكُن لله وَرَسُوله﴾ الْقُنُوت هُوَ المداومة على الطَّاعَة، وَمِنْه الْقُنُوت فِي الصَّلَاة، وَهُوَ المداومة على الدُّعَاء. وَقَوله: ﴿وتعمل صَالحا نؤتها أجرهَا مرَّتَيْنِ﴾ أَي: مثلي أجر غَيرهَا، وَهَذَا على

стр. 5097

﴿مرَّتَيْنِ وأعتدنا لَهَا رزقا كَرِيمًا (٣١) يَا نسَاء النَّبِي لستن كَأحد من النِّسَاء إِن اتقيتن فَلَا تخضعن بالْقَوْل فيطمع الَّذِي فِي قلبه مرض وقلن قولا مَعْرُوفا (٣٢) وَقرن فِي بيوتكن وَلَا تبرجن تبرج الْجَاهِلِيَّة الأولى وأقمن الصَّلَاة وآتين الزَّكَاة وأطعن الله وَرَسُوله إِنَّمَا﴾ طَرِيق مُقَابلَة الثَّوَاب بالعقاب. وَقَوله: ﴿وأعتدنا لَهَا رزقا كَرِيمًا﴾ أَي: الْجنَّة.

стр. 5098

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا نسَاء النَّبِي لستن كَأحد من النِّسَاء﴾ فَإِن قيل: هلا قَالَ كواحدة من النِّسَاء؟ وَالْجَوَاب، أَنه قَالَ: ﴿كَأحد من النِّسَاء﴾ ليَكُون أَعم فِي الْكل. وَقَوله: ﴿إِن اتقيتن﴾ التَّقْوَى هِيَ الِاحْتِرَاز عَن الْمعاصِي، والحذر عَمَّا نهى الله عَنهُ. وَقَوله: ﴿فَلَا تخضعن بالْقَوْل﴾ أَي: لَا تلن فِي القَوْل، وَلَا ترققن فِيهِ. وَيُقَال: الخضوع فِي القَوْل أَن تَتَكَلَّم على وَجه يَقع بِشَهْوَة الْمُرِيب. وَقَوله: ﴿فيطمع الَّذِي فِي قلبه مرض﴾ قَالَ قَتَادَة: أَي النِّفَاق، وَقَالَ عِكْرِمَة: شَهْوَة الزِّنَا. وَقَوله: ﴿وقلن قولا مَعْرُوفا﴾ أَي: قولا يُوجِبهُ الدّين وَالْإِسْلَام بِصَرِيح وَبَيَان.

стр. 5099

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقرن فِي بيوتكن﴾ وَقُرِئَ بِكَسْر الْقَاف؛ فَقَوله بِالْكَسْرِ من السّكُون والهدوء وَترك الْخُرُوج. وَالْقِرَاءَة بِالنّصب تحْتَمل هَذَا، وتحتمل الْأَمر بالوقار. وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَنه قَالَ: مَا تعبدت الله امْرَأَة بِمثل تقوى الله وجلوسها فِي بَيتهَا. وَفِي بعض الْآثَار، أَنه قيل لسودة: أَلا تخرجين كَمَا تخرج أخواتك؟ قَالَت: قد حججْت واعتمرت، وَقد أَمرنِي الله تَعَالَى أَن أقرّ فِي بَيْتِي، فَلَا أُرِيد أَن أعصي الله تَعَالَى، فَلم تخرج من بَيتهَا حَتَّى أخرجت على جنازتها. وَقَوله: ﴿وَلَا تبرجن تبرج الْجَاهِلِيَّة الأولى﴾ قَالَ الْمبرد: التبرج هُوَ أَن تظهر من

стр. 5100

﴿يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا (٣٣) واذكرن مَا يُتْلَى﴾ نَفسهَا مَا أمرت بستره. وَعَن ابْن أبي نجيح قَالَ: هُوَ التَّبَخْتُر. وَعَن قَتَادَة قَالَ: الْمَشْي بالتغنج والتكسر. وَعَن مُجَاهِد قَالَ: هُوَ الْمَشْي بَين يَدي الرِّجَال. وَأما الْجَاهِلِيَّة الأولى فَقيل: هِيَ زمَان نمروذ، وَقد كَانَت الْمَرْأَة تخرج وَعَلَيْهَا قَمِيص من لُؤْلُؤ ثمَّ تخيط جانباه، وَعَن بَعضهم: مَا بَين نوح وَإِدْرِيس، وَعَن الشّعبِيّ: مل بَين عِيسَى وَمُحَمّد عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام وَيُقَال: إِن أول مَا ظهر من الْفَاحِشَة فِي بني آدم أَنه كَانَ بطْنَان من بني آدم أَحدهمَا يسكنون الْجَبَل، وَالْآخر يسكنون السهل، وَكَانَ رجال الْجَبَل صباحا، وَفِي النِّسَاء دمامة، وَنسَاء السهل صبيحات، وَفِي الرِّجَال دمامة، فاحتال إِبْلِيس حِيلَة حَتَّى أَتَّخِذ عيدا، وَجمع بَينهم فارتكب بَعضهم من بعض الْفَاحِشَة. وَذكر بَعضهم أَن فِي الْجَاهِلِيَّة الأولى [كَانَت الْمَرْأَة تكون] بَين رجلَيْنِ، فنصفها الْأَسْفَل لأَحَدهمَا والأعلى للْآخر، فيجتمع على الْمَرْأَة زَوجهَا وحبها، وَقَالَ فِي ذَلِك بَعضهم شعرًا: (أترغب فِي البدال أَبَا جُبَير ... وأرضى بالكواعب والعجوز) وَأما الْجَاهِلِيَّة الْأُخْرَى فقوم يَفْعَلُونَ مثل فعلهن وَذَلِكَ فِي آخر الزَّمَان، وَقَالَ بَعضهم: يجوز أَن يذكر الأولى وَإِن لم يكن لَهَا أُخْرَى، أَلا ترى أَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿وَأَنه أهلك عادا الأولى﴾ وَلم يكن لَهَا أُخْرَى. وَقَوله: ﴿وأقمن الصَّلَاة وآتين الزَّكَاة وأطعن الله وَرَسُوله﴾ ظَاهر الْمَعْنى. وَقَوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت﴾ فِي الْآيَة أَقْوَال: روى سعيد بن جُبَير عَن أبن عَبَّاس: أَنَّهَا نزلت فِي نسَاء النَّبِي، وَقد [قَالَه] عِكْرِمَة وَجَمَاعَة.

стр. 5101

وَذهب أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَأم سَلمَة وَجَمَاعَة كَثِيرَة من التَّابِعين مِنْهُم مُجَاهِد وَقَتَادَة وَغَيرهمَا أَن الْآيَة فِي أهل بَيت النَّبِي، وهم عَليّ وَفَاطِمَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن. وروت أم سَلمَة " أَن النَّبِي كَانَ فِي بَيتهَا وَعِنْده عَليّ وَفَاطِمَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة فجللهم بكساء وَقَالَ: اللَّهُمَّ؛ هَؤُلَاءِ أهل بَيْتِي. قَالَت أم سَلمَة: فَقلت: يَا رَسُول الله، وَأَنا من أهل بَيْتك، فَقَالَ: إِنَّك إِلَى خير ". ذكره أَبُو عِيسَى فِي جَامعه. وروى أَيْضا بطرِيق أنس " أَن النَّبِي كَانَ يمر بعد نزُول هَذِه الْآيَة على بَيت فَاطِمَة بِسِتَّة أشهر، وَيَقُول: إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا ". وَاسْتدلَّ من قَالَ بِهَذَا القَوْل أَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس﴾ وَلم يقل: " عنكن "، وَلَو كَانَ المُرَاد بِهِ نسَاء النَّبِي لقَالَ: " عنكن " أَلا ترى أَنه فِي الإبتداء والإنتهاء لما كَانَ الْخطاب مَعَ نسَاء النَّبِي خاطبهن بخطاب الْإِنَاث. وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن الْآيَة عَامَّة فِي الْكل، وَهَذَا أحسن الْأَقَاوِيل، فآله قد دخلُوا فِي الْآيَة، ونساؤه قد دخلن فِي الْآيَة. وَاسْتدلَّ من قَالَ: إِن نِسَاءَهُ قد دخلن فِي الْآيَة؛ أَنه قَالَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت﴾ وَأهل بَيت الرَّسُول هن نِسَاءَهُ؛ (وَلِأَنَّهُ تقدم ذكر نِسَائِهِ) ، وَالْأَحْسَن مَا بَينا من التَّعْمِيم.

стр. 5102

﴿فِي بيوتكن من آيَات الله وَالْحكمَة إِن الله كَانَ لطيفا خَبِيرا (٣٤) إِن الْمُسلمين وَالْمُسلمَات وَالْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات﴾ وَقد روى أَن زيد بن أَرقم سُئِلَ: من آل النَّبِي. فَقَالَ: هم الَّذين حرم عَلَيْهِم الصَّدَقَة. وَأما الرجس فَمَعْنَاه: مَا يَدْعُو إِلَى الْمعْصِيَة. وَقَالَ بَعضهم: عمل الشَّيْطَان. والرجس فِي اللُّغَة هُوَ كل مستقذر مستخبث. وَقَوله: ﴿وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا﴾ أَي: من الْمعاصِي بتقوى الله تَعَالَى، وَذهب بعض (أَصْحَاب) الخواطر إِلَى أَن معنى قَوْله: ﴿وَيذْهب عَنْكُم الرجس﴾ أَي: الْأَهْوَاء والبدع ﴿وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا﴾ بِالسنةِ، وَقَالَ بَعضهم: يذهب عَنْكُم الرجس أَي: الغل والحسد (وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا) بالتوفيق وَالْهِدَايَة، وَقَالَ بَعضهم: يذهب عَنْكُم الرجس: الْبُخْل والطمع ﴿وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا﴾ بالقناعة والإيثار، وَالتَّفْسِير مَا بَينا من قبل.

стр. 5103

قَوْله تَعَالَى: ﴿واذكرن مَا يُتْلَى فِي بيوتكن من آيَات الله وَالْحكمَة﴾ أَي: الْقُرْآن وَالسّنة. وَقَوله: ﴿إِن الله كَانَ لطيفا خَبِيرا﴾ أَي: رحِيما بهم، خَبِيرا بأعمالهم.

стр. 5104

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الْمُسلمين وَالْمُسلمَات﴾ سَبَب نزُول الْآيَة مَا روى أَن أم سَلمَة قَالَت: " يَا رَسُول الله، مَا بَال الرّحال يذكرُونَ فِي الْقُرْآن، وَلَا يذكر النِّسَاء، ونخشى أَلا يكون فِيهِنَّ خير ". وَفِي رِوَايَة أَسمَاء بنت عُمَيْس: قدمت من الْحَبَشَة فَدخلت على نسَاء النَّبِي: وَقَالَت لَهُنَّ: هَل ذكر الله تَعَالَى النِّسَاء بِخَير فِي الْقُرْآن؟ قُلْنَ: لَا. قَالَت: هَذَا هُوَ

стр. 5105

ً ﴿وَالصَّابِرِينَ والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين﴾ الخيبة والخسار، أخْشَى أَلا يكون لله فِيهِنَّ حَاجَة، ثمَّ أَتَت النَّبِي وَذكرت ذَلِك لَهُ ". وَفِي رِوَايَة ثَالِثَة: " أَن الَّتِي قَالَت ذَلِك أم عمَارَة الْأَنْصَارِيَّة، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، وَذكر النِّسَاء بِخَير كَمَا ذكر الرِّجَال ". قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الْمُسلمين وَالْمُسلمَات وَالْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ قد بَينا معنى الْإِسْلَام وَمعنى الْإِيمَان، وَقد فرق بعض أهل السّنة بَين الْإِيمَان وَالْإِسْلَام، وَلم يفرق بَعضهم. وَالْمَسْأَلَة فِيهَا كَلَام كثير. وَقَوله: ﴿والقانتين والقانتات﴾ المطيعين والمطيعات. وَقَوله: ﴿والصادقين والصادقات﴾ أَي الصَّادِقين فِي إِيمَانهم، والصادقات فِي إيمانهن. يُقَال: إِن المُرَاد بِالصّدقِ هُوَ صدق القَوْل فِي جَمِيع الْأَشْيَاء. وَقَوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ والصابرات﴾ أَي: الصابرين على الطَّاعَة، وَالصَّابِرِينَ عَن الْمعْصِيَة، وَكَذَلِكَ معنى الصابرات. وَقَالَ قَتَادَة: الصَّبْر عَن الْمعْصِيَة أفضل من الصَّبْر على الطَّاعَة، وَعَلِيهِ الْأَكْثَرُونَ. وَقَوله: ﴿والخاشعين والخاشعات﴾ أَي: المتواضعين والمتواضعات. وَيُقَال: إِن المُرَاد بالخشوع هُوَ الْخُشُوع فِي الصَّلَاة. وَعَن سعيد بن جُبَير قَالَ: الْخُشُوع فِي الصَّلَاة أَلا يعلم من على يَمِينه وَلَا من على

стр. 5106

﴿والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا وَالذَّاكِرَات أعد الله﴾ يسَاره. وَقَالَ غَيره: من الْخُشُوع أَن لَا تلْتَفت. وَقَوله: ﴿والمتصدقين والمتصدقات﴾ أَي: المتصدقين على الْفُقَرَاء والمتصدقات عَلَيْهِم. وَقَوله: ﴿والصائمين والصائمات﴾ مَعْلُوم. وروى عَن بَعضهم: من صَامَ ثَلَاثَة أَيَّام فِي كل شهر فَهُوَ من الصائمين والصائمات، وَمن تصدق فِي كل أُسْبُوع بدرهم فَهُوَ من المتصدقين، وَمن لم يلْتَفت فِي صلَاته فَهُوَ من الخاشعين، أوردهُ النقاش فِي تَفْسِيره. وَقَوله: ﴿والحافظين فروجهم والحافظات﴾ أَي: من ارْتِكَاب الْفَوَاحِش. وَحكى النقاش: أَن من لم يزن فَهُوَ من الحافظين لفروجهم. وَقَوله: ﴿والحافظات﴾ أَي: والحافظاتها. وَقَوله: ﴿والذاكرين الله كثيرا وَالذَّاكِرَات﴾ أَي: والذاكراته، قَالَ الشَّاعِر: (فكمتا مدماة كَأَن متونها ... جرى فَوْقهَا واستشعرت لون مَذْهَب) يَعْنِي: جرى فَوْقهَا لون مَذْهَب واستشعرته. وَأما الذّكر الْكثير، فروى عَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: لَا يكون العَبْد من الذَّاكِرِينَ الله كثيرا حَتَّى يذكرهُ قَائِما وَقَاعِدا ومضطجعا. وروى الضَّحَّاك بن مُزَاحم، عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي قَالَ: " من قَالَ سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْد لله، وَلَا إِلَه إِلَّا الله، وَالله أكبر، وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، كتب من الذَّاكِرِينَ الله كثيرا، وتحات عَنهُ خطاياه كَمَا يتحات الْوَرق عَن الشّجر، وَنظر الله إِلَيْهِ، وَمن نظر إِلَيْهِ (لم) يعذبه ". وَفِي بعض المسانيد بِرِوَايَة أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن النَّبِي قَالَ: " أَيّمَا رجل أيقظ

стр. 5107

﴿لَهُم مغْفرَة وَأَجرا عَظِيما (٣٥) وَمَا كَانَ لمُؤْمِن وَلَا مُؤمنَة إِذا قضى الله وَرَسُوله أمرا﴾ امْرَأَته من اللَّيْل، فقاما وتوضيا وصليا رَكْعَتَيْنِ، كتبا من الذَّاكِرِينَ الله كثيرا وَالذَّاكِرَات ". وَقَوله: ﴿أعد لَهُم مغْفرَة وَأَجرا عَظِيما﴾ أَي: مغْفرَة للذنوب، وَأَجرا عَظِيما: هُوَ الْجنَّة.

стр. 5108

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لمُؤْمِن وَلَا مُؤمنَة﴾ الْآيَة نزلت فِي شَأْن زَيْنَب بنت جحش وأخيها عبد الله بن جحش، وَكَانَا وَلَدي عمَّة رَسُول الله، وَهِي أُمَيْمَة بنت عبد الْمطلب، فَكَانَا من قبل الْأَب من بني أَسد من أَوْلَاد غنم بن دودان، فروى " أَن النَّبِي خطب زَيْنَب لزيد بن حَارِثَة مَوْلَاهُ، فَكرِهت ذَلِك، وَقَالَت: أَنا بنت عَمَّتك، أتزوجني من مَوْلَاك؟ ! وَكَذَلِكَ كره أَخُوهَا، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة: ﴿وَمَا كَانَ لمُؤْمِن﴾ أَي: عبد الله بن جحش ﴿وَلَا مُؤمنَة﴾ أَي: زَيْنَب ". وَقَوله: ﴿إِذا قضى الله وَرَسُوله أمرا﴾ أَي: أَرَادَ الله وَرَسُوله أمرا، وَذَلِكَ هُوَ نِكَاح زيد لِزَيْنَب.

стр. 5109

﴿أَن يكون لَهُم الْخيرَة من أَمرهم وَمن يعْص الله وَرَسُوله فقد ضل ضلالا مُبينًا (٣٦) وَإِذ تَقول للَّذي أنعم الله عَلَيْهِ وأنعمت أمسك عَلَيْك عَلَيْهِ زَوجك وَاتَّقِ الله وتخفي فِي﴾ وَقَوله: ﴿أَن يكون لَهُم الْخيرَة من أَمرهم﴾ أَي: يكون لَهُم الِاخْتِيَار، وَالْمعْنَى: أَن يُرِيد غير مَا أَرَادَ الله، أَو يمْتَنع مِمَّا أَمر الله وَرَسُوله بِهِ. وَقَوله: ﴿وَمن يعْص الله وَرَسُوله فقد ضل ضلالا مُبينًا﴾ أَي: أَخطَأ خطأ ظَاهرا؛ فَلَمَّا سمعا ذَلِك سلما الْأَمر، وَزوجهَا رَسُول الله من زيد بن حَارِثَة.

стр. 5110

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ تَقول للَّذي أنعم الله عَلَيْهِ﴾ أَي: أنعم الله عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ. وَقَوله: ﴿وأنعمت عَلَيْهِ﴾ أَي: بِالْعِتْقِ، وَهُوَ زيد بن حَارِثَة، وَقد كَانَ جرى عَلَيْهِ سبي فِي الْجَاهِلِيَّة، فَاشْتَرَاهُ رَسُول الله وَأعْتقهُ وتبناه على عَادَة الْعَرَب. وَقَوله: ﴿أمسك عَلَيْك زَوجك﴾ أَي: امْرَأَتك، وَأما سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة: " أَن النَّبِي لما زوج زَيْنَب من زيد وَمَضَت على ذَلِك مُدَّة، دخل عَلَيْهَا رَسُول الله يَوْمًا فرآها قَائِمَة، وَكَانَت بَيْضَاء جميلَة ذَات خلق، وَهِي فِي درع وخمار، فَلَمَّا رَآهَا وَقعت فِي قلبه وَأَعْجَبهُ حسنها، وَقَالَ: سُبْحَانَ مُقَلِّب الْقُلُوب. وَسمعت ذَلِك زَيْنَب، وَخرج رَسُول الله وَفِي قلبه مَا شَاءَ الله، فَلَمَّا دخل عَلَيْهَا زيد ذكرت ذَلِك لَهُ ". وَفِي بعض التفاسير: " أَن زيدا جَاءَ يشكو زَيْنَب، وَكَانَت امْرَأَة لسنة، فَذهب رَسُول الله ليعظها، فَكَانَ الْأَمر على مَا ذكرنَا، ثمَّ إِن زيدا أَتَى رَسُول الله وَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِنِّي أَشْكُو إِلَيْك سوء خلق زَيْنَب، وَإِن فِيهَا كبرا، وَإِنِّي أُرِيد أَن أطلقها، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله: أمسك عَلَيْك زَوجك أَي امْرَأَتك وَاتَّقِ الله فِي أمرهَا ".

стр. 5111

﴿نَفسك مَا الله مبديه وتخشى النَّاس وَالله أَحَق أَن تخشاه فَلَمَّا قضى زيد مِنْهَا وطرا﴾ وَقَوله: ﴿وتخفي فِي نَفسك مَا الله مبديه﴾ قَالَ قَتَادَة: هُوَ محبته لَهَا. وَقَالَ الْحسن: ود النَّبِي طَلاقهَا وَلم يظهره. وَذكر عَليّ بن الْحُسَيْن أَن معنى الْآيَة: هُوَ أَن الله تَعَالَى كَانَ أخبرهُ أَن زيدا يطلقهَا وَهُوَ يتَزَوَّج بهَا، فَالَّذِي أخفاه هُوَ هَذَا، وَهَذَا القَوْل هُوَ الأولى وأليق بعصمة الْأَنْبِيَاء. وَمِنْهُم من قَالَ: الَّذِي أُخْفِي فِي نَفسه هُوَ أَنه لَو طَلقهَا زيد تزوج بهَا، وَهَذَا أَيْضا قَول حسن. وَقَوله: ﴿وتخشى النَّاس﴾ أَي: تَسْتَحي من النَّاس، وَيُقَال: تخشى مقَالَة النَّاس ولائمتهم، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّه تزوج بِامْرَأَة ابْنه. وَقَوله: ﴿وَالله أَحَق أَن تخشاه﴾ فَإِن قيل: هَذَا يدل على أَنه لم يخْش الله فِيمَا سبق مِنْهُ فِي هَذِه الْقِصَّة. وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن معنى قَوْله: ﴿وَالله أَحَق أَن تخشاه﴾ ابْتِدَاء كَلَام فِي جَمِيع الْأَشْيَاء، وَقد أَمر الله تَعَالَى جَمِيع عباده بالخشية فِي عُمُوم الْأَحْوَال. وَالْجَوَاب الثَّانِي: أَنَّك أضمرت شَيْئا وَلم تظهره، فَإِن خشيت الله تَعَالَى فِي إِظْهَاره فاخشه فِي إضماره. وَحَقِيقَة الْمَعْنى: أَنه لَا خشيَة إِلَّا من الله فِيمَا تظهر و [إِلَّا] فِيمَا تضمر، فَلَا تراقب النَّاس. فَإِن قيل: إِذا كَانَ قد ود أَن يطلقهَا كَيفَ قَالَ أمسك عَلَيْك زَوجك؟ وَالْجَوَاب: أَن ذَاك الود ود طبع وميل نفس، والبشر لَا يَخْلُو عَنهُ. وَأما قَوْله: ﴿أمسك عَلَيْك زَوجك وَاتَّقِ الله﴾ أَمر بِالْمَعْرُوفِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِثْم فِيمَا يَقع فِي قلبه من غير اخْتِيَاره، وعَلى أَنا قد ذكرنَا سوى هَذَا من الْأَقْوَال، وَقد ثَبت بِرِوَايَة مَسْرُوق عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: " لَو كتم النَّبِي شَيْئا من الْوَحْي لكَتم هَذِه الْآيَة "، وروى أَنه لم تكن آيَة أَشد عَلَيْهِ من هَذِه الْآيَة. وَقَوله: ﴿فَلَمَّا قضي زيد مِنْهَا وطرا زَوَّجْنَاكهَا﴾ فِي التَّفْسِير: أَن زيدا لما أخبر

стр. 5112

بِالْأَمر طَلقهَا، وَقد ذكر بَعضهم: أَن النَّبِي تَركهَا حَتَّى انْقَضتْ عدتهَا ثمَّ تزَوجهَا ". وَلَيْسَ فِي أَكثر التفاسير ذكر عدَّة، وَلَا ذكر تَزْوِيج من ولي، وَإِنَّمَا الْمَنْقُول أَن زيدا طَلقهَا، وَأَن الله زَوجهَا مِنْهُ، وَهُوَ ظَاهر. قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قضى زيد مِنْهَا وطرا زَوَّجْنَاكهَا﴾ وَقَوله: ﴿وطرا﴾ أَي: حَاجَة، وَهُوَ بُلُوغ مُنْتَهى مَا فِي النَّفس، قَالَ الشَّاعِر: (أَيهَا الرايح الْمجد ابتكارا ... قد قضى من تهَامَة الأوطار) وَقَالَ جرير: (وَبَان الخليط غَدَاة الجناب ... وَلم تقض نَفسك أوطارها) وَقد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَن زَيْنَب كَانَت تفتخر على سَائِر زَوْجَات النَّبِي وَتقول: زوجكن أهلوكن، وزوجني الله من فَوق سبع سموات ". وروى " أَن النَّبِي لما أَرَادَ أَن يَتَزَوَّجهَا بعث زيدا يخطبها، فَدخل عَلَيْهَا زيد وخطبها لرَسُول الله، فَقَالَت: حَتَّى أوآمر رَبِّي، وَقَامَت إِلَى مَسْجِدهَا، وَأنزل الله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قضى زيد مِنْهَا وطرا زَوَّجْنَاكهَا﴾ " وَهَذَا خبر مَعْرُوف، قَالَ أهل التَّفْسِير: " وَلما نزلت هَذِه الْآيَة جَاءَ رَسُول الله وَدخل عَلَيْهَا بِغَيْر إِذن، وَأَوْلَمَ عَلَيْهَا بالخبز وَاللَّحم ". وَقد ثَبت بِرِوَايَة أنس " أَن النَّبِي مَا أولم على أحد من نِسَائِهِ مَا أولم على زَيْنَب بنت جحش، أشْبع النَّاس من الْخبز وَاللَّحم ". وَمن فَضَائِل زَيْنَب " أَن النَّبِي قَالَ لنسائه عِنْد الْوَفَاة: " أَسْرَعكُنَّ بِي لُحُوقا أَطْوَلكُنَّ،

стр. 5113

﴿زَوَّجْنَاكهَا لكَي لَا يكون على الْمُؤمنِينَ حرج فِي أَزوَاج أدعيائهم إِذا قضوا مِنْهُنَّ وطرا وَكَانَ أَمر الله مَفْعُولا (٣٧) مَا كَانَ على النَّبِي من حرج فِيمَا فرض الله لَهُ سنة الله فِي الَّذين خلوا من قبل وَكَانَ أَمر الله قدرا مَقْدُورًا (٣٨) الَّذين يبلغون رسالات الله﴾ يدا " فَكَانَت زَيْنَب أول من توفيت من أَزوَاج النَّبِي بعده، وَكَانَت امْرَأَة صناعًا، تكْثر الصَّدَقَة بكسب يَدهَا، فعرفوا أَن معنى طول الْيَد هُوَ كَثْرَة الصَّدَقَة ". وَهِي أَيْضا أول من اتخذ عَلَيْهَا النعش، فَإِنَّهُ روى أَنَّهَا لما مَاتَت فِي زمن عمر ﵁ وَكَانَت امْرَأَة خَلِيقَة، كره عمر أَن تخرج كَمَا يخرج الرِّجَال؛ فَبعثت أَسمَاء بنت عُمَيْس النعش فَأمر عمر حَتَّى (اتخذ) ذَلِك، وأخرجت فِي النعش، وَقَالَ عمر: نعم خباء الظعينة هَذَا، فجرت السّنة على ذَلِك إِلَى يَوْمنَا هَذَا. قَالُوا: وَقد كَانَت أَسمَاء رَأَتْ ذَلِك بِالْحَبَشَةِ. وَقَوله: ﴿لكيلا يكون على الْمُؤمنِينَ حرج﴾ أَي: إِثْم. وَقَوله: ﴿فِي أَزوَاج أدعيائهم﴾ أَي: فِي نسَاء يتبنونهم، وَقد كَانَت الْعَرَب تعد ذَلِك حَرَامًا، فنسخ الله التبني، وَأحل امْرَأَة (المتبنين) . وَقَوله: ﴿إِذا قضوا مِنْهُنَّ وطرا﴾ قد ذكرنَا. وَقَوله: ﴿وَكَانَ أَمر الله مَفْعُولا﴾ أَي: كَانَ حكم الله نَافِذا لَا يرد.

стр. 5114

قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ على النَّبِي من حرج فِيمَا فرض الله﴾ أَي: فِيمَا أحل الله. وَقَوله: ﴿ [لَهُ] سنة الله فِي الَّذين خلوا من قبل﴾ أَي: كَسنة الله فِي الَّذين خلوا من قبل، فَلَمَّا نزع (الْخَافِض انتصب) ، وَقيل: إِنَّه نصب على الإغراء كَأَنَّهُ قَالَ: الزموا سنة الله. أما قَوْله: ﴿فِي الَّذين خلوا من قبل﴾ أَي: دَاوُد وَسليمَان، فقد بَينا عدد مَا كَانَ

стр. 5115

﴿ويخشونه وَلَا يَخْشونَ أحدا إِلَّا الله وَكفى بِاللَّه حسيبا (٣٩) مَا كَانَ مُحَمَّد أَبَا أحد من﴾ لداود وَسليمَان من النِّسَاء. وَذكر (بَعضهم) ، أَن المُرَاد من الْآيَة تَشْبِيه حَال النَّبِي بِحَال دَاوُد؛ فَإِن دَاوُد هوى امْرَأَة فَجمع الله بَينهمَا على وَجه الْحَلَال، وَكَذَلِكَ الرَّسُول هوى امْرَأَة فَجمع الله بَينهمَا على وَجه الْحَلَال. قَوْله: ﴿وَكَانَ أَمر الله قدرا مَقْدُورًا﴾ أَي: قَضَاء مقضيا.
следующие страницы →