← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

﴿نَفسك مَا الله مبديه وتخشى النَّاس وَالله أَحَق أَن تخشاه فَلَمَّا قضى زيد مِنْهَا وطرا﴾ وَقَوله: ﴿وتخفي فِي نَفسك مَا الله مبديه﴾ قَالَ قَتَادَة: هُوَ محبته لَهَا. وَقَالَ الْحسن: ود النَّبِي طَلاقهَا وَلم يظهره. وَذكر عَليّ بن الْحُسَيْن أَن معنى الْآيَة: هُوَ أَن الله تَعَالَى كَانَ أخبرهُ أَن زيدا يطلقهَا وَهُوَ يتَزَوَّج بهَا، فَالَّذِي أخفاه هُوَ هَذَا، وَهَذَا القَوْل هُوَ الأولى وأليق بعصمة الْأَنْبِيَاء. وَمِنْهُم من قَالَ: الَّذِي أُخْفِي فِي نَفسه هُوَ أَنه لَو طَلقهَا زيد تزوج بهَا، وَهَذَا أَيْضا قَول حسن. وَقَوله: ﴿وتخشى النَّاس﴾ أَي: تَسْتَحي من النَّاس، وَيُقَال: تخشى مقَالَة النَّاس ولائمتهم، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّه تزوج بِامْرَأَة ابْنه. وَقَوله: ﴿وَالله أَحَق أَن تخشاه﴾ فَإِن قيل: هَذَا يدل على أَنه لم يخْش الله فِيمَا سبق مِنْهُ فِي هَذِه الْقِصَّة. وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن معنى قَوْله: ﴿وَالله أَحَق أَن تخشاه﴾ ابْتِدَاء كَلَام فِي جَمِيع الْأَشْيَاء، وَقد أَمر الله تَعَالَى جَمِيع عباده بالخشية فِي عُمُوم الْأَحْوَال. وَالْجَوَاب الثَّانِي: أَنَّك أضمرت شَيْئا وَلم تظهره، فَإِن خشيت الله تَعَالَى فِي إِظْهَاره فاخشه فِي إضماره. وَحَقِيقَة الْمَعْنى: أَنه لَا خشيَة إِلَّا من الله فِيمَا تظهر و [إِلَّا] فِيمَا تضمر، فَلَا تراقب النَّاس. فَإِن قيل: إِذا كَانَ قد ود أَن يطلقهَا كَيفَ قَالَ أمسك عَلَيْك زَوجك؟ وَالْجَوَاب: أَن ذَاك الود ود طبع وميل نفس، والبشر لَا يَخْلُو عَنهُ. وَأما قَوْله: ﴿أمسك عَلَيْك زَوجك وَاتَّقِ الله﴾ أَمر بِالْمَعْرُوفِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِثْم فِيمَا يَقع فِي قلبه من غير اخْتِيَاره، وعَلى أَنا قد ذكرنَا سوى هَذَا من الْأَقْوَال، وَقد ثَبت بِرِوَايَة مَسْرُوق عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: " لَو كتم النَّبِي شَيْئا من الْوَحْي لكَتم هَذِه الْآيَة "، وروى أَنه لم تكن آيَة أَشد عَلَيْهِ من هَذِه الْآيَة. وَقَوله: ﴿فَلَمَّا قضي زيد مِنْهَا وطرا زَوَّجْنَاكهَا﴾ فِي التَّفْسِير: أَن زيدا لما أخبر

стр. 5112

بِالْأَمر طَلقهَا، وَقد ذكر بَعضهم: أَن النَّبِي تَركهَا حَتَّى انْقَضتْ عدتهَا ثمَّ تزَوجهَا ". وَلَيْسَ فِي أَكثر التفاسير ذكر عدَّة، وَلَا ذكر تَزْوِيج من ولي، وَإِنَّمَا الْمَنْقُول أَن زيدا طَلقهَا، وَأَن الله زَوجهَا مِنْهُ، وَهُوَ ظَاهر. قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قضى زيد مِنْهَا وطرا زَوَّجْنَاكهَا﴾ وَقَوله: ﴿وطرا﴾ أَي: حَاجَة، وَهُوَ بُلُوغ مُنْتَهى مَا فِي النَّفس، قَالَ الشَّاعِر: (أَيهَا الرايح الْمجد ابتكارا ... قد قضى من تهَامَة الأوطار) وَقَالَ جرير: (وَبَان الخليط غَدَاة الجناب ... وَلم تقض نَفسك أوطارها) وَقد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَن زَيْنَب كَانَت تفتخر على سَائِر زَوْجَات النَّبِي وَتقول: زوجكن أهلوكن، وزوجني الله من فَوق سبع سموات ". وروى " أَن النَّبِي لما أَرَادَ أَن يَتَزَوَّجهَا بعث زيدا يخطبها، فَدخل عَلَيْهَا زيد وخطبها لرَسُول الله، فَقَالَت: حَتَّى أوآمر رَبِّي، وَقَامَت إِلَى مَسْجِدهَا، وَأنزل الله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قضى زيد مِنْهَا وطرا زَوَّجْنَاكهَا﴾ " وَهَذَا خبر مَعْرُوف، قَالَ أهل التَّفْسِير: " وَلما نزلت هَذِه الْآيَة جَاءَ رَسُول الله وَدخل عَلَيْهَا بِغَيْر إِذن، وَأَوْلَمَ عَلَيْهَا بالخبز وَاللَّحم ". وَقد ثَبت بِرِوَايَة أنس " أَن النَّبِي مَا أولم على أحد من نِسَائِهِ مَا أولم على زَيْنَب بنت جحش، أشْبع النَّاس من الْخبز وَاللَّحم ". وَمن فَضَائِل زَيْنَب " أَن النَّبِي قَالَ لنسائه عِنْد الْوَفَاة: " أَسْرَعكُنَّ بِي لُحُوقا أَطْوَلكُنَّ،

стр. 5113

﴿زَوَّجْنَاكهَا لكَي لَا يكون على الْمُؤمنِينَ حرج فِي أَزوَاج أدعيائهم إِذا قضوا مِنْهُنَّ وطرا وَكَانَ أَمر الله مَفْعُولا (٣٧) مَا كَانَ على النَّبِي من حرج فِيمَا فرض الله لَهُ سنة الله فِي الَّذين خلوا من قبل وَكَانَ أَمر الله قدرا مَقْدُورًا (٣٨) الَّذين يبلغون رسالات الله﴾ يدا " فَكَانَت زَيْنَب أول من توفيت من أَزوَاج النَّبِي بعده، وَكَانَت امْرَأَة صناعًا، تكْثر الصَّدَقَة بكسب يَدهَا، فعرفوا أَن معنى طول الْيَد هُوَ كَثْرَة الصَّدَقَة ". وَهِي أَيْضا أول من اتخذ عَلَيْهَا النعش، فَإِنَّهُ روى أَنَّهَا لما مَاتَت فِي زمن عمر ﵁ وَكَانَت امْرَأَة خَلِيقَة، كره عمر أَن تخرج كَمَا يخرج الرِّجَال؛ فَبعثت أَسمَاء بنت عُمَيْس النعش فَأمر عمر حَتَّى (اتخذ) ذَلِك، وأخرجت فِي النعش، وَقَالَ عمر: نعم خباء الظعينة هَذَا، فجرت السّنة على ذَلِك إِلَى يَوْمنَا هَذَا. قَالُوا: وَقد كَانَت أَسمَاء رَأَتْ ذَلِك بِالْحَبَشَةِ. وَقَوله: ﴿لكيلا يكون على الْمُؤمنِينَ حرج﴾ أَي: إِثْم. وَقَوله: ﴿فِي أَزوَاج أدعيائهم﴾ أَي: فِي نسَاء يتبنونهم، وَقد كَانَت الْعَرَب تعد ذَلِك حَرَامًا، فنسخ الله التبني، وَأحل امْرَأَة (المتبنين) . وَقَوله: ﴿إِذا قضوا مِنْهُنَّ وطرا﴾ قد ذكرنَا. وَقَوله: ﴿وَكَانَ أَمر الله مَفْعُولا﴾ أَي: كَانَ حكم الله نَافِذا لَا يرد.

стр. 5114

قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ على النَّبِي من حرج فِيمَا فرض الله﴾ أَي: فِيمَا أحل الله. وَقَوله: ﴿ [لَهُ] سنة الله فِي الَّذين خلوا من قبل﴾ أَي: كَسنة الله فِي الَّذين خلوا من قبل، فَلَمَّا نزع (الْخَافِض انتصب) ، وَقيل: إِنَّه نصب على الإغراء كَأَنَّهُ قَالَ: الزموا سنة الله. أما قَوْله: ﴿فِي الَّذين خلوا من قبل﴾ أَي: دَاوُد وَسليمَان، فقد بَينا عدد مَا كَانَ

стр. 5115

﴿ويخشونه وَلَا يَخْشونَ أحدا إِلَّا الله وَكفى بِاللَّه حسيبا (٣٩) مَا كَانَ مُحَمَّد أَبَا أحد من﴾ لداود وَسليمَان من النِّسَاء. وَذكر (بَعضهم) ، أَن المُرَاد من الْآيَة تَشْبِيه حَال النَّبِي بِحَال دَاوُد؛ فَإِن دَاوُد هوى امْرَأَة فَجمع الله بَينهمَا على وَجه الْحَلَال، وَكَذَلِكَ الرَّسُول هوى امْرَأَة فَجمع الله بَينهمَا على وَجه الْحَلَال. قَوْله: ﴿وَكَانَ أَمر الله قدرا مَقْدُورًا﴾ أَي: قَضَاء مقضيا.

стр. 5116

قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين يبلغون رسالات الله ويخشونه وَلَا يَخْشونَ أحدا إِلَّا الله﴾ أَي: [خشيَة] تحول بَينهم وَبَين مَعْصِيَته، وَهَذَا هُوَ الخشية حَقِيقَة. وَقَوله: ﴿وَلَا يَخْشونَ أحدا إِلَّا الله﴾ أَي: غير الله، وَمَعْنَاهُ: أَنهم لَا يراقبون أحدا فِيمَا أحل لَهُم. وَفِي بعض (الْآثَار) : من لم يستح مِمَّا أحل الله لَهُ خفت مُؤْنَته. وَقَوله: ﴿وَكفى بِاللَّه حسيبا﴾ أَي: حَافِظًا، وَيُقَال: محاسبا، تَقول الْعَرَب: (أحسبني) الشَّيْء أَي: كفاني.

стр. 5117

قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّد أَبَا أحد من رجالكم﴾ أَكثر الْمُفَسّرين أَن المُرَاد مِنْهُ زيد بن حَارِثَة، وَمَعْنَاهُ: أَنه لَيْسَ بِأبي زيد بن حَارِثَة، فَإِن قيل: أَلَيْسَ انه قد كَانَ لَهُ أَوْلَاد ذُكُور وإناث، وَكَذَلِكَ الْحسن وَالْحُسَيْن كَانَا ولديه. وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ لِلْحسنِ بن عَليّ: " إِن ابْني هَذَا سيد يصلح الله بِهِ بَين فئتين عظيمتين من الْمُسلمين ". وَفِيه إِشَارَة إِلَى الصُّلْح الَّذِي وَقع بَين أهل الْعرَاق وَأهل الشَّام حِين بَايع الْحسن مُعَاوِيَة وَسلم إِلَيْهِ الْأَمر، والقصة مَعْرُوفَة. وَالْجَوَاب عَنهُ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن ﴿رجالكم وَلَكِن رَسُول الله وَخَاتم النَّبِيين وَكَانَ الله بِكُل شَيْء عليما (٤٠) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اذْكروا الله ذكرا كثيرا (٤١) وسبحوه بكرَة وَأَصِيلا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي﴾ معنى قَوْله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّد أَبَا أحد من رجالكم﴾ أَي: أَبَا رجل لم يلده، وَلم يكن ولد زيد بن حَارِثَة؛ فَلم يكن أَبَاهُ، وَقد كَانَ لَهُ أَوْلَاد ذُكُور ولدهم وهم: الْقَاسِم، وَالطّيب، والطاهر، وَإِبْرَاهِيم ﵃ وَجعل بَعضهم بدل الطَّاهِر المطهر. وَالْجَوَاب الثَّانِي: أَنه قَالَ: ﴿من رجالكم﴾ وَهَؤُلَاء كَانُوا صغَارًا، وَالرِّجَال اسْم يتَنَاوَل الْبَالِغين. وروى عَطاء عَن ابْن عَبَّاس أَن الله تَعَالَى لما حكم أَنه لَا نَبِي بعده لم يُعْطه ولدا ذكرا يصير رجلا، وَلَو أعطَاهُ ولدا ذكرا يصير رجلا لجعله نَبيا. وَقد قَالَ بعض الْعلمَاء: لَيْسَ هَذَا بمستنكر، وَيجوز أَن يكون لَهُ ولد رجل وَلَا يكون نَبيا، وَمَا ذَكرْنَاهُ محكى عَن ابْن عَبَّاس، وَالله أعلم. وَقَوله: ﴿وَلَكِن رَسُول الله وَخَاتم النَّبِيين﴾ وَقُرِئَ: " خَاتم " بِنصب التَّاء، فَأَما قَوْله: ﴿وَخَاتم النَّبِيين﴾ بِالْفَتْح أَي: آخر النَّبِيين، وَأما بِالْكَسْرِ أَي: ختم بِهِ النَّبِيين. وَقَوله: ﴿وَكَانَ الله بِكُل شَيْء عليما﴾ أَي: عَالما، وَقد ثَبت بِرِوَايَة جَابر بن عبد الله أَن النَّبِي قَالَ: " مثلي وَمثل الْأَنْبِيَاء قبلي كَمثل رجل بنى دَارا فأكملها وأحسنها إِلَّا مَوضِع لبنة مِنْهَا، فَجعل كل من يدْخل الدَّار يَقُول: مَا أحْسنهَا وأكملها لَوْلَا مَوضِع اللبنة، فَأَنا اللبنة، وَلَا نَبِي بعدِي ". وَفِي بعض الغرائب من الْأَخْبَار: أَن النَّبِي قَالَ: " لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى يبْعَث دجالون كذابون قَرِيبا من ثَلَاثِينَ، كلهم يزْعم أَنه نَبِي، وَلَا نَبِي بعدِي ".

стр. 5118

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اذْكروا الله ذكرا كثيرا﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا:

стр. 5119

﴿عَلَيْكُم وَمَلَائِكَته ليخرجكم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رحِيما (٤٣) ﴾ أَن المُرَاد بِالذكر الْكثير هُوَ الصَّلَوَات الْخمس، وَالثَّانِي: أَن المُرَاد بِالذكر الْكثير هُوَ التَّسْبِيح والتحميد والتهليل وَالتَّكْبِير وأشباهها، وَهَذِه الْأَذْكَار هِيَ الَّتِي لَا يمْنَع مِنْهَا مُسلم بجنابة وَلَا حدث وَلَا بِغَيْر ذَلِك. وَقَالَ بَعضهم: الذّكر الْكثير يكون بِالْقَلْبِ، وَهُوَ الذّكر الَّذِي يستديم بِهِ طَاعَة الله، وَيَنْتَهِي بِهِ عَن مَعْصِيَته.

стр. 5120

وَقَوله: ﴿وسبحوه بكرَة وَأَصِيلا﴾ أَي: صلوا لله بكرَة وَأَصِيلا، والأصيل: مَا بَين الْعَصْر وَالْمغْرب، وَيُقَال: صَلَاة الْأَصِيل هِيَ الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء الْآخِرَة.

стр. 5121

قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُم وَمَلَائِكَته﴾ اخْتلفُوا فِي معنى (الصَّلَوَات) من الله تَعَالَى؛ قَالَ أَبُو الْعَالِيَة: هُوَ الثَّنَاء من الله على عباده، (وَعَن) بَعضهم: إِشَاعَة الذّكر الْجَمِيل لَهُم، وَأشهر الْأَقْوَال: ان الصَّلَاة من الله تَعَالَى بِمَعْنى الرَّحْمَة وَالْمَغْفِرَة، وَأما صَلَاة الْمَلَائِكَة بِمَعْنى الاسْتِغْفَار للْمُؤْمِنين. وَذكر الْحسن الْبَصْرِيّ: أَن بني إِسْرَائِيل قَالُوا لمُوسَى ﵇: أيصلي رَبك؟ فَذكر مُوسَى ذَلِك لله تَعَالَى؛ فَقَالَ الله تَعَالَى: إِنِّي أُصَلِّي، وصلواتي أَن رَحْمَتي سبقت غَضَبي ". وَفِي بعض التفاسير: أَن الله تَعَالَى لما أنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي﴾ قَالَت الصَّحَابَة: يَا رَسُول الله، هَذَا لَك! فَمَا لنا؟ فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُم وَمَلَائِكَته﴾ . وَقَوله: ﴿ليخرجكم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور﴾ أَي: من ظلمَة الضَّلَالَة إِلَى نور الْهِدَايَة، وَمن ظلمَة الْكفْر إِلَى نور الْإِيمَان، وَقيل: من ظلمَة النَّار إِلَى نور الْجنَّة. وَقَوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رحِيما﴾ يَعْنِي: لما حكم لَهُم من السَّعَادَة.

стр. 5122

﴿تحيتهم يَوْم يلقونه سَلام وَأعد لَهُم أجرا كَرِيمًا (٤٤) يَا أَيهَا النَّبِي إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهدا وَمُبشرا وَنَذِيرا (٤٥) وداعيا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وسراجا منيرا (٤٦) وَبشر الْمُؤمنِينَ بِأَن﴾

стр. 5123

قَوْله تَعَالَى: ﴿تحيتهم يَوْم يلقونه سَلام﴾ وَفِيه أَقْوَال: أَحدهَا: أَن معنى " يلقونه " أَي: يلقون الله تَعَالَى، وَالسَّلَام من الله تَعَالَى لَهُم إِثْبَات السَّلامَة الأبدية والأمن من الْآفَات. وَقيل: يسلم الله عَلَيْهِم تَسْلِيمًا. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن معنى قَوْله: " يلقونه " أَي: ملك الْمَوْت ﵇، وَقد وَردت الْكِنَايَة عَن غير مَذْكُور فِي مَوَاضِع كَثِيرَة من الْقُرْآن. قَالَ الْبَراء بن عَازِب: مَا من مُؤمن إِلَّا وَيسلم عَلَيْهِ ملك الْمَوْت إِذا أَرَادَ قبض روحه. وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن المُرَاد مِنْهُ تَسْلِيم الْمَلَائِكَة، وَمَعْنَاهُ: أَنهم إِذا بعثوا سلم عَلَيْهِم مَلَائِكَة الله وبشروهم بِالْجنَّةِ. وَقَوله: ﴿وَأعد لَهُم أجرا كَرِيمًا﴾ أَي: الْجنَّة، وَاعْلَم أَنه قد ورد أَخْبَار فِي الْحَث على ذكر الله تَعَالَى؛ مِنْهَا مَا ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " يَقُول الله تَعَالَى: أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي، وَأَنا مَعَه حِين يذكرنِي ". وَقد ثَبت أَيْضا عَن النَّبِي قَالَ: " يَقُول الله تَعَالَى: إِذا ذَكرنِي العَبْد فِي نَفسه ذكرته فِي نَفسِي، وَإِن ذَكرنِي فِي مَلأ ذكرته فِي مَلأ خير مِنْهُم. . " الْخَبَر. وَفِي بعض المسانيد أَن النَّبِي قَالَ: " من عجز عَن اللَّيْل أَن يكابده، وَجبن عَن الْعَدو أَن يجاهده، وبخل بِالْمَالِ أَن يُنْفِقهُ، فَعَلَيهِ بِذكر الله تَعَالَى ".

стр. 5124

﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهدا﴾ أَي: شَاهدا على إبلاغ الرُّسُل رِسَالَة رَبهم. وَقَوله: ﴿وَمُبشرا﴾ أَي: بِالْجنَّةِ، وَقَوله: ﴿وَنَذِيرا﴾ أَي: من النَّار.

стр. 5125

﴿لَهُم من الله فضلا كَبِيرا (٤٧) وَلَا تُطِع الْكَافرين وَالْمُنَافِقِينَ ودع أذاهم وتوكل على الله وَكفى بِاللَّه وَكيلا (٤٨) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا نكحتم الْمُؤْمِنَات ثمَّ طلقتموهن من﴾

стр. 5126

وَقَوله: ﴿وداعيا إِلَى الله﴾ أَي: إِلَى الْإِسْلَام. وَقيل: إِلَى شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله. وَقَوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أَي: بأَمْره. وَقَوله: ﴿وسراجا منيرا﴾ أَي: ذَا سراج مُنِير، والسراج الْمُنِير هُوَ الْقُرْآن. وَقيل: وسراجا هُوَ الرَّسُول؛ سَمَّاهُ سِرَاجًا لِأَنَّهُ يَهْتَدِي بِهِ كالسراج يستضاء بِهِ، قَالَ الشَّاعِر: (إِن الرَّسُول لنُور يستضاء بِهِ ... مهند من سيوف الله مسلول)

стр. 5127

وَقَوله: ﴿وَبشر الْمُؤمنِينَ بِأَن لَهُم من الله فضلا كَبِيرا﴾ روى أَن الله تَعَالَى لما أنزل قَوْله: ﴿إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر﴾ قَالَت الصَّحَابَة: يَا رَسُول الله، هَذَا لَك فَمَا لنا؟ فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَبشر الْمُؤمنِينَ بِأَن لَهُم من الله فضلا كَبِيرا﴾ .

стр. 5128

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُطِع الْكَافرين وَالْمُنَافِقِينَ﴾ الْكَافرين: أَبُو سُفْيَان، وَعِكْرِمَة بن أبي جهل وَقد أَسْلمُوا من بعد وَأَبُو الْأَعْوَر السّلمِيّ، وَالْمُنَافِقِينَ: عبد الله بن أبي، وطعمة بن أُبَيْرِق، وَابْن (سفنة) ، وأشباههم. وَقَوله: ﴿ودع أذاهم﴾ قَالَ مُجَاهِد: اصبر على أذاهم، وَيُقَال: إِن هَذِه الْآيَة نسختها آيَة السَّيْف. وَقَوله: ﴿وتوكل على الله﴾ أَي: ثق بِاللَّه. وَقَوله: ﴿وفكى بِاللَّه وَكيلا﴾ أَي: حَافِظًا.

стр. 5129

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا نكحتم الْمُؤْمِنَات ثمَّ طلقتموهن﴾ فِي الْآيَة دَلِيل على أَن الطَّلَاق لَا يجوز قبل النِّكَاح؛ لِأَنَّهُ رتب الطَّلَاق على النِّكَاح فَدلَّ [على] أَنه لَا يتقدمه، وَقد حكى هَذَا الْمَعْنى عَن ابْن عَبَّاس.

стр. 5130

﴿قبل أَن تمَسُّوهُنَّ فَمَا لكم عَلَيْهِنَّ من عدَّة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا (٤٩) يَا أَيهَا النَّبِي إِنَّا أَحللنَا لَك أَزوَاجك اللَّاتِي آتيت أُجُورهنَّ وَمَا ملكت يَمِينك مِمَّا﴾ وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " لَا طَلَاق قبل النِّكَاح " وَهَذَا يُقَوي مَا ذَكرْنَاهُ من الِاسْتِدْلَال بِالْآيَةِ. وَقَوله: ﴿من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ فَمَا لكم عَلَيْهِنَّ من عدَّة تعتدونها﴾ فِي الْآيَة دَلِيل على أَنه لَو طلق قبل الدُّخُول لَا تجب الْعدة، وَأما إِذا خلا بِالْمَرْأَةِ ثمَّ طَلقهَا هَل تجب الْعدة؟ فِي الْمَسْأَلَة خلاف مَعْرُوف على مَا عرف. وَقَوله: ﴿تعتدونها﴾ أَي: تستوفون عدتهَا. وَقَوله: ﴿فمتعوهن﴾ قد بَينا الْمُتْعَة فِي سُورَة الْبَقَرَة. وَعَن بَعضهم: أَن هَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة بقوله تَعَالَى: ﴿وَإِن طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ وَقد فرضتم لَهُنَّ فَرِيضَة فَنصف مَا فرضتم﴾ وَلِهَذَا وَجب نصف الْمَفْرُوض قبل الدُّخُول وَلم تجب الْمُتْعَة، وَإِنَّمَا تجب الْمُتْعَة للمطلقة الَّتِي لَا تجب لَهَا نصف الْمَفْرُوض. وَقَوله: ﴿وسرحوهن سراحا جميلا﴾ والتسريح الْجَمِيل هُوَ الطَّلَاق مَعَ قَضَاء الْحُقُوق.

стр. 5131

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِنَّا أَحللنَا لَك أَزوَاجك اللَّاتِي آتيت أُجُورهنَّ﴾ أَي: مهورهن. قَوْله: ﴿وَمَا ملكت يَمِينك مِمَّا أَفَاء الله عَلَيْك﴾ أَي: أغنمك الله. وَيُقَال: رد الله عَلَيْك من الْكفَّار، وَمِمَّا أَفَاء الله عَلَيْهِ صَفِيَّة بنت حييّ بن أَخطب وَجُوَيْرِية بنت أبي ضرار الْمُصْطَلِقِيَّة، وَقد كَانَت مَارِيَة مِمَّا ملكت يَمِينه، وَولد لَهُ مِنْهَا إِبْرَاهِيم ابْنه. وَقَوله: ﴿وَبَنَات عمك﴾ أَي: أَوْلَاد عبد الْمطلب.

стр. 5132

﴿أَفَاء الله عَلَيْك وَبَنَات عمك وَبَنَات عَمَّاتك وَبَنَات خَالك وَبَنَات خَالَاتك اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَك وَامْرَأَة مُؤمنَة إِن وهبت نَفسهَا للنَّبِي إِن أَرَادَ النَّبِي أَن يستنكحها خَالِصَة لَك من﴾ وَقَوله: ﴿وَبَنَات عَمَّاتك﴾ أَي: من أَوْلَاد بَنَات عبد الْمطلب. وَقَوله: ﴿وَبَنَات خَالك وَبَنَات خَالَاتك﴾ أَي: من أَوْلَاد عبد منَاف بن زهرَة بن كلاب. وَقَوله: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَك﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أسلمت مَعَك، فيقتضى أَن غير الْمسلمَة لَا تحل لَهُ وَإِن كَانَت يَهُودِيَّة أَو نَصْرَانِيَّة، وَهِي حَلَال لأمته. وَالْقَوْل الثَّانِي: هَاجَرْنَ مَعَك إِلَى الْمَدِينَة، فاقتضت الْآيَة أَن غير المهاجرة لَا تحل لَهُ؛ وَفِي مَعْنَاهُ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن غير المهاجرة لَا تحل لَهُ من الأجنبيات والقرابات. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن غير المهاجرة لَا تحل من الْقرَابَات واللاتي ذكرهن، فَأَما من الأجنبيات فحلال. وروى أَبُو صَالح عَن أم هَانِئ أَن رَسُول الله لما فتح مَكَّة خطبني، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، فَلم أحل لَهُ لِأَنِّي لم أكن من الْمُهَاجِرَات، وَكنت من الطُّلَقَاء. وَأم هَانِئ أُخْت عَليّ بن أبي طَالب ﵁. وَقَوله: ﴿وَامْرَأَة مُؤمنَة إِن وهبت نَفسهَا للنَّبِي﴾ وَقُرِئَ: " إِن وهبت " بِالْفَتْح إِذْ بِالْكَسْرِ على الْعُمُوم، وبالفتح على امْرَأَة بِعَينهَا. وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: لم يكن مِمَّن أمْسكهَا النَّبِي من النِّسَاء أحد وهبت نَفسهَا. وَعَن غَيره أَن مَيْمُونَة بنت الْحَارِث كَانَت مِمَّن وهبت، وَمِمَّنْ وهبت نَفسهَا أم شريك، وَكَانَت امْرَأَة صَالِحَة. وروى أَنَّهَا عطشت فِي سفر، فَأنْزل الله تَعَالَى عَلَيْهَا دلوا من السَّمَاء، وعلقت عكة فارغة فَأصَاب فِيهَا سمنا، فَيُقَال: من آيَات الله عكة أم

стр. 5133

﴿دون الْمُؤمنِينَ قد علمنَا مَا فَرضنَا عَلَيْهِم فِي أَزوَاجهم وَمَا ملكت أَيْمَانهم لكيلا يكون﴾ شريك، " وَقد كَانَ رَسُول الله عهدها جميلَة، فَسَأَلَ عَنْهَا يَوْم فتح مَكَّة فبلغها ذَلِك، فَجَاءَت ووهبت نَفسهَا للنَّبِي، فَلم يرهَا كَمَا عهدها فَتَركهَا ". وَعَن عَائِشَة ﵂ أَن خَوْلَة بنت حَكِيم مِمَّن وهبت نَفسهَا للنَّبِي. وَعَن الشّعبِيّ: أَن الَّتِي وهبت نَفسهَا للنَّبِي زَيْنَب بنت خُزَيْمَة الْأَنْصَارِيَّة أم الْمَسَاكِين. وَقَوله: ﴿إِن أَرَادَ النَّبِي أَن يستنكحها﴾ أَي: يطْلب نِكَاحهَا. وَقَوله: ﴿خَالِصَة لَك من دون الْمُؤمنِينَ﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن معني خَالِصَة: أَنَّهَا حَلَال لَك بِغَيْر صدَاق، وَلَا تحل لغيرك بِغَيْر صدَاق، وَهَذَا قَول عِكْرِمَة وَجَمَاعَة. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن معنى قَوْله: ﴿خَالِصَة لَك﴾ يَعْنِي: أَن جَوَاز النِّكَاح بِلَفْظ الْهِبَة [خَالص] لَك، نسب هَذَا إِلَى الشَّافِعِي ﵀. وَقَوله: ﴿قد علمنَا مَا فَرضنَا عَلَيْهِم فِي أَزوَاجهم﴾ أَي: أَوجَبْنَا عَلَيْهِم فِي أَزوَاجهم من الْأَحْكَام؛ وَالْأَحْكَام أَن النِّكَاح لَا يجوز إِلَّا بِشُهُود وَولي وصداق وفراغ عَن الْعدة وَأَشْبَاه ذَلِك. وَقَوله: ﴿وَمَا ملكت أَيْمَانهم﴾ أَي: وَمَا أَوجَبْنَا من الْأَحْكَام فِيمَا ملكت أَيْمَانهم. وَقَوله: ( ﴿عَلَيْهِم و﴾ أَيْمَانهم) ينْصَرف إِلَى الْمُؤمنِينَ. وَقَوله: ﴿لكيلا يكون عَلَيْك حرج﴾ أَي: ضيق. مَعْنَاهُ: وسعنا عَلَيْك الْأَمر لكَي لَا يكون عَلَيْك حرج.

стр. 5134

﴿عَلَيْك حرج وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما (٥٠) ترجي من تشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْك من تشَاء وَمن ابْتَغَيْت مِمَّن عزلت فَلَا جنَاح عَلَيْك ذَلِك أدنى أَن تقر أعينهن وَلَا يحزن ويرضين﴾ وَقَوله: ﴿وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما﴾ قد بَينا.

стр. 5135

قَوْله تَعَالَى: ﴿ترجى من تشَاء مِنْهُنَّ﴾ فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: تطلق من تشَاء مِنْهُنَّ، وَتُؤْوِي إِلَيْك من تشَاء أَي: تمسك من تشَاء مِنْهُنَّ، حُكيَ هَذَا عَن ابْن عَبَّاس. وَالْقَوْل الثَّانِي: ترجى من تشَاء مِنْهُنَّ: لَا تتزوجهن. وَقَوله: ﴿وتؤوى إِلَيْك من تشَاء﴾ أى: من تشَاء نِكَاحهنَّ. وَالْقَوْل الثَّالِث: ترجى من تشَاء مِنْهُنَّ أَي: تؤخرهن فيخرجن من الْقسم. وَقَوله: ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْك من تشَاء﴾ أَي: تدخلهن فِي الْقسم، وَهَذَا أشهر الْأَقَاوِيل، فَكَأَن الله تَعَالَى جوز أَن يقسم لمن شَاءَ، وَيتْرك من شَاءَ مِنْهُنَّ. ثمَّ اخْتلف القَوْل فِي أَنه هَل أخرج احدا مِنْهُنَّ عَن الْقسم؟ فأحد الْقَوْلَيْنِ: أَنه لم يخرج أحدا مِنْهُنَّ عَن الْقسم. وَالْقَوْل الثَّانِي: حَكَاهُ أَبُو رزين أَنه أخرج خَمْسَة وَقسم لأربعة، فالخمسة الَّتِي أخرجهن: سَوْدَة، وَأم حَبِيبَة، وَصفِيَّة، وَجُوَيْرِية، ومَيْمُونَة، وَأما اللَّاتِي قسم لَهُنَّ: فعائشة، وَحَفْصَة، وَأم سَلمَة، وَزَيْنَب، وَالْأَظْهَر هُوَ القَوْل الأول. وَقد روى " أَنه كَانَ فِي مرض مَوته يَدُور على نِسَائِهِ حَتَّى رضين بِأَن يمرض فِي بَيت عَائِشَة ". وَقَوله: ﴿وَمن ابْتَغَيْت مِمَّن عزلت﴾ أَي: مِمَّن رَأَيْت مِنْهُنَّ وَقد أخرتها ﴿فَلَا جنَاح عَلَيْك﴾ أَي: لَا إِثْم عَلَيْك. وَقَوله: ﴿ذَلِك أدنى أَن تقر أعينهن وَلَا يحزن ويرضين بِمَا آتيتهن كُلهنَّ﴾ مَعْنَاهُ: أَنَّهُنَّ إِذا علِمْنَ أَن هَذَا مِمَّا أنزل الله تَعَالَى كَانَ أطيب لأنفسهن، وَأَقل لحزنهن، وَأقرب إِلَى رضاهن. وَيُقَال: إِذا علِمْنَ أَن لَك أَن تؤوي من شِئْت، فَمن عزلت كَانَ أقرب إِلَى

стр. 5136

﴿بِمَا آتيتهن كُلهنَّ وَالله يعلم مَا فِي قُلُوبكُمْ وَكَانَ الله عليما حَلِيمًا (٥١) لَا يحل لَك النِّسَاء من بعد وَلَا من أَن تبدل بِهن من أَزوَاج وَلَو أعْجبك حسنهنَّ إِلَّا مَا ملكت يَمِينك﴾ مَا ذكرنَا. وَفِي بعض التفاسير: " أَن النَّبِي أَرَادَ أَن يُطلق جمَاعَة من نِسَائِهِ، فَقُلْنَ لَهُ: اتركنا على حَالنَا، واقسم كَمَا شِئْت ". وَقَوله: ﴿وَالله يعلم مَا فِي قُلُوبكُمْ وَكَانَ الله عليما حَلِيمًا﴾ أَي: عليما بِأَمْر خلقه، حَلِيمًا عَن فعل خلقه.

стр. 5137

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يحل لَك النِّسَاء من بعد﴾ قد بَينا أَن الله تَعَالَى لما أَمر رَسُوله أَن يُخَيّر أَزوَاجه فاخترن الله وَرَسُوله وَالدَّار الْآخِرَة؛ شكر لَهُنَّ اختيارهن وَحرم عَلَيْهِ مَا سواهن من النِّسَاء، وَنَهَاهُ عَن الِاسْتِبْدَال بِهن، ثمَّ اخْتلف القَوْل أَنه هَل أحل لَهُ النِّسَاء من بعد أَولا؟ فَعَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت: " مَا توفّي رَسُول الله حَتَّى أحل لَهُ النِّسَاء ". وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الْحُرْمَة بقيت إِلَى أَن توفّي النَّبِي. وَقَوله: ﴿وَلَو أعْجبك حسنهنَّ﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وَفِي الْآيَة قَول آخر. وَهُوَ مَا رُوِيَ عَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: ﴿لَا يحل لَك النِّسَاء من بعد وَلَا أَن تبدل بِهن من أَزوَاج﴾ أَي: لَيْسَ لَك أَن تخْتَار غير المسلمات على المسلمات، وَمَعْنَاهُ: أَنه لَا يجوز لَهُ أَن يتَزَوَّج يَهُودِيَّة وَلَا نَصْرَانِيَّة. وَفِي بعض التفاسير: أَن الَّتِي أَعْجَبته هِيَ أَسمَاء بنت عُمَيْس الخثعمية، وَكَانَت عِنْد جَعْفَر بن أبي طَالب، فَلَمَّا اسْتشْهد عَنْهَا أَرَادَ النَّبِي أَن يخطبها، فَنهى عَن ذَلِك. وَقَوله: ﴿إِلَّا مَا ملكت يَمِينك﴾ يَعْنِي: سوى مَا ملكت يَمِينك، وَقَوله ﴿وَكَانَ الله على كل شَيْء وقيبا﴾ أَي: حفيظا.

стр. 5138

﴿وَكَانَ الله على كل شَيْء رقيبا (٥٢) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تدْخلُوا بيُوت النَّبِي إِلَّا أَن يُؤذن لكم إِلَى طَعَام غير ناظرين إناه وَلَكِن إِذا دعيتم فادخلوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشرُوا وَلَا﴾

стр. 5139

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تدْخلُوا بيُوت النَّبِي﴾ سَبَب نزُول الْآيَة: مَا روى أَن الصَّحَابَة كَانُوا يدْخلُونَ بيُوت النَّبِي بِغَيْر إِذن، وينتظرون إِدْرَاك الطَّعَام، فَإِذا فرغوا من الطَّعَام جَلَسُوا يتحدثون وأطالوا الْجُلُوس، وَكَانَ النَّبِي يتَأَذَّى بهم ويستحي مِنْهُم؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، وعلمهم هَذَا الْأَدَب بَينهم وَبَين النَّبِي. وَقد ثَبت بِرِوَايَة أنس " أَن النَّبِي أَو لم على زَيْنَب بنت جحش ودعا أَصْحَابه، فَلَمَّا فرغوا وَخَرجُوا، جلس رجلَانِ يتحدثان، وَأحب النَّبِي أَن يخرجَا فيخلوا بأَهْله فَلم يخرجَا ". وَفِي رِوَايَة: أَنه خرج مَرَّات ليتبعاه فَلم يخرجَا أَيْضا، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة. وَمن الْمَعْرُوف أَيْضا أَن نسَاء النَّبِي لم يكن يحتجبن عَن الرِّجَال على عَادَة الْعَرَب، وَكَانَ عمر يَقُول: يَا رَسُول الله، احجب نِسَاءَك؛ فَإِنَّهُ يدْخل عَلَيْك الْبر والفاجر؛ وَكَانَ النِّسَاء يتزرن بِاللَّيْلِ، ويخرجن إِلَى المناصع لحاجتهن، فَخرجت سَوْدَة لَيْلَة وَكَانَت امْرَأَة طَوِيلَة، فَقَالَ عمر: قد عرفناك يَا سَوْدَة، وَرفع صَوته حرصا على أَن ينزل الْحجاب، فَأنْزل الله تَعَالَى آيَة الْحجاب ". وَمن الْمَعْرُوف أَيْضا " أَن النَّبِي كَانَ يَأْكُل مَعَ عَائِشَة حَيْسًا، فَمر عمر فَدَعَاهُ فَجعل يَأْكُل مَعَهُمَا، فَوَقع أُصْبُعه على أصْبع عَائِشَة، فَقَالَ عمر: حس لَو أطَاع فيكُن [مَا رَأَتْكُنَّ] عين، فأنزلت آيَة الْحجاب ".

стр. 5140

﴿مستئنسين لحَدِيث إِن ذَلِكُم كَانَ يُؤْذِي النَّبِي فيستحي مِنْكُم وَالله لَا يستحي من الْحق وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعا فَاسْأَلُوهُنَّ من وَرَاء حجاب ذَلِكُم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وَمَا كَانَ﴾ وَقَوله: ﴿غير ناظرين إناه﴾ أَي: إِدْرَاكه ونضجه، قَالَ الشَّاعِر: (تمخضت الْمنون لَهُ بِيَوْم ... أَنى وَلكُل حاملة تَمام) وَقَوله: ﴿وَلَكِن إِذا دعيتم فادخلوا﴾ وَقَوله: ﴿فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشرُوا﴾ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَغَيره: نزلت الْآيَة فِي الثُّقَلَاء. وَعَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: من عرف أَنه ثقيل فَلَيْسَ بثقيل. وَقَوله: ﴿وَلَا مستأنسين لحَدِيث﴾ أَي: لَا يقعدوا فِي بَيت النَّبِي بعد الْفَرَاغ من الطَّعَام يتحدثون مستأنسين بِالْحَدِيثِ. وَقَوله: ﴿إِن ذَلِكُم كَانَ يُؤْذِي النَّبِي فيستحي مِنْكُم﴾ أَي: يستحي من إخراجكم. وَقَوله: ﴿وَالله لَا يستحي من الْحق﴾ أَي: لَا يتْرك بَيَان الْحق [وَذكره] حَيَاء. وَقَوله: ﴿وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعا﴾ أَي: حَاجَة. وَقَوله: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ من وَرَاء حجاب﴾ أَي: من وَرَاء ستر. وَفِي التَّفْسِير: أَنه لم يكن يحل بعد آيَة الْحجاب لأحد أَن ينظر إِلَى امْرَأَة من نسَاء النَّبِي، منتقبة كَانَت أَو غير منتقبة؛ لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿من وَرَاء حجاب﴾ وروى أَن عَائِشَة كَانَت إِذا طافت ستروا وَرَاءَهَا. وَقَوله: ﴿ذَلِكُم أطهر لقلوبكم وقلوبهن﴾ أَي: أطهر من الريب. وَقَوله: ﴿وَمَا كَانَ لكم أَن تُؤْذُوا رَسُول الله﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: لما نزلت آيَة الْحجاب وَمنع الرِّجَال من الدُّخُول فِي بيُوت النَّبِي، قَالَ رجل من الصَّحَابَة: مَا بالنا نمْنَع من الدُّخُول على بَنَات أعمامنا، وَالله لَئِن حدث أَمر لأَتَزَوَّجَن عَائِشَة، وَالْأَكْثَرُونَ على أَن الْقَائِل لهَذَا طَلْحَة بن عبيد الله، وَكَانَ من رَهْط أبي بكر الصّديق.

стр. 5141

﴿لكم أَن تُؤْذُوا رَسُول الله وَلَا أَن تنْكِحُوا أَزوَاجه من بعده أبدا أَن ذَلِكُم كَانَ عِنْد الله عَظِيما (٥٣) إِن تبدوا شَيْئا أَو تُخْفُوهُ فَإِن الله كَانَ بِكُل شَيْء عليما (٥٤) لَا جنَاح﴾ وَكَانَ ذَلِك القَوْل زلَّة مِنْهُ؛ فَأنْزل الله تَعَالَى [قَوْله هَذَا] : ﴿وَمَا كَانَ لكم أَن تُؤْذُوا رَسُول الله﴾ . وَقَوله: ﴿وَلَا أَن تنْكِحُوا أَزوَاجه من بعده أبدا إِن ذَلِكُم كَانَ عِنْد الله عَظِيما﴾ أَي: ذَنبا عَظِيما.

стр. 5142

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن تبدوا شَيْئا أَو تُخْفُوهُ﴾ وَالَّذِي أبدى وأظهرهو قَول ذَلِك الْقَائِل: مَا بالنا نمْنَع من الدُّخُول على بَنَات أعمامنا. وَقَوله: ﴿أَو تُخْفُوهُ﴾ وَالَّذِي أُخْفِي هُوَ إضماره نِكَاح عَائِشَة بعد النَّبِي، وروى أَنه لم يقل هَذَا، وَلكنه أضمر. وَقَوله: ﴿فَإِن الله كَانَ بِكُل شَيْء عليما﴾ أَي: عَالما. فِي تَفْسِير النقاش: أَن النَّبِي خطب بعد نزُول هَذِه الْآيَة، وَقَالَ: " أَيهَا النَّاس، إِن الله فضلني على سَائِر الرِّجَال، وَفضل نسَائِي على سَائِر النِّسَاء، وَإِن الله حرمهن عَلَيْكُم وجعلهن كأمهاتكم، فَلَا تَعْتَدوا حُدُوده فسيحتكم بِعَذَاب أَلِيم، أَلا وَإِن صفوتي من نسَائِي عَائِشَة بنت أبي بكر إِلَّا مَا كَانَ من خَدِيجَة بنت خويلد، وَإِن فَاطِمَة سيدة نسَاء الْعَالمين إِلَّا مَا كَانَ من مَرْيَم بنت عمرَان، وَالْحسن وَالْحُسَيْن ﵄ سيدا شباب أهل الْجنَّة، وَإِن أَبَا بكر وَعمر سيدا كهول أهل الْجنَّة مَا خلا النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ ".

стр. 5143

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا جنَاح عَلَيْهِنَّ فِي آبائهن﴾ الْآيَة. روى أَن الْآيَة الأولى لما نزلت قَامَ الْآبَاء وَالْأَبْنَاء، فَقَالُوا: مَا حَالنَا يَا رَسُول الله أندخل عَلَيْهِنَّ أم لَا؟ فَأنْزل الله تَعَالَى قَوْله: ﴿لَا جنَاح عَلَيْهِنَّ﴾ أَي: لَا إِثْم عَلَيْهِنَّ ﴿فِي آبائهن وَلَا أبنائهن، وَلَا إخوانهن وَلَا أَبنَاء إخوانهن وَلَا أَبنَاء أخواتهن﴾ فَإِن قيل: لم يذكر الْأَعْمَام، وبالإجماع يجوز للأعمام أَن يدخلُوا عَلَيْهِنَّ، إِنَّه قد قَالَ: ﴿فِي آبائهن﴾ وَقد دخل الْأَعْمَام فِي جملَة

стр. 5144

﴿عَلَيْهِنَّ فِي آبائهن وَلَا أبنائهن وَلَا إخوانهن وَلَا أَبنَاء إخوانهن وَلَا أَبنَاء أخواتهن وَلَا نسائهن وَلَا مَا ملكت أيمانهن واتقين الله إِن الله كَانَ على كل شَيْء شَهِيدا (٥٥) إِن﴾ الْآبَاء وَقد سمى الله تَعَالَى الْعم أَبَا فِي الْقُرْآن، قَالَ الله تَعَالَى حاكيا عَن الأسباط أَنهم قَالُوا ليعقوب: ﴿نعْبد إلهك وإله آبَائِك إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق﴾ وَقد كَانَ إِسْمَاعِيل عَم يَعْقُوب. وَقَوله: ﴿وَلَا نسائهن﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن المُرَاد من نسائهن المسلمات، فعلى هَذَا القَوْل لم يكن يجوز لليهوديات والنصرانيات الدُّخُول عَلَيْهِنَّ. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن قَوْله: ﴿وَلَا نسائهن﴾ عَام فِي المسلمات وَغير المسلمات، فعلى هَذَا القَوْل إِنَّمَا قَالَ: ﴿وَلَا نسائهن﴾ لِأَنَّهُنَّ من أجناسهن، وعَلى القَوْل الأول قَالَ: ﴿وَلَا نساءهن﴾ لِأَن نسائهن المسلمات دون غير المسلمات. وَقَوله: ﴿وَلَا مَا ملكت أيمانهن﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن مَا ملكت أيمانهن هن الْإِمَاء، قَالَ سعيد بن الْمسيب: لَا يَغُرنكُمْ قَوْله: ﴿وَلَا مَا ملكت أيمانهن﴾ فَإِنَّمَا المُرَاد مِنْهُ الْإِمَاء دون العبيد. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن المُرَاد مِنْهُ العبيد وَالْإِمَاء. وَاخْتلف القَوْل أَن العبيد إِلَى مَاذَا يحل لَهُم النّظر على هَذَا القَوْل؟ فأحد الْقَوْلَيْنِ: أَنه يحل لَهُم النّظر إِلَى مَا يحل للمحارم. وَالْقَوْل الآخر: أَنه يحل [النّظر] إِلَى مَا يَبْدُو فِي الْعَادة من الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ والقدمين، وَلَا يحل النّظر إِلَى مَا سوى ذَلِك، هَذَا هُوَ الْأَحْوَط. وَقَوله: ﴿واتقين الله﴾ هَذَا خطاب لِأَزْوَاج النَّبِي حَتَّى لَا يبرزن وَلَا يكشفن السّتْر عَن أَنْفسهنَّ. وَقَوله: ﴿إِن الله كَانَ على كل شَيْء شَهِيدا﴾ أَي: شَاهدا.

стр. 5145

﴿الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وسلموا تَسْلِيمًا (٥٦) إِن﴾

стр. 5146

وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي﴾ الصَّلَاة من الله بِمَعْنى الرَّحْمَة وَالْمَغْفِرَة، وَالْمَلَائِكَة وَالْمُؤمنِينَ بِمَعْنى الدُّعَاء. قَالَ ثَعْلَب: قَول الْقَائِل: اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد أى: زده بركَة وَرَحْمَة، وأصل الصَّلَاة فِي اللُّغَة الدُّعَاء، وَقد بَينا من قبل. وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: ((صلى على مرّة صلى الله عَلَيْهِ عشرا)) . وَفِي بعض الْأَخْبَار: ((أَن جِبْرِيل ﵇ لما نزل بِهَذَا سجد الرَّسُول الله شكرا)) . وَقد ثَبت بِرِوَايَة كَعْب بن عجْرَة أَنه قَالَ: يارسول الله، قد عرفنَا السَّلَام عَلَيْك، فَكيف نصلي عَلَيْك؟ فَقَالَ: ((قُولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا صليت على إِبْرَاهِيم وعَلى آل إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد)) . وَعَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ أَنه قَالَ: إِذا صليتم على رَسُول الله فَأحْسنُوا الصَّلَاة عَلَيْهِ؛ فلعلها تعرض عَلَيْهِ؛ قَالُوا لَهُ: فَعلمنَا. قَالَ: قُولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد عَبدك وَنَبِيك، سيد الْمُرْسلين، وَإِمَام الْمُتَّقِينَ، وَخَاتم النَّبِيين، إِمَام الْخَيْر، وقائد الْخَيْر، وَرَسُول الرَّحْمَة، اللَّهُمَّ ابعثه الْمقَام الْمَحْمُود الَّذِي يغبطه بِهِ الْأَولونَ ﴿الَّذين يُؤْذونَ الله وَرَسُوله لعنهم الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأعد لَهُم عذَابا مهينا﴾ وَالْآخرُونَ. وروى الْأَصْمَعِي قَالَ: سَمِعت الْمهْدي وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن جَعْفَر المنصوري على مِنْبَر الْبَصْرَة يَقُول: إِن الله تَعَالَى أَمركُم بِأَمْر بَدَأَ فِيهِ بِنَفسِهِ، وثنى بملائكته، فَقَالَ: ﴿إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وسلموا تَسْلِيمًا﴾ . وَأما السَّلَام على الرَّسُول فَهُوَ أَن تَقول: السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، هَذَا فِي حق أَصْحَاب رَسُول الله، وَكَانَت السّنة لَهُم أَن يواجهوا الرَّسُول على هَذَا الْوَجْه، فَأَما فِي حق سَائِر الْمُؤمنِينَ فَفِي التَّشَهُّد يَقُول على مَا هُوَ الْمَعْرُوف. وَقد ذكر بعض الْعلمَاء أَنه يَقُول فِي التَّشَهُّد: السَّلَام على النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. وَلَا يَقُول: عَلَيْك. وَالصَّحِيح مَا بَينا، وَإِنَّمَا خَارج الْمصلى، فَإِنَّهُ يَقُول: السَّلَام على النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. ويستدل بِهَذِهِ الْآيَة فِي وجوب الصَّلَاة على النَّبِي إِذا صلى، على مَا هُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي ﵀ وَوجه الِاسْتِدْلَال: أَن الله تَعَالَى أمرنَا بِالصَّلَاةِ على النَّبِي، وَأولى مَوضِع بِوُجُوب الصَّلَاة فِيهِ هُوَ الصَّلَاة. فَوَجَبَ فِي الصَّلَاة، أَن يُصَلِّي على رَسُول الله.

стр. 5147

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يُؤْذونَ الله وَرَسُوله﴾ قد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " يَقُول الله تَعَالَى: يَشْتمنِي عَبدِي، وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يَشْتمنِي، ويكذبني عَبدِي، وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يكذبنِي. أما شَتمه إيَّايَ هُوَ أَن يزْعم أَنِّي اتَّخذت ولدا. وَأما تَكْذِيبه إيَّايَ هُوَ أَنه يزْعم أَنِّي لن أُعِيد خلقي، وَأَنا المبدئ المعيد ".

стр. 5148

﴿وَالَّذين يُؤْذونَ الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات بِغَيْر مَا اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مُبينًا (٥٨) يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك وبناتك وَنسَاء الْمُؤمنِينَ يدنين عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن﴾ وَقَالَ بَعضهم: ﴿إِن الَّذين يُؤْذونَ الله وَرَسُوله﴾ أَي: أَوْلِيَاء الله. وَأَصَح الْقَوْلَيْنِ أَن قَوْله: ﴿يُؤْذونَ الله﴾ على طَرِيق الْمجَاز، وَأما على الْحَقِيقَة فَلَا يلْحقهُ أَذَى من قبل أحد. وَقَوله: ﴿لعنهم الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ أَي: طردهم وأبعدهم من رَحمته. وَقَوله: ﴿وَأعد لَهُم عذَابا مهينا﴾ أَي: يهينهم ويخزيهم.

стр. 5149

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يُؤْذونَ الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات بِغَيْر مَا اكتسبوا﴾ أَي: يقعون فيهم، ويعيبونهم بِغَيْر جرم وجد من قبلهم. وَذكر [هُنَا] مقَاتل أَن الْآيَة نزلت فِي قوم كَانُوا يُؤْذونَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَذكر الْكَلْبِيّ أَن الْآيَة نزلت فِي قوم من الْمُنَافِقين كَانُوا يَمْشُونَ فِي الطَّرِيق ويغمزون النِّسَاء. وَقَوله: ﴿فقد احتملوا بهتانا وإثما مُبينًا﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 5150

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك وبناتك وَنسَاء الْمُؤمنِينَ يدنين عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن﴾ ذكر الْمُفَسِّرُونَ أَن الْمَدِينَة كَانَت ضيقَة الْمنَازل، وَكَانَ النِّسَاء يخْرجن إِلَى الْبَوَار بالليالي لقَضَاء الْحَاجَات، وَكَانَ قوم من الْمُنَافِقين والفاسقين يرصدونهن ويتعرضون لَهُنَّ، فَمن كَانَت عفيفة مِنْهُنَّ صاحت وتركوها، وَمن كَانَت غير عفيفة أعطوها شَيْئا وواقعوها. وَفِي رِوَايَة: أَنهم كَانُوا يتعرضون للإماء، وَلَا يتعرضون للحرائر، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة. وَقَوله تَعَالَى: ﴿يدنين عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن﴾ أَي: يشتملن بالجلابيب، والجلباب
следующие страницы →