← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي﴾ الصَّلَاة من الله بِمَعْنى الرَّحْمَة وَالْمَغْفِرَة، وَالْمَلَائِكَة وَالْمُؤمنِينَ بِمَعْنى الدُّعَاء. قَالَ ثَعْلَب: قَول الْقَائِل: اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد أى: زده بركَة وَرَحْمَة، وأصل الصَّلَاة فِي اللُّغَة الدُّعَاء، وَقد بَينا من قبل. وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: ((صلى على مرّة صلى الله عَلَيْهِ عشرا)) . وَفِي بعض الْأَخْبَار: ((أَن جِبْرِيل ﵇ لما نزل بِهَذَا سجد الرَّسُول الله شكرا)) . وَقد ثَبت بِرِوَايَة كَعْب بن عجْرَة أَنه قَالَ: يارسول الله، قد عرفنَا السَّلَام عَلَيْك، فَكيف نصلي عَلَيْك؟ فَقَالَ: ((قُولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا صليت على إِبْرَاهِيم وعَلى آل إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد)) . وَعَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ أَنه قَالَ: إِذا صليتم على رَسُول الله فَأحْسنُوا الصَّلَاة عَلَيْهِ؛ فلعلها تعرض عَلَيْهِ؛ قَالُوا لَهُ: فَعلمنَا. قَالَ: قُولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد عَبدك وَنَبِيك، سيد الْمُرْسلين، وَإِمَام الْمُتَّقِينَ، وَخَاتم النَّبِيين، إِمَام الْخَيْر، وقائد الْخَيْر، وَرَسُول الرَّحْمَة، اللَّهُمَّ ابعثه الْمقَام الْمَحْمُود الَّذِي يغبطه بِهِ الْأَولونَ ﴿الَّذين يُؤْذونَ الله وَرَسُوله لعنهم الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأعد لَهُم عذَابا مهينا﴾ وَالْآخرُونَ. وروى الْأَصْمَعِي قَالَ: سَمِعت الْمهْدي وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن جَعْفَر المنصوري على مِنْبَر الْبَصْرَة يَقُول: إِن الله تَعَالَى أَمركُم بِأَمْر بَدَأَ فِيهِ بِنَفسِهِ، وثنى بملائكته، فَقَالَ: ﴿إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وسلموا تَسْلِيمًا﴾ . وَأما السَّلَام على الرَّسُول فَهُوَ أَن تَقول: السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، هَذَا فِي حق أَصْحَاب رَسُول الله، وَكَانَت السّنة لَهُم أَن يواجهوا الرَّسُول على هَذَا الْوَجْه، فَأَما فِي حق سَائِر الْمُؤمنِينَ فَفِي التَّشَهُّد يَقُول على مَا هُوَ الْمَعْرُوف. وَقد ذكر بعض الْعلمَاء أَنه يَقُول فِي التَّشَهُّد: السَّلَام على النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. وَلَا يَقُول: عَلَيْك. وَالصَّحِيح مَا بَينا، وَإِنَّمَا خَارج الْمصلى، فَإِنَّهُ يَقُول: السَّلَام على النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. ويستدل بِهَذِهِ الْآيَة فِي وجوب الصَّلَاة على النَّبِي إِذا صلى، على مَا هُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي ﵀ وَوجه الِاسْتِدْلَال: أَن الله تَعَالَى أمرنَا بِالصَّلَاةِ على النَّبِي، وَأولى مَوضِع بِوُجُوب الصَّلَاة فِيهِ هُوَ الصَّلَاة. فَوَجَبَ فِي الصَّلَاة، أَن يُصَلِّي على رَسُول الله.

стр. 5147

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يُؤْذونَ الله وَرَسُوله﴾ قد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " يَقُول الله تَعَالَى: يَشْتمنِي عَبدِي، وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يَشْتمنِي، ويكذبني عَبدِي، وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يكذبنِي. أما شَتمه إيَّايَ هُوَ أَن يزْعم أَنِّي اتَّخذت ولدا. وَأما تَكْذِيبه إيَّايَ هُوَ أَنه يزْعم أَنِّي لن أُعِيد خلقي، وَأَنا المبدئ المعيد ".

стр. 5148

﴿وَالَّذين يُؤْذونَ الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات بِغَيْر مَا اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مُبينًا (٥٨) يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك وبناتك وَنسَاء الْمُؤمنِينَ يدنين عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن﴾ وَقَالَ بَعضهم: ﴿إِن الَّذين يُؤْذونَ الله وَرَسُوله﴾ أَي: أَوْلِيَاء الله. وَأَصَح الْقَوْلَيْنِ أَن قَوْله: ﴿يُؤْذونَ الله﴾ على طَرِيق الْمجَاز، وَأما على الْحَقِيقَة فَلَا يلْحقهُ أَذَى من قبل أحد. وَقَوله: ﴿لعنهم الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ أَي: طردهم وأبعدهم من رَحمته. وَقَوله: ﴿وَأعد لَهُم عذَابا مهينا﴾ أَي: يهينهم ويخزيهم.

стр. 5149

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يُؤْذونَ الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات بِغَيْر مَا اكتسبوا﴾ أَي: يقعون فيهم، ويعيبونهم بِغَيْر جرم وجد من قبلهم. وَذكر [هُنَا] مقَاتل أَن الْآيَة نزلت فِي قوم كَانُوا يُؤْذونَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَذكر الْكَلْبِيّ أَن الْآيَة نزلت فِي قوم من الْمُنَافِقين كَانُوا يَمْشُونَ فِي الطَّرِيق ويغمزون النِّسَاء. وَقَوله: ﴿فقد احتملوا بهتانا وإثما مُبينًا﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 5150

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك وبناتك وَنسَاء الْمُؤمنِينَ يدنين عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن﴾ ذكر الْمُفَسِّرُونَ أَن الْمَدِينَة كَانَت ضيقَة الْمنَازل، وَكَانَ النِّسَاء يخْرجن إِلَى الْبَوَار بالليالي لقَضَاء الْحَاجَات، وَكَانَ قوم من الْمُنَافِقين والفاسقين يرصدونهن ويتعرضون لَهُنَّ، فَمن كَانَت عفيفة مِنْهُنَّ صاحت وتركوها، وَمن كَانَت غير عفيفة أعطوها شَيْئا وواقعوها. وَفِي رِوَايَة: أَنهم كَانُوا يتعرضون للإماء، وَلَا يتعرضون للحرائر، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة. وَقَوله تَعَالَى: ﴿يدنين عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن﴾ أَي: يشتملن بالجلابيب، والجلباب

стр. 5151

﴿ذَلِك أدنى أَن يعرفن فَلَا يؤذين وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما (٥٩) لَئِن لم ينْتَه المُنَافِقُونَ وَالَّذين فِي قُلُوبهم مرض والمرجفون فِي الْمَدِينَة لنغرينك بهم ثمَّ لَا يجاورونك فِيهَا إِلَّا﴾ هُوَ الرِّدَاء، وَهُوَ الملاءة الَّتِي تشْتَمل بهَا الْمَرْأَة فَوق الدرْع والخمار. قَالَ عُبَيْدَة السَّلمَانِي: تتغطى الْمَرْأَة بجلبابها فتستر رَأسهَا ووجهها وَجَمِيع بدنهَا إِلَّا إِحْدَى عينيها. وروى أَن الله تَعَالَى لما أنزل هَذِه الْآيَة اتخذ نسَاء الْأَنْصَار أكيسة سَوْدَاء واشتملن بهَا فخرجن كَأَن رءوسهن الْغرْبَان. وَقَوله: ﴿ذَلِك أدنى أَن يعرفن فَلَا يؤذين﴾ أَي: يعرفن أَنَّهُنَّ حرائر ﴿فَلَا يؤذين﴾ أَي: لَا يتَعَرَّض لَهُنَّ. وَقَوله: ﴿وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما﴾ قد بَينا من قبل. وَكَانَ عمر ﵁ إِذا رأى أمة قد تقنعت وتجلببت علاها بِالدرةِ، وَيَقُول: أتتشبهين بالحرائر.

стр. 5152

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَئِن لم ينْتَه المُنَافِقُونَ وَالَّذين فِي قُلُوبهم مرض﴾ أَي: شَهْوَة الزِّنَا. وَقَوله: ﴿والمرجفون فِي الْمَدِينَة﴾ قد كَانَ قوم من الْمُنَافِقين يكثرون الأراجيف، وَكَانَ إِذا خرجت سَرِيَّة أَو غَازِيَة، قَالُوا: قد هزموا وَقتلُوا، ويوقعون بَين الْمُسلمين أَمْثَال هَذِه الْأَشْيَاء؛ لتضعف قُلُوبهم ويحزنوا. وَقَوله: ﴿لنغرينك بهم﴾ أَي: نسلطنك عَلَيْهِم، ونحملنك على قَتلهمْ. وَفِي بعض التفاسير: أَن قوما منن الْمُنَافِقين هموا بِإِظْهَار الْكفْر، فَأمر الله تَعَالَى رَسُوله أَن يقتلهُمْ إِذا أظهرُوا. وَقَالَ السّديّ: من تتبع امْرَأَة فِي طَرِيق وكابرها قتل مُحصنا كَانَ أَو غير مُحصن لهَذِهِ الْآيَة.

стр. 5153

(قَلِيلا (٦٠) ملعونين أَيْنَمَا ثقفوا أخذُوا وَقتلُوا تقتيلا (٦١) سنة الله فِي الَّذين خلوا من قبل وَلنْ تَجِد لسنة الله تبديلا (٦٢) يَسْأَلك النَّاس عَن السَّاعَة قل إِنَّمَا علمهَا عِنْد الله وَمَا يدْريك لَعَلَّ السَّاعَة تكون قَرِيبا (٦٣) إِن الله لعن الْكَافرين وَأعد لَهُم سعيرا) وَقَوله: ﴿ثمَّ لَا يجاورونك فِيهَا﴾ أَي: فِي الْمَدِينَة. وَقَوله: ﴿إِلَّا قَلِيلا﴾ أَي: إِلَّا وقتا قَلِيلا.

стр. 5154

قَوْله تَعَالَى: ﴿ملعونين﴾ وَهُوَ نصب على الْحَال. وَقَوله: ﴿أَيْنَمَا ثقففوا﴾ مَعْنَاهُ: أَيْنَمَا صدفوا ووجدوا. وَقَوله: ﴿أخذُوا وَقتلُوا تقتيلا﴾ فَقَوله: قتلوا تقتيلا، قَالَ السّديّ: (مَا قَالَ)

стр. 5155

قَوْله تَعَالَى: ﴿سنة الله فِي الَّذين خلوا من قبل﴾ وفعلوا مثل هَذَا الْفِعْل. وَقَوله: ﴿وَلنْ تَجِد لسنة الله تبديلا﴾ أَي: تغييرا.

стр. 5156

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلك النَّاس عَن السَّاعَة﴾ أَي: مَتى قِيَامهَا. وَقَوله: ﴿قل إِنَّمَا علمهَا عِنْد الله﴾ أَي: علم قِيَامهَا عِنْد الله. وَقَوله: ﴿وَمَا يدْريك﴾ أَي: وَمَا يعلمك؟ أَي: لَا تعلم وَقت قِيَامهَا. وَقَوله: ﴿لَعَلَّ السَّاعَة تكون قَرِيبا﴾ أَي: قريبَة.

стр. 5157

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله لعن الْكَافرين﴾ أَي: أبعدهم عَن الرَّحْمَة، وطردهم من الْخيرَات. وَقَوله: ﴿وَأعد لَهُم سعيرا﴾ أَي: نَارا مسعرة.

стр. 5158

وَقَوله: ﴿خَالِدين فِيهَا أبدا﴾ قد بَينا. قَوْله تَعَالَى: ﴿ [لَا يَجدونَ وليا وَلَا نَصِيرًا]

стр. 5159

يَوْم تقلب وُجُوههم فِي النَّار) أَي:

стр. 5160

( ﴿٦٤) خَالِدين فِيهَا أبدا لَا يَجدونَ وليا وَلَا نَصِيرًا (٦٥) يَوْم تقلب وُجُوههم فِي النَّار يَقُولُونَ يَا ليتنا أَطعْنَا الله وأطعنا الرسولا (٦٦) وَقَالُوا رَبنَا إِنَّا أَطعْنَا سادتنا وكبراءنا فأضلوا السبيلا (٦٧) رَبنَا آتهم ضعفين من الْعَذَاب والعنهم لعنا كَبِيرا (٦٨) يَا أَيهَا﴾ يسْحَبُونَ على وُجُوههم فِي النَّار. وَقَوله: ﴿يَقُولُونَ يَا ليتنا أَطعْنَا الله وأطعنا الرسولا﴾ أَي: الرَّسُول، وَذكر الرسولا على مُوَافقَة رُءُوس الْآي على مَا بَينا من قبل.

стр. 5161

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا رَبنَا إِنَّا أَطعْنَا سادتنا وكبراءنا﴾ وَقُرِئَ: " سَادَاتنَا "، وَقَوله: ﴿وكبراءنا﴾ هم الْأَشْرَاف ورءوس النَّاس. قَوْله: ﴿فأضلونا السبيلا﴾ أَي: السَّبِيل، وَمَعْنَاهُ: صدونا عَن طَرِيق الْحق.

стр. 5162

قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبنَا آتهم ضعفين من الْعَذَاب﴾ أَي: عذبهم ضعْفي عَذَاب غَيرهم. وَقيل: عذبهم عَذَاب الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَالْأول أولى. وَقَوله: ﴿والعنهم لعنا كَبِيرا﴾ أَي: مرّة بعد مرّة، وَقُرِئَ: " كثيرا " بالثاء، وَالْمعْنَى وَاحِد.

стр. 5163

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِين آذوا مُوسَى﴾ مَعْنَاهُ: لَا تُؤْذُوا مُحَمَّدًا فتكونوا كَالَّذِين آذوا مُوسَى، وَفِيمَا أوذي بِهِ الرَّسُول قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنهم آذوه فِي أَمر زيد بن حَارِثَة ونكاحه زَيْنَب. وَالثَّانِي: مَا روى أَنه قسم غنيمَة فَقَامَ رجل وَقَالَ: اعْدِلْ، فَإنَّك لم تعدل، فَقَالَ النَّبِي: " رحم الله مُوسَى؛ لقد أوذي بِأَكْثَرَ من هَذَا فَصَبر ". وَأما الَّذِي أوذي بِهِ مُوسَى فَفِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا وَعَلِيهِ أَكثر أهل التَّفْسِير مَا روى أَبُو هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي قَالَ: " كَانَ مُوسَى رجلا حييا، وَكَانَ لَا يغْتَسل إِلَّا وَحده، وَكَانَ بَنو إِسْرَائِيل يغتسلون عُرَاة ينظر بَعضهم إِلَى (عَورَة

стр. 5164

﴿الَّذين آمنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِين آذوا مُوسَى فبرأه الله مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْد الله وجيها (٦٩) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَقُولُوا قولا سديدا (٧٠) يصلح لكم أَعمالكُم﴾ الْبَعْض) ، فَقَالُوا: إِن مُوسَى لَا يغْتَسل إِلَّا وَحده؛ لِأَن بِهِ آفَة، وَقَالُوا: إِنَّه آدر، فاغتسل مُوسَى مرّة وَوضع ثَوْبه على حجر، فَعدا الْحجر بِثَوْبِهِ، فَأخذ مُوسَى الْعَصَا وَجعل يَقُول: ثوبي يَا حجر، ثوبي يَا حجر، حَتَّى مر على مَلأ من بني إِسْرَائِيل فنظروا إِلَيْهِ وَلم يرَوا بِهِ بَأْسا، وَقَامَ الْحجر فَطَفِقَ يضْربهُ بالعصا ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ رَسُول الله: " وَكَأَنِّي بِالْحجرِ ندبا من أثر ضربه أَرْبعا أَو خمْسا ". وَالْخَبَر فِي الصَّحِيحَيْنِ ". وَفِي الْخَبَر: " أَن الله تَعَالَى أنزل فِي هَذَا قَوْله [تَعَالَى] : ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِين آذوا مُوسَى﴾ الْآيَة. وَفِي بعض الرِّوَايَات: أَن الْحجر قَالَ لَهُ: يَا مُوسَى، لم تضربني، إِنَّمَا أَنا عبد مَأْمُور. وَالْقَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة: مَا روى عَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ: صعد هَارُون ومُوسَى الْجَبَل، فَمَاتَ هَارُون وَنزل مُوسَى وَحده، فَقَالَت لَهُ بَنو إِسْرَائِيل: أَنْت قتلت هَارُون، وَقد كَانَ أَلين جانبا مِنْك وَأحب إِلَيْنَا، فَبعث الله الْمَلَائِكَة حَتَّى حملُوا هَارُون مَيتا إِلَيْهِم، وَتَكَلَّمُوا بِمَوْتِهِ حَتَّى سمعُوا بني إِسْرَائِيل ذَلِك، ثمَّ إِن الْمَلَائِكَة حملُوا هَارُون ودفنوه فَلم يعرف أحد مَوضِع قَبره إِلَّا الرخم، فَجعله الله تَعَالَى أَصمّ أبكم. وَقَوله: ﴿فبرأه الله مِمَّا قَالُوا﴾ أَي: طهره الله مِمَّا قَالُوا. وَقَوله: ﴿وَكَانَ عِنْد الله وجيها﴾ أَي: بتكليمه إِيَّاه، والوجيه فِي اللُّغَة هُوَ ذُو الجاه.

стр. 5165

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَقُولُوا قولا سديدا﴾ أَي: صَوَابا،

стр. 5166

﴿وَيغْفر لكم ذنوبكم وَمن يطع الله وَرَسُوله فقد فَازَ فوزا عَظِيما (٧١) إِنَّا عرضنَا الْأَمَانَة﴾ وَيُقَال: صدقا. وَعَن ابْن عَبَّاس: هُوَ كلمة لَا إِلَه إِلَّا الله. وَقَالَ بَعضهم: سديدا، أَي: مُسْتَقِيمًا، يُقَال: سدد أَي: اسْتَقِم، قَالَ زُهَيْر: (فَقلت لَهُ سدد وَأبْصر طَرِيقه ... وَمَا هُوَ فِيهِ عَن وصاتي شاغله) أَي: عَن وصيتي، وَقَالَ بَعضهم: قولا سديدا أَي: قولا يُوَافق بَاطِنه ظَاهره.

стр. 5167

وَقَوله: ﴿يصلح لكم أَعمالكُم﴾ أَي: يزك لكم أَعمالكُم. وَقيل: يصلح لكم أَعمالكُم: يتَقَبَّل مِنْكُم الْحَسَنَات. وَقَوله: ﴿وَيغْفر لكم ذنوبكم﴾ أَي: يَسْتُرهَا ويعف عَنْهَا. وَقَوله: ﴿وَمن يطع الله وَرَسُوله فقد فَازَ فوزا عَظِيما﴾ أَي: ظفر بِالْخَيرِ كُله.

стр. 5168

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا عرضنَا الْأَمَانَة﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: الْأَمَانَة الْفَرَائِض. وَقَالَ الضَّحَّاك: الطَّاعَة. وَعَن أبي الْعَالِيَة الريَاحي: مَا أَمر بِهِ وَنهى عَنهُ. وَقَالَ أبي بن كَعْب: الْأَمَانَة هَا هُنَا حفظ الْفرج. وَأولى الْأَقَاوِيل مَا ذكرنَا عَن ابْن عَبَّاس، وَقَول الضَّحَّاك وَأبي الْعَالِيَة قريب من ذَلِك. وَفِي بعض التفاسير: أَن أول مَا خلق الله تَعَالَى من ابْن آدم فرجه وأتمنه عَلَيْهِ، وَقَالَ: إِن حفظته حفظتك. وَعَن أبي حَمْزَة السكرِي أَنه قَالَ: إِنِّي أعلم من نَفسِي أَنِّي أؤدي الْأَمَانَة فِي مائَة ألف دِينَار، وَمِائَة ألف دِينَار، وَمِائَة ألف دِينَار إِلَى أَن يَنْقَطِع النَّفس، وَلَو باتت عِنْدِي امْرَأَة وأتمنت عَلَيْهَا خفت أَلا أسلم مِنْهَا. وَعَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ: من الْأَمَانَة أَدَاء الصَّلَاة، وإيتاء الزَّكَاة، وَصَوْم رَمَضَان، وَحج الْبَيْت، والصدق فِي الحَدِيث، وَقَضَاء الدّين، وَالْعدْل فِي المكاييل والموازين، قَالَ: وَأَشد من هَذَا كُله الودائع. وَهَذَا القَوْل قريب من قَول ابْن عَبَّاس.

стр. 5169

﴿على السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال فأبين أَن يحملنها وأشفقن مِنْهَا وَحملهَا الْإِنْسَان إِنَّه﴾ وَقَالَ أهل الْعلم: الْأَمَانَة قطب الْإِيمَان، قَالَ النَّبِي: " لَا إِيمَان لمن لَا أَمَانَة لَهُ ". وَمن الْأَمَانَة أَن يكون الْبَاطِن مُوَافقا للظَّاهِر، فَكل من عمل عملا يُخَالف عقيدته فقد خَان الله وَرَسُوله. وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تخونوا الله وَالرَّسُول وتخونوا أماناتكم﴾ نزلت فِي أبي لبَابَة بن عبد الْمُنْذر، وَقد كَانَ وضع أُصْبُعه على حلقه، يُشِير إِلَى بني النَّضِير إِنَّكُم إِن نزلتم فَهُوَ الذّبْح، وَقد بَينا. وَقَوله: ﴿على السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال﴾ فِيهِ أَقْوَال: الأول: وَهُوَ قَول أَكثر السّلف، وَهُوَ المحكي عَن ابْن عَبَّاس وَجَمَاعَة التَّابِعين: هُوَ أَن الله تَعَالَى عرض أوامره على السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال عرض تَخْيِير لَا عرض إِلْزَام، وَقَالَ لَهُنَّ: أتحملن هَذِه الْأَمَانَة بِمَا فِيهَا؟ قُلْنَ: وَمَا فِيهَا؟ ! فَقَالَ: إِن أحسنتن جوزيتن، وَإِن عصيتن عوقبتن، فَقُلْنَ: لَا نتحمل الْأَمَانَة، وَلَا نُرِيد ثَوابًا وَلَا عقَابا، وعرضها على آدم فتحملها بِمَا فِيهَا. وَفِي بعض التفاسير: أَنه قَالَ: بَين أُذُنِي وعاتقي. قَالَ ابْن جريج: عرض على السَّمَاء، فَقَالَت: يَا رب، خلقتني وجعلتني سقفا مَحْفُوظًا، وأجريت فِي الشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم، وَمَالِي قُوَّة لحمل الْأَمَانَة، ثمَّ عرضهَا على الأَرْض، فَقَالَت: يَا رب، خلقتني وجعلتني بساطا ممدودا، وأجريت فِي الْأَنْهَار، وَأنْبت فِي الْأَشْجَار، وَمَا لي قُوَّة لحمل الْأَمَانَة، وَذكر عَن الْجبَال قَرِيبا من هَذَا، وجملها آدم وَأَوْلَاده. وَعَن مُجَاهِد قَالَ: أَبَت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال أَن يحملوا الْأَمَانَة، وجملها آدم فَمَا كَانَ بَين أَن حملهَا وخان فِيهَا وَأخرج من الْجنَّة إِلَّا مَا بَين الظّهْر وَالْعصر. وَحكى النقاش بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ: مثلت الْأَمَانَة كصخرة ملقاة،

стр. 5170

﴿كَانَ ظلوما جهولا (٧٢) ليعذب الله الْمُنَافِقين والمنافقات وَالْمُشْرِكين والمشركات﴾ ودعيت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال إِلَيْهَا فَلم يقربُوا مِنْهَا، وَقَالُوا: لَا نطيق حملهَا، وَجَاء آدم من غير أَن يَدعِي وحرك الصَّخْرَة، وَقَالَ: لَو أمرت بحملها. فَقُلْنَ لَهُ: احْمِلْ، فحملها إِلَى رُكْبَتَيْهِ ثمَّ وَضعهَا وَقَالَ: وَالله لَو أردْت أَن أزداد لزدت فَقُلْنَ: احْمِلْ، فحملها حَتَّى بلغ حقوه ثمَّ وَضعهَا وَقَالَ: وَالله لَو أردْت أَن أزداد لزدت، فَقُلْنَ: احْمِلْ، فحملها حَتَّى وضع على عَاتِقه، وَأَرَادَ أَن يَضَعهَا، فَقَالَ الله تَعَالَى: مَكَانك، فَهِيَ فِي عُنُقك وعنق ذريتك إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ عرضهَا على السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال، وَهِي لَا تعقل شَيْئا؟ قُلْنَا: قد بَينا الْجَواب عَن أَمْثَال هَذَا من قبل. وَقَالَ بعض أهل الْعلم: يحْتَمل أَن الله تَعَالَى خلق فِيهَا عقلا وتمييزا حِين عرض الْأَمَانَة عَلَيْهِنَّ حَتَّى أعقلت الْخطاب، وأجابت بِمَا أجابت. وَأما قَوْله: ﴿فأبين أَن يحملنها وأشفقن مِنْهَا﴾ أَي: لم يقبلُوا حمل الْأَمَانَة وخافوا مِنْهَا. وَقَوله: ﴿وَحملهَا الْإِنْسَان﴾ يَعْنِي: آدم ﵇. وَقَوله: ﴿إِنَّه كَانَ ظلوما جهولا﴾ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: ظلوما لنَفسِهِ، جهولا بربه، حَكَاهُ أَبُو الْحُسَيْن بن فَارس. وَالْقَوْل الثَّانِي: ظلوما لنَفسِهِ بِأَكْل الشَّجَرَة، جهولا بعاقبة أمره. وَعَن جمَاعَة من الْعلمَاء: أَن المُرَاد بالظلوم الجهول هُوَ الْمُنَافِق والمشرك. وَقد حكى هَذَا عَن الْحسن فِي رِوَايَة. وَالْقَوْل الثَّانِي، فِي أصل الْآيَة أَن المُرَاد من الْعرض على السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال هُوَ الْعرض على أهل السَّمَوَات وَأهل الأَرْض وَأهل الْجبَال وَهُوَ مثل قَوْله: ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ أَي: أهل الْقرْيَة.

стр. 5171

﴿وَيَتُوب الله على الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما (٧٣) .﴾ وَالْقَوْل الثَّالِث ذكره الزّجاج وَغَيره من أهل الْمعَانِي قَالُوا: إِن الله تَعَالَى ائْتمن آدم وَأَوْلَاده على شَيْء، وأتمن السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال على شَيْء، فَأَما الْأَمَانَة فِي حق بني آدم مَعْلُومَة، وَأما الْأَمَانَة فِي حق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال فَهُوَ بِمَعْنى الخضوع وَالطَّاعَة. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِي دُخان فَقَالَ لَهَا وللأرض ائتيا طَوْعًا أوكرها قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين﴾ . وَحكى السُّجُود عَن السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وَالْجِبَال وَالشَّجر وَالدَّوَاب، وَذكر فِي الْحِجَارَة قَوْله: ﴿وَإِن مِنْهَا لما يهْبط من خشيَة الله﴾ . وَقَوله: ﴿فأبين أَن يحملنها﴾ أَي: أدين الْأَمَانَة فِيهَا، يُقَال: فلَان لم يتَحَمَّل الْأَمَانَة أَي: لم يخن فِيهَا. وَقَوله: ﴿وأشفقن مِنْهَا﴾ أَي: أدين الْأَمَانَة خوفًا مِنْهَا. وَقَوله: ﴿وَحملهَا الْإِنْسَان﴾ أَي: خَان فِيهَا وأثم، يُقَال: فلَان حمل الْأَمَانَة أَي: أَثم فِيهَا بالخيانة، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالا مَعَ أثقالهم﴾ وَقَوله: ﴿إِنَّه كَانَ ظلوما جهولا﴾ قد بَينا، قَالَ الْأَزْهَرِي: وَقد أحسن وأجاد أَبُو إِسْحَاق الزّجاج فِي هَذَا القَوْل وَأثْنى عَلَيْهِ، وَقَول السّلف مَا بَينا من قبل.

стр. 5172

قَوْله تَعَالَى: ﴿ليعذب الله الْمُنَافِقين والمنافقات﴾ اللَّام هَا هُنَا لَام كي، وَمَعْنَاهُ: كي يعذب الله الْمُنَافِقين والمنافقات وَالْمُشْرِكين والمشركات يَعْنِي إِذا خانوا. وَقَوله: ﴿وَيَتُوب الله على الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ أَي: يهْدِيهم ويرحمهم إِذا أَدّوا الْأَمَانَة. وَعَن ابْن قُتَيْبَة قَالَ مَعْنَاهُ: ليظْهر الْمُنَافِقين والمنافقات وَالْمُشْرِكين والمشركات، ويعذبهم على الْخِيَانَة فِي الْأَمَانَات، وَيظْهر الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات بأَدَاء الْأَمَانَة. وَقَوله: ﴿وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 5173

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الْحَمد لله الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض وَله الْحَمد فِي الْآخِرَة وَهُوَ الْحَكِيم الْخَبِير (١) يعلم مَا يلج فِي الأَرْض وَمَا يخرج مِنْهَا وَمَا ينزل من السَّمَاء وَمَا يعرج﴾ تَفْسِير سُورَة سبأ وَهِي مَكِّيَّة.

стр. 5174

﴿الْحَمد لله الَّذِي لَهُ مَا فِي السموت وَمَا فِي الأَرْض﴾ أَي: لَهُ ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض. وَيُقَال: خلق مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض. وَقَوله: ﴿وَله الْحَمد فِي الْآخِرَة﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن مَعْنَاهُ لَهُ الْحَمد فِي الأولى وَالْآخِرَة على مَا قَالَ فِي مَوضِع آخر. وَفِي الأولى وَالْآخِرَة وَجْهَان: أَحدهمَا: أَنَّهُمَا الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَالْآخر: أَنَّهُمَا السَّمَوَات وَالْأَرْض. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن قَوْله: ﴿وَله الْحَمد فِي الْآخِرَة﴾ وَهُوَ مَا جَاءَ من ذكر الْحَمد عَن أهل الْجنَّة، وَهُوَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآخر دَعوَاهُم أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ ، وَفِي قَوْله: ﴿الْحَمد لله الَّذِي أذهب عَنَّا الْحزن﴾ ، وَفِي قَوْله: ﴿الْحَمد لله الَّذِي صدقنا وعده﴾ . وَقَوله: ﴿وَهُوَ الْحَكِيم الْخَبِير﴾ أَي: الْحَكِيم فِي ملكه، الْخَبِير بخلقه.

стр. 5175

وَقَوله تَعَالَى: ﴿يعلم مَا يلج فِي الأَرْض﴾ أَي: يدْخل فِيهَا من الْمَطَر. وَقَوله: ﴿وَمَا يخرج مِنْهَا﴾ أَي: من الزَّرْع، وَيُقَال: إِن المُرَاد مِنْهُ الْأَمْوَات يدْخلُونَ إِذا قبروا، وَيخرجُونَ إِذا حشروا. وَقَوله: ﴿وَمَا ينزل من السَّمَاء﴾ أَي: من الْمَطَر وَالْمَلَائِكَة وَالْأَحْكَام والأقضية. وَقَوله: ﴿وَمَا يعرج فِيهَا﴾ أَي: يصعد إِلَيْهَا من الْمَلَائِكَة والأعمال والأدعية

стр. 5176

﴿فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيم الغفور (٢) وَقَالَ الَّذين كفرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَة قل بلَى وربي لتأتينكم عَالم الْغَيْب لَا يعزب عَنهُ مِثْقَال ذرة فِي السَّمَوَات وَلَا فِي الأَرْض وَلَا أَصْغَر من ذَلِك وَلَا أكبر إِلَّا فِي كتاب مُبين (٣) ليجزي الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ﴾ المقبولة. وَقَوله: ﴿وَهُوَ الرَّحِيم الغفور﴾ قد بَينا.

стр. 5177

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَة﴾ قَالُوا هَذَا تَكْذِيبًا بِالْبَعْثِ. وَقَوله: ﴿قل بلَى وربي لتأتينكم عَالم الْغَيْب﴾ فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَمَعْنَاهُ: قل بلَى وربي عَالم الْغَيْب لتأتينكم السَّاعَة، وَقَرَأَ حَمْزَة: " علام الْغَيْب ". وَقَوله: ﴿لَا يعزب عَنهُ﴾ أَي: لَا يغيب عَنهُ، وَقَرَأَ يحيى بن وثاب: " لَا يغرب عَنهُ " بالغين الْمُعْجَمَة وَالرَّاء. وَقَوله: ﴿مِثْقَال ذرة فِي السَّمَوَات وَلَا فِي وَالْأَرْض﴾ أَي: وزن ذرة ﴿وَلَا أَصْغَر من ذَلِك وَلَا أكبر﴾ أَي: أَصْغَر من الذّرة إِلَى أَن لَا يُحِيط بِهِ الْعقل، وأكبر إِلَى أَلا يُحِيط بِهِ الْعقل، وَالْمعْنَى أَن كل ذَلِك فِي علمه. وَقَوله: ﴿إِلَّا فِي كتاب مُبين﴾ أَي: بَين.

стр. 5178

قَوْله تَعَالَى: ﴿ليجزي الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ أَي: ليثيب الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات. وَقَوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُم مغْفرَة ورزق كريم﴾ أَي: الْعَيْش الهنيء.

стр. 5179

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين سعوا فِي آيَاتنَا معاجزين﴾ مَعْنَاهُ: اضْطَرَبُوا وَعمِلُوا فِي التَّكْذِيب بِآيَاتِنَا. وَقَوله: ﴿معاجزين﴾ أَي: مشاقين، وَيُقَال: مسابقين، وَيُقَال: فائتين، وَقُرِئَ: " معجزين " أَي: مثبطين، وَقيل: ظانين أَنا نعجز عَنْهُم، فَيكون معنى معجزين أَنهم نسبوا الْعَجز إِلَيْنَا.

стр. 5180

﴿لَهُم مغْفرَة ورزق كريم (٤) وَالَّذين سعوا فِي آيَاتنَا معاجزين أُولَئِكَ لَهُم عَذَاب من رجز أَلِيم (٥) وَيرى الَّذين أُوتُوا الْعلم الَّذِي أنزل إِلَيْك من رَبك هُوَ الْحق وَيهْدِي إِلَى صِرَاط الْعَزِيز الحميد (٦) وَقَالَ الَّذين كفرُوا هَل ندلكم على رجل ينبئكم إِذا مزقتم كل ممزق إِنَّكُم لفي خلق جَدِيد (٧) أفترى على الله كذبا أم بِهِ جنَّة بل الَّذين﴾ وَقَوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُم عَذَاب من رجز أَلِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 5181

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيرى الَّذين أُوتُوا الْعلم﴾ قَالَ بَعضهم: هَذَا فِي مؤمني أهل الْكتاب مثل عبد الله بن سَلام وَغَيره، وَالصَّحِيح أَن الْآيَة فِي الَّذين آمنُوا بِالنَّبِيِّ من أهل مَكَّة وَغَيرهم، وَهُوَ بِمَكَّة؛ لِأَن السُّورَة مَكِّيَّة، وَعبد الله بن سَلام وأشباهه إِنَّمَا آمنُوا بِالْمَدِينَةِ. وَقَوله: ﴿الَّذِي أنزل إِلَيْك من رَبك هُوَ الْحق﴾ يَعْنِي: أَنه من الله تَعَالَى. وَقَوله: ﴿وَيهْدِي إِلَى صِرَاط الْعَزِيز الحميد﴾ يَعْنِي: أَن الْقُرْآن الَّذِي أنزلهُ الله يهدي إِلَى صِرَاط الْعَزِيز الحميد، وَهُوَ الله تَعَالَى.

стр. 5182

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا هَل ندلكم على رجل ينبئكم﴾ أَي: يُخْبِركُمْ. وَقَوله: ﴿إِذا مزقتم كل ممزق﴾ أَي: إِذا فرقتم كل تَفْرِيق، وقطعتم كل تقطيع، وَالْمعْنَى: إِذا أكلْتُم الأَرْض، وصرتم رفاقا وترابا ينبئكم مُحَمَّد إِنَّكُم لفي خلق جَدِيد، قَالُوا ذَلِك على طَرِيق الْجحْد والتكذيب.

стр. 5183

وَقَوله: ﴿أفترى على الله كذبا﴾ وَقُرِئَ بِنصب الْألف وَكسرهَا، أما من قَرَأَ بِالْكَسْرِ فَهُوَ رَاجع إِلَى الْحِكَايَة عَن الْكفَّار، كَأَنَّهُمْ قَالُوا: افترى مُحَمَّد على الله كذبا. وَقَوله: ﴿أم بِهِ جنَّة﴾ مَعْنَاهُ: أَو بِهِ جُنُون لَا يدْرِي مَا يَقُول. وَأما من قَرَأَ بِالنّصب فَفِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا مَعْنَاهُ: أفترى على الله كذبا يَعْنِي: لم يفتر، وَيكون ابْتِدَاء كَلَام من الله تَعَالَى. قَالَ الشَّاعِر:

стр. 5184

﴿لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة فِي الْعَذَاب والضلال الْبعيد (٨) أفلم يرَوا إِلَى مَا بَين أَيْديهم وَمَا خَلفهم من السَّمَاء وَالْأَرْض إِن نَشأ نخسف بهم الأَرْض أَو نسقط عَلَيْهِم كسفا من السَّمَاء إِن فِي ذَلِك لآيَة لكل عبد منيب (٩) وَلَقَد آتَيْنَا دَاوُود منا فضلا يَا جبال أوبي﴾ (استحدث الْقلب من أشياعهم خَبرا ... أم رَاجع الْقلب من أطرابهم طرب) وَمَعْنَاهُ: استحدث. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن معنى قَوْله: ﴿أفترى على الله كذبا﴾ أَي أفترونه افتراء على الله كذبا. وَقَوله: ﴿بل الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة فِي الْعَذَاب والضلال الْبعيد﴾ فعلى الْقِرَاءَة الأولى وَهُوَ بِالْكَسْرِ هَذَا ابْتِدَاء كَلَام من الله تَعَالَى ردا عَلَيْهِم، وعَلى الْقِرَاءَة الثَّانِيَة هُوَ مسوق على مَا تقدم. وَقَوله: ﴿فِي الْعَذَاب والضلال الْبعيد﴾ أَي: الشَّقَاء الطَّوِيل؛ ذكره السّديّ، وَقَالَ: فِي الْخَطَأ الْبعيد من الْحق.

стр. 5185

قَوْله تَعَالَى: ﴿أفلم يرَوا إِلَى مَا بَين أَيْديهم وَمَا خَلفهم من السَّمَاء وَالْأَرْض﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: إِنَّمَا ذكر هَذَا؛ لِأَن الْإِنْسَان إِذا خرج من دَاره لَا يرى إِلَّا السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا فيهمَا. وَيُقَال: إِنَّمَا قَالَ هَذَا؛ لِأَن السَّمَاء وَالْأَرْض محيطتان بالخلق، فَكَأَن أَحدهمَا بَين أَيْديهم، وَالْأُخْرَى خَلفهم بِمَعْنى الْإِحَاطَة. وَقَوله: ﴿إِن نَشأ نخسف بهم الأَرْض﴾ أَي: يغيبهم فِي الأَرْض. وَقَوله: ﴿أَو نسقط عَلَيْهِم كسفا من السَّمَاء﴾ أَي: جانبا من السَّمَاء. وَقيل: قِطْعَة من السَّمَاء. وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَة لكل عبد منيب﴾ أَي: رَاجع إِلَى الله تَعَالَى بِقَلْبِه. وَقيل: منيب: أَي: مُجيب. قَالَ الشَّاعِر: (أناب إِلَى قولي فَأَصْبَحت مرْصدًا ... لَهُ بالمكافأة المنيبة وَالشُّكْر)
следующие страницы →