Полный текст (8 565 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.
стр. 5356
﴿وَمَا أنزلنَا على قومه من بعده من جند من السَّمَاء وَمَا كُنَّا منزلين (٢٨) إِن كَانَت إِلَّا صَيْحَة وَاحِدَة فَإِذا هم خامدون (٢٩) يَا حسرة على الْعباد مَا يَأْتِيهم من رَسُول إِلَّا﴾ نصحهمْ حَيا وَمَيتًا، وَقَوله: ﴿وَجَعَلَنِي من الْمُكرمين﴾ أَي: مِمَّن دخل الْجنَّة، وَمن أَدخل الْجنَّة فقد أكْرم، وَمن أَدخل النَّار فقد أهين.
стр. 5357
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أنزلنَا على قومه من بعده من جند من السَّمَاء﴾ أَي: من مَلَائِكَة، وَقَوله: ﴿وَمَا كُنَّا منزلين﴾ أَي: وَمَا كُنَّا لنفعل هَذَا، بل الْأَمر فِي هلاكهم كَانَ أيسر مِمَّا تظنون.
стр. 5358
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن كَانَت إِلَّا صَيْحَة وَاحِدَة﴾ أَي: مَا كَانَت إِلَّا صَيْحَة وَاحِدَة. وَفِي الْقِصَّة: أَن جِبْرِيل ﵇ جَاءَ ووقف على بَاب الْمَدِينَة وَصَاح بهم صَيْحَة فَخَروا ميتين كَأَن لم يَكُونُوا، وصاروا كرماد خامدين هامدين.
وَفِي الْأَخْبَار: أَن عُرْوَة بن مَسْعُود الثَّقَفِيّ لما أسلم اسْتَأْذن من رَسُول الله أَن يذهب لى قومه وهم ثَقِيف ويدعوهم إِلَى الْإِسْلَام، فَقَالَ رَسُول الله: " إِنِّي أخْشَى أَن يَقْتُلُوك، فَقَالَ: لَو كنت نَائِما مَا أيقظوني، ثمَّ إِنَّه ذهب إِلَيْهِم ودعاهم إِلَى الْإِسْلَام، فَرَمَاهُ رجل بِسَهْم فَأصَاب أكحله وَمَات، فَبلغ النَّبِي فَقَالَ: هُوَ فِي هَذِه الْأمة مثل صَاحب يس، وَهُوَ حبيب النجار ".
стр. 5359
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا حسرة على الْعباد﴾ فَإِن قيل: كَيفَ يَسْتَقِيم نِدَاء الْحَسْرَة، وَالْحَسْرَة لَا تعقل شَيْئا؟ وَأَيْضًا كَيفَ يتحسر الله تَعَالَى على الْعباد الَّذين أهلكهم،
стр. 5360
﴿كَانُوا بِهِ يستهزءون (٣٠) ألم يرَوا كم أهلكنا قبلهم من الْقُرُون أَنهم إِلَيْهِم لَا يرجعُونَ (٣١) وَإِن كل لما جَمِيع لدينا محضرون (٣٢) وَآيَة لَهُم الأَرْض الْميتَة أحييناها﴾ وَلَا يجوز عَلَيْهِ هَذِه الصّفة؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن معنى قَول الْقَائِل يَا حسرة مثل قَوْله: يَا عجبا، وَكَذَلِكَ قَوْله: يَا حسرتاه، مثل قَوْله: يَا عجباه، وَالْعرب تَقول هَذَا على طَرِيق الْمُبَالغَة، والنداء عِنْدهم بِمَعْنى التَّنْبِيه، فيستقيم فِيمَن يعقل وفيمن لَا يعقل، وَقَوله: يَا عجباه أبلغ من قَوْلهم: أَنا أتعجب من كَذَا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَيهَا الْعجب هَذَا وقتك، وأيها الْحَسْرَة هَذَا زَمَانك، وَحَقِيقَة الْمَعْنى: أَن هَذَا الزَّمَان زمَان الْحَسْرَة والتعجب.
وَأما قَوْله: إِن الْحَسْرَة على الله لَا تجوز، قُلْنَا: نعم، وَمعنى الْآيَة: يَا حسرة على الْعباد من أنفسهم؛ وَكَأَنَّهُم يتحسرون على أنفسهم غَايَة الْحَسْرَة، وَالْحَسْرَة هِيَ التلهف على أَمر فَائت بأبلغ وجوهه حَتَّى يبْقى الرجل حسيرا مُنْقَطِعًا من شدته، وَقُرِئَ فِي الشاذ: " يَا حسرة الْعباد " وَجَوَاب آخر: أَنه تَعَالَى قَالَ: ﴿يَا حسرة على الْعباد﴾ لأَنهم صَارُوا بِمَنْزِلَة يتحسر عَلَيْهِم، وَيُقَال مَعْنَاهُ: يَا حسرة الرُّسُل وَالْمَلَائِكَة على الْعباد، وَالْجَوَاب الأول أحسن الْأَجْوِبَة.
وَقَوله: ﴿مَا يَأْتِيهم من رَسُول إِلَّا كَانُوا بِهِ يستهزءون﴾ أَي: استهزاء التَّكْذِيب.
стр. 5361
قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم يرَوا كم أهلكنا﴾ قَرَأَ ابْن مَسْعُود " ألم يرَوا من أهلكنا "، وَالْمَعْرُوف كم أهلكنا، وَهُوَ للتكثير.
وَقَوله: ﴿قبلهم من الْقُرُون﴾ اخْتلفُوا فِي مُدَّة الْقرن، وَقد بَينا من قبل، وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي: أَنه قَالَ لعبد الله بن بسر الْمَازِني: " إِنَّك تعيش قرنا؛ فَعَاشَ مائَة سنة "، وَقَوله: ﴿أَنهم إِلَيْهِم لَا يرجعُونَ﴾ أَي: لَا يرجعُونَ إِلَى الدُّنْيَا.
стр. 5362
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن كل لما﴾ " إِن " هَا هُنَا بِمَعْنى: مَا، و " لما " بِمَعْنى: إِلَّا، فَمَعْنَى الْآيَة: وَمَا كل إِلَّا جَمِيع لدينا محضرون، وَفِي مصحف أبي بن كَعْب على هَذَا الْوَجْه.
стр. 5363
﴿وأخرجنا مِنْهَا حبا فَمِنْهُ يَأْكُلُون (٣٣) وَجَعَلنَا فِيهَا جنَّات من نخيل وأعناب وفجرنا فِيهَا من الْعُيُون (٣٤) ليأكلوا من ثمره وَمَا عملته أَيْديهم أَفلا يشكرون (٣٥) سُبْحَانَ﴾
стр. 5364
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآيَة لَهُم الأَرْض الْميتَة﴾ وَقُرِئَ: " الْميتَة " بِالتَّشْدِيدِ.
وَقَوله: ﴿أحييناها﴾ أَي: بالمطر.
وَقَوله: ﴿وأخرجنا مِنْهَا حبا﴾ أَي: الْحِنْطَة وَالشعِير وَمَا أشبه هَذَا، وَقَوله: ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُون﴾ أَي: من الْحبّ يَأْكُلُون.
стр. 5365
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلنَا فِيهَا جنَّات من نخيل وأعناب﴾ أَي: فِي الأَرْض جنَّات من نخيل وأعناب.
وَقَوله: ﴿وفجرنا فِيهَا من الْعُيُون ليأكلوا من ثمره﴾ أَي: وفجرنا فِيهَا الْمِيَاه من الْعُيُون؛ ليأكلوا من الثَّمر الْحَاصِل بِالْمَاءِ.
وَقَوله: ﴿وَمَا عملته أَيْديهم﴾ أَي: وليأكلوا مِمَّا عملته أَيْديهم مِمَّا يحرثون ويزرعون ويغرسون، وَقُرِئَ: " وَمَا عملت أَيْديهم " بِمَعْنى الأول.
وَالْقَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة: أَن " مَا " للنَّفْي هَا هُنَا، وَمَعْنَاهُ: أَنا رَزَقْنَاهُمْ مِمَّا لم تعمله أَيْديهم.
وَقَوله: ﴿أَفلا يشكرون﴾ يَعْنِي: هَذِه النعم.
стр. 5366
قَوْله تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الله الَّذِي خلق الْأزْوَاج كلهَا﴾ أى: الْأَصْنَاف كلهَا.
وَقَوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي﴾ أَي: سبحوا الله الَّذِي خلق الْأزْوَاج كلهَا. وَقَوله: ﴿مِمَّا تنْبت الأَرْض وَمن أنفسهم وَمِمَّا لَا يعلمُونَ﴾ أَي: من النَّبَات، وَالْحَيَوَان الَّذِي لَا يعلمونه.
وَذكر بعض أهل التَّفْسِير: أَن مَا لَا يعلمُونَ هَا هُنَا هُوَ الرّوح، وَالله تَعَالَى خلق الرّوح فِي النَّفس وَلَا يُعلمهُ أحد، وَذكر بَعضهم أَن قَوْله: ﴿وَمَا عملته أَيْديهم﴾ رَاجع إِلَى الْعُيُون، وَمن الْعُيُون والأنهار مَا لم تعلمهَا أَيدي الْخلق مثل: دجلة،
стр. 5367
﴿الَّذِي خلق الْأزْوَاج كلهَا مِمَّا تنْبت الأَرْض وَمن أنفسهم وَمِمَّا لَا يعلمُونَ (٣٦) وَآيَة لَهُم اللَّيْل نسلخ مِنْهُ النَّهَار فَإِذا هم مظلمون (٣٧) وَالشَّمْس تجْرِي لمستقر لَهَا ذَلِك﴾ والفرات، والنيل، وسيحان، وجيجان.
стр. 5368
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآيَة لَهُم اللَّيْل نسلخ مِنْهُ النَّهَار﴾ أَي: نكشط ونزيل، وَمَعْنَاهُ: نَذْهَب بِالنَّهَارِ، وَنَجِيء بِاللَّيْلِ، فَكَأَنَّهُ استخرج مِنْهُ، وَقَوله: ﴿فَإِذا هم مظلمون﴾ أَي: داخلون فِي الظلمَة.
стр. 5369
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْس تجْرِي لمستقر لَهَا﴾ قَرَأَ ابْن عَبَّاس ﵄ " وَالشَّمْس تجْرِي لمستقر لَهَا " أَي: تسير وتجري أبدا من غير قَرَار وَلَا وقُوف. وَأما الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة " لمستقر لَهَا " وَفِيه قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن مستقرها هُوَ نِهَايَة دورانها إِذا قَامَت السَّاعَة.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن مستقرها نِهَايَة ارتفاعها فِي السَّمَاء فِي الصَّيف، وَنِهَايَة هبوطها فِي الشتَاء، وَقد ثَبت عَن النَّبِي بِرِوَايَة الْأَعْمَش، عَن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ، عَن أَبِيه، عَن أبي ذَر أَنه قَالَ: " كنت عِنْد النَّبِي حَتَّى غَابَتْ الشَّمْس، فَقَالَ: يَا أَبَا ذَر، أَتَدْرِي أَيْن تذْهب؟ قلت: الله وَرَسُوله أعلم، فَقَالَ: إِنَّهَا تذْهب وتستأذن فِي السُّجُود ". وَفِي رِوَايَة: " تذْهب إِلَى تَحت الْعَرْش وتستأذن فِي السُّجُود؛ فَيُؤذن لَهَا فِي السُّجُود، وَيُقَال لَهَا: اطلعِي من حَيْثُ كنت تطلعين، وَكَأَنَّهَا قد قيل لَهَا يَوْمًا يَا أَبَا ذَر: اطلعِي من حَيْثُ جِئْت؛ فَتَطلع من مغْرِبهَا، ثمَّ قَرَأَ النَّبِي قَوْله تَعَالَى: " وَذَلِكَ مُسْتَقر لَهَا ". قَالَ: وَفِي هَذَا الْخَبَر أَنه كَذَلِك فِي قِرَاءَة عبد الله بن مَسْعُود.
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام: أخبرنَا بِهَذَا الْخَبَر عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن أَحْمد، أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس الطَّحَّان، أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس بن مَحْبُوب، أخبرنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ، أخبرنَا
стр. 5370
﴿تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم (٣٨) وَالْقَمَر قدرناه منَازِل حَتَّى عَاد كالعرجون الْقَدِيم (٣٩) لَا﴾ [هناد بن السّري، أخبرنَا] أَبُو مُعَاوِيَة الضَّرِير، عَن الْأَعْمَش. . الْخَبَر.
وَقَوله: ﴿ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وَذكر البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح بِرِوَايَة أبي ذَر أَيْضا: " أَنه سَأَلَ النَّبِي عَن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْس تجْرِي لمستقر لَهَا﴾ قَالَ: مستقرها تَحت الْعَرْش ".
وَذكر الْأَزْهَرِي فِي قَوْله: ﴿تجْرِي لمستقر لَهَا﴾ أَي: تجْرِي للأجل الَّذِي أجل لَهَا، وَالتَّقْدِير الَّذِي قدر لَهَا.
стр. 5371
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْقَمَر قدرناه منَازِل﴾ قرئَ بِالرَّفْع، وَقُرِئَ بِالنّصب، فَأَما بِالنّصب: وقدرنا الْقَمَر منَازِل، وَأما بِالرَّفْع فَمَعْنَاه: وَآيَة لَهُم الْقَمَر قدرناه منَازِل.
وروى أَن سعيد بن الْمسيب سمع رجلا ينشد:
(وَغَابَ قمير كنت أَرْجُو أفوله ... وروح رعيان ونوم سمر)
فَقَالَ: قَاتله الله، لقد صغر مَا عظمه الله، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَالْقَمَر قدرناه منَازِل﴾ .
وَقَوله: ﴿حَتَّى عَاد كالعرجون الْقَدِيم﴾ قَالَ جَعْفَر بن مُحَمَّد: كعذق النَّخْلَة الْقَدِيمَة، وَالْأَكْثَرُونَ أَن العرجون هُوَ عود الكباسة إِذا دق ويبس وتقوس.
وَقَوله: ﴿الْقَدِيم﴾ هُوَ البال، وَيُقَال الْقَدِيم هُوَ الَّذِي مضى عَلَيْهِ حول.
وَأما منَازِل الْقَمَر فَهِيَ ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ منزلا: السرطان، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرف، والجبهة، والزبرة، والصرفة،
стр. 5372
﴿الشَّمْس يَنْبَغِي لَهَا أَن تدْرك الْقَمَر وَلَا اللَّيْل سَابق النَّهَار وكل فِي فلك يسبحون (٤٠) ﴾ والعواء، والسماك، والغفر، والزبانا، والإكليل، وَالْقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وَسعد الذَّابِح، وَسعد بلع وَسعد السُّعُود، وَسعد الأخبية، وفزع الدَّلْو الْمُقدم وفزع الدَّلْو الْمُؤخر، وبطن الْحُوت.
فَهَذِهِ ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ منزلا للقمر ينزل كل لَيْلَة منزلا مِنْهَا، وَيكون أَرْبَعَة عشر مِنْهَا أبدا ظَاهِرَة، وَأَرْبَعَة عشر مِنْهَا غَائِبَة، كلما طلع منزل غَابَ منزل، وَيُقَال: الَّذِي يغرب رَقِيب الَّذِي يطلع، وَاثنا عشر مِنْهَا تكون فِي سَواد اللَّيْل من وَقت غرُوب الشَّمْس إِلَى وَقت طُلُوع الصُّبْح، وَاثْنَانِ مِنْهَا من عِنْد طُلُوع الصُّبْح إِلَى طُلُوع الشَّمْس.
стр. 5373
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا الشَّمْس يَنْبَغِي لَهَا أَن تدْرك الْقَمَر﴾ أَي: لَا يدْخل اللَّيْل على النَّهَار قبل انقضائه، وَلَا يدْخل النَّهَار على اللَّيْل قبل انقضائه.
قَوْله: ﴿وَلَا اللَّيْل سَابق النَّهَار﴾ أَي: يتعاقبان بِحِسَاب مَعْلُوم إِلَى أَن تَنْقَضِي الدُّنْيَا، وَيَقُول: لَا الشَّمْس يَنْبَغِي لَهَا أَن تدْرك الْقَمَر، يَعْنِي: لَا تطلع الشَّمْس بِاللَّيْلِ، وَلَا يطلع الْقَمَر بِالنَّهَارِ، وَيكون لَهُ ضوء، فَلَا يدْخل وَاحِد مِنْهُمَا فِي سُلْطَان الآخر.
وَقيل: لَا يذهب وَاحِد مِنْهُمَا بِمَعْنى الآخر، وَذكر يحيى بن سَلام أَن قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا الشَّمْس يَنْبَغِي لَهَا أَن تدْرك الْقَمَر﴾ هَذَا لَيْلَة الْبَدْر خَاصَّة؛ فَإِن الشَّمْس لَا تطلع إِلَّا وَقد غَابَ الْقَمَر، فَلَا يَجْتَمِعَانِ فِي رُؤْيَة الْعين، وَيُقَال: لَا تُدْرِكهُ أَي: لَا يجْتَمع مَعَه فِي فلك وَاحِد؛ فَإِنَّهُم قَالُوا: إِن الشَّمْس فِي السَّمَاء الرَّابِعَة، وَالْقَمَر فِي السَّمَاء الدُّنْيَا.
وَقَوله: ﴿وَلَا اللَّيْل سَابق النَّهَار﴾ أَي: لَا يتَّصل ليل بلَيْل لَا يكون بَينهمَا نَهَار فاصل.
وَقَوله: ﴿وكل فِي فلك يسبحون﴾ أَي: يجرونَ ويدورون.
стр. 5374
﴿وَآيَة لَهُم أَنا حملنَا ذُرِّيتهمْ فِي الْفلك المشحون (٤١) وخلقنا لَهُم من مثله مَا يركبون (٤٢) وَإِن نَشأ نغرقهم فَلَا صريخ لَهُم وَلَا هم ينقذون (٤٣) إِلَّا رَحْمَة منا ومتاعا إِلَى حِين (٤٤) وَإِذا قيل لَهُم اتَّقوا مَا بَين أَيْدِيكُم وَمَا خلفكم لَعَلَّكُمْ ترحمون (٤٥) وَمَا﴾
стр. 5375
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآيَة لَهُم أَنا حملنَا ذُرِّيتهمْ﴾ أَي: آبَاءَهُم، هَكَذَا قَالَه ثَعْلَب وَغَيره، وَاسم الذُّرِّيَّة كَمَا يَقع على الْأَبْنَاء يَقع على الْآبَاء.
وَقَوله: ﴿فِي الْفلك المشحون﴾ أَي: الموفر، وَقيل: الممتلئ، وَعَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَنه قَالَ: المُرَاد بِالْآيَةِ أَنا حملناهم فِي بطُون الْأُمَّهَات، وَشبه بطُون الْأُمَّهَات بالسفن المشحونة.
стр. 5376
قَوْله تَعَالَى: ﴿وخلقنا لَهُم من مثله مَا يركبون﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن المُرَاد بِهِ الزواريق الصغار والسفن الَّتِي تجْرِي فِي الْأَنْهَار، فَهِيَ فِي الْأَنْهَار كالسفن الْكِبَار فِي الْبَحْر، وَهَذَا القَوْل قَول قَتَادَة وَالضَّحَّاك وَغَيرهمَا.
وَالْقَوْل الثَّانِي: وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو صَالح عَن ابْن عَبَّاس أَن معنى قَوْله: ﴿وخلقنا لَهُم من مثله مَا يركبون﴾ أَي: الْإِبِل، الْإِبِل فِي الْبَوَادِي كالسفن فِي الْبحار.
стр. 5377
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن نَشأ نغرقهم فَلَا صريخ لَهُم﴾ أى: لَا مغيث لَهُم (وَلَا هم ينقذون) أى: وَلَا هم ينجون،
стр. 5378
وَقَوله: ﴿إِلَّا رَحْمَة منا﴾ مَعْنَاهُ: أَن إنقاذهم برحمتنا.
وَقَوله: ﴿ومتاعا إِلَى حِين﴾ وليمتعوا إِلَى مُدَّة مَعْلُومَة.
стр. 5379
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا قيل لَهُم اتَّقوا مَا بَين أَيْدِيكُم وَمَا خلفكم﴾ أَي: اتَّقوا مَا بَين أَيْدِيكُم أَي: الْقِيَامَة فاحذروها ﴿وَمَا خلفكم﴾ أَي: الدُّنْيَا فَلَا تغتروا بهَا.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن معنى قَوْله: ﴿اتَّقوا مَا بَين أَيْدِيكُم﴾ أَي: اتَّقوا مثل عَذَاب الْأُمَم الَّذين كَانُوا بَين أَيْدِيكُم؛ لِئَلَّا يُصِيبكُم مثل مَا أَصَابَهُم.
وَقَوله: ﴿وَمَا خلفكم﴾ أَي: اتَّقوا عَذَاب النَّار، وَقَوله: ﴿لَعَلَّكُمْ ترحمون﴾ أَي: كونُوا على رَجَاء الرَّحْمَة.
стр. 5380
﴿تأتيهم من آيَة من آيَات رَبهم إِلَّا كَانُوا عَنْهَا معرضين (٤٦) وَإِذا قيل لَهُم أَنْفقُوا مِمَّا رزقكم الله قَالَ الَّذين كفرُوا للَّذين آمنُوا أنطعم من لَو يَشَاء الله أطْعمهُ إِن أَنْتُم إِلَّا فِي ضلال مُبين (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتى هَذَا الْوَعْد إِن كُنْتُم صَادِقين (٤٨) مَا ينظرُونَ إِلَّا﴾
стр. 5381
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا تأتيهم من آيَة من آيَات رَبهم إِلَّا كَانُوا عَنْهَا معرضين﴾ أَي: معرضين بالجحد والتكذيب.
стр. 5382
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِذا قيل لَهُم أَنْفقُوا مِمَّا رزقكم الله﴾ أَي: مِمَّا أَعْطَاكُم الله.
وَقَوله: ﴿قَالَ الَّذين كفرُوا للَّذين آمنُوا أنطعم من لَو يَشَاء الله أطْعمهُ﴾
قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَ بِمَكَّة زنادقة، فَكَانَ إِذا قيل لَهُم: أَنْفقُوا على الْفُقَرَاء مِمَّا (أَعْطَاكُم) الله؛ قَالُوا هَذَا القَوْل على سَبِيل الِاسْتِهْزَاء، وَعَن الْبَصْرِيّ قَالَ: هَذَا قَول الْيَهُود، وَكَانُوا يَقُولُونَ: كَيفَ نعطيهم وَقد أفقرهم الله تَعَالَى، وَلَو شَاءَ أَن يعطيهم أَعْطَاهُم؟ وَذكر القتيبي فِي كتاب " المعارف ": أَن أَبَا الْأسود الدؤَلِي كَانَ من خلقه أغناهم، فَهَذَا حجَّة البخلاء فِي الْبُخْل، وَهِي حجَّة بَاطِلَة؛ لِأَن الله تَعَالَى منع الدُّنْيَا من الْفُقَرَاء لَا بخلا وَلَكِن ابتلاء، وَأمر الْأَغْنِيَاء بِالْإِنْفَاقِ لَا بِحكم الْحَاجة إِلَى أَمْوَالهم لَكِن ابتلاء شكرهم.
وَقَوله: ﴿إِن أَنْتُم إِلَّا فِي ضلال مُبين﴾ أَي: فِي خطأ بَين.
стр. 5383
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذَا الْوَعْد إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ أَي: وعد الْقِيَامَة.
стр. 5384
قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا ينظرُونَ إِلَّا صَيْحَة وَاحِدَة تأخذهم وهم يخصمون﴾ أَي: يختصمون، وَهَكَذَا فِي قِرَاءَة أبي بن كَعْب، وَيُقَال: هم يخصمون أَي: يتقاولون فِي حاجاتهم، وَفِي الْخَبَر عَن النَّبِي: " إِن السَّاعَة تقوم وَالرجل يسْقِي مَاشِيَته، وَتقوم وَالرجل يلط حَوْضه، وَتقوم وَالرجل يعرض سلْعَته على البيع، وَتقوم وَالرجل قد رفع لقمته ليضعها فِي فِيهِ، فتقوم قبل أَن يَضَعهَا فِي فِيهِ ".
стр. 5385
﴿صَيْحَة وَاحِدَة تأخذهم وهم يخصمون (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ توصية وَلَا إِلَى أهلهم يرجعُونَ (٥٠) وَنفخ فِي الصُّور فَإِذا همم من الأجداث إِلَى رَبهم يَنْسلونَ (٥١) قَالُوا يَا ويلنا من بعثنَا من مرقدنا هَذَا مَا وعد الرَّحْمَن وَصدق المُرْسَلُونَ (٥٢) إِن كَانَت إِلَّا﴾
стр. 5386
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ توصية﴾ أَي: إيصاء وَقَوله: ﴿وَلَا إِلَى أهلهم يرجعُونَ﴾ أَي: يَنْقَلِبُون، وَالْمعْنَى: أَن السَّاعَة لَا تمهلهم بِشَيْء.
стр. 5387
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنفخ فِي الصُّور﴾ الأول: هِيَ النفخة الأولى، وَالثَّانِي: هِيَ النفخة الْأُخْرَى، وَبَينهمَا أَرْبَعُونَ سنة.
وَقَوله: ﴿فَإِذا هم من الأجداث إِلَى رَبهم يَنْسلونَ﴾ أَي: من الْقُبُور.
وَقَوله: ﴿إِلَى رَبهم يَنْسلونَ﴾ أَي: يسرعون، قَالَ الشَّاعِر:
((عسلان) الذِّئْب أَمْسَى قاربا ... برد الَّيْلِ عَلَيْهِ فنسل)
وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
(فسلى ثِيَابِي من ثِيَابك تنسل ... )
والنسلان فَوق الْمَشْي وَدون الْعَدو.
стр. 5388
وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا ويلنا من بعثنَا من مرقدنا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: يرفع عَنْهُم الْعَذَاب مَا بَين النفختين. وَعَن أبي بن كَعْب قَالَ: ينامون نومَة قبل الْبَعْث. وَعَن مُجَاهِد قَالَ: يرفع عَنْهُم الْعَذَاب فيهجعون ويرقدون.
وَعَن بَعضهم: أَن هَذَا القَوْل من الْمُؤمنِينَ. وَأظْهر الْقَوْلَيْنِ هُوَ القَوْل الأول، وَأَنه قَول الْكَافرين، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: " من أهبنا من مرقدنا ".
وَقَوله: ﴿هَذَا مَا وعد الرَّحْمَن﴾ هُوَ قَول الْمُؤمنِينَ إِجَابَة للْكفَّار، وعَلى القَوْل الآخر قَول الْمُؤمنِينَ، ويجيبون بِهِ أنفسهم وَقَوله: ﴿وَصدق المُرْسَلُونَ﴾ ظَاهر.
стр. 5389
وَقَوله: ﴿إِن كَانَت إِلَّا صَيْحَة وَاحِدَة فَإِذا هم جَمِيع لدينا محضرون﴾ أَي:
стр. 5390
﴿صَيْحَة وَاحِدَة فَإِذا هم جَمِيع لدينا محضرون (٥٣) فاليوم لَا تظلم نفس شَيْئا وَلَا تُجْزونَ إِلَّا مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ (٥٤) إِن أَصْحَاب الْجنَّة الْيَوْم فِي شغل فاكهون (٥٥) هم وأزواجهم فِي ظلال على الأرائك متكئون (٥٦) لَهُم فِيهَا فَاكِهَة وَلَهُم مَا يدعونَ﴾ حاضرون.
стр. 5391
قَوْله تَعَالَى: ﴿فاليوم لَا تظلم نفس شَيْئا وَلَا تُجْزونَ إِلَّا مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 5392
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن أَصْحَاب الْجنَّة الْيَوْم فِي شغل﴾ وَقُرِئَ: " فِي شغل " بِالْجَزْمِ، قَالَ ابْن عَبَّاس: فِي افتضاض الْأَبْكَار، وَعنهُ أَيْضا أَنه قَالَ: فِي ضرب الأوتار، وَالْأول هُوَ الْمَعْرُوف بَين الْمُفَسّرين.
وَالْقَوْل الثَّالِث: فِي شغل عَن عَذَاب أهل النَّار.
وَقَوله: ﴿فاكهون﴾ وَقُرِئَ: " فكهون " فَمنهمْ من قَالَ: هما بِمَعْنى وَاحِد مثل الحذر والحاذر، وَمِنْهُم من فرق بَينهمَا، قَالَ: الفكه هُوَ طيب النَّفس معجب بِحَالهِ، والفاكه هُوَ ذُو الْفَاكِهَة. والمزاح يُسمى فكاهة، قَالَ الحطيئة:
(وَدَعَوْتنِي وَزَعَمت أَنَّك لِابْنِ بالضيف تامر)
أَي: ذُو تمر، وَذُو لبن، وَقَالَ آخر:
(فكه إِلَى جنب الخوان إِذا غَدَتْ ... نكبا تقلع ثَابت الْأَطْنَاب)
стр. 5393
قَوْله تَعَالَى: ﴿هم وأزواجهم فِي ظلال﴾ الظلال: جمع الظل، وَقَوله: ﴿على الأرائك﴾ فِي التَّفْسِير: سرر من الذَّهَب مكللة بالدر والزبرجد والياقوت، عَلَيْهَا حجال.
قَالَ ثَعْلَب: لَا تكون الأرائك أريكة حَتَّى تكون تَحت حجلة.
وَقَوله: ﴿متكئون﴾ أَي: أَنهم ذَوُو اتكاة، وَذكر الاتكاء فِي الْجنَّة؛ لأَنهم لَا ينامون.
стр. 5394
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَهُم فِيهَا فَاكِهَة وَلَهُم مَا يدعونَ﴾ أَي: مَا يتمنون، تَقول الْعَرَب: ادْع على مَا شِئْت أَي تمن على مَا شِئْت، قَالَ الْأَعْشَى:
стр. 5395
( ﴿٥٧) سَلام قولا من رب رَحِيم (٥٨) وامتازوا الْيَوْم أَيهَا المجرمون (٥٩) ألم أَعهد إِلَيْكُم يَا بني آدم أَن لَا تعبدوا الشَّيْطَان إِنَّه لكم عَدو مُبين (٦٠) وَأَن اعبدوني هَذَا﴾
(ركا شهي نشأة الَّذِي ... سَار ملكه لَهُ مَا ادّعى)
(رَاح عَتيق مَا ادّعى ... )
следующие страницы →