← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

قَوْله تَعَالَى: ﴿كذبت قبلهم قوم نوح وَعَاد﴾ قد بَينا. وَقَوله: ﴿وَفرْعَوْن ذُو الْأَوْتَاد﴾ فِي الْأَوْتَاد أَقْوَال: أَحدهَا: أَنَّهَا الْبُنيان، قَالَ الشَّاعِر: (وَلَقَد غنوا فِيهَا بأنعم عيشة ... فِي ظلّ ملك ثَابت الْأَوْتَاد) أَي: الْأَبْنِيَة، وَقيل: الْأَوْتَاد جمع الوتد، وَكَانَ إِذا أَرَادَ قتل إِنْسَان وتد فِي يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ أَرْبَعَة أوتاد وَهُوَ مستلقي، وَوَجهه إِلَى السَّمَاء. وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن الْأَوْتَاد هِيَ الملاعب بالأرسان المشدودة بالأوتاد، وَقد كَانَ

стр. 5637

﴿ذُو الْأَوْتَاد (١٢) وَثَمُود وَقوم لوط وَأَصْحَاب الأيكة أؤلئك الْأَحْزَاب (١٣) إِن كل إِلَّا كذب الرُّسُل فَحق عِقَاب (١٤) وَمَا ينظر هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَة وَاحِدَة مَا لَهَا من فوَاق (١٥) وَقَالُوا رَبنَا عجل لنا قطنا قبل يَوْم الْحساب (١٦) اصبر على مَا يَقُولُونَ وَاذْكُر﴾ لفرعون ذَلِك.

стр. 5638

وَقَوله: ﴿وَثَمُود وَقوم لوط﴾ قد بَينا، وَحكى عَطاء عَن ابْن عَبَّاس: أَنه مَا من نَبِي إِلَّا وَيكون لَهُ أمة يَوْم الْقِيَامَة سوى لوط ﵇ فَإِنَّهُ يَأْتِي وَحده، وَذكر بَعضهم: أَن قوم لوط كَانُوا أَرْبَعمِائَة ألف بَيت، فِي كل بَيت عشرَة نفر، وَلم يسلم أحد مِنْهَا. وَقَوله: ﴿وَأَصْحَاب الأيكة﴾ أَي: الغيضة، وَقَوله: ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَاب﴾ يَعْنِي: الَّذين تحزبوا على الْأَنْبِيَاء.

стр. 5639

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن كل إِلَّا كذب الرُّسُل﴾ أَي: مَا مِنْهُم قوم إِلَّا وَقد كذب الرُّسُل، وَقَوله: ﴿فَحق عِقَاب﴾ أَي: فَوَجَبَ عَذَابي عَلَيْهِم.

стр. 5640

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا ينظر هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَة وَاحِدَة﴾ والصيحة هَا هُنَا هِيَ نفخة فِي الصُّور، وَقَوله: ﴿مَا لَهَا من فوَاق﴾ قرئَ بِالنّصب وَالرَّفْع، وَقَالَ بَعضهم: هما بِمَعْنى وَاحِد. وَقَالَ بَعضهم: هما مُخْتَلِفَانِ؛ فَقَوله بِالنّصب: من الْإِفَاقَة، وَقيل: مثنوية، وَيُقَال: رُجُوع وَتَأْخِير، وَقَوله بِالرَّفْع أَي: من انْتِظَار، والفواق فِي اللُّغَة مَا بَين الحلبتين، وَالْمعْنَى أَن الْعَذَاب لَا يمهلهم، وَلَا يلبثهم بذلك الْقدر.

стр. 5641

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا رَبنَا عجل لنا قطنا﴾ قَالَ سعيد بن جُبَير: أَي: نصيبنا (من) الْجنَّة، وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: قطنا أَي: نصيبنا من الْعَذَاب، وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِك تَكْذِيبًا واستهزاء، والقط هُوَ الْكتاب الَّذِي يكْتب فِيهِ الْجَائِزَة، والقطوط كتب الجوائز. وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَن الله تَعَالَى لما أنزل قَوْله: ﴿فَأَما من أُوتِيَ كِتَابه

стр. 5642

﴿عَبدنَا دَاوُود ذَا الأيد إِنَّه أواب (١٧) إِنَّا سخرنا الْجبَال مَعَه يسبحْنَ بالْعَشي وَالْإِشْرَاق بِيَمِينِهِ) ﴿وَأما من أُوتِيَ كِتَابه بِشمَالِهِ﴾ فَسمع الْمُشْركُونَ ذَلِك؛ فَقَالُوا: رَبنَا عجل لنا قطنا أَي: صحيفتنا. وَقَوله: ﴿قبل يَوْم الْحساب﴾ ظَاهر، وَإِنَّمَا قَالُوا تَكْذِيبًا واستهزاء.

стр. 5643

قَوْله تَعَالَى: ﴿واصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ أَي: على مَا يَقُول الْكفَّار. وَقَوله: ﴿وَاذْكُر عَبدنَا دَاوُد﴾ هُوَ دَاوُد بن إيشا، وَقد بَينا، قَوْله: ﴿ذَا الأيد﴾ أَي: ذَا الْقُوَّة، فَيُقَال: ذَا الْقُوَّة فِي الْعِبَادَة، وَيُقَال: ذَا الْقُوَّة فِي الْملك. وَأما قَوْله فِي الْعِبَادَة؛ فقد كَانَ يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا، وَكَانَ يقوم سدس اللَّيْل وينام نصفه، وَيقوم ثلثه، وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " أحب الصّيام إِلَى الله تَعَالَى صِيَام دَاوُد، وَأحب الْقيام إِلَى الله قيام دَاوُد "، وَقَوله: ﴿إِنَّه أواب﴾ أَي: تواب، وَقيل: رجاع، فَقَالَ: آب يئوب إِذا رَجَعَ، قَالَ الشَّاعِر: (وكل ذِي غيبَة يئوب ... وغائب الْمَوْت لَا يئوب) وَقيل: أواب مَعْنَاهُ: أَنه كَانَ كلما ذكر ذَنبه اسْتغْفر الله تَعَالَى.

стр. 5644

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا سخرنا الْجبَال مَعَه يسبحْنَ بالْعَشي﴾ الْعشي: آخر النَّهَار. وَقَوله: ﴿وَالْإِشْرَاق﴾ هُوَ وَقت الضُّحَى، وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: مَا كنت أعرف معنى الْإِشْرَاق حَتَّى أَخْبَرتنِي أم هَانِئ ﵂ أَن النَّبِي صلى صَلَاة الضُّحَى

стр. 5645

( ﴿١٨) وَالطير محشورة كل لَهُ أواب (١٩) وشددنا ملكه وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَة وَفصل الْخطاب (٢٠) وَهل أَتَاك نبأ الْخصم إِذْ تسوروا الْمِحْرَاب (٢١) إِذْ دخلُوا على دَاوُود﴾ فِي بَيتهَا، ثمَّ قَالَ: " هَذِه صَلَاة الْإِشْرَاق " وَالْإِشْرَاق: أَنه تشرق الشَّمْس حَتَّى تتناهى فِي ضوئها.

стр. 5646

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالطير محشورة﴾ وسخرنا الطير محشورة، وَقَوله: ﴿محشورة﴾ مَجْمُوعَة، وَقَوله: ﴿كل لَهُ أواب﴾ اخْتلف القَوْل فِي معنى قَوْله: ﴿كل لَهُ أواب﴾ فأحد الْقَوْلَيْنِ مَعْنَاهُ: كل لله أواب أَي: مسبح. وَالْقَوْل الثَّانِي: كل لَهُ أواب أَي: لداود يَعْنِي: أواب مَعَه. والأواب هَا هُنَا هُوَ المسبح، وَالتَّسْبِيح هُوَ عبَادَة أهل السَّمَوَات وَالْأَرْض.

стр. 5647

قَوْله تَعَالَى: ﴿وشددنا ملكه﴾ أَي: وقوينا ملكه، قَالَ مُجَاهِد: كَانَ لَهُ أَرْبَعمِائَة ألف رجل يحرسونه، وَمن الْمَعْرُوف سِتَّة وَثَلَاثُونَ ألفا يحرسونه. وَعَن بَعضهم: أَرْبَعُونَ ألفا مستلأمة أَي: فِي السِّلَاح، وَقد لبس لأمته أَي: درعه وسلاحه. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَة﴾ أَي: النُّبُوَّة، وَقيل: الْفِقْه فِي الدّين، وَيُقَال: الْفَهم فِي الْقَضَاء. وَقَوله: ﴿وَفصل الْخطاب﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي، وَالْيَمِين على من أنكر، وَهُوَ فصل الْخطاب، وَهَذَا قَول مَشْهُور ومعروف. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن فصل الْخطاب هُوَ الْبَيَان الْفَاصِل بَين الْحق وَالْبَاطِل.

стр. 5648

﴿ففرع مِنْهُم قَالُوا لَا تخف خصمان بغي بَعْضنَا على بعض فاحكم بَيْننَا بِالْحَقِّ وَلَا تشطط واهدنا إِلَى سَوَاء الصِّرَاط (٢٢) إِن هَذَا أخي لَهُ تسع وَتسْعُونَ نعجة ولي نعجة وَاحِدَة﴾ وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن مَعْنَاهُ: أما بعد، ذكره الشّعبِيّ، وَإِنَّمَا سمي: أما بعد فصل الْخطاب؛ لِأَن الْإِنْسَان يذكر الله وَيَحْمَدهُ، فَإِذا شرع فِي كَلَام آخر قَالَ: أما بعد، فقد كَانَ كَذَا، وَكَانَ كَذَا. وَقد ورد فِي الْقِصَّة: أَن رجلا أَتَى دَاوُد ﵇ وَادّعى أَن فلَانا اغتصب مِنْهُ بقرًا، فَدَعَا الْمُدَّعِي عَلَيْهِ، فَجحد؛ فَرَأى فِي الْمَنَام أَنه أَمر بقتل الْمُدعى عَلَيْهِ فَلم يفعل فَرَأى ثَانِيًا وثالثا وأنذر بِالْعَذَابِ إِن لم يفعل فَدَعَا الْمُدعى عَلَيْهِ وَأخْبرهُ أَن الله تَعَالَى أمره بقتْله؛ فَقَالَ: أَو حق هُوَ؟ قَالَ: نعم. فَقَالَ: أتقتلني بِغَيْر حجَّة؟ فَقَالَ لَهُ: وَالله لأنفذن أَمر الله فِيك. فَقَالَ: إِنِّي لم أقتل بِهَذَا، وَلَكِنِّي كنت اغتلت أَبَا هَذَا الرجل وقتلته، وَأقر بِهِ، فَقتله دَاوُد ﵇ فَلَمَّا رَأَتْ بَنو إِسْرَائِيل ذَلِك هابوه أَشد الهيبة، فَهِيَ معنى قَوْله ﴿وشددنا ملكه﴾ .

стр. 5649

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهل أَتَاك نبأ الْخصم﴾ أَي: خبر الْخصم، وأنشدوا فِي النبأ بِمَعْنى الْخَبَر: (إِنِّي أرقت فَلم أغمض جاري ... جزعا من النبأ الْعَظِيم السار) والخصم اسْم يَقع على الْوَاحِد والاثنين وَالْجَمَاعَة، وَقيل مَعْنَاهُ: ذُو خصم ذَوا خصم وذوو خصم، فعلى هَذَا يتَنَاوَل الْكل. وَقَوله: ﴿إِذْ تسوروا الْمِحْرَاب﴾ أَي صعدوا وعلوا، وَالْمعْنَى: أَنهم دخلُوا من جَانب سور الْمِحْرَاب لَا من مدْخل الَّذِي يدْخل النَّاس. واتفقت عَامَّة الْمُفَسّرين على أَن الَّذين دخلُوا كَانُوا ملكَيْنِ، وَقيل: إِنَّه كَانَ أَحدهمَا جِبْرِيل وَالْآخر مِيكَائِيل، وَذكر تسوروا بِلَفْظ الْجمع؛ لِأَن الْجمع يتَنَاوَل الِاثْنَيْنِ فَصَاعِدا.

стр. 5650

وَقَوله: ﴿إِذْ دخلُوا على دَاوُد فَفَزعَ مِنْهُم﴾ أَي: خَافَ مِنْهُم وَاخْتلف القَوْل فِي عِلّة الْخَوْف، فَقَالَ بَعضهم: إِنَّه خَافَ مِنْهُم، لأَنهم دخلُوا فِي غير وَقت الدُّخُول، وَقيل: خَافَ مِنْهُم؛ لأَنهم دخلُوا من أَعلَى السُّور. وَقَوله: ﴿قَالُوا لَا تخف﴾ يَعْنِي: فَلَا تخف ﴿خصمان بغى بَعضهم على بعض﴾ فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: ﴿خصمان بغى بَعْضنَا على بعض﴾ وَلم يكن من الْملكَيْنِ من بغى أَحدهمَا على الآخر؟ وَالْجَوَاب عَنهُ أَن مَعْنَاهُ: أَرَأَيْت خصمين بغى أَحدهمَا على الآخر، فَهَذَا من معاريض الْكَلَام، وَلَيْسَ على معنى تَحْقِيق بغي أَحدهمَا على الآخر. وَقيل مَعْنَاهُ: قَالَا: مَا قَوْلك فِي خصمين بغى أَحدهمَا على الآخر؟ وَهَذَا قريب من الأول، وَقَوله: ﴿فاحكم بَيْننَا بِالْحَقِّ﴾ أَي: بِالْعَدْلِ. وَقَوله: ﴿وَلَا تشطط﴾ يُقَال: أشط يشط إِذا جَار، وشطا يشط إِذا أبعد، قَالَ الشَّاعِر: (شطت مَزَار العاشقين، فَأَصْبَحت ... عسرا عَليّ طلابك ابْنة مخرم) وَقَالَ عمر بن أبي ربيعَة: ﴿تشط غَدا دَار جيراننا ... وللدار بعد غَد أبعد﴾ فَمَعْنَى قَوْله: ﴿وَلَا تشطط﴾ أَي: لَا تجر، وَقُرِئَ بِنصب التَّاء أَي: لَا تبعد عَن الْحق، وَقَوله: ﴿واهدنا إِلَى سَوَاء الصِّرَاط﴾ أَي: إِلَى الطَّرِيق الْمُسْتَقيم الصَّوَاب وَالْعدْل، وَقَوله: ﴿واهدنا﴾ أَي: وأرشدنا. قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن هَذَا أخي لَهُ تسع وَتسْعُونَ نعجة﴾ ذكر أهل التَّفْسِير أَن سَبَب ابتلاء دَاوُد ﵇ أَنه فتن بِامْرَأَة أوريا بن حنان، وَسبب ذَلِك أَن دَاوُد صلوَات الله عَلَيْهِ كَانَ قسم أَيَّامه، فَكَانَ يَخْلُو يَوْمًا لِلْعِبَادَةِ، ويخلو يَوْمًا لنسائه، وَيجْلس للْقَضَاء يَوْمًا مَعَ بني إِسْرَائِيل فيذاكرهم ويذاكرونه، فَجَلَسَ يَوْمًا مَعَ بني إِسْرَائِيل يذاكرهم، فذاكروا فتْنَة النِّسَاء، فأضمر دَاوُد فِي نَفسه أَنه إِن ابْتُلِيَ اعْتصمَ.

стр. 5651

وَفِي بعض التفاسير: أَن دَاوُد ﵇ رأى قرينيه من الْمَلَائِكَة، فَقَالَ لَهما: مَا بالكما معي، فَقَالَا: نحفظك ونحرسك، فتفكر فِي نَفسه أَنه كَانَ مَا يحْتَرز عَنهُ من الْأَشْيَاء يكون بحفظهما، أَو مَا يفعل من الْعِبَادَة فَيكون بحفظهما، فَهُوَ لَا يحمد فِي ذَلِك؛ فَأمر الله تَعَالَى الْملكَيْنِ أَن يخلياه يَوْمًا. وَفِي بعض الْقَصَص: أَن الله تَعَالَى حذره يَوْمًا، وَقَالَ: هُوَ يَوْم فتنتك، وَفِي بَعْضهَا: أَنه سمع بني إِسْرَائِيل يَقُولُونَ فِي دعواتهم: يَا إِلَه إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب، فَأحب أَن يذكر مَعَهم، فَذكر ذَلِك لله تَعَالَى فِي مناجاته، فَقَالَ: يَا دَاوُد إِنِّي ابتليتهم فصبروا. فَقَالَ: لَو ابتليتني صبرت، فَقَالَ: يَا دَاوُد إِنِّي مبتليك يَوْم كَذَا، فَلَمَّا كَانَ ذَلِك الْيَوْم دخل فِي متعبده، وتخلى لِلْعِبَادَةِ، وَهَذَا الْوَجْه الثَّالِث غَرِيب، وَالْمَشْهُور مَا ذكرنَا من قبل، قَالُوا: وَلما كَانَ فِي ذَلِك الْيَوْم وتخلى لِلْعِبَادَةِ وَجعل يُصَلِّي وَيقْرَأ التَّوْرَاة وَالزَّبُور ويكب على قراءتهما، فَبَيْنَمَا هُوَ خلال ذَلِك؛ إِذْ سقط طير من ذهب قَرِيبا مِنْهُ، وَيُقَال: إِنَّه إِبْلِيس تصور فِي صُورَة طير، وَكَانَ جناحاه من الدّرّ والزبرجد، فأعجبه حسن الطير، فقصد أَن يَأْخُذهُ فتباعد مِنْهُ، وَجعل هُوَ يتبعهُ إِلَى أَن أسرف فِي اتِّبَاعه إِلَى دَار من دور جِيرَانه، فَرَأى امْرَأَة تَغْتَسِل، فأعجبه حسنها وخلقها، وَفتن بهَا، فَلَمَّا أحست الْمَرْأَة بِمن ينظر إِلَيْهَا؛ حللت شعرهَا، فغشاها شعرهَا؛ فازداد دَاوُد فتْنَة، وَرجع وَسَأَلَ عَن الْمَرْأَة؛ فَقيل: إِنَّهَا امْرَأَة أوريا بن حنان، فَكَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت توجه غازيا إِلَى بعض الثغور، فَأحب أَن يقتل ويتزوج بامرأته، فَذكر بَعضهم أَن ذَنبه كَانَ هَذَا الْقدر. وَذكر بَعضهم: انه كتب إِلَى أَمِير الْجَيْش أَن يَجْعَل أوريا قُدَّام التابوت، وَكَانَ من جعل قُدَّام التابوت فإمَّا أَن يقتل أَو يفتح الله على يَدَيْهِ، فَلَمَّا جعل قُدَّام التابوت قتل، فَتزَوج دَاوُد الْمَرْأَة بَعْدَمَا انْقَضتْ عدتهَا. وروى مَسْرُوق عَن ابْن مَسْعُود، وَسَعِيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس أَنَّهُمَا قَالَا: كَانَ ذَنْب دَاوُد انه التمس من الرجل أَن ينزل عَن امْرَأَته، هَذَا قَول ابْن مَسْعُود، وَأما لفظ ابْن عَبَّاس: التمس أَن يتَحَوَّل لَهُ عَنْهَا.

стр. 5652

﴿فَقَالَ أكفلنيها وعزني فِي الْخطاب (٢٣) قَالَ لقد ظلمك بسؤال نعجتك إِلَى نعاجه وَإِن﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: وَقد كَانَ ذَلِك مُبَاحا لَهُم غير أَن الله تَعَالَى لم يرض لَهُ بذلك، لِأَنَّهُ كَانَ ذَلِك رَغْبَة فِي الدُّنْيَا، وازدياد من النِّسَاء، وَقد أغناه الله تَعَالَى عَنْهَا بِمَا أعطَاهُ من غَيرهَا. وَذكر بَعضهم: أَن ذَنبه كَانَ هُوَ أَنه خطب امْرَأَة، وَقد خطبهَا غَيره، فَدخل على خطْبَة غَيره، وَكَانَ ذَلِك مَنْهِيّا فِي شريعتهم، كَمَا هُوَ مَنْهِيّ فِي شريعتنا.

стр. 5653

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن هَذَا أخي لَهُ تسع وَتسْعُونَ نعجة﴾ النعجة هَا هُنَا كِنَايَة عَن الْمَرْأَة، وَالْعرب تكنى عَن الْمَرْأَة بالنعجة وَالشَّاة، قَالَ الشَّاعِر: (فرميت غَفلَة عينه عَن شاته ... فَأَصَبْت حَبَّة قلبه وطحالها) وَالْمرَاد من الشَّاة هَا هُنَا هِيَ الْمَرْأَة، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: " تِسْعَة وَتسْعُونَ نعجة أُنْثَى " قَالَ بَعضهم: ذكر أُنْثَى على طَرِيق التَّأْكِيد. وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " مَا أبقت الْفَرَائِض فَلأولى رجل ذكر " فَقَوله: " ذكر " مَذْكُور على وَجه التَّأْكِيد. وَقيل: يجوز أَن يُقَال: تِسْعَة وَتسْعُونَ نعجة، وَإِن كَانَ فِي خلالها ذكر، فَلَمَّا قَالَ: تِسْعَة وَتسْعُونَ نعجة أُنْثَى، عرف قطعا أَنه لَيْسَ فِي خلالها ذكر. وَقَوله: ﴿ولي نعجة وَاحِدَة﴾ فِي التَّفْسِير: أَنه كَانَ لأوريا امْرَأَة وَاحِدَة، ولداود تِسْعَة وَتسْعُونَ امْرَأَة، فَهَذَا هُوَ المعني بالنعاج والنعجة. وَقَوله: ﴿فَقَالَ أكفلنيها﴾ أَي: ضمهَا إِلَيّ: وَقيل: انْزِلْ لي عَنْهَا، وَقيل: اجْعَلنِي قيمها وكفيلا بأمرها. وَقَوله: ﴿وعزني فِي الْخطاب﴾ أَي: غلبني فِي الْخطاب، وقهرني فِي الْخطاب أَي:

стр. 5654

﴿كثيرا من الخلطاء ليبغي بَعضهم على بعض إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَقَلِيل مَا هم وَظن دَاوُود أَنما فتناه فَاسْتَغْفر ربه وخر رَاكِعا وأناب (٢٤) فغفرنا لَهُ ذَلِك وَإِن لَهُ﴾ فِي القَوْل لقُوَّة ملكه. وَحَقِيقَة الْمَعْنى: أَن الْغَلَبَة كَانَت لَهُ لضعفي فِي يَده، وَإِن كَانَ الْحق معي، وَعَن مُجَاهِد قَالَ: تحدث بَنو إِسْرَائِيل عِنْد دَاوُد أَنه لَا يمْضِي على ابْن آدم يَوْمًا إِلَّا ويذنب فِيهِ ذَنبا، واعتقد دَاوُد صلوَات الله عَلَيْهِ أَنه يحفظ نَفسه من الذَّنب، وَعين يَوْمًا، فَلَمَّا كَانَ ذَلِك الْيَوْم تخلى فِي متعبده، وَجعل يُصَلِّي ويسبح، وَيقْرَأ التَّوْرَاة وَالزَّبُور، فابتلي بِمَا ابْتُلِيَ بِهِ على مَا ذكرنَا. وَعَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ: من زعم أَن دَاوُد ارْتكب محرما من تِلْكَ الْمَرْأَة جلدته مائَة وَسِتِّينَ جلدَة، يَعْنِي ضعف مَا يجلد الْإِنْسَان فِي غَيره.

стр. 5655

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ لقد ظلمك﴾ مَعْنَاهُ: لقد ظلمك بسؤاله نعجتك إِلَى نعاجه، فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: لقد ظلمك بِمُجَرَّد قَوْله، وَلم يكن سمع قولة صَاحبه؟ الْجَواب عَنهُ: أَن يحْتَمل لقد ظلمك بِمُجَرَّد قَوْله، وَلم يكن صَاحبه أقرّ بذلك، وَيحْتَمل أَنه قَالَ: إِن كَانَ الْأَمر على مَا ذكرت فقد ظلمك بسؤاله نعجتك إِلَى نعاجه، وَفِي الْآيَة حذف، والمحذوف بسؤاله أَن تضم نعجتك إِلَى نعاجه، وَقد ثَبت عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ سَأَلَ زوج الْمَرْأَة أَن ينزل لَهُ عَن امْرَأَته، رَوَاهُ سعيد بن جُبَير عَنهُ. وَقَوله: ﴿وَإِن كثيرا من الخلطاء﴾ أَي: من الشُّرَكَاء، يُقَال: هَذَا خليطي أَي: شَرِيكي، وَقَوله: ﴿ليبغي بَعضهم على بعض﴾ أَي: يظلم بَعضهم بَعْضًا. وَقَوله: ﴿إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ يَعْنِي: أَنهم لَا يظلم بَعضهم بَعْضًا، وَقَوله: ﴿وَقَلِيل مَا هم﴾ أَي: وَقيل هم، و " مَا " صلَة. وَقَوله: ﴿وَظن دَاوُد أَنما فتناه﴾ أَي: وأيقن دَاوُد أَنما فتناه أَي: ابتليناه، وأوقعناه فِي الْفِتْنَة، وَقُرِئَ: " إِنَّمَا فتناه " بِالتَّخْفِيفِ، يَعْنِي: أَن الْملكَيْنِ فتناه.

стр. 5656

وَقَوله: ﴿فَاسْتَغْفر ربه﴾ أَي: طلب الْمَغْفِرَة من ربه (وخر رَاكِعا) أَي: سَاجِدا، فَعبر عَن السُّجُود بِالرُّكُوعِ؛ لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا نوع من الانحناء. وَقَوله: ﴿وأناب﴾ أَي: رَجَعَ وَتَابَ، قَالَ مُجَاهِد: مكث دَاوُد سَاجِدا أَرْبَعِينَ يَوْمًا لَا يرفع رَأسه. وَيُقَال: مكث فِي السُّجُود وَبكى حَتَّى نبت العشب حول رَأسه. وَذكر النقاش فِي تَفْسِيره: أَن الله تَعَالَى بعث إِلَيْهِ ملكا بعد أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَن أرفع رَأسك، فَلم يرفع، فَقَالَ لَهُ الْملك: أَيهَا العَبْد، أول أَمرك ذَنْب وَآخره مَعْصِيّة، ارْفَعْ رَأسك حِين أَمرك رَبك. وَذكر وهب بن مُنَبّه: أَن دَاوُد صلوَات الله عَلَيْهِ لم يشرب بعد ذَلِك مَاء، إِلَّا وَقد مزجه بدموعه، وَلم يَأْكُل طَعَاما إِلَّا وَقد بله بدموعه، وَلم ينم على فرَاش إِلَّا وَقد غرقه بدموعه. وَأم حكم السُّجُود فِي هَذِه الْآيَة، فَذكر بَعضهم: أَنَّهَا سَجْدَة شكر، وَذكر بَعضهم: أَنَّهَا سَجْدَة عَزِيمَة، وَقد روى الشَّافِعِي ﵀ بِإِسْنَادِهِ عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ أَنه كَانَ لَا يسْجد فِي " سُورَة ص " وَيَقُول: إِنَّهَا تَوْبَة نَبِي. وَفِي بعض التفاسير: أَن دَاوُد ﵇ لما قَالَ مَا قَالَ ضحك أحد الْملكَيْنِ إِلَى صَاحبه، ثمَّ ارتفعا إِلَى السَّمَاء، فَعلم دَاوُد أَنَّهُمَا أراداه بذلك القَوْل وأنهما ملكان مبعوثان من قبل الله تَعَالَى فَحِينَئِذٍ وَقع على الأَرْض سَاجِدا.

стр. 5657

قَوْله تَعَالَى: ﴿فغفرنا لَهُ ذَلِك﴾ فغفرنا لَهُ ذَنبه ذَلِك، وَعَن [أبي] سُلَيْمَان الدَّارَانِي: أَن الله تَعَالَى قَالَ: يَا دَاوُد قد غفرت ذَنْبك، وَأما الْمَوَدَّة الَّتِي كَانَت بيني وَبَيْنك فقد مَضَت. وَفِي الْقِصَّة: أَن الوحوش والطيور كَانَ تستمع إِلَى قراءاته وتصغي إِلَيْهَا، فَلَمَّا فعل مَا فعل، [كَانَ] يقْرَأ الزبُور بعد ذَلِك، وَلَا تصغي الطُّيُور وَلَا الوحوش إِلَى ذَلِك،

стр. 5658

﴿عندنَا لزلفى وَحسن مآب (٢٥) يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض فاحكم بَين النَّاس بِالْحَقِّ وَلَا تتبع الْهوى فيضلك عَن سَبِيل الله إِن الَّذين يضلون عَن سَبِيل الله لَهُم عَذَاب شَدِيد بِمَا نسوا يَوْم الْحساب (٢٦) وَمَا خلقنَا﴾ فروى أَنَّهَا قَالَت يَعْنِي الوحوش والطيور: يَا دَاوُد ذهبت خطيئتك بحلاوة صَوْتك. وَقَوله: ﴿وَإِن لَهُ عندنَا لزلفى﴾ أَي: قربى ﴿وَحسن مآب﴾ أَي: حسن مرجع ومنقلب، وَفِي بعض التفاسير: أَن دَاوُد صلوَات الله عَلَيْهِ يحْشر وخطيئته منقوشة فِي كَفه، فحين يَرَاهَا؛ يَقُول: يَا رب، مَا أرى خطيئتي إِلَّا مهلكي، فَيَقُول الله تَعَالَى لَهُ: إِلَيّ يَا دَاوُد، فَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن لَهُ عندنَا لزلفى وَحسن مآب﴾ وأنشدوا فِي الرُّكُوع بِمَعْنى السُّجُود على مَا بَينا شعرًا: (فَخر على وَجهه رَاكِعا ... وَتَابَ إِلَى الله من كل ذَنْب)

стр. 5659

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض﴾ أَي: خَليفَة عَمَّن سبق، وَيُقَال: خليفتي؛ وَمن هَذَا يجوز أَن يُسمى الْخُلَفَاء خلفاء الله. وَقَوله: ﴿فاحكم بَين النَّاس بِالْحَقِّ﴾ أَي: بِالْعَدْلِ، وَقَوله: ﴿وَلَا تتبع الْهوى فيضلك عَن سَبِيل الله﴾ أَي: يصدك ويردك عَن سَبِيل الله. وَقَوله: ﴿إِن الَّذين يضلون عَن سَبِيل الله لَهُم عَذَاب شَدِيد بِمَا نسوا يَوْم الْحساب﴾ فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَمَعْنَاهُ: لَهُم عَذَاب شَدِيد يَوْم الْحساب بِمَا نسوا أَي: تركُوا أَمر الله وغفلوا عَن الْقِيَامَة. وَفِي الْقِصَّة: أَن الله تَعَالَى كَانَ قد بعث سلسلة من السَّمَاء، وَكَانَ يخْتَصم إِلَى دَاوُد، والخصمان والسلسلة قُدَّام مَجْلِسه، فَكَانَ يَأْمر كل وَاحِد مِنْهُمَا أَن يَأْخُذ السلسلة، وَكَانَ ينالها المحق وَلَا ينالها الْمُبْطل، فاشتدت هيبته فِي بني إِسْرَائِيل لذَلِك، فاختصم رجلَانِ فِي عقد لُؤْلُؤ أودعهُ أَحدهمَا من صَاحبه وجحده الْمُودع، فَعمد الْمُودع إِلَى عَصا وقورها، وَجعل العقد فِيهَا، فَلَمَّا اخْتَصمَا إِلَى دَاوُد أَمرهمَا بالتحاكم إِلَى السلسلة، فَذهب الْمُدَّعِي إِلَى السلسلة، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَنِّي أودعت هَذَا

стр. 5660

﴿السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا بَاطِلا ذَلِك ظن الَّذين كفرُوا فويل للَّذين كفرُوا من النَّار (٢٧) أم نجْعَل الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات كالمفسدين فِي الأَرْض أم نجْعَل الْمُتَّقِينَ كالفجار (٢٨) كتاب أَنزَلْنَاهُ إِلَيْك مبارك ليدبروا آيَاته وليتذكر أولُوا الْأَلْبَاب (٢٩) الرجل عقد لُؤْلُؤ، وَلم يردهُ إِلَى، فأنلني السلسلة، ثمَّ رفع يَده ونالها، وَجَاء صَاحبه إِلَى السلسلة، والعصا فِي يَده، فَقَالَ للْمُدَّعِي: أمسك هَذِه الْعَصَا حَتَّى آخذ السلسلة، فَأَخذهَا مِنْهُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَنِّي قد رَددتهَا إِلَيْهِ فأنلني السلسلة، ثمَّ إِنَّه رفع يَده، ونال السلسلة؛ فتحير دَاوُد وَبَنُو إِسْرَائِيل فِي ذَلِك. وَرفع الله السلسلة، وَأمر دَاوُد ﵇ بِأَن يقْضِي بَين النَّاس بِالْبَيِّنَةِ وَالْيَمِين؛ فجرت السّنة على ذَلِك إِلَى قيام السَّاعَة.

стр. 5661

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا خلقنَا السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا بَاطِلا﴾ أَي: لعبا، وَقيل: لغير حِكْمَة، وَقَوله: ﴿ذَلِك ظن الَّذين كفرُوا﴾ وَهَذَا دَلِيل على أَن الله تَعَالَى يعذب الْكفَّار بِالظَّنِّ الْبَاطِل، وَقَوله: ﴿فويل للَّذين كفرُوا من النَّار﴾ أَي: من نَار جَهَنَّم.

стр. 5662

قَوْله تَعَالَى: ﴿أم نجْعَل الَّذين آمنُوا﴾ مَعْنَاهُ: أنجعل الَّذين آمنُوا (وَعمِلُوا الصَّالِحَات كالمفسدين فِي الأَرْض) أَي: لَا نجْعَل. وَقَوله: ﴿أم نجْعَل الْمُتَّقِينَ كالفجار﴾ أَي: الْمُؤمنِينَ كالكفار، وَيُقَال: المُرَاد بالمتقين هَا هُنَا أَصْحَاب رَسُول الله، وَقيل: بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب، والفجار هم وُجُوه الْمُشْركين وسادتهم.

стр. 5663

قَوْله تَعَالَى: ﴿كتاب أَنزَلْنَاهُ إِلَيْك مبارك﴾ أَي: هَذَا كتاب أَنزَلْنَاهُ إِلَيْك مبارك. وَقَوله: ﴿ليدبروا آيَاته﴾ أَي: ليتدبروا ويتفكروا فِي آيَاته، وَقَوله: ﴿وليتذكروا أولو الْأَلْبَاب﴾ أَي: يتَذَكَّر أولو الْعُقُول، قَالَ الْحسن فِي قَوْله: ﴿أولو الْأَلْبَاب﴾ عَاتَبَهُمْ لِأَنَّهُ أحبهم.

стр. 5664

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لداود سُلَيْمَان نعم العَبْد إِنَّه أواب﴾ قد بَينا.

стр. 5665

﴿وَوَهَبْنَا لداوود سُلَيْمَان نعم العَبْد إِنَّه أواب (٣٠) إِذْ عرض عَلَيْهِ بالْعَشي الصافنات الْجِيَاد (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْت حب الْخَيْر عَن ذكر رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بالحجاب (٣٢) ﴾

стр. 5666

قَوْله: ﴿إِذْ عرض عَلَيْهِ بالْعَشي الصافنات الْجِيَاد﴾ أَي: الْخَيل الْجِيَاد، والصافنات: هِيَ الْخَيل الَّتِي قَامَت على ثَلَاث قَوَائِم، وثنى إِحْدَى قوائمه، وَقَامَ على السنبك. وَقيل: والصافن فِي اللُّغَة: هُوَ الْقَائِم، وَقد روى عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من سره أَن يكون النَّاس لَهُ صُفُونا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار " أَي: قيَاما. قَالَ الشَّاعِر: (ألف الصفون فَمَا يزَال كَأَنَّهُ ... مِمَّا يقوم على الثَّلَاث كسيرا) وَقَوله: ﴿الْجِيَاد﴾ أَي: السراع، قَالَ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ: كَانَت [عشْرين] فرسا لَهَا أَجْنِحَة، وَقَالَ عِكْرِمَة: عشرُون ألف فرس لَهَا أَجْنِحَة، وَقَالَ بَعضهم: كَانَت ألفا من الْخَيل الْعتاق أَي: الْكِرَام، وَيُقَال أَيْضا: إِن الله تَعَالَى كَانَ أخرجهَا لَهُ من الْبَحْر.

стр. 5667

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِّي أَحْبَبْت حب الْخَيْر﴾ أَي: آثرت حب الْخَيْر، وَأما الْخَيْر؛ فَأكْثر الْمُفَسّرين على أَنَّهَا الْخَيل فِي هَذِه الْآيَة، وَكَذَا قَرَأَ ابْن مَسْعُود بِاللَّامِ. وروى أَن زيد الْخَيل الطَّائِي وَفد إِلَى النَّبِي فَقَالَ لَهُ النَّبِي: " من أَنْت؟ فَقَالَ: أَنا زيد الْخَيل. فَقَالَ: أَنْت زيد الْخَيْر ".

стр. 5668

﴿ردوهَا عَليّ فَطَفِقَ مسحا بِالسوقِ والأعناق (٣٣) وَلَقَد فتنا سُلَيْمَان وألقينا على كرسيه﴾ وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الْخَيْر هَا هُنَا هُوَ الدُّنْيَا أَي: آثرت الدُّنْيَا على ذكر رَبِّي أَي: صَلَاة الْعَصْر. قَوْله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ أَي: تَوَارَتْ الشَّمْس بالحجاب، فكنى عَن الشَّمْس وَإِن لم يجر لَهَا ذكر، وَقد بَينا مِثَال هَذَا، وَيُقَال: قد سبق مَا يدل على ذكر الشَّمْس، فاستقامت الْكِنَايَة عَنْهَا، وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ عرض عَلَيْهِ بالْعَشي﴾ والعشي لَا يعرف إِلَّا بالشمس. وَأما الْحجاب، فَيُقَال: إِنَّه جبل قَاف، وَالشَّمْس تغرب من وَرَائه، وَيُقَال: إِنَّه جبل من ياقوت أَخْضَر، وخضرة السَّمَاء مِنْهُ.

стр. 5669

قَوْله تَعَالَى: ﴿ردوهَا عَليّ﴾ أَي: ردوا الْخَيل عَليّ، وَقَوله: ﴿فَطَفِقَ مسحا بِالسوقِ والأعناق﴾ ذهب أَكثر الْمُفَسّرين إِلَى أَن المُرَاد مِنْهُ أَنه قطع عراقيبها وأعناقها، وَهَذَا مَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس وَالْحسن وَقَتَادَة، وَأوردهُ الْفراء والزجاج. قَالَ الْحسن: كسف عراقيبها وَضرب أعناقها، قَالَ الزّجاج: وَيجوز أَن يكون الله تَعَالَى أَبَاحَ لَهُ فِي ذَلِك الْوَقْت وَحرم فِي هَذَا الْوَقْت علينا وَلم يكن ليقدم نَبِي الله تَعَالَى على ذَلِك، وَهُوَ محرم عَلَيْهِ، وَكَيف يسْتَغْفر من ذَنْب بذنب؟ ! . وَعَن ابْن عَبَّاس فِي بعض الرِّوَايَات: أَن سُلَيْمَان ﵇ جعل يمسح عراقيبها وأعناقها بِيَدِهِ وثوبه؛ شَفَقَة عَلَيْهَا، وَهَذَا قَول ضَعِيف، وَلَا يَلِيق هَذَا الْفِعْل بِمَا سبق، وَالْمَشْهُور هُوَ القَوْل الأول. وَذكر الْكَلْبِيّ: أَن الْخَيل كَانَت ألفا، فَقتل مِنْهَا تِسْعمائَة وَبقيت مائَة، فَهِيَ أصل الْخَيل الْعتاق الَّتِي بقيت فِي أَيدي النَّاس. وَيُقَال: إِنَّهَا كَانَت خيلا أَخذهَا من العمالقة، وَكَانَت تعرض عَلَيْهِ؛ فَغَفَلَ عَن صَلَاة الْعَصْر حَتَّى غربت الشَّمْس، فَأمر بردهَا عَلَيْهِ، وَقطع عراقيبها، وَضرب أعناقها؛ لِأَنَّهَا ألهته عَن ذكر الله، وَيُقَال: ذَبحهَا ذبحا وَتصدق بِلُحُومِهَا، وَكَانَ الذّبْح حَلَالا فِي شَرِيعَته على ذَلِك الْوَجْه.

стр. 5670

﴿جسدا ثمَّ أناب (٣٤) قَالَ رب اغْفِر لي وهب لي ملكا لَا يَنْبَغِي لأحد من بعدِي إِنَّك﴾

стр. 5671

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد فتنا سُلَيْمَان﴾ أَي: اختبرنا سُلَيْمَان فابتليناه، وَيُقَال: فتنا سُلَيْمَان أَي: ألقيناه فِي الْفِتْنَة. وَقَوله: ﴿وألقينا على كرسيه جسدا ثمَّ أناب﴾ ذهب أَكثر الْمُفَسّرين إِلَى أَن الْجَسَد الَّذِي ألقِي على كرْسِي سُلَيْمَان هُوَ صَخْر الجني. قَالَ السّديّ: كَانَ اسْمه حبقيق، وَعَن بَعضهم: ان اسْمه كَانَ آصف، وَالْمَعْرُوف هُوَ الأول، وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄. وَأما قصَّته: فزعموا أَن صخرا كَانَ شَيْطَانا ماردا لَا يقوى عَلَيْهِ أحد، فَابْتلى الله تَعَالَى سُلَيْمَان بِهِ، وسلبه ملكه، وَقعد هَذَا الشَّيْطَان على كرسيه يقْضِي بَين النَّاس، وَكَانَ سَبَب ذَلِك فِيمَا زَعَمُوا أَن ملك سُلَيْمَان كَانَ فِي خَاتمه، قَالَ وهب: وَكَانَ ذَلِك الْخَاتم فَمَا ألبسهُ الله تَعَالَى آدم ﵇ فِي الْجنَّة، وَكَانَ يضيء كضوء الشَّمْس، فَلَمَّا أكل آدم من الشَّجَرَة، وَعصى الله تَعَالَى سلب الْخَاتم. ثمَّ إِن الله تَعَالَى أنزلهُ على سُلَيْمَان، وَعقد بِهِ ملكه، قَالُوا: وَكَانَ الْخَاتم مربعًا لَهُ أَرْبَعَة أَرْكَان، فِي ركن مِنْهُ مَكْتُوب: أَنا الله لم أزل، وَفِي الرُّكْن الثَّانِي مَكْتُوب: أَنا الله الْحَيّ القيوم، وَفِي الرُّكْن الثَّالِث مَكْتُوب: أَنا الْعَزِيز لَا عَزِيز غَيْرِي، وَفِي الرُّكْن الرَّابِع مَكْتُوب: مُحَمَّد رَسُول الله. وَيُقَال: كَانَ الْمَكْتُوب عَلَيْهِ آيَة الْكُرْسِيّ، قَالُوا: وَكَانَ سُلَيْمَان ﵇ إِذا دخل مغتسله سلم الْخَاتم إِلَى جَارِيَة لَهُ، فَدخل مرّة وَسلم الْخَاتم إِلَى الْجَارِيَة، فجَاء صَخْر فِي صُورَة سُلَيْمَان فَأخذ الْخَاتم من الْجَارِيَة، وَخرج سُلَيْمَان يطْلب الْخَاتم، فَقَالَت: قد أخذت مني الْخَاتم مرّة، فَعلم [سُلَيْمَان] أَن الله تَعَالَى سلبه ملكه. وَذهب سُلَيْمَان يسيح فِي الأَرْض، وَلم يعرفهُ أحد بصورته، وَكَانَ يستطعم النَّاس

стр. 5672

وَيَقُول: أَنا سُلَيْمَان بن دَاوُد، فيكذبونه ويؤذونه ويزعمون أَنه مَجْنُون. حَتَّى روى أَنه استطعم مرّة من قوم وَزعم أَنه سُلَيْمَان بن دَاوُد، فَقَامَ رجل وشج رَأسه بعصا فِي يَده، ثمَّ إِنَّهُم أَعْطوهُ كسرة يابسة، فَحمل الكسرة إِلَى شط نهر ليبليها بِالْمَاءِ، وَكَانَ جائعا لم يصب طَعَاما مُنْذُ أَيَّام، فَذهب المَاء بالكسرة. وَيُقَال: إِنَّه كَانَ على شط الْبَحْر، فَجَاءَت موجة وحملت الكسرة، فَدخل هُوَ الْبَحْر فِي إثْرهَا حَتَّى خَافَ الْغَرق فَرجع وَرجعت الكسرة ثمَّ إِنَّه طمع فِيهَا وَذهب ليأخذها، فَذَهَبت الكسرة، هَكَذَا مَرَّات؛ فَبكى سُلَيْمَان وتضرع إِلَى الله تَعَالَى فرحمه الله تَعَالَى ورد إِلَيْهِ ملكه. وَكَانَ سَبَب رد ملكه إِلَيْهِ أَنه مر على قوم صيادين؛ فَسَأَلَهُمْ شَيْئا ليأكله فَأَعْطوهُ سَمَكَة ميتَة، فشق جوفها، فَوجدَ خَاتِمَة فِيهَا، فَجعله فِي إصبعه، وَعَاد إِلَيْهِ ملكه، وعكفت الطير فِي الْوَقْت على رَأسه، وَاجْتمعَ إِلَيْهِ الْإِنْس وَالْجِنّ وَالشَّيَاطِين. وَأما مُدَّة ذهَاب ملكه كَانَ [أَرْبَعِينَ] يَوْمًا، وَأما حَدِيث صَخْر الجني فَإِنَّهُ لما أَخذ الْخَاتم، وَقد تحول فِي صُورَة سُلَيْمَان، ذهب وَقعد على كرسيه، وَجعل ينفذ مَا كَانَ ينفذهُ سُلَيْمَان إِلَّا أَن الله تَعَالَى مَنعه نسَاء سُلَيْمَان، هَكَذَا رُوِيَ عَن الْحسن. وَقد ذكر غَيره أَنه كَانَ يُصِيب من نسَاء سُلَيْمَان فِي الْحيض، وَذكر أَنه يُصِيب فِي الْحيض وَغير الْحيض، وَالله أعلم. وَاخْتلف القَوْل فِي أَنه هَل بَقِي مَعَه الْخَاتم أَولا؟ فأحد الْقَوْلَيْنِ: أَنه ذهب وَطرح الْخَاتم فِي الْبَحْر. وَالْقَوْل الآخر: أَنه كَانَ مَعَه، وَالْقَوْل الْأَشْهر أولى وَأعرف. وَذكر النقاش فِي تَفْسِيره: أَن بني إِسْرَائِيل أَنْكَرُوا أَمر صَخْر الجني؛ لِأَنَّهُ كَانَ يقْضِي بِغَيْر الْحق؛ فَذَهَبُوا إِلَى نسَاء سُلَيْمَان، وَقَالُوا لَهُنَّ: تنكرون من أَمر سُلَيْمَان شَيْئا، فَقُلْنَ: نعم؛ فَحِينَئِذٍ وَقع فِي قلبهم أَن سُلَيْمَان قد ابْتُلِيَ، وَأَن الله تَعَالَى سلبه ملكه، وَأَن الشَّخْص الَّذِي على الْكُرْسِيّ شَيْطَان.

стр. 5673

فَأخذُوا التَّوْرَاة وَجَاءُوا إِلَى حول الْكُرْسِيّ وَجعل يقرءونها؛ فطار صَخْر إِلَى أشرف الْقصر، ثمَّ طَار من شرف الْقصر وَمر فَوَقع فِي الْبَحْر. وَفِي التَّفْسِير: أَن الله تَعَالَى لما رد على سُلَيْمَان ملكه، أَمر الشَّيَاطِين يطْلب صَخْر، فوجدوه وَحَمَلُوهُ إِلَى سُلَيْمَان؛ فصفده بالحديد، وَجعله فِي صندوق، وألقاه فِي الْبَحْر، فَهُوَ فِي الْبَحْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَأما السَّبَب [الَّذِي] ابْتُلِيَ الله لأَجله سُلَيْمَان، فَفِيهِ أَقْوَال كَثِيرَة: أَحدهَا: أَن الله تَعَالَى كَانَ أمره أَلا يتَزَوَّج امْرَأَة من غير بني إِسْرَائِيل، فَخَالف وَتزَوج امْرَأَة من غَيرهم، فابتلاه الله تَعَالَى بِمَا ذكرنَا. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه تزوج بِامْرَأَة؛ فعبدت الْمَرْأَة صنما فِي دَاره من غير أَن يشْعر سُلَيْمَان بذلك، فابتلاه الله تَعَالَى لِغَفْلَتِه، وَهَذَا قَول مَشْهُور. وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنه كَانَت عِنْده امْرَأَة، وَكَانَ يُحِبهَا حبا شَدِيدا، فخاصم أَخُوهَا إِلَى سُلَيْمَان فِي شَيْء مَعَ إِنْسَان، فطلبت الْمَرْأَة من سُلَيْمَان أَن يقْضِي لأَخِيهَا؛ فَقَالَ لَهَا: نعم، وَلم يفعل ذَلِك، فابتلاه الله تَعَالَى. وَالْقَوْل الرَّابِع: أَنه احتجب من النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام، وَلم ياذن لأحد، ذكره شهر بن حَوْشَب، وابتلاه الله تَعَالَى بِمَا ذكرنَا، وَأوحى الله تَعَالَى يَا سُلَيْمَان، إِنِّي إِنَّمَا بَعَثْتُك وأعطيتك هَذَا الْملك؛ لتنصف المظلومين، وَتَكون عونا للضعفاء على الأقوياء، وَلم أعطك لتحتجب عَن النَّاس. وَالْقَوْل الْخَامِس: أَنه قَالَ مرّة: وَالله لأطوفن اللَّيْلَة على نسَائِي، وَكَانَ لَهُ ثلثمِائة امْرَأَة، وَسَبْعمائة سَرِيَّة، ولتحملن كل امْرَأَة مِنْهُنَّ، وتلد غُلَاما يُقَاتل فِي سَبِيل الله، فَقَالَ لَهُ الْملك: قل إِن شَاءَ الله، فَلم يقل، فَلم تحمل امْرَأَة مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَة وَاحِدَة حملت، فَولدت نصف إِنْسَان، وابتلاه الله تَعَالَى.

стр. 5674

﴿أَنْت الْوَهَّاب (٣٥) فسخرنا لَهُ الرّيح تجْرِي بأَمْره رخاء حَيْثُ أصَاب (٣٦) ﴾ وَهَذَا خبر مَرْفُوع إِلَى النَّبِي وعَلى هَذَا القَوْل كَانَ الْجَسَد الَّذِي ألقِي على كرسيه هُوَ وَلَده، وَذكر بَعضهم: أَن سُلَيْمَان ﵇ ولدله ابْن، فخاف عَلَيْهِ من الشَّيَاطِين، فأودعه السَّحَاب لتربيه؛ فَسقط على كرسيه مَيتا، فَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وألقينا على كرسيه جسدا﴾ وَالله أعلم. وَالْقَوْل السَّادِس: مَا رُوِيَ عَن الْحسن قَالَ: إِنَّه كَانَ أصَاب من بعض نِسَائِهِ فِي حَالَة الْحيض، فابتلاه الله تَعَالَى بِمَا ذكرنَا، وَالله أعلم بِمَا كَانَ، وَلَا شكّ أَن الْآيَة تدل على أَن الله تَعَالَى قد أقعد على كرسيه غَيره، وسلبه شَيْئا كَانَ لَهُ. وَقَوله: ﴿ثمَّ أناب﴾ أَي: رَجَعَ إِلَى ملكه.

стр. 5675

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب اغْفِر لي وهب لي ملكا لَا يَنْبَغِي لأحد من بعدِي﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالَ: ﴿لَا يَنْبَغِي لأحد من بعدِي﴾ وَهل كَانَ هَذَا حسدا مِنْهُ لغيره، حَتَّى لَا ينَال غَيره مَا نَالَ هُوَ؟ وَالْجَوَاب: أَن معنى قَوْله: ﴿لَا يَنْبَغِي لأحد من بعدِي﴾ أَي: لَا يكون لأحد من بعدِي على معنى انك تسلبه وتعطيه غَيره، كَمَا سلبت من قبل ملكي وَأعْطيت صخرا. . الْخَبَر. وَيُقَال: إِنَّمَا طلب ذَلِك لتظهر كرامته وخصوصيته عِنْد الله تَعَالَى وَقد ثَبت بِرِوَايَة أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " عرض لي اللَّيْلَة شَيْطَان، وَأَرَادَ أَن يفْسد عَليّ صَلَاتي؛ فأمكنني الله تَعَالَى مِنْهُ، فَأَخَذته وَأَرَدْت أَن أربطه حَتَّى تصبحوا فتنظروا إِلَيْهِ، ثمَّ ذكرت قَول أخي سُلَيْمَان ﴿رب هَب لي ملكا لَا يَنْبَغِي لأحد من بعدِي﴾ فتركته، ورده الله خائبا خاسئا ". وَقَوله: ﴿إِنَّك أَنْت الْوَهَّاب﴾ أَي: الْمُعْطِي.
следующие страницы →