← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين كفرُوا ينادون﴾ فِي التَّفْسِير: أَن الْكَافِر تعرض إِلَيْهِ أَعماله السَّيئَة فيمقت نَفسه أَشد المقت، فيناديهم الله تَعَالَى: ﴿لمقت الله أكبر من مقتكم

стр. 5847

﴿أكبر من مقتكم أَنفسكُم إِذْ تدعون إِلَى الْإِيمَان فتكفرون (١٠) قَالُوا رَبنَا أمتنَا اثْنَتَيْنِ وأحيينا اثْنَتَيْنِ فاعترفنا بذنوبنا فَهَل إِلَى خُرُوج فِي سَبِيل (١١) ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذا دعِي الله﴾ أَنفسكُم) أَي: مقت الله إيَّاكُمْ فِي الدُّنْيَا أعظم من مقتكم الْيَوْم أَنفسكُم بِمَا ظهر لكم من أَعمالكُم السَّيئَة. وَقد حكى معنى هَذَا عَن ابْن عَبَّاس. وَقَالَ بَعضهم: لمقت الله أياكم فِي الدُّنْيَا أكبر من مقت بَعْضكُم بَعْضًا، وَذَلِكَ حِين يتبرأ بَعضهم من بعض. قَوْله: ﴿إِذْ تدعون إِلَى الْإِيمَان فتكفرون﴾ يَعْنِي: إِن مقت الله إيَّاكُمْ كَانَ لِأَن الله دعَاكُمْ إِلَى الْإِيمَان فكفرتم.

стр. 5848

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا رَبنَا أمتنَا اثْنَتَيْنِ وأحييتنا اثْنَتَيْنِ﴾ الإماتة الأولى: هُوَ أَنهم كَانُوا نطفا فِي أصلاب الْآبَاء موتى، ثمَّ أحياهم بالخلق وَإِدْخَال الرّوح، ثمَّ يميتهم الْمَوْت الْمَعْلُوم الَّذِي لَا بُد من ذوقه، ثمَّ يحييهم يَوْم الْقِيَامَة. هَذَا قَول مُجَاهِد وَقَتَادَة وَجَمَاعَة. وَالْقَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة: أَن الْإِحْيَاء الأول حِين أخرجهم من صلب آدم وَأخذ عَلَيْهِم الْمِيثَاق، ثمَّ أماتهم بِالرَّدِّ إِلَى الأصلاب، ثمَّ أحياهم بِالْإِخْرَاجِ ثَانِيًا، ثمَّ يميتهم الْمَوْت الْمَعْرُوف. فَإِن قيل: فَأَيْنَ الْحَيَاة فِي الْآخِرَة؟ قُلْنَا: المُرَاد على هَذَا القَوْل حياتان وموتتان فِي الدُّنْيَا سوى الْحَيَاة فِي الْآخِرَة. وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن الإماتة الأولى هُوَ الْمَوْت الْمَعْرُوف، والإحياء الأول هُوَ الْإِحْيَاء فِي الْقَبْر للمسائلة، والإماتة الثَّانِيَة هِيَ الإماتة بعد الْإِحْيَاء فِي الْقَبْر، والإحياء الثَّانِيَة هِيَ الْإِحْيَاء للبعث، هَكَذَا ذكره السدى. وَقَوله: ﴿فاعترفنا بذنوبنا﴾ أَي خطايانا وَقَوله ﴿فَهَل إِلَى خُرُوج من سَبِيل﴾ أَي: فَهَل إِلَى خُرُوج عَن النَّار من سَبِيل.

стр. 5849

قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذا دعى الله وَحده كَفرْتُمْ﴾ مَعْنَاهُ: أَن تخليدكم فِي النَّار

стр. 5850

﴿وَحده كَفرْتُمْ وَإِن يُشْرك بِهِ تؤمنوا فَالْحكم لله الْعلي الْكَبِير (١٢) هُوَ الَّذِي يريكم آيَاته وَينزل لكم من السَّمَاء رزقا وَمَا يتَذَكَّر إِلَّا من ينيب (١٣) فَادعوا الله مُخلصين لَهُ الدّين وَلَو كره الْكَافِرُونَ (١٤) رفيع الدَّرَجَات ذُو الْعَرْش يلقِي الرّوح من أمره على من﴾ ومكثكم فِيهَا كَانَ بِأَنَّهُ إِذا دعى الله وَحده كَفرْتُمْ. ﴿وَإِن يُشْرك بِهِ تؤمنوا﴾ أَي: يُشْرك بِاللَّه تؤمنوا، أَي: تصدقوا بالشرك. وَقَوله: ﴿فَالْحكم لله الْعلي الْكَبِير﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 5851

قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يريكم آيَاته﴾ أَي: عبره ودلائله. وَقَوله: ﴿وَينزل لكم من السَّمَاء رزقا﴾ أَي: الْمَطَر؛ لِأَنَّهُ سَبَب الأرزاق. وَقَوله: ﴿وَمَا يتَذَكَّر إِلَّا من ينيب﴾ أَي: وَمَا يتعظ إِلَّا من يرجع إِلَى الله فِي جَمِيع أُمُوره.

стр. 5852

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَادعوا الله مُخلصين لَهُ الدّين﴾ أَي: مُخلصين لَهُ التَّوْحِيد. وَمَعْنَاهُ: وحدوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا. وَقَوله: ﴿وَلَو كره الْكَافِرُونَ﴾ أَي: سخط الْكَافِرُونَ، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ﴾ وَقد بَينا هَذَا من قبل.

стр. 5853

قَوْله تَعَالَى: ﴿رفيع الدَّرَجَات ذُو الْعَرْش﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس بِرِوَايَة عَطاء: رَافع السَّمَوَات، سَمَاء فَوق سَمَاء. وَعَن بَعضهم: رَافع دَرَجَات الْأَنْبِيَاء والأولياء. وَقَالَ بَعضهم: رفيع الدَّرَجَات أَي: عَظِيم الصِّفَات، وَهُوَ رَاجع إِلَى الله تَعَالَى، قَالَه مقَاتل. قَالَ: الله فَوق كل شَيْء، وَلَيْسَ فَوْقه شَيْء. وَقَوله: ﴿ذُو الْعَرْش﴾ أَي: لَهُ الْعَرْش خلقا وملكا. وَقَوله: ﴿يلقِي الرّوح من أمره﴾ قَالَ مُجَاهِد: هُوَ الْوَحْي، وَسمي روحا؛ لِأَنَّهُ يحيا بِهِ الْخلق. وَقَالَ قَتَادَة: هُوَ النُّبُوَّة. وَقيل: هُوَ جِبْرِيل يُرْسِلهُ على من يَشَاء من أنبيائه

стр. 5854

﴿يَشَاء من عباده لينذر يَوْم التلاق (١٥) يَوْم هم بارزون لَا يخفى على الله مِنْهُم شَيْء لمن الْملك الْيَوْم لله الْوَاحِد القهار (١٦) الْيَوْم تجزى كل نفس بِمَا كسبت لَا ظلم﴾ وروح الْإِنْسَان مَا يحيا بِهِ الْإِنْسَان. وَقَوله: ﴿من أمره﴾ أَي: بأَمْره. وَقَوله: ﴿على من يَشَاء من عباده﴾ من النَّبِيين وَالرسل. وَقَوله: ﴿لينذر يَوْم التلاق﴾ الْمَعْرُوف بِالْيَاءِ، وَقُرِئَ بِالتَّاءِ. بِالْيَاءِ أَي: لينذر الله، وَقيل: لينذر الْوَحْي. وَأما بِالتَّاءِ فَالْمُرَاد بِهِ الرَّسُول. وَقَوله: ﴿يَوْم التلاق﴾ قَالَ قَتَادَة: يلتقي فِيهِ أهل السَّمَاء وَأهل الأَرْض، الْأَولونَ وَالْآخرُونَ. وَعَن بَعضهم: يلتقي فِيهِ الْخلق والخالق. وَقَالَ مَيْمُون بن مهْرَان: يلتقي فِيهِ الظَّالِم والمظلوم. وَعَن ابْن عَبَّاس: يلتقي فِيهِ آدم وَآخر ولد من أَوْلَاده.

стр. 5855

وَقَوله: ﴿يَوْم هم بارزون﴾ أَي: بادون ظاهرون وَلَا يتسترون بِشَيْء من جبل وَغَيره. قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يخفى على الله مِنْهُم شَيْء﴾ أَي: من أَعْمَالهم. وَقَوله: ﴿لمن الْملك الْيَوْم﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: يَقُول الله تَعَالَى هَذَا حِين تفنى الْخَلَائق، وَلَا يكون أحد يجِيبه، فيجيب نَفسه [بِنَفسِهِ] وَيَقُول: لله الْوَاحِد القهار. وعَلى هَذَا عَامَّة الْمُفَسّرين. وَقد ثَبت بِرِوَايَة ابْن عمر وَغَيره أَن النَّبِي قَالَ: " يقبض الله السَّمَوَات وَالْأَرْض بِيَمِينِهِ، ثمَّ يَهُزهُنَّ وَيَقُول: أَنا الْملك، أَيْن مُلُوك الأَرْض "؟ وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَن الله تَعَالَى يبْعَث الْخَلَائق ويحشرهم، ثمَّ يَقُول لَهُم: لمن الْملك الْيَوْم؟ فيجيبون: لله [الْوَاحِد] القهار. وَقيل: إِنَّهُم لَا يقدرُونَ على الْجَواب هَيْبَة، فيجيب الله تَعَالَى نَفسه. وَالْقَوْل الأول

стр. 5856

﴿الْيَوْم إِن الله سريع الْحساب (١٧) وَأَنْذرهُمْ يَوْم الآزفة إِذْ الْقُلُوب لَدَى الْحَنَاجِر﴾ هُوَ الْمَشْهُور.

стр. 5857

قَوْله تَعَالَى: ﴿الْيَوْم تجزى كل نفس بِمَا كسبت﴾ أَي: المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. قَوْله: ﴿لَا ظلم الْيَوْم﴾ أَي: أَنه تَعَالَى يفعل مَا يفعل بِالْعَدْلِ لَا بالظلم. وَقَوله: ﴿أَن الله سريع الْحساب﴾ فِي التَّفْسِير: أَن الله تَعَالَى يحاسبهم فِي مِقْدَار نصف يَوْم من أَيَّام الدُّنْيَا. وَعَن الضَّحَّاك: مَا بَين صَلَاتَيْنِ. وَقيل: بِقدر شربة مَاء. وَقد ثَبت أَن النَّبِي [قَالَ] : " أول مَا يقْضِي الله تَعَالَى بَين الْخلق فِي الدِّمَاء ". وَفِي بعض الْآثَار: أَن الله تَعَالَى يَقُول يَوْم الْقِيَامَة: " أَنا الْملك الديَّان، لَا يَنْبَغِي لأحد من أهل الْجنَّة أَن يدْخل الْجنَّة، وَلَا لأحد من أهل النَّار أَن يدْخل النَّار، وَعَلِيهِ مظْلمَة لأحد إِلَّا وأقتصه مِنْهُ ".

стр. 5858

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْذرهُمْ يَوْم الآزفة﴾ أَي: يَوْم الْقِيَامَة. وَسميت آزفة لقربها، كَأَنَّهَا قريبَة عِنْد الله تَعَالَى، وَإِن كَانَ النَّاس يستبعدونها. وَقيل: هِيَ قريبَة لِأَنَّهَا كائنة لَا محَالة، وكل كَائِن قريب. وَقَوله: ﴿إِذْ الْقُلُوب لَدَى الْحَنَاجِر﴾ وَعَن عِكْرِمَة أَنه قَالَ: تضيق للنَّاس أَرض الْقِيَامَة، حَتَّى لَا يكون لأحد إِلَّا مَوضِع قدمه، ثمَّ يضيق لَهُم أَيْضا حَتَّى يوضع الْقدَم على الْقدَم، ثمَّ يَبْكُونَ حَتَّى تنفد دموعهم، ثمَّ يَبْكُونَ الدَّم حَتَّى ينْفد، ثمَّ تشخص قُلُوبهم إِلَى حَنَاجِرهمْ، ثمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْذرهُمْ يَوْم الآزفة إِذْ الْقُلُوب لَدَى

стр. 5859

﴿كاظمين مَا للظالمين من حميم وَلَا شَفِيع يطاع (١٨) يعلم خَائِنَة الْأَعْين وَمَا تخفي الصُّدُور (١٩) وَالله يقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذين يدعونَ من دونه لَا يقضون بِشَيْء إِن الله هُوَ﴾ الْحَنَاجِر [كاظمين] ) قَالَ قَتَادَة: ترْتَفع الْقُلُوب من الصُّدُور إِلَى الحلوق، وتلتصق بهَا من الْخَوْف والفزع، فَلَا هِيَ ترجع من أماكنها، وَلَا هِيَ تخرج. وَقَوله: ﴿كاظمين﴾ الكاظم هُوَ الممسك على قلبه بِمَا فِيهِ. وَقيل: مغمومين مكروبين. وَيُقَال: بَاكِينَ. وَمن هَذَا كظم الغيظ إِذا أمْسكهُ (وصبر) عَلَيْهِ. وَقَوله: ﴿وَمَا للظالمين من حميم وَلَا شَفِيع﴾ الْحَمِيم: الْقَرِيب. وَالشَّفِيع: الَّذِي يَدْعُو فيجاب. وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ: استكثروا من أصدقاء الْمُؤمنِينَ فَإِن لَهُم شَفَاعَة عِنْد الله تَعَالَى. وَقَوله: ﴿يطاع﴾ أَي: يُجَاب.

стр. 5860

وَقَوله: ﴿يعلم خَائِنَة الْأَعْين. أَي: خِيَانَة الْأَعْين وخيانة الْأَعْين مسارعة النّظر إِلَى مَا لَا يحل. قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ الرجل يكون بَين الرِّجَال، فتمر بهم امْرَأَة فَينْظر إِلَيْهَا، فَإِذا نظر إِلَيْهِ أَصْحَابه غض بَصَره. قَالَ السدى: خَائِنَة الْأَعْين هُوَ الرص بِالْعينِ. وَقَوله: ﴿وَمَا تخفي الصُّدُور﴾ هُوَ شَهْوَة الْقلب. وَقيل: هُوَ أَنه لَو قدر عَلَيْهَا هَل يزنى أَو لَا؟ وَعَن السدى قَالَ: هُوَ وَسْوَسَة الْقلب. وَعَن بَعضهم قَالَ (خِيَانَة الْعين) أَن يَقُول: رَأَيْت وَلم ير، وخيانة الْقلب هُوَ أَن يَقُول: علمت وَلم يعلم.

стр. 5861

وَقَوله: ﴿وَالله يقْضِي بِالْحَقِّ﴾ أَي: بِالْعَدْلِ. وَقَوله: ﴿وَالَّذين يدعونَ من دونه﴾ أَي: الْأَصْنَام وَمَا أشبههَا.

стр. 5862

﴿السَّمِيع الْبَصِير (٢٠) أَو لم يَسِيرُوا فِي الأَرْض فينظروا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذين كَانُوا من قبلهم كَانُوا هم أَشد مِنْهُم قُوَّة وآثارا فِي الأَرْض فَأَخذهُم الله بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم من الله من واق (٢١) ذَلِك بِأَنَّهُم كَانَت تأتيهم رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفرُوا فَأَخذهُم الله إِنَّه قوي شَدِيد الْعقَاب (٢٢) وَلَقَد أرسلنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وسلطان مُبين (٢٣) إِلَى فِرْعَوْن وهامان وَقَارُون فَقَالُوا سَاحر كَذَّاب (٢٤) فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ من عندنَا قَالُوا﴾ وَقَوله: ﴿لَا يقضون بِشَيْء﴾ أَي: لَا يحكمون بِشَيْء؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَيْدِيهِم شَيْء. وَقَوله: ﴿إِن الله هُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 5863

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لم يَسِيرُوا فِي الأَرْض فينظروا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذين من قبلهم كَانُوا هم أَشد مِنْهُم قُوَّة وآثارا فِي الأَرْض﴾ الْآثَار فِي الأَرْض: هُوَ الْأَبْنِيَة والمساكن وَسَائِر العمارات. وَقَوله: ﴿فَأَخذهُم الله بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم من الله من واق﴾ أَي: لم يكن لَهُم من يمنعهُم من الله.

стр. 5864

قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم كَانَت تأتيهم رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أَي: بالدلالات والمعجزات. وَقَوله: ﴿فَكَفرُوا فَأَخذهُم الله إِنَّه قوي شَدِيد الْعقَاب﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 5865

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أرسلنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وسلطان مُبين﴾ أَي: بالمعجزات الْبَيِّنَة وَالْحجّة الظَّاهِرَة.

стр. 5866

وَقَوله: ﴿إِلَى فِرْعَوْن وهامان وَقَارُون فَقَالُوا سَاحر كَذَّاب﴾ أَي: كثير الْكَذِب. وَعَن الضَّحَّاك قَالَ: لم يكن هامان من بني إِسْرَائِيل، وَلَا من القبط، وَكَانَ من غير الْفَرِيقَيْنِ. وَقد طعن بَعضهم فَقَالَ: إِن هامان رجل مَعْرُوف (بَين) الْفرس، وَلم يكن صَاحب فِرْعَوْن. وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْء؛ لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون فِي الْفرس رجل يُسمى هامان، وَكَانَ

стр. 5867

﴿اقْتُلُوا أَبنَاء الَّذين آمنُوا مَعَه واستحيوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كيد الْكَافرين إِلَّا فِي ضلال (٢٥) وَقَالَ فِرْعَوْن ذروني أقتل مُوسَى وليدع ربه إِنِّي أَخَاف أَن يُبدل دينكُمْ أَو أَن يظْهر فِي﴾ صَاحب فِرْعَوْن هُوَ هامان، فَكل مَا فِي الْقُرْآن حق وَصدق.

стр. 5868

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ من عندنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبنَاء الَّذين آمنُوا مَعَه﴾ فِي الْقِصَّة: أَن فِرْعَوْن كَانَ رفع الْقَتْل عَن أَوْلَاد بني إِسْرَائِيل؛ فَلَمَّا جَاءَ مُوسَى إِلَيْهِ رَسُولا أعَاد الْقَتْل عَلَيْهِم. وَقَوله: ﴿واستحيوا نِسَاءَهُمْ﴾ قد بَينا. وَقَوله: ﴿وَمَا كيد الْكَافرين إِلَّا فِي ضلال﴾ أَي: فِي هَلَاك، وَإِنَّمَا جعل كيدهم هَلَاكًا؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى هلاكهم.

стр. 5869

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْن ذروني أقتل مُوسَى﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: وَمن الَّذِي كَانَ يمْنَع فِرْعَوْن من قتل مُوسَى حَتَّى يَقُول ذروني أقتل مُوسَى؟ وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَن مَعْنَاهُ: ذروني أقتل مُوسَى أَي: أَشِيرُوا عَليّ بقتل مُوسَى، كَأَنَّهُ طلب المشورة مِنْهُم أَيَقْتُلُهُ أَو لَا يقْتله؟ وَالثَّانِي: كَانَ فِي جملَة قومه من يحذرهُ من قتل مُوسَى خوفًا من هَلَاك فِرْعَوْن، فَقَالَ على هَذَا: ذروني، لَا تَمْنَعُونِي واتركوني أَقتلهُ. وَقَوله: ﴿وليدع ربه﴾ أَي: وليدع ربه لِيَنْصُرهُ. قَالَ هَذَا على طَرِيق الاستبعاد. وَقَوله: ﴿إِنِّي أَخَاف أَن يُبدل دينكُمْ﴾ أَي: يُبدل دينكُمْ الَّذِي أَنْتُم عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ. وَقَوله: ﴿أَو أَن يظْهر فِي الأَرْض الْفساد﴾ هَذَا بأَرْبعَة وُجُوه " أَن يظهرا "، و " أَن يظْهر " بِغَيْر ألف، " أَو أَن يظهرا " مَعَ الْألف وَنصب الْيَاء، " وَأَن يظْهر " بِغَيْر الْألف وَنصب الْيَاء، وَمعنى يظْهر أَي: يظْهر مُوسَى الْفساد، وَمعنى يظْهر بِفَتْح الْيَاء أَي: يظْهر الْفساد كَأَنَّهُ جعل الْفِعْل للْفَسَاد بِعَيْنِه. وَقَالَ بَعضهم: معنى الْفساد هَاهُنَا: أَن

стр. 5870

﴿الأَرْض الْفساد (٢٦) وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عذت بربي وربكم من كل متكبر لَا يُؤمن بِيَوْم الْحساب (٢٧) وَقَالَ رجل مُؤمن من آل فِرْعَوْن يكتم إيمَانه أَتقْتلونَ رجلا أَن يَقُول رَبِّي الله وَقد جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ من ربكُم وَإِن يَك كَاذِبًا فَعَلَيهِ كذبه وَإِن يَك صَادِقا يصبكم﴾ مُوسَى إِذا ظهر يقتل أبناءكم، ويستحي نساءكم كَمَا فَعلْتُمْ أَنْتُم بهم، فَهُوَ إِظْهَار مُوسَى الْفساد فِي الأَرْض.

стр. 5871

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عذت بربي وربكم﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: لما سمع مُوسَى كَلَام فِرْعَوْن استعاذ بِاللَّه والتجأ إِلَيْهِ، وَقَالَ: إِنِّي عذت بربي وربكم. وَقَوله: ﴿من كل متكبر﴾ أَي: من كل متعظم ﴿لَا يُؤمن بِيَوْم الْحساب﴾ وَيَوْم الْحساب: يَوْم الْقِيَامَة.

стр. 5872

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رجل مُؤمن من آل فِرْعَوْن﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: هُوَ كَانَ من ولي الْعَهْد لفرعون، وَكَانَ يكون لَهُ من بعده، وَيُقَال: كَانَ ابْن عَم فِرْعَوْن. وَعَن بَعضهم: كَانَ من بني إِسْرَائِيل، وعَلى هَذَا القَوْل فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير، فَمَعْنَاه: وَقَالَ رجل يكتم إيمَانه من آل فِرْعَوْن. وَأما اسْمه قَالَ بَعضهم: اسْمه حزبيل، وَفِي مَعَاني الزّجاج: أَن اسْمه سمْعَان، وَقيل: حبيب. وَفِي التَّفْسِير: أَنه لم يُؤمن من القبط إِلَّا ثَلَاثَة نفر: امْرَأَة فِرْعَوْن، وَمُؤمن آل فِرْعَوْن، وَالَّذِي جَاءَ فَقَالَ يَا مُوسَى إِن الْمَلأ يأتمرون بك ليقتلوك. وَقَوله: ﴿أَتقْتلونَ رجلا أَن يَقُول رَبِّي الله﴾ أَي: لِأَن قَالَ رَبِّي الله. وَقَوله: ﴿وَقد جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ من ربكُم﴾ أَي: بالدلالات الواضحات. وَقَوله: ﴿وَإِن يَك كَاذِبًا فَعَلَيهِ كذبه﴾ أَي: وبال كذبه. وَقَوله: ﴿وَإِن يَك صَادِقا يصبكم بعض الَّذِي يَعدكُم﴾ هَذِه آيَة مشكلة؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿بعض الَّذِي يَعدكُم﴾ وكل مَا وعده الرُّسُل ومُوسَى حق. وَالْجَوَاب عَن هَذَا من وُجُوه: أَحدهَا: أَن معنى قَوْله: ﴿يصبكم بعض الَّذِي يَعدكُم﴾ أَي: كل الَّذِي يَعدكُم،

стр. 5873

بعض الَّذِي يَعدكُم إِن الله لَا يهدي من هُوَ مُسْرِف كَذَّاب (٢٨) يَا قوم لكم الْملك الْيَوْم ظَاهِرين فِي الأَرْض فَمن ينصرنا من بَأْس الله إِن جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْن مَا أريكم إِلَّا مَا) فَيكون الْبَعْض بِمَعْنى الْكل، قَالَه أَبُو عُبَيْدَة، وَأنْشد: (أَو يرتبط بعض النُّفُوس حمامها ... ) أَي: كل النُّفُوس وَأنْشد غَيره: (قد يدْرك المتأني بعض حَاجته ... وَقد يكون مَعَ المستعجل الزلل ... ) وَقَوله: بعض حَاجته أَي: كل حَاجته. وَالْوَجْه الثَّانِي: أَنه قَالَ: ﴿بعض الَّذِي يَعدكُم﴾ على طَرِيق الِاسْتِظْهَار، كَأَنَّهُ قَالَ: أقل مَا فِي تكذيبكم إِن كَانَ صَادِقا أَن يصبكم بعض الَّذِي يَعدكُم. وَفِي ذَلِك الْبَعْض هلاككم. وَزعم أهل النَّحْو أَن هَذَا أحسن من الأول؛ لِأَن الْبَعْض بِمَعْنى الْكل لَا يعرف فِي اللُّغَة. وَالْوَجْه الثَّالِث: أَن قَوْله: ﴿يصبكم بعض الَّذِي يَعدكُم﴾ أَي: عَذَاب الدُّنْيَا، وَقد كَانَ وعدهم عَذَاب الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. وَالْوَجْه الرَّابِع: أَن قَوْله: ﴿يصبكم بعض الَّذِي يَعدكُم﴾ أَي: من الْعقَاب، وَقد كَانَ وعد الْعقَاب إِن أَنْكَرُوا، وَالثَّوَاب إِن صدقُوا، وَالْعِقَاب بعض الْوَعيد. وَقَوله: ﴿إِن الله لَا يهدي من هُوَ مُسْرِف كَذَّاب﴾ أَي: مُشْرك كَذَّاب.

стр. 5874

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا قوم لكم الْملك الْيَوْم ظَاهِرين فِي الأَرْض﴾ أَي: عالين غَالِبين. وَقَوله: ﴿فَمن ينصرنا من بَأْس الله إِن جَاءَنَا﴾ أَي: من يمْنَع منا عَذَاب الله إِن جَاءَنَا. وَقَوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْن مَا أريكم إِلَّا مَا أرى﴾ يَعْنِي: مَا أرشدكم إِلَّا إِلَى مَا أَنا عَلَيْهِ،

стр. 5875

﴿أرى وَمَا أهديكم إِلَّا سَبِيل الرشاد (٢٩) وَقَالَ الَّذِي آمن يَا قوم إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم مثل يَوْم الْأَحْزَاب (٣٠) مثل دأب قوم نوح وَعَاد وَثَمُود وَالَّذين من بعدهمْ وَمَا الله يُرِيد ظلما للعباد (٣١) وَيَا قوم إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم يَوْم التناد﴾ وَمَا رَأَيْت لكم من الْحق. وَقَوله: ﴿وَمَا أهديكم إِلَّا سَبِيل الرشاد﴾ أَي: طَرِيق الرشد وَالْهَدْي. وَعَن معَاذ بن جبل أَنه قَرَأَ: " إِلَّا سَبِيل الرشاد " بتَشْديد الشين أَي: سَبِيل الله، والرشاد هُوَ الله تَعَالَى.

стр. 5876

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمن يَا قوم إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم مثل يَوْم الْأَحْزَاب﴾ الْأَحْزَاب: الْأُمَم الخالية مثل: قوم نوح، وَعَاد، وَثَمُود، وَمعنى يَوْم الْأَحْزَاب أَي: يَوْم عَذَابهمْ.

стр. 5877

وَقَوله: ﴿مثل دأب قوم نوح وَعَاد وَثَمُود﴾ الدأب فِي اللُّغَة بِمَعْنى الْعَادة، وَمعنى قَوْله: ﴿مثل دأب قوم نوح﴾ أَي: مثل حَال قوم نوح وَعَاد وَثَمُود. وَيُقَال: كذب هَؤُلَاءِ وتعودوا التَّكْذِيب مثل عَادَة أُولَئِكَ فِي التَّكْذِيب. وَقَوله: ﴿وَمَا الله يُرِيد ظلما للعباد﴾ مَعْنَاهُ: أَنه لَا يعذب أحدا حَتَّى يُقيم الْحجَّة عَلَيْهِ.

стр. 5878

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَا قوم إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم يَوْم التناد﴾ يَعْنِي: يَوْم التنادي. وَفِي معنى التنادي وُجُوه: أَحدهَا: أَنه تنادى كل أمة بكتابها وإمامها، قَالَه قَتَادَة. وَالثَّانِي أَن مَعْنَاهُ: تنادى أهل الْجنَّة أهل النَّار، وَأهل النَّار أهل الْجنَّة، وَذَلِكَ وذكور فِي سُورَة الْأَعْرَاف، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿ونادى أَصْحَاب الْجنَّة أَصْحَاب النَّار أَن قد وجدنَا مَا وعدنا رَبنَا حَقًا﴾ الْآيَة، وَقَوله: ﴿ونادى أَصْحَاب النَّار أَصْحَاب الْجنَّة﴾ الْآيَة.

стр. 5879

﴿يَوْم تولون مُدبرين مَا لكم من الله من عَاصِم وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من هاد (٣٣) وَلَقَد جَاءَكُم يُوسُف من قبل بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زلتم فِي شكّ مِمَّا جَاءَكُم بِهِ حَتَّى إِذا هلك قُلْتُمْ لن﴾ وَالثَّالِث: أَن معنى الْآيَة مناداتهم بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور ودعاؤهم على أنفسهم: واهلاكاه، واويلاه، وَغير ذَلِك. وَقُرِئَ فِي الشاذ: " يَوْم التناد " بتَشْديد الدَّال، من ند يند إِذا هرب، وَحكى هَذِه الْقِرَاءَة عَن الضَّحَّاك، وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَيْن المفر﴾ وَعَن بَعضهم: يظْهر عنق من النَّار فيفر النَّاس، فيحيط بهم ذَلِك الْعُنُق، حِينَئِذٍ يعلمُونَ أَن لَا مفر لَهُم.

стр. 5880

وَقَوله: ﴿يَوْم تولون مُدبرين﴾ فِي الحَدِيث أَن للنَّاس جَوْلَة يَوْم الْقِيَامَة، فيتبعهم الْمَلَائِكَة ويردونهم. وَقيل: إِنَّهُم إِذا سمعُوا زفير النَّار فروا، فَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم تولون مُدبرين﴾ وَفِي الْآيَة قَول آخر: أَن معنى قَوْله: ﴿يَوْم تولون مُدبرين﴾ هُوَ انطلاقهم إِلَى النَّار بسوق الْمَلَائِكَة. وَقَوله: ﴿مَا لكم من الله من عَاصِم﴾ أَي: مَانع، وَقيل: نَاصِر. وَقَوله: ﴿وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من هاد﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 5881

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد جَاءَكُم يُوسُف من قبل بِالْبَيِّنَاتِ﴾ هُوَ يُوسُف بن يَعْقُوب نَبِي الله. وَعَن بَعضهم: أَن الله تَعَالَى أرسل إِلَيْهِم يَعْنِي: إِلَى القبط نَبيا من الْجِنّ يُسمى يُوسُف، وَهَذَا قَول ضَعِيف، وَالصَّحِيح هُوَ الأول؛ لِأَنَّهُ أطلق ذكر يُوسُف، فَيَنْصَرِف إِلَى يُوسُف الْمَعْرُوف مثل إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى وَغَيرهم. وَفِي الْقِصَّة: أَن الله تَعَالَى بعث يُوسُف بن يَعْقُوب إِلَيْهِم رَسُولا فَدَعَاهُمْ إِلَى الله تَعَالَى، وَمكث فيهم عشْرين سنة بعد وَفَاة يَعْقُوب ﵇. وَقَوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أَي: بالدلالات الواضحات. وَقَوله: ﴿فَمَا زلتم فِي شكّ مِمَّا جَاءَكُم بِهِ حَتَّى إِذا هلك قُلْتُمْ لن يبْعَث الله من بعده رَسُولا﴾ وَقَرَأَ أبي وَابْن مَسْعُود: " ألن يبْعَث الله من بعده رَسُولا " بِزِيَادَة الْألف.

стр. 5882

﴿يبْعَث الله من بعده رَسُولا كَذَلِك يضل الله من هُوَ مُسْرِف مرتاب (٣٤) الَّذين يجادلون فِي آيَات الله بِغَيْر سُلْطَان أَتَاهُم كبر مقتا عِنْد الله وَعند الَّذين آمنُوا كَذَلِك يطبع الله على كل قلب متكبر جَبَّار (٣٥) وَقَالَ فِرْعَوْن يَا هامان ابْن لي صرحا لعَلي﴾ وَقَوله: ﴿كَذَلِك يضل الله من هُوَ مُسْرِف مرتاب﴾ أَي: مُسْرِف على نَفسه بالْكفْر وَالظُّلم، والمرتاب هُوَ الشاك.

стр. 5883

قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين يجادلون فِي آيَات الله بِغَيْر سُلْطَان أَتَاهُم﴾ فَمَعْنَى المجادلة هُوَ المجادلة بالتكذيب، وَمعنى السُّلْطَان هُوَ الْحجَّة. وَقَوله: ﴿كبر مقتا﴾ أَي: كبر جدالهم مقتا، وَفِي التَّفْسِير: أَنه يمقتهم الله تَعَالَى، ويمقتهم الْمَلَائِكَة والأنبياء، ويمقتهم الْمُؤْمِنُونَ، وَهُوَ معنى قَوْله: ﴿عِنْد الله وَعند الَّذين آمنُوا﴾ . وَقَوله: ﴿كَذَلِك يطبع الله على كل قلب متكبر جَبَّار﴾ فالقراءة الأولى على الْإِضَافَة، والطبع على الْقلب هُوَ الْخَتْم عَلَيْهِ حَتَّى لَا يدْخلهُ الْحق. وَأما الْقِرَاءَة الثَّانِيَة فَهِيَ على وصف الْقلب بالتكبر، يُقَال: قلب متكبر أَي: صَاحبه متكبر، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: " على قلب كل متكبر جَبَّار ".

стр. 5884

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْن يَا هامان﴾ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: كَانَ هامان صَاحب شَرط فِرْعَوْن، فَكَانَ من هَمدَان، أوردهُ أَبُو الْحسن بن فَارس فِي تَفْسِيره. وَقَوله: ﴿ابْن لي صرحا﴾ أَي: قصرا عَالِيا، وَيُقَال: إِن أول من طبخ اللَّبن حَتَّى صَار آجرا هُوَ هامان، فعله لفرعون. وَفِي تَفْسِير النقاش: أَن هامان اسْتعْمل خمسين ألف إِنْسَان فِي الْبناء سوى من يطْبخ الْآجر، وَمن يعْمل فِي الْخشب وَغَيره. وَيُقَال: إِنَّه عمل فِي بِنَاء الصرح سبع سِنِين، وَكَانَ فِرْعَوْن يصعد عَلَيْهِ رَاكِبًا، ثمَّ إِن الله تَعَالَى بعث ريحًا عاصفا فَجعله ثَلَاث قطع، فَألْقى قِطْعَة فِي الْبَحْر، وَقطعَة بِالْهِنْدِ، وَقطعَة بِبِلَاد الْمغرب.

стр. 5885

﴿أبلغ الْأَسْبَاب (٣٦) أَسبَاب السَّمَوَات فَأطلع إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لأظنه كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زين لفرعون سوء عمله وَصد عَن السَّبِيل وَمَا كيد فِرْعَوْن إِلَّا فِي تباب (٣٧) وَقَالَ الَّذِي آمن يَا قوم اتبعون أهدكم سَبِيل الرشاد (٣٨) يَا قوم إِنَّمَا هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا مَتَاع وَإِن الْآخِرَة هِيَ دَار الْقَرار (٣٩) من عمل سَيِّئَة فَلَا يجزى إِلَّا مثلهَا وَمن عمل صَالحا﴾ وَقَوله: ﴿لعلى أبلغ الْأَسْبَاب أَسبَاب السَّمَوَات﴾ والأسباب هِيَ الْأَبْوَاب هَاهُنَا. وَيُقَال مَعْنَاهُ: الْأَسْبَاب الَّتِي تؤديني إِلَى السَّمَاء، وتبلغني إِلَيْهَا. فَإِن قيل: كَيفَ يتَصَوَّر هَذَا فِي عقل عَاقل أَن يقْصد صعُود السَّمَاء، وَذَلِكَ مُسْتَحِيل بِهَذِهِ الْحِيلَة؟ وَالْجَوَاب: أَن الْجَهْل فِي الْعَالم كثير، وَلَيْسَ هَذَا بأبدع من ادعائه الربوبية، وَهُوَ يعرف حَال نَفسه ويشاهدها. وَقَوله: ﴿فَأطلع إِلَى إِلَه مُوسَى﴾ أَي: أنظر إِلَى إِلَه مُوسَى. وَقَوله: ﴿وَإِنِّي لأظنه كَاذِبًا﴾ فِي دَعْوَاهُ أَن لَهُ إِلَهًا. وَقَوله: ﴿وَكَذَلِكَ زين لفرعون سوء عمله﴾ أَي: قَبِيح عمله. وَقَوله: ﴿وَصد عَن السَّبِيل﴾ وَقُرِئَ: " وَصد " بِنصب الصَّاد، فَقَوله بِالرَّفْع أَي: صد فِرْعَوْن عَن السَّبِيل. وَبِالنَّصبِ أَي: وَصد فِرْعَوْن النَّاس عنة سَبِيل الله. وَقَوله: ﴿وَمَا كيد فِرْعَوْن إِلَّا فِي تباب﴾ أَي: وَمَا حِيلَة فِرْعَوْن ومكره إِلَّا فِي هَلَاك وخسران، وَقَالَ ذَلِك لِأَنَّهُ أدّى إِلَيْهِ.
следующие страницы →