Полный текст (8 565 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.
стр. 6581
قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا يُبدل القَوْل لدي﴾ أَي: لَا يكذب عِنْدِي؛ فَإِنَّهُ لَا يخفى على حَقِيقَة الْأُمُور وبواطنها. وَيُقَال: " مَا يُبدل القَوْل لدي " أَي: لَا يُبدل قولي: إِن السَّيئَة بِمِثْلِهَا، والحسنة بِعشر أَمْثَالهَا.
وَقَوله: ﴿وَمَا أَنا بظلام للعبيد﴾ أَي: لَا أنقص ثَوَاب الْمُحْسِنِينَ، وَلَا أَزِيد فِي مجازاة المسيئين.
стр. 6582
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم نقُول لِجَهَنَّم هَل امْتَلَأت وَتقول هَل من مزِيد﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن معنى قَوْله: ﴿هَل من مزِيد﴾ أَي: قد امْتَلَأت، فَلَا مزِيد فِي، وَحَقِيقَته أَنَّك قد وفيت بِمَا وعدت، وملأتني فَلَا مَوضِع للزِّيَادَة. وَهَذَا مثل قَوْله ﵊: " وَهل ترك لنا عقيل من دَار " أَي: مَا ترك.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن معنى قَوْله: ﴿هَل من مزِيد﴾ أَي: طلب الزِّيَادَة بقوله تغيظا على الْكفَّار، وطلبا لزِيَادَة الانتقام. وَالْأول أحسن. وَقد ثَبت بِرِوَايَة أنس وَأبي هُرَيْرَة أَن
стр. 6583
﴿الْجنَّة لِلْمُتقين غير بعيد (٣١) هَذَا مَا توعدون لكل أواب حفيظ (٣٢) من خشِي﴾ النَّبِي قَالَ: " لَا تزَال جَهَنَّم تَقول هَل من مزِيد حَتَّى يضع الْجَبَّار فِيهَا قدمه فَتَقول قطّ قطّ " أَي: حسبي.
وَهَذَا الْخَبَر يُؤَيّد القَوْل الثَّانِي، وَالْخَبَر من الْمُتَشَابه، وَقد بَينا وَجه الْكَلَام فِي الْمُتَشَابه. وَقَالَ بَعضهم: أَن القَوْل من جَهَنَّم هَاهُنَا على طَرِيق الْمجَاز مثل قَول الشَّاعِر:
(امْتَلَأَ الْحَوْض وَقَالَ قطني ... مهلا ورويدا قد مَلَأت بَطْني)
فَقَوله: قطني أَي: حسبي. وَوجه الْمجَاز فِيهِ أَنه لما امْتَلَأَ الْحَوْض وَلم يكن فِيهِ مزِيد وَكَأَنَّهُ قَالَ: قد امْتَلَأت فحسبي. كَذَلِك فِي جَهَنَّم، وَهُوَ على توسع الْكَلَام. وَالأَصَح أَن هَذَا النُّطْق من جَهَنَّم على طَرِيق الْحَقِيقَة، وَهَذَا اللَّائِق بِمذهب أهل السّنة فِي الْإِيمَان بتسبيح الجمادات، وَمَا نزل فِي ذَلِك من آي الْقُرْآن. وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ: لَو لم يعْص الله إِلَّا رجل وَاحِد لملأ الله مِنْهُ جَهَنَّم يَوْم الْقِيَامَة.
стр. 6584
قَوْله تَعَالَى: ﴿وأزلفت الْجنَّة لِلْمُتقين﴾ أَي: قربت.
وَفِي الْآثَار: أَن النَّاس إِذا بعثوا من قُبُورهم رَأَوْا الْجنَّة وَالنَّار على قرب مِنْهُم. وَقيل إِن الْجنَّة وَالنَّار يعرضان على الْمُؤمنِينَ وَالْكفَّار قبل دُخُولهمْ فيهمَا.
стр. 6585
وَقَوله: ﴿هَذَا مَا توعدون لكل أواب حفيظ﴾ الأواب هُوَ الَّذِي اعْتَادَ الرُّجُوع إِلَى الله تَعَالَى فِي كل أُمُوره. والحفيظ هُوَ الَّذِي يحفظ الْأَمر وَالنَّهْي. وَعَن بَعضهم: أَن الأواب هُوَ المسبح.
وَعَن بَعضهم: أَنه الْكثير الصَّلَاة.
وَعَن بَعضهم: أَنه الدُّعَاء.
стр. 6586
﴿الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بقلب منيب (٣٣) ادخلوها بِسَلام ذَلِك يَوْم الخلود (٣٤) لَهُم مَا يشاءون فِيهَا ولدينا مزِيد (٣٤) وَكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أَشد مِنْهُم بطشا﴾
وَعَن بَعضهم: أَنه الَّذِي يحفظ قَوْله وَفعله فِي مَجْلِسه، فَإِذا أَرَادَ أَن [يقوم] قَالَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْت، أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك.
وَيُقَال: حفيظ أَي: حَافظ لعهد الله.
стр. 6587
قَوْله تَعَالَى: ﴿من خشِي الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ﴾ إِنَّمَا قَالَ بِالْغَيْبِ؛ لأَنهم آمنُوا بِالْبَعْثِ وَالْجنَّة وَالنَّار وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب، وَذَلِكَ كُله غيب.
وَقَوله: ﴿وَجَاء بقلب منيب﴾ الْمُنِيب قد بَينا مَعْنَاهُ فِيمَا سبق، وَالرجل هُوَ الْمُنِيب؛ لكنه أضَاف إِلَى الْقلب؛ لِأَن الْأَكْثَر من أَعمال الْإِيمَان يعمله الْمُؤمن بِقَلْبِه.
стр. 6588
وَقَوله: ﴿ادخلوها بِسَلام﴾ يُقَال: إِن الله تَعَالَى يَقُول ذَلِك، وَيُقَال: الْملك يَقُولهَا.
وَقَوله: ﴿بِسَلام﴾ أَي: بسلامة.
وَقَوله: ﴿ذَلِك يَوْم الخلود﴾ هُوَ الخلود فِي الْجنَّة وَالنَّار.
стр. 6589
وَقَوله: ﴿لَهُم مَا يشاءون فِيهَا﴾ أَي: مَا يشتهون فِيهَا.
قَوْله: ﴿ولدينا مزِيد﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن الْمَزِيد هُوَ مَا لم يخْطر ببالهم، وَلم تصل [إِلَيْهِ] شهوتهم وإرادتهم. وَالْآخر: أَنه النّظر إِلَى الله تَعَالَى.
стр. 6590
وَقَوله: ﴿وَكم أهلكنا قبلهم من قرن﴾ قد بَينا معنى الْقرن، وَالأَصَح أَنه أقْصَى مُدَّة عمر كل قوم فِي عمرهم؛ فقرن نوح على مَا كَانَ فِي زَمَانه، وَقرن إِبْرَاهِيم على مَا كَانَ فِي زَمَانه، وَكَذَا إِلَى زَمَانا، فعلى هَذَا قَوْله: " من قرن " أَي: من أهل قرن.
وَقَوله: ﴿هم أَشد مِنْهُم بطشا﴾ أَي: قُوَّة.
وَقَوله: ﴿فَنقبُوا فِي الْبِلَاد﴾ أَي: طوفوا وَسَارُوا.
стр. 6591
﴿فَنقبُوا فِي الْبِلَاد هَل من محيص (٣٦) إِن فِي ذَلِك لذكرى لمن كَانَ لَهُ قلب أَو ألْقى السّمع وَهُوَ شَهِيد (٣٧) وَلَقَد خلقنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا فِي سِتَّة أَيَّام وَمَا مسنا من لغوب (٣٨) فاصبر على مَا يَقُولُونَ وَسبح بِحَمْد رَبك قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل الْغُرُوب (٣٩) وَمن اللَّيْل فسبحه وأدبار السُّجُود (٤٠) واستمع يَوْم يناد المناد﴾
قَالَ امْرُؤ الْقَيْس.
(وَقد نقبت فِي الْبلدَانِ حَتَّى ... رضيت من الْغَنِيمَة بالإياب)
﴿ [هَل من محيص]
стр. 6592
إِن فِي ذَلِك لذكرى) أَي: موعظة وتذكير.
وَقَوله: ﴿لمن كَانَ لَهُ قلب﴾ أَي: عقل. يَقُول الْإِنْسَان لغيره: مَالك من قلب أَي: مَالك من عقل، وَيَقُول: أَيْن قَلْبك أَي: أَيْن عقلك.
وَعند بعض الْعلمَاء أَن مَحل الْعقل هُوَ الْقلب بِدَلِيل هَذِه الْآيَة. وَعَن بَعضهم: أَن مَحَله الدِّمَاغ. يُقَال: فلَان خَفِيف الدِّمَاغ أَي: خَفِيف الْعقل.
وَقَوله: ﴿أَو ألْقى السّمع وَهُوَ شَهِيد﴾ أَي: اسْتمع بأذنه وَهُوَ حَاضر بفؤاده، يَقُول الْإِنْسَان لغيره: ألق سَمعك وارعني سَمعك أَي: اسْتمع إِلَيّ، وَالْمعْنَى: أَنه يستمع، وَلَا يشغل قلبه بِمَا يمنعهُ من السماع.
стр. 6593
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد خلقنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا فِي سِتَّة أَيَّام وَمَا مسنا من لغوب﴾ أَي: إعياء وَنصب، وَهُوَ رد لما قالته الْيَهُود أَن الله تَعَالَى خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام واستراح يَوْم لسبت.
стр. 6594
قَوْله تَعَالَى: ﴿فاصبر على مَا يَقُولُونَ وَسبح بِحَمْد رَبك﴾ أَي: صل حامدا رَبك.
وَقَوله: ﴿قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل الْغُرُوب﴾ قبل طُلُوع الشَّمْس هُوَ صَلَاة الصُّبْح. وَقبل الْغُرُوب هُوَ الظّهْر وَالْعصر.
стр. 6595
وَقَوله: ﴿وَمن اللَّيْل فسبحه﴾ هُوَ الْمغرب وَالْعشَاء.
стр. 6596
﴿من مَكَان قريب (٤١) يَوْم يسمعُونَ الصَّيْحَة بِالْحَقِّ ذَلِك يَوْم الْخُرُوج (٤٢) إِنَّا نَحن نحيي ونميت وإلينا الْمصير (٤٣) يَوْم تشقق الأَرْض عَنْهُم سرَاعًا ذَلِك حشر علينا﴾
وَقَوله: ﴿وأدبار السُّجُود﴾ القَوْل الْمَعْرُوف أَنه الركعتان بعد الْمغرب، ورد الْقُرْآن بِهِ لزِيَادَة التأكد وَالنَّدْب إِلَيْهِ، وَهُوَ قَول عَليّ وَأبي هُرَيْرَة. وَقيل: إِنَّه جَمِيع النَّوَافِل بعد الْفَرَائِض. وَقيل: إِنَّه الْوتر؛ لِأَنَّهُ آخر مَا يَفْعَله الْإِنْسَان عِنْد فَرَاغه من الصَّلَوَات، وَقد ذكرنَا الْخَبَر فِيمَا جرى من الرُّؤْيَة، وَقَوله ﵊ فِي آخر ذَلِك الْخَبَر: " فَإِن اسْتَطَعْتُم أَن [لَا] تغلبُوا على صَلَاة قبل طُلُوع الشَّمْس وعَلى صَلَاة قبل غُرُوبهَا فافعلوا " وَقَرَأَ هَذِه الْآيَة.
стр. 6597
قَوْله تَعَالَى: ﴿واستمع يَوْم يناد المناد من مَكَان قريب﴾ القَوْل الْمَعْرُوف أَنه إسْرَافيل ﵇ يُنَادي النَّاس على صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس، فَيَقُول: أيتها الْعِظَام البالية، والجلود المتمزقة، والأجساد المتفرقة، والأوصال المتقطعة، ارجعي إِلَى رَبك، وَقيل بِلَفْظ آخر.
وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَن قَوْله: ﴿من مَكَان قريب﴾ أَي: من تَحت أَقْدَامهم. وَيُقَال فِي صماخ آذانهم، وَقيل: إِن هَذَا النداء هُوَ النفخة الأولى بِهَلَاك النَّاس.
стр. 6598
وَقَوله تَعَالَى: ﴿يَوْم يسمعُونَ الصَّيْحَة بِالْحَقِّ﴾ هُوَ النفخة الثَّانِيَة، وَالأَصَح أَن [كليهمَا] وَاحِد، وَذكره بلفظين.
وَقَوله: ﴿ذَلِك يَوْم الْخُرُوج﴾ أَي: من الْقُبُور لحساب الْأَعْمَال وَدخُول الْجنَّة وَالنَّار.
стр. 6599
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحن نحيي ونميت وإلينا الْمصير﴾ أَي: الْمرجع.
стр. 6600
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم تشقق الأَرْض عَنْهُم سرَاعًا﴾ أَي: لَا يلبثُونَ بعد سَماع الصَّيْحَة، وَالْمعْنَى: أَنهم إِذا سمعُوا الصَّيْحَة تشققت عَنْهُم الأَرْض، وَخَرجُوا من غير) ﴿يسير (٤٤) نَحن أعلم بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْت عَلَيْهِم بجبار فَذكر بِالْقُرْآنِ من يخَاف وَعِيد (٤٥) ﴾ لبث وَلَا زمَان.
وَقَوله: ﴿ذَلِك حشر علينا يسير﴾ هُوَ جَوَاب لقَولهم فِي أول السُّورَة ذَلِك رَجَعَ بعيد.
стр. 6601
قَوْله تَعَالَى: ﴿نَحن أعلم بِمَا يَقُولُونَ﴾ أَي: بِمَا يَقُولُونَ من الشّرك وَالْكذب على الله وعَلى رَسُوله.
وَقَوله: ﴿وَمَا أَنْت عَلَيْهِم بجبار﴾ أَي: بمسلط، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿لست عَلَيْهِم بمسيطر﴾ والجبار فِي صِفَات الله مَحْمُود، وَفِي صِفَات الْخلق مَذْمُوم، وَكَذَلِكَ المتكبر؛ لِأَن الْخلق أمروا بالتواضع والخشوع والخضوع ولين الْجَانِب وخفض الْجنَاح، وَأما الرب ﷻ فيليق بِهِ الجبروت والكبرياء: لِأَنَّهُ المتعالي عَن إِدْرَاك الْخلق، القاهر لَهُم فِي كل مَا يُريدهُ، وَلم يصفه أحد حق صفته، ولأعظمه أحد حق تَعْظِيمه، وَلَا عرفه أحد حق مَعْرفَته. وَقد قيل: إِن الْجَبَّار فِي اللُّغَة هُوَ الْقِتَال، وَهُوَ فِي معنى قَوْله تَعَالَى فِي قصَّة مُوسَى ﵇ ﴿إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تكون جبارا فِي الأَرْض﴾ أَي: قتالا.
وَقَالَ بَعضهم: إِن الْآيَة مَنْسُوخَة، وَهِي قبل نزُول آيَة السَّيْف، نسختها آيَة السَّيْف. وَفِي بعض التفاسير: أَن قَوْله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ نسخت سبعين آيَة من الْقُرْآن.
وَقَوله: ﴿فَذكر بِالْقُرْآنِ من يخَاف وَعِيد﴾ أَي: عظ بِالْقُرْآنِ من يخافني. فَإِن قيل: أَلَيْسَ يوعظ بِالْقُرْآنِ الْكَافِر وَالْمُؤمن جَمِيعًا، فَكيف معنى قَوْله: ﴿من يخَاف وَعِيد﴾ وَالْكَافِر لَا يخَاف وَعِيد الله؟ وَالْجَوَاب: أَنه لما لم ينْتَفع بِالْقُرْآنِ إِلَّا الْمُؤمن فَكَأَنَّهُ لم يخوف بِالْقُرْآنِ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ، وَالله أعلم.
стр. 6602
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿والذاريات ذَروا (١) فَالْحَامِلَات وقرا (٢) فَالْجَارِيَات يسرا (٣) فَالْمُقَسِّمَات﴾
تَفْسِير سُورَة الذاريات
وَهِي مَكِّيَّة فِي قَول الْجَمِيع
стр. 6603
قَوْله تَعَالَى: ﴿و الذاريات ذَروا﴾ وروى أَبُو الطُّفَيْل أَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ خطب وَقَالَ: سلوني: فوَاللَّه لَا تَسْأَلُونِي عَن شَيْء يكون إِلَى يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا حدثتكم بِهِ، سلوني عَن كتاب الله، مَا من آيَة نزلت إِلَّا وَأَنا أعلم بلَيْل نزلت أم بنهار، فِي سهل أم فِي جبل، وفيم أنزلت، فَقَامَ ابْن الكوا وَقَالَ: مَا لذاريات ذَروا فَالْحَامِلَات وقرا فَالْجَارِيَات يسرا فَالْمُقَسِّمَات أمرا؟ فَقَالَ عَليّ ﵁ سل تفقها، وَلَا تسْأَل تعنتا، " والذاريات ذَروا " هِيَ الرِّيَاح، فَالْحَامِلَات وقرا " هِيَ السَّحَاب " فَالْجَارِيَات يسرا " هِيَ السفن " فَالْمُقَسِّمَات أمرا هِيَ الْمَلَائِكَة، وَمثل هَذَا عَن ابْن عَبَّاس، وعَلى أَكثر هَذَا الْمُفَسّرين.
فَقَوله: ﴿والذاريات﴾ هِيَ من ذرت الرّيح التُّرَاب وأذرته إِذا فرقته، وَيُقَال: إِن الذاريات هِيَ النِّسَاء الْحَوَامِل تذرين الْأَوْلَاد، وَالْأول هُوَ الْمُخْتَار.
стр. 6604
وَقَوله: ﴿فَالْحَامِلَات وقرا﴾ قيل: إِنَّهَا الرِّيَاح تحمل السَّحَاب، والوقر هُوَ السَّحَاب.
стр. 6605
وَقَوله: ﴿فَالْجَارِيَات يسرا﴾ يُقَال: إِنَّهَا الرِّيَاح أَيْضا تجْرِي بسهوله وَيسر، وَيُقَال: ﴿فَالْجَارِيَات يسرا﴾ هِيَ: الْكَوَاكِب السبة: الشَّمْس، وَالْقَمَر، وَالْمُشْتَرِي، وَعُطَارِد، والزهرة، وبهرام، وزحل، وَالْقَوْل الأول هُوَ الْمُخْتَار.
стр. 6606
وَقَوله: ﴿فَالْمُقَسِّمَات أمرا﴾ يُقَال: إِنَّهَا الرِّيَاح أَيْضا. وَمعنى قسْمَة الْأَمر: أَن الرِّيَاح تقسم الْمَطَر فتصب الْبَعْض وَلَا تصب الْبَعْض، وَالْقَوْل الأول هُوَ الْمُخْتَار، وَالْمعْنَى من الْمَلَائِكَة هم أَرْبَعَة: جِبْرِيل، وَمِيكَائِيل، وإسرافيل، وعزرائيل؛ فجبريل على الْوَحْي وَالْعَذَاب، وَمِيكَائِيل على الرزق والمطر والرياح، وإسرافيل على الصُّور، وعزرائيل على قبض الْأَرْوَاح، وَقَالَ الْأَعْشَى فِي وصف السَّحَاب.
стр. 6607
﴿أمرا (٤) إِنَّمَا توعدون لصَادِق (٥) وَإِن الدّين لوَاقِع (٦) وَالسَّمَاء ذَات الحبك (٧) إِنَّكُم لفي قَول مُخْتَلف (٨) ﴾
(كَأَن مشيتهَا من بَيت جارتها ... مشي السَّحَاب لَا ريث وَلَا عجل)
стр. 6608
وَقَوله: ﴿إِنَّمَا توعدون لصَادِق﴾ قَالَ مُجَاهِد مَعْنَاهُ: أَن الْقِيَامَة كائنة.
وَقَوله: ﴿لصَادِق﴾ أَي: ذُو صدق، وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي قَوْله: ﴿فِي عيشة راضية﴾ أَي: ذَات رضَا، وَيُقَال: سمي الْوَعْد صَادِقا؛ لِأَن الصدْق يَقع عَلَيْهِ، كَمَا يُقَال: ليل نَائِم، وَخبر كَاذِب، وسر كاتم، وَمَا أشبه ذَلِك.
стр. 6609
وَقَوله: ﴿وَإِن الدّين لوَاقِع﴾ قَالَ قَتَادَة: إِن الْجَزَاء لوَاقِع. قَالَ لبيد شعرًا:
(قوم يدينون بالنوعين مثلهمَا ... بالسوء سوءا وبالإحسان إحسانا)
يَعْنِي: يجازون. فَإِن قيل: مَا معنى الْقسم بالرياح والسفن والسحاب وَمَا أشبه ذَلِك؟ فَكيف يقسم الله بخلقه؟ وَالْجَوَاب مَعْنَاهُ: وَرب الذاريات، وَرب الْحَامِلَات والجاريات. وَيُقَال: إِن قسمه بالشَّيْء يدل على جلالة ذَلِك وَعظم مَنْفَعَة الْعباد بِهِ. وَقيل: التَّقْدِير: أقسم بالذاريات.
стр. 6610
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاء ذَات الحبك﴾ قَالَ عِكْرِمَة: ذَات الْخلق الْحسن، وَقيل: ذَات التَّأْلِيف، الْمُحكم: وَيُقَال ذَات الطرائق فِي الرمل وَالْمَاء إِذا ضربتها الرِّيَاح حبائك، وَيُقَال: الحبك هُوَ بهاؤها واستواؤها، وَيُقَال: شدتها وإحكامها، قَالَ الشَّاعِر:
(مكلل بأصول النبت تنسجه ... ريح خريق مايد حبك)
وَقَالَ أَبُو كثير الْهُذلِيّ:
(مِمَّن حملن بِهِ وَهن عواقد ... حبك النطاق تشب غير مهبل)
وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ: وَالسَّمَاء ذَات الحبك أَي: النُّجُوم.
стр. 6611
وَقَوله: ﴿إِنَّكُم لفي قَول مُخْتَلف﴾ يَعْنِي: مُصدق ومكذب، وَيُقَال مَعْنَاهُ: أَن
стр. 6612
﴿يؤفك عَنهُ من أفك (٩) قتل الخراصون (١٠) الَّذين هم فِي غمرة ساهون (١١) ﴾ بَعضهم يَقُول: هُوَ سَاحر، وَبَعْضهمْ يَقُول: شَاعِر، وَبَعْضهمْ يَقُول: مَجْنُون، وعَلى هَذَا وَقع الْقسم، وَقيل: ﴿إِنَّكُم لفي قَول مُخْتَلف﴾ أَي: مُنَاقض، ذكره الْقفال الشَّاشِي. وَمعنى التَّنَاقُض فِي هَذَا: أَنهم أقرُّوا بالنشأة الأولى، وأنكروا النشأة الْأُخْرَى، وَهَذَا تنَاقض؛ لِأَن من قدر على النشأة الأولى فَهُوَ على النشأة الْأُخْرَى أقدر.
стр. 6613
وَقَوله: ﴿يؤفك عَنهُ من أفك﴾ أَي: يصرف عَنهُ من صرف، وَقيل: يصرف عَن الْإِقْرَار بِهِ من صرف عَنهُ فِي علم الله وَحكمه، وَيُقَال: من صرف عَن هَذَا الْخَيْر فقد صرف عَن الْخَيْر كُله، كَمَا يُقَال: من حرم عَن كَذَا فقد حرم. وَفِي التَّفْسِير: أَن أَمر النَّبِي لما انْتَشَر من قبائل الْعَرَب جعلُوا يبعثون الْوَاحِد والاثنين يسْأَلُون عَن خَبره، فَكَانَ الْمُشْركُونَ فِي أَيَّام الْمَوْسِم يبعثون النَّاس فِي الطرقات حَتَّى إِذا جَاءَ السَّائِل. [وسألهم] عَن مُحَمَّد قَالُوا: هُوَ مَجْنُون كَذَّاب، وَذكروا أَمْثَال هَذَا، [وَكَانُوا] يرجعُونَ قبل أَن يلقوه، وَيَقُولُونَ: قومه أعلم بِهِ.
стр. 6614
وَقَوله: ﴿قتل الخراصون﴾ أَي: لعن الكذابون، وَهَذَا هُوَ الْمُتَّفق عَلَيْهِ من أهل التَّفْسِير. وَعَن بَعضهم: أَنه لَا يعرف قتل بِمَعْنى لعن فِي اللُّغَة، وَمَعْنَاهُ: أَن الخراصين قد أَتَوا بِمَا يسْتَحقُّونَ [بِهِ] الْقَتْل، ولعنة الله إيَّاهُم إهلاك لَهُم، فَهُوَ قَتلهمْ. والخارص هُوَ الَّذِي يَقُول بالحدس وَالظَّن.
стр. 6615
وَقَوله: ﴿الَّذين هم فِي غمرة ساهون﴾ قَالَ السدى: فِي غَفلَة لاهون، وَيُقَال: فِي حيرة وعمى، وَقيل: فِي شكّ وجهالة، كَأَن الْجَهْل والعمى غمر حَالهم، وَمِنْه المَاء الْغمر إِذا كَانَ يُغطي من ينزل فِيهِ. وَيُقَال: ساهون يتمادون يَعْنِي: أَن الشَّك والضلالة يتمادى بهم.
стр. 6616
﴿يسْأَلُون أَيَّانَ يَوْم الدّين (١٢) يَوْم هم على النَّار يفتنون (١٣) ذوقوا فتنتكم هَذَا الَّذِي كُنْتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُون (١٤) إِن الْمُتَّقِينَ فِي جنَّات وعيون (١٥) آخذين مَا آتَاهُم رَبهم إِنَّهُم كَانُوا من قبل ذَلِك محسنين (١٦) كَانُوا قَلِيلا من اللَّيْل مَا يهجعون (١٧) ﴾
стр. 6617
وَقَوله: ﴿يسْأَلُون أَيَّانَ يَوْم الدّين﴾ أَي: مَتى يَوْم الْجَزَاء، وَكَانُوا يسْأَلُون عَن ذَلِك تعنتا وتكذيبا.
стр. 6618
وَقَوله: ﴿يَوْم هم على النَّار يفتنون﴾ أَي: يُعَذبُونَ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يحرقون، وَذكره القتيبي وَغَيره. وَيُقَال: يفتنون أَي: يدْخلُونَ النَّار، وَمِنْه فتنت الذَّهَب، وَقد بَينا من قبل.
стр. 6619
وَقَوله: ﴿ذوقوا فتنتكم﴾ أَي: عذابكم.
وَقَوله: ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُون﴾ وَمعنى استعجالهم: أَنهم كَانُوا يَقُولُونَ مَتى يَوْم الدّين، مَتى يَوْم الْحساب، مَتى يَوْم الْقِيَامَة، وَالْمرَاد من الْآيَة أَنه يُقَال لَهُم ذَلِك.
стр. 6620
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الْمُتَّقِينَ فِي جنَّات وعيون﴾ أَي: بساتين وأنهار.
следующие страницы →