Полный текст (8 565 стр.). Показаны 7036–7075 · переход к 7041.
стр. 7036
وَقَوله: ﴿أأنتم أنزلتموه من المزن﴾ أَي: من السَّحَاب. قَالَ نفطويه: المزن هُوَ السَّحَاب الملآن من المَاء، قَالَ جرير:
(كَأَنَّهَا مزنة غراء رَائِحَة أَو ... درة لَا يواري لَوْنهَا الصدف)
وَقَوله: ﴿أم نَحن المنزلون﴾ أَي: نَحن أنزلنَا المَاء من المزن، وَلم تنزلوه أَنْتُم، ينبههم بذلك على عَظِيم قدرته.
стр. 7037
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو نشَاء جَعَلْنَاهُ أجاجا﴾ أَي: مرا شَدِيد المرارة. وَقيل: ملحا شَدِيد الملوحة. يُقَال: أج المَاء تأج إِذا ملح. وَالْمعْنَى: أَنا لَو نشَاء جَعَلْنَاهُ أجاجا بِحَيْثُ لَا يُمكن شربه، ينبههم بذلك على الشُّكْر. وَفِي بعض الْأَخْبَار: أَن النَّبِي كَانَ إِذا
стр. 7038
﴿فلولا تشكرون (٧٠) أَفَرَأَيْتُم النَّار الَّتِي تورون (٧١) أأنتم أنشأتم شجرتها أم نَحن المنشئون (٧٢) نَحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين (٧٣) ﴾ شرب قَالَ: " الْحَمد الله الَّذِي جعله عذبا فراتا، وَلم يَجعله ملحا أجاجا ". أَو لفظ هَذَا مَعْنَاهُ.
قَوْله: ﴿فلولا تشكرون﴾ أَي: فَهَلا تشكرون.
стр. 7039
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُم النَّار الَّتِي تورون﴾ أَي: تقتدحون.
يُقَال: أورت الزند إِذا استخرج النَّار مِنْهُ. وَيُقَال: زند وزندة للحجر الَّذِي يقْدَح مِنْهُ النَّار.
стр. 7040
وَقَوله: ﴿أأنتم أنشأتم شجرتها﴾ أَي: خلقْتُمْ شجرتها.
وَقَوله: ﴿أم نَحن المنشئون﴾ يَعْنِي: أم نَحن خلقنَا الشَّجَرَة. وشجرة النَّار شَجَرَة مَعْرُوفَة، وَيَقُولُونَ: فِي كل شجر نَار، واستمجد [المرخ والعفار] .
стр. 7041
وَقَوله تَعَالَى: ﴿نَحن جعلناها تذكرة﴾ أَي: جعلنَا النَّار تذكرة من النَّار الْكُبْرَى، وَهِي نَار جَهَنَّم. وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " إِن نَاركُمْ هَذِه هِيَ جُزْء من سبعين جُزْءا من نَار جَهَنَّم ". وَفِي بعض الرِّوَايَات: " ضربت بِالْمَاءِ مرَّتَيْنِ ".
وَقَوله: ﴿ومتاعا للمقوين﴾ أظهر الْأَقَاوِيل فِيهِ: أَن المقوين الْمُسَافِرين، وهم الَّذين ينزلون فِي الأَرْض القفر الخالية. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه لجَمِيع النَّاس المقيمين والمسافرين. وعَلى القَوْل الأول خص الْمُسَافِرين؛ لِأَن منفعتهم بالنَّار أَكثر؛ لأجل الاصطلاء من
стр. 7042
﴿فسبح باسم رَبك الْعَظِيم (٧٤) فَلَا أقسم بمواقع النُّجُوم (٧٥) ﴾ الْبرد، والاستضاءة بِاللَّيْلِ، وَفِي إيقاد النَّار رد السبَاع، وَمَنْفَعَة الاستضاءة الاهتداء عِنْد ضلال الطَّرِيق.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: ومتاعا للمقوين أَي: مَنْفَعَة لكل من لَيْسَ لَهُ (زَاد) وَلَا مَال.
وَيُقَال: أقوى الْمَكَان إِذا خلا عَن الشَّيْء. وَأنكر القتيبي وَغَيره هَذَا القَوْل، وَقَالُوا: مَنْفَعَة الْغَنِيّ بالنَّار أَكثر من مَنْفَعَة الْفَقِير، وَالْعرب تَقول للْفَقِير مقوى، وللغني مقوى؛ تَقول للْفَقِير مقوى؛ لنفاد مَا مَعَه وخلوه عَنهُ، وللغني مقوى لقُوته وَقدرته على مَا لَا يقدر عَلَيْهِ الْفَقِير، فعلى هَذَا معنى الْآيَة: أَن النَّار مَنْفَعَة لجَمِيع النَّاس من الْفُقَرَاء والأغنياء والمقيمين والمسافرين.
стр. 7043
وَقَوله: ﴿فسبح باسم رَبك الْعَظِيم﴾ لما ذكر الله الدَّلَائِل على الْكفَّار فِي هَذِه الْآيَة الْمُتَقَدّمَة، وَوجه الدَّلِيل فِيهَا أَنهم كَانُوا مقرين أَن فَاعل هَذِه الْأَشْيَاء هُوَ الله، وَأَنَّهُمْ عاجزون عَنْهَا، وَيُنْكِرُونَ الْبَعْث والنشأة الْآخِرَة؛ فَقَالَ الله تَعَالَى لَهُم: لما لم تنكروا قدرَة الله تَعَالَى على هَذِه الْأَشْيَاء وَمَا فِيهَا من عَجِيب الصنع، فَكيف تنكرون قدرته على بعثكم وإحيائكم بعد موتكم؟ فَلَمَّا ألزمهم الدَّلِيل قَالَ لنَبيه ﵊: ﴿فسبح باسم رَبك الْعَظِيم﴾ كَأَنَّهُ أرشده إِلَى الِاشْتِغَال بتنزيه الرب وتسبيحه وتقديسه حِين لزم الْكفَّار الْحجَّة، وَقد ثَبت أَن النَّبِي قَالَ: " أفضل الْكَلَام سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ ".
стр. 7044
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا أقسم بمواقع النُّجُوم﴾ أَي: أقسم، و " لَا " صلَة. وَقيل: إِن معنى " لَا " أَي: لَيْسَ الْأَمر كَمَا قَالُوا من أَن الْقُرْآن شعر وسحر وكهانة، بل أقسم بمواقع النُّجُوم. وَعَن ابْن عَبَّاس: أَن معنى مواقع النُّجُوم أَي: مساقط النُّجُوم. وَيُقَال: مساقطها ومطالعها أقسم بهَا لما علق بهَا من مصَالح الْعباد. وَعَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة أُخْرَى وَهُوَ قَول جمَاعَة كَثِيرَة من التَّابِعين (مِنْهُم) : الْحسن، وَقَتَادَة، وَعِكْرِمَة،
стр. 7045
﴿وَإنَّهُ لقسم لَو تعلمُونَ عَظِيم (٧٦) إِنَّه لقرآن كريم (٧٧) فِي كتاب مَكْنُون (٧٨) لَا﴾ وَغَيرهم أَن مواقع النُّجُوم هَاهُنَا نُجُوم الْقُرْآن، وَمعنى المواقع نُزُوله نجما نجما. وَفِي الْخَبَر: أَن الله تَعَالَى أنزل الْقُرْآن جملَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا، ثمَّ أنزل نجما نجما فِي ثَلَاث وَعشْرين سنة إِلَى النَّبِي.
وَفِي الْآيَة قَول ثَالِث: وَهُوَ أَن المُرَاد من مواقع النُّجُوم انتثارها وتساقطها يَوْم الْقِيَامَة.
стр. 7046
وَقَوله: ﴿وَإنَّهُ لقسم لَو تعلمُونَ عَظِيم﴾ قَالَ ذَلِك لَان قسم الله عَظِيم، وكل مَا أقسم بِهِ. وَيُقَال: إِن تَخْصِيصه هَذَا الْقسم بالعظم؛ لِأَنَّهُ أقسم بِالْقُرْآنِ على الْقُرْآن؛ قَالَه الْقفال الشَّاشِي.
стр. 7047
وَقَوله: ﴿إِنَّه لقرآن كريم﴾ هُوَ مَوضِع الْقسم، وَهُوَ الْمقسم [عَلَيْهِ] .
وَقَوله: ﴿كريم﴾ أَي: كثير الْخَيْر وَالْبركَة. تَقول الْعَرَب: هَذِه النَّاقة كَرِيمَة، وَهَذِه النَّخْلَة كَرِيمَة، إِذا كثرت فوائدها ومنافعها.
стр. 7048
قَوْله: ﴿فِي كتاب مَكْنُون﴾ أَي: مصون، وَقد فسر باللوح الْمَحْفُوظ، وَفسّر أَيْضا بِكِتَاب فِي السَّمَاء عِنْد الْمَلَائِكَة فِيهِ الْقُرْآن.
стр. 7049
وَقَوله: ﴿لَا يمسهُ إِلَّا الْمُطهرُونَ﴾ أَكثر الْمُفَسّرين على أَن المُرَاد بِهِ أَنه لَا يمس ذَلِك الْكتاب إِلَّا الْمَلَائِكَة الْمُطهرُونَ. قَالَ قَتَادَة: فَأَما الْمُصحف يمسهُ كل أحد، وَإِنَّمَا المُرَاد ذَلِك الْكتاب فِي السَّمَاء. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن المُرَاد بِهِ الْمُصحف، وَقَوله: ﴿لَا يمسهُ إِلَّا الْمُطهرُونَ﴾ خبر بِمَعْنى النَّهْي أَي: لَا تمسوه إِلَّا على الطَّهَارَة. وَقد ورد أَن النَّبِي كتب فِي كتاب عَمْرو بن حزم " وَلَا يمس الْقُرْآن إِلَّا طَاهِر ". وَعَن عَلْقَمَة وَالْأسود
стр. 7050
﴿يمسهُ إِلَّا الْمُطهرُونَ (٧٩) تَنْزِيل من رب الْعَالمين (٨٠) أفبهذا الحَدِيث أَنْتُم مدهنون (٨١) وتجعلون رزقكم أَنكُمْ تكذبون (٨٢) ﴾ أَنَّهُمَا دخلا على سلمَان ليقْرَأ عَلَيْهِ الْقُرْآن، فجَاء من الْغَائِط، فَقَالَا لَهُ: تَوَضَّأ لنقرأ عَلَيْك الْقُرْآن، فَقَالَ: اقرآني، لَا أُرِيد أَن أمسه، ثمَّ قَرَأَ: ﴿لَا يمسهُ إِلَّا الْمُطهرُونَ﴾ .
стр. 7051
وَقَوله: ﴿تَنْزِيل من رب الْعَالمين﴾ أَي: الْقُرْآن نزله رب الْعَالمين.
стр. 7052
قَوْله تَعَالَى: ﴿أفبهذا الحَدِيث أَنْتُم مدهنون﴾ أَي: مكذبون تَكْذِيب مُنَافِق. والمدهن والمداهن بِمَعْنى وَاحِد، والمداهن هُوَ ذُو الْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ الَّذِي يكون قلبه خلاف لِسَانه، وَلسَانه خلاف قلبه. وَيُقَال: المدهنون: هم الَّذين يدْفَعُونَ الصدْق وَالْحق بِأَحْسَن وَجه يقدر عَلَيْهِ، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿ودوا لَو تدهن فيدهنون﴾ يَعْنِي: تكذب فيكذبون، وترائي فيراءون.
стр. 7053
وَقَوله: ﴿وتجعلون رزقكم أَنكُمْ تكذبون﴾ قَرَأَ عَليّ: " وتجعلون شكركم أَنكُمْ تكذبون " وَهُوَ معنى الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة يَعْنِي: تضعون التَّكْذِيب مَوضِع الشُّكْر، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
(تَحِيَّة بَينهم ضرب وجيع ... )
أَي: يضعون الضَّرْب الوجيع مَوضِع التَّحِيَّة. وَيُقَال معنى الْآيَة: تَجْعَلُونَ شكر رزقكم أَنكُمْ تكذبون، فَحذف الْمُضَاف وَأقَام الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه، مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿واشتعل الرَّأْس شيبا﴾ أَي: شعر الرَّأْس.
وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ: أَن الرزق هَاهُنَا بِمَعْنى الْهِدَايَة الَّتِي أَعْطَاهُم الله تَعَالَى بِالْقُرْآنِ، فَكَأَن الله تَعَالَى لما أنزل الْقُرْآن، وَبَين لَهُم طَرِيق الْحق بِهِ فَكَذبُوهُ وأنكروا، سمي بذلك الْبَيَان رزقا، وَجعل تكذيبهم كفرانا لهَذَا الرزق. وَرُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ: خسر قوم جعلُوا حظهم من الْقُرْآن التَّكْذِيب. وَالْقَوْل الثَّالِث وَهُوَ
стр. 7054
﴿فلولا إِذا بلغت الْحُلْقُوم (٨٣) وَأَنْتُم حِينَئِذٍ تنْظرُون (٨٤) وَنحن أقرب إِلَيْهِ مِنْكُم وَلَكِن لَا تبصرون (٨٥) فلولا إِن كُنْتُم غير مدينين (٨٦) ﴾ الْمَعْرُوف فِي الْآيَة أَن الرزق هَاهُنَا هُوَ الْمَطَر، والتكذيب هُوَ قَوْلهم: مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا. وَقد ثَبت بِرِوَايَة أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي قَالَ: " أَلا ترَوْنَ إِلَى مَا قَالَ ربكُم؟ قَالَ: مَا أَنْعَمت على عبادى نعْمَة إِلَّا أصبح فريق مِنْهُم بهَا كَافِرين يَقُولُونَ الْكَوْكَب وَبِالْكَوْكَبِ. . " أوردهُ مُسلم فِي صَحِيحه. وَفِي خبر آخر بِرِوَايَة (مُعَاوِيَة) اللَّيْثِيّ أَن النَّبِي قَالَ: " يصبح الْقَوْم مجدبين، فيأتيهم الله برزق من عِنْده، فيصبحوا مُشْرِكين يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا وَكَذَا ".
стр. 7055
قَوْله تَعَالَى: ﴿فلولا إِذا بلغت الْحُلْقُوم﴾ أَي: بلغت النَّفس الْحُلْقُوم. الْآيَة فِي بَيَان عجزهم، وَذكر قدرته عَلَيْهِم.
стр. 7056
وَقَوله: ﴿وَأَنْتُم حِينَئِذٍ تنْظرُون﴾ الْخطاب لأهل الْمَيِّت.
стр. 7057
وَقَوله: ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ مِنْكُم أى بِالْقُدْرَةِ وَقد قيل ملك الْمَوْت وأعوانه يَعْنِي: أَنهم أقرب إِلَى الْمَيِّت مِنْكُم.
وَقَوله: ﴿وَلَكِن لَا تبصرون﴾ أَي: لَا ترَوْنَ.
стр. 7058
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فلولا إِن كُنْتُم﴾ أَي: فَهَلا إِن كُنْتُم، [وَقَوله] : ﴿غير مدينين﴾ أَي: غير مُدبرين مملوكين مقهورين يَعْنِي: إِن كُنْتُم قَادِرين على مَا شِئْتُم، وَلم تَكُونُوا فِي ملكنا وقهرنا [فَردُّوا] روح الْمَيِّت إِلَى مَكَانَهُ، وَهُوَ معنى قَوْله:
стр. 7059
﴿ترجعونها إِن كُنْتُم صَادِقين (٨٧) فَأَما إِن كَانَ من المقربين (٨٨) فَروح وَرَيْحَان﴾
стр. 7060
﴿ترجعونها إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ ينبئهم بذلك على عجزهم. وَيُقَال: غير مدينين أَي: غير محاسبين ومجزيين.
وَالْقَوْل الأول هُوَ الْوَجْه فِي معنى الْآيَة.
стр. 7061
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَما إِن كَانَ من المقربين﴾ ذكر الله تَعَالَى فِي هَذِه الْآيَات حَال الْأَصْنَاف الثَّلَاثَة عِنْد الْمَوْت، وَهِي الْأَصْنَاف الَّتِي ذكرهم فِي أول السُّورَة، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَما إِن كَانَ من المقربين﴾ أَي: السَّابِقين إِلَى الْخيرَات، المبرزين فِي الطَّاعَات.
стр. 7062
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَروح﴾ قِرَاءَة عَائِشَة ﵂: " فَروح " وَاخْتَارَهُ يَعْقُوب الْحَضْرَمِيّ، وَالْأَشْهر: " فَروح " بِفَتْح الرَّاء، وَمَعْنَاهُ: الرَّحْمَة. وَيُقَال: [الرّوح] الاسْتِرَاحَة، وَمن قَرَأَ بِضَم الرَّاء فَهُوَ بِمَعْنى الْحَيَاة الدائمة الَّتِي لَا فنَاء بعْدهَا. وَفِي الْخَبَر: " أَنه إِذا وضع الْمُؤمن فِي قَبره، وَأجَاب بِجَوَاب الْحق يُقَال لَهُ: نم نومَة الْعَرُوس لَا هم وَلَا بؤس " وَفِي خبر آخر " يفتح لَهُ بَاب إِلَى الْجنَّة وَيُقَال لَهُ هَذَا موضعك ".
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَرَيْحَان﴾ أَي: رزق، وَهُوَ الرزق الَّذِي يدر عَلَيْهِ من الْجنَّة فِي الْقَبْر. وَقد بَينا من قبل الريحان بِمَعْنى الرزق فِي شعر الْعَرَب:
(سَلام الْإِلَه وريحانه ... وَرَحمته وسماء دُرَر)
وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: هُوَ الريحان الَّذِي يشم. قَالَ أَبُو الجوزاء: يُؤْتى بضبائر من ريحَان الْجنَّة فتجعل روحه فِيهَا.
وَقَوله: ﴿وجنة نعيم﴾ هِيَ الْجنَّة الموعودة. قَالَ أهل التَّفْسِير: الرّوح وَالريحَان فِي الْقَبْر، وجنة نعيم يَوْم الْقِيَامَة. وَيُقَال: الرّوح عِنْد الْمَوْت، وَالريحَان فِي الْقَبْر، وجنة نعيم فِي الْقِيَامَة عِنْد الْبَعْث. وَقد ثَبت أَن النَّبِي قَالَ: " من أحب لِقَاء الله أحب الله لقاءه، وَمن كره لِقَاء الله كره الله لقاءه، وَقيل: يَا رَسُول الله، لَكنا نكره الْمَوْت قَالَ:
стр. 7063
﴿وجنة النَّعيم (٨٩) وَأما إِن كَانَ من أَصْحَاب الْيَمين (٩٠) فسلام لَك من أَصْحَاب الْيَمين (٩١) وَأما إِن كَانَ من المكذبين الضَّالّين (٩٢) فَنزل من حميم (٩٣) وتصلية جحيم (٩٤) إِن هَذَا لَهو حق الْيَقِين (٩٥) فسبح اسْم رَبك الْعَظِيم (٩٦) ﴾ لَا، إِن الْمُؤمن إِذا بشر برحمة من الله أحب لِقَاء الله، فَأحب الله لقاءه، وَإِن الْكَافِر إِذا بشر بالنَّار كره لِقَاء الله وَكره الله لقاءه " وَقَرَأَ هَذِه الْآيَة.
стр. 7064
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأما إِن كَانَ من أَصْحَاب الْيَمين﴾ قد بَينا أَصْحَاب الْيَمين.
стр. 7065
وَقَوله: ﴿فسلام لَك من أَصْحَاب الْيَمين﴾ أَي: تسلم الْمَلَائِكَة عَلَيْهِم. وَقيل: يسلم الله عَلَيْهِم، فَيَقُول: سَلام عَلَيْك. وَلَك بِمَعْنى عَلَيْك.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿من أَصْحَاب الْيَمين﴾ أَي: لِأَنَّك من أَصْحَاب الْيَمين. وَهَذَا قَول كثير من الْمُفَسّرين. وَقَالَ بَعضهم: الْخطاب للنَّبِي وَمَعْنَاهُ: أبشر بالسلامة لأَصْحَاب الْيَمين، كَأَنَّهُ يَقُول: لَا تشغل قَلْبك بهم، فَإِنَّهُم قد نالوا السَّلامَة. وَقيل: المُرَاد من الْآيَة تَسْلِيم بَعضهم على بعض، كَأَن بَعضهم يسلم على بعض، ويهنئ بالسلامة.
стр. 7066
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأما إِن كَانَ من المكذبين الضَّالّين فَنزل من حميم﴾ أَي: الْمعد لَهُ شراب من حميم.
стр. 7067
وَقَوله: ﴿وتصلية جحيم﴾ أَي: دُخُول الْجَحِيم يُقَال: أصلى كَذَا أَي: قاسه، فعلى هَذَا تصلية جحيم أَي: مقاساة الْجَحِيم.
стр. 7068
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن هَذَا لَهو حق الْيَقِين﴾ أَي: مَحْض الْيَقِين، يُشِير إِلَى أَنه كَائِن لَا خلف فِيهِ. وَيُقَال مَعْنَاهُ: إِنَّه يَقِين أَحَق الْيَقِين، كَمَا يُقَال: حق عَالم أَي: عَالم حق.
стр. 7069
وَقَوله: ﴿فسبح باسم رَبك الْعَظِيم﴾ أَي: نزه رَبك وعظمه، كَأَنَّهُ أرشده إِلَى الِاشْتِغَال بثنائه وتسبيحه وتقديسه ليصل إِلَى دَرَجَة المقربين.
стр. 7070
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿سبح لله مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم (١) لَهُ ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض يحيي وَيُمِيت وَهُوَ على كل شَيْء قدير (٢) هُوَ الأول وَالْآخر وَالظَّاهِر﴾
تَفْسِير سُورَة الْحَدِيد
وَهِي مَكِّيَّة فِي قَول الْكَلْبِيّ وَجَمَاعَة. وَقَالَ بَعضهم: إِنَّهَا مَدَنِيَّة. وَعَن سعيد بن جُبَير أَنه قَالَ: اسْم الله الْأَعْظَم فِي سِتّ آيَات من أول سُورَة الْحَدِيد. وَعَن أبي التياح أَنه قَالَ: من أَرَادَ أَن يعرف كَيفَ وصف الْجَبَّار نَفسه فليقرأ سِتّ آيَات من أول سُورَة الْحَدِيد. وَالله أعلم.
стр. 7071
قَوْله تَعَالَى: ﴿سبح لله مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ أَي: صلي وَتعبد، وَيُقَال: نزه وَقدس. وَقد ذكر بَعضهم أَن تَسْبِيح الجمادات هُوَ أثر الصنع فِيهَا. وَالأَصَح أَنه التَّسْبِيح حَقِيقَة، وَهُوَ قَول أهل السّنة؛ لِأَنَّهُ لَو كَانَ المُرَاد مِنْهُ أثر الصنع لم يكن لقَوْله: ﴿وَلَكِن لَا تفقهون تسبيحهم﴾ معنى، لِأَن أثر الصنع يُعلمهُ ويفهمه كل وَاحِد.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ أَي: الْغَالِب الْحَكِيم فِي أمره.
стр. 7072
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَهُ ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض يحيي وَيُمِيت﴾ أَي: لَهُ الْملك فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض محييا ومميتا. قَالَ الزّجاج: يحيي من النُّطْفَة الْميتَة، وَيُمِيت الشَّخْص الْحَيّ.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ على كل شَيْء قدير﴾ أَي: قَادر.
стр. 7073
قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الأول وَالْآخر﴾ أَي: الأول قبل كل شَيْء، وَالْآخر بعد كل شَيْء. وَقيل: الأول فَلَا أول لَهُ، وَالْآخر فَلَا آخر لَهُ، وَهُوَ فِي معنى الأول. وَقيل: الأول بِلَا ابْتِدَاء، وَالْآخر بِلَا انْتِهَاء.
стр. 7074
﴿وَالْبَاطِن وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم (٣) هُوَ الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش يعلم مَا يلج فِي الأَرْض وَمَا يخرج مِنْهَا وَمَا ينزل من السَّمَاء وَمَا يعرج فِيهَا وَهُوَ مَعكُمْ أَيْن مَا كُنْتُم وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (٤) لَهُ ملك السَّمَوَات﴾
وَقَوله: ﴿وَالظَّاهِر وَالْبَاطِن﴾ أَي: الظَّاهِر بالدلائل والآيات، وَالْبَاطِن لِأَنَّهُ لَا يرى بالأبصار، وَلَا يدْرك بالحواس. وَقيل: الظَّاهِر هُوَ الْغَالِب؛ وَهَذَا يحْكى عَن ابْن عَبَّاس. وَالْبَاطِن المحتجب عَن خلقه. (وَعَن) بَعضهم: الْعَالم بِمَا ظهر وَمَا بطن.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم﴾ أَي: عَالم.
стр. 7075
قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام﴾ فِي التَّفْسِير أَن كل يَوْم ألف سنة وَقيل أسامي الْأَيَّام أبجد هوز حطى كلمن سعفص قرشت.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ قد بَينا. وَعَن وهب بن مُنَبّه قَالَ: خلق الْعَرْش من نوره. وَعَن بَعضهم: هُوَ ياقوتة حَمْرَاء. وَسمي الْعَرْش عرشا لارتفاعه.
وَقَوله: ﴿يعلم مَا يلج فِي الأَرْض﴾ أَي: يدْخل فِيهَا من مطر وَحب وميت.
وَقَوله: ﴿وَمَا يخرج مِنْهَا﴾ أَي: يدْخل فِيهَا منطر وَحب وميت
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمَا يخرج مِنْهَا﴾ أى من نَبَات وشجرة وَنَحْوه.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَمَا ينزل من السَّمَاء﴾ أَي: من الْمَطَر والرزق وَالْمَلَائِكَة.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَمَا يعرج فِيهَا﴾ أَي: من الْمَلَائِكَة وأعمال بني آدم.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ مَعكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُم﴾ أَي: بِعِلْمِهِ وَقدرته، ذكره ابْن عَبَّاس وَغَيره. وَقَالَ الْحسن: هُوَ مَعكُمْ بِلَا كَيفَ.
وَقَوله: ﴿أَيْنَمَا كُنْتُم﴾ أَي: حَيْثُمَا كُنْتُم.
وَقَوله: ﴿وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ أَي: خَبِير.
следующие страницы →