← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل يَا أهل الْكتاب لم تكفرون بآيَات الله وَالله شَهِيد على مَا تَعْمَلُونَ﴾ أَي: لَا يخفي عَلَيْهِ مَا تَعْمَلُونَ، ويجازيكم عَلَيْهِ.

стр. 702

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل يَا أهل الْكتاب لم تصدُّونَ عَن سَبِيل الله من آمن﴾ أَي: (لم تمْنَعُونَ من آمن عَن سَبِيل الله) بكتمان نعت مُحَمَّد ﴿تَبْغُونَهَا عوجا﴾ أَي: تطلبون الزيغ عَن السَّبِيل، والعدول عَنْهَا بتغيير صفة مُحَمَّد ﴿وَأَنْتُم شُهَدَاء﴾ يَعْنِي: أَنْتُم عالمون أَنه حق؛ على مَا ورد نَعته وَصفته ﴿وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ .

стр. 703

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن تطيعوا فريقا من الَّذين أُوتُوا الْكتاب يردوكم بعد إيمَانكُمْ كَافِرين﴾ يَعْنِي: يردونكم إِلَى الْيَهُودِيَّة والنصرانية.

стр. 704

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَيف تكفرون﴾ قَالَ الْأَخْفَش سعيد بن مسْعدَة: على أَي حَال تكفرون؟ ! ﴿وَأَنْتُم تتلى عَلَيْكُم آيَات الله وَفِيكُمْ رَسُوله﴾ . فَإِن قَالَ قَائِل: مَنعه إيَّاهُم عَن الْكفْر؛ يكون الرَّسُول فيهم، يُوهم إِبَاحَة الْكفْر فِي حَال لَا يكون الرَّسُول فيهم، قيل: وَلَا يَخْلُو حَال من كَون الرَّسُول فيهم، فَإِنَّهُ الْيَوْم وَإِن كَانَ خَارِجا من بَينهم، فشرعه قَائِم بَينهم، فَيكون كَأَنَّهُ فيهم. ﴿وَمن يعتصم بِاللَّه فقد هدى إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ أَي: وَمن يمْتَنع بِاللَّه، قيل: وَمن يَثِق بِاللَّه، فقد أرشد إِلَى طَرِيق مُسْتَقِيم.

стр. 705

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله حق تُقَاته﴾ قَالَ ابْن مَسْعُود: هُوَ أَن

стр. 706

﴿يردوكم بعد إيمَانكُمْ كَافِرين (١٠٠) وَكَيف تكفرون وَأَنْتُم تتلى عَلَيْكُم آيَات الله وَفِيكُمْ رَسُوله وَمن يعتصم بِاللَّه فقد هدي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم (١٠١) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله﴾ يطاع فَلَا يعْصى، وَيذكر فَلَا ينسى، ويشكر فَلَا يكفر. وَقَالَ قَتَادَة: (الْآيَة) مَنْسُوخَة بقوله: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ قَالَ أهل الْمعَانِي: لَا يَسْتَقِيم النّسخ فِيهِ، وَقَوله ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ تَفْسِير لهَذِهِ الْآيَة؛ لِأَن من أطَاع الله فِي وَقت وجوب الطَّاعَة، وَذكره فِي وَقت وجوب الذّكر، وشكره فِي مَوضِع وجوب الشُّكْر، فقد اتَّقى الله حق تُقَاته. وَهَذَا لم يصر مَنْسُوخا، وَقَوله: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ مُوَافق لَهُ؛ لِأَن التَّقْوَى إِن كَانَ فِي مَوضِع الْأَمر وَالْوُجُوب، والأوامر والواجبات على قدر الِاسْتِطَاعَة، فَتكون إِحْدَى الْآيَتَيْنِ مُوَافقَة لِلْأُخْرَى، فَلَا يَسْتَقِيم فِيهِ النّسخ. ﴿وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ﴾ ، فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ نَهَاهُم عَن الْمَوْت على الْكفْر، وَالْمَوْت لَا يدْخل تَحت الْأَمر وَالنَّهْي؟ ! قيل: مَعْنَاهُ: دوموا على الْإِسْلَام، حَتَّى إِذا وافاكم الْمَوْت ألفاكم على الْإِسْلَام، هَذَا كَمَا يَقُول الرجل لغيره: لَا أريتك تفعل كَذَا. مَعْنَاهُ: لَا تفعل كَذَا، حَتَّى إِذا رَأَيْتُك (لَا) أَرَاك على فعله.

стр. 707

قَوْله تَعَالَى: ﴿واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: حَبل الله: هُوَ الْعَهْد. وَقَالَ قَتَادَة (والسدى) : حَبل الله: الْقُرْآن. وَفِي الْخَبَر " الْقُرْآن: حَبل مَمْدُود (طرف) بيد الله وطرف بِأَيْدِيكُمْ " وَقيل: الْحَبل: الطَّرِيق، حَبل الله: طَرِيق الله، وأنشدوا فِي ذكر النَّاقة قَول الشَّاعِر:

стр. 708

﴿حق تُقَاته وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ (١٠٢) واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا وَلَا تفَرقُوا واذْكُرُوا نعمت الله عَلَيْكُم إِذْ كُنْتُم أَعدَاء فألف بَين قُلُوبكُمْ فأصبحتم بنعمته إخْوَانًا وكنتم على شفا حُفْرَة من النَّار فأنقذكم مِنْهَا كَذَلِك يبين الله لكم آيَاته لَعَلَّكُمْ تهتدون (١٠٣) ولتكن﴾ (وَإِذا أجوزها حبال قَبيلَة ... نزلت من الْأُخْرَى إِلَيْك حبالها) أَي: طريقها. وأصل الْحَبل كل مَا يوصلك إِلَى الشَّيْء، فتفوز بِهِ، والعهد: حَبل، وَالْقُرْآن: حَبل، (وَمِنْه) الْحَبل الْمَعْرُوف؛ لِأَنَّهُ يُوصل إِلَى الْمَقْصُود. ﴿وَلَا تفَرقُوا واذْكُرُوا نعمت الله عَلَيْكُم﴾ سَبَب نزُول الْآيَة مَا روى " أَن رجلَيْنِ: أَحدهمَا من الْأَوْس، وَالْآخر من الْخَزْرَج تسابا، فَدَعَا كل وَاحِد مِنْهُمَا قبيلته؛ فثار الْحَيَّانِ، وضربوا بِأَيْدِيهِم إِلَى السيوف، وَكَاد يكون بَينهم قتال، فَبلغ ذَلِك رَسُول الله فَخرج عَلَيْهِم وَهُوَ على حمَار، وَقَامَ بَينهم؛ فَنزلت الْآيَة، وتلا عَلَيْهِم، فبكوا، وَمَشى كل وَاحِد إِلَى صَاحبه وتعانقوا، واصطلحوا وَكفوا عَن الْقِتَال "، قَالَ جَابر: مَا كَانَ يَوْمًا أقبح أَولا من ذَلِك الْيَوْم، وَلَا أحسن آخر من ذَلِك الْيَوْم. فَقَوله: ﴿وَلَا تفَرقُوا﴾ الْخطاب مَعَهم (واذْكُرُوا نعْمَة الله عَلَيْكُم) يَعْنِي: بِالْإِسْلَامِ وَبعث الرَّسُول وإنزال الْكتاب. ﴿إِذْ كُنْتُم أَعدَاء﴾ لِأَن الْأَوْس والخزرج كَانَ بَينهم قتال [دَامَ] مائَة وَعشْرين سنة ﴿فألف بَين قُلُوبكُمْ﴾ يَعْنِي: بِالْإِسْلَامِ ﴿فأصبحتم بنعمته إخْوَانًا﴾ (أَي: فِي الدّين) . ﴿وكنتم على شفا حُفْرَة﴾ أَي: طرف حُفْرَة ﴿من النَّار فأنقذكم مِنْهَا﴾ . وَقيل: نزلت الْآيَة فِي مُشْركي الْعَرَب، وَالْأول [أصح وَهُوَ] قَول عِكْرِمَة. ﴿كَذَلِك يبين الله لكم آيَاته لَعَلَّكُمْ تهتدون﴾ أَي: ترشدون، وتسلكون طَرِيق الْحق.

стр. 709

﴿مِنْكُم أمة يدعونَ إِلَى الْخَيْر ويأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر وَأُولَئِكَ هم المفلحون (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين تفَرقُوا وَاخْتلفُوا من بعد مَا جَاءَهُم الْبَينَات وَأُولَئِكَ لَهُم عَذَاب عَظِيم (١٠٥) يَوْم تبيض وُجُوه وَتسود وُجُوه فَأَما الَّذين اسودت وُجُوههم أكفرتم بعد﴾

стр. 710

قَوْله تَعَالَى: ﴿ولتكن مِنْكُم أمة﴾ أَي: كونُوا أمة، وَكلمَة " من " - فِيهِ - للْجِنْس، لَا للتَّبْعِيض، وَهُوَ مثل قَوْله: ﴿فَاجْتَنبُوا الرجس من الْأَوْثَان﴾ وَالْمرَاد بِهِ الاجتناب من جنس الْأَوْثَان كلهَا لَا من بعض الْأَوْثَان، كَذَلِك قَوْله: ﴿ولتكن مِنْكُم أمة﴾ أَي: كونُوا أمة ﴿يدعونَ إِلَى الْخَيْر ويأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر وَأُولَئِكَ هم المفلحون﴾ أَي: وَأَنْتُم المفلحون.

стр. 711

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين تفَرقُوا وَاخْتلفُوا﴾ يَعْنِي: الْيَهُود وَالنَّصَارَى. ﴿من بعد مَا جَاءَتْهُم الْبَينَات وَأُولَئِكَ لَهُم عَذَاب عَظِيم يَوْم تبيض وُجُوه﴾ يَعْنِي: وَأُولَئِكَ لَهُم عَذَاب عَظِيم يَوْم الْقِيَامَة، ثمَّ وصف ذَلِك الْيَوْم، فَقَالَ: ﴿يَوْم تبيض وُجُوه﴾ يَعْنِي: بِالتَّوْحِيدِ ﴿وَتسود وُجُوه﴾ بالشرك. وَقيل: تبيض وُجُوه بِالسنةِ، وَتسود وُجُوه بالبدعة. وَقيل: أَرَادَ بِهِ: فِي الدُّنْيَا تبيض وُجُوه بالقناعة، وَتسود وُجُوه بالطمع. وَالْأول أصح، وَيشْهد لذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ مسفرة ضاحكة﴾ الْآيَة. وَفِي رِوَايَة أبي أُمَامَة عَن النَّبِي " تسود وُجُوه الْخَوَارِج ". ﴿فَأَما الَّذين اسودت وُجُوههم أكفرتم بعد إيمَانكُمْ﴾ أَي: يُقَال لَهُم: أكفرتم بعد إيمَانكُمْ؟ ! فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ كفرُوا بعد الْإِيمَان وَلم يَكُونُوا مُؤمنين قطّ؟ قيل أَرَادَ بِهِ إِيمَان يَوْم الْمِيثَاق، وَكَفرُوا بعده.

стр. 712

﴿إيمَانكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُم تكفرون (١٠٦) وَأما الَّذين ابْيَضَّتْ وُجُوههم فَفِي رَحْمَة الله هم فِيهَا خَالدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آيَات الله نتلوها عَلَيْك بِالْحَقِّ وَمَا الله يُرِيد ظلما للْعَالمين (١٠٨) وَللَّه مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض وَإِلَى الله ترجع الْأُمُور (١٠٩) كُنْتُم خير أمة أخرجت﴾ وَقيل: أَرَادَ بِهِ: الْيَهُود؛ آمنُوا بِمَا كَانَ فِي التَّوْرَاة من نعت مُحَمَّد، ثمَّ كفرُوا، وغيروا. ﴿فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُم تكفرون﴾ .

стр. 713

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأما الَّذين ابْيَضَّتْ وُجُوههم فَفِي رَحْمَة الله﴾ أَي: فِي ثَوَاب الله ﴿هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ .

стр. 714

﴿تِلْكَ آيَات الله نتلوها عَلَيْك بِالْحَقِّ وَمَا الله يُرِيد ظلما للْعَالمين﴾ لِأَنَّهُ يُعَاقب من يُعَاقب عَن اسْتِحْقَاق بِالْعَدْلِ ﴿وَللَّه مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض وَإِلَى الله ترجع الْأُمُور﴾ .

стр. 715

قَوْله تَعَالَى: ﴿كُنْتُم خير أمة﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: مَا معنى قَوْله: ﴿كُنْتُم خير أمة﴾ وَمَتى كَانُوا بِتِلْكَ الصّفة؟ قيل: أَرَادَ بِهِ: كُنْتُم خير أمة فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ. وَقيل: أَرَادَ بِهِ صرتم خير أمة إِذا آمنتم. وَقيل: يُقَال لَهُم يَوْم الْقِيَامَة: ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر﴾ فالمعروف: مَا عرفه الشَّرْع، وَالْمُنكر: مَا أنكرهُ الشَّرْع. وَفِي الحَدِيث: " لتأمرون بِالْمَعْرُوفِ، ولتنهون عَن الْمُنكر، أَو يُوشك أَن يعمكم الله بعقابه "، وَقَالَ: " أفضل الشُّهَدَاء بعد شُهَدَاء أحد: رجل قَامَ إِلَى إِمَام جَائِر، فَأمره بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَاهُ عَن الْمُنكر فَقتله عَلَيْهِ ". قَوْله: ﴿وتؤمنون بِاللَّه وَلَو آمن أهل الْكتاب لَكَانَ خيرا لَهُم﴾ وَهَذَا لاشك فِيهِ. ﴿مِنْهُم الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرهم الْفَاسِقُونَ﴾ لِأَنَّهُ آمن بَعضهم، وَكفر أَكْثَرهم.

стр. 716

﴿للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر وتؤمنون بِاللَّه وَلَو آمن أهل الْكتاب لَكَانَ خيرا لَهُم مِنْهُم الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرهم الْفَاسِقُونَ (١١٠) لن يضرركم إِلَّا أَذَى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يولوكم الأدبار ثمَّ لَا ينْصرُونَ (١١١) ضربت عَلَيْهِم الذلة أَيْن مَا ثقفوا إِلَّا بِحَبل من الله وحبل من النَّاس وباءوا بغضب من الله وَضربت عَلَيْهِم المسكنة ذَلِك بِأَنَّهُم كَانُوا يكفرون بآيَات الله وَيقْتلُونَ الْأَنْبِيَاء بِغَيْر حق ذَلِك بِمَا عصوا وَكَانُوا يعتدون (١١٢) لَيْسُوا سَوَاء من أهل الْكتاب﴾

стр. 717

﴿لن يضروكم إِلَّا أَذَى﴾ يَعْنِي: لَا يضرونكم بِأَكْثَرَ من أَذَى وَهُوَ إِضْرَار يسير، وأذى توقيعه بِاللِّسَانِ. ﴿وَإِن يقاتلونكم يولوكم الأدبار ثمَّ لَا ينْصرُونَ﴾ أَي: يهزمون وَتَكون النُّصْرَة لكم عَلَيْهِم.

стр. 718

قَوْله تَعَالَى: ﴿ضربت عَلَيْهِم الذلة﴾ يَعْنِي: ذل الْكفْر: بِالْقَتْلِ، والسبي، والاغتنام ﴿أَيْن مَا ثقفوا﴾ أَي: وجدوا. ﴿إِلَّا بِحَبل من الله﴾ يَعْنِي: عهد الذِّمَّة ﴿وحبل من النَّاس﴾ وَهُوَ عهد الْأمان، يَعْنِي: أَنهم يقتلُون، ويؤسرون، إِلَّا أَن تكون لَهُم ذمَّة أَو أَمَان. ﴿وباءوا بغضب من الله﴾ رجعُوا وَاحْتَملُوا غضب الله، (وَقيل: لَزِمَهُم غضب الله) من قَوْلهم تبوأ مَكَان كَذَا أَي: لزمَه ﴿وَضربت عَلَيْهِم المسكنة﴾ أَي: ذل الْكفْر، بزِي الْفقر، وَذَلِكَ على الْيَهُود، حَتَّى لَا يرى يَهُودِيّ إِلَّا على زِيّ الْفقر، وَإِن كَانَ غَنِيا ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم كَانُوا يكفرون بآيَات الله وَيقْتلُونَ الْأَنْبِيَاء بِغَيْر حق ذَلِك بِمَا عصوا وَكَانُوا يعتدون﴾ .

стр. 719

﴿لَيْسُوا سَوَاء﴾ يَعْنِي: (الْمُؤمنِينَ والكافرين) لَيْسُوا سَوَاء، وَهَذَا وقف تَامّ، ثمَّ ابْتِدَاء ﴿من أهل الْكتاب أمة قَائِمَة﴾ أَي: عادلة، وَقيل قَائِمَة: مُسْتَقِيمَة على الْحق، وَقيل الْأمة الطَّرِيقَة المستقيمة، وَهِي طَريقَة الْحق، وَتَقْدِيره: من أهل الْكتاب ذُو أمة قَائِمَة، وَمِنْه قَول النَّابِغَة: (أكفلتني ذَنْب امْرِئ وَتركته ... وَهل يأثمن ذُو أمة وَهُوَ طائع)

стр. 720

﴿أمة قَائِمَة يَتلون آيَات الله آنَاء اللَّيْل وهم يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ويأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر ويسارعون فِي الْخيرَات وَأُولَئِكَ من الصَّالِحين (١١٤) وَمَا يَفْعَلُوا من خير فَلَنْ يكفروه وَالله عليم بالمتقين (١١٥) إِن الَّذين كفرُوا لن تغني عَنْهُم﴾ أَي: ذُو دين وَطَرِيقَة. ﴿يَتلون آيَات الله آنَاء اللَّيْل﴾ : سَاعَات اللَّيْل، وأحدها: إِنَّا، وَأَنا ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ قَالَ ابْن مَسْعُود: يَعْنِي: يصلونَ صَلَاة الْعَتَمَة، وَقيل أَرَادَ بِهِ الصَّلَاة مَا بَين الْمغرب وَالْعشَاء وَهُوَ فِي آنَاء اللَّيْل.

стр. 721

﴿يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ويأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر ويسارعون فِي الْخيرَات وَأُولَئِكَ من الصَّالِحين﴾ وَصفهم الله تَعَالَى وشكرهم

стр. 722

﴿وَمَا يَفْعَلُوا من خير فَلَنْ يكفروه﴾ أَي: يجازون عَلَيْهِ. وَالله تَعَالَى إِذا جازى العَبْد على صَنِيعه، فقد شكره ﴿وَالله عليم بالمتقين﴾ .

стр. 723

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين كفرُوا لن تغني عَنْهُم أَمْوَالهم وَلَا أَوْلَادهم من الله شَيْئا﴾ أَي: لَا تدفع أَمْوَالهم بالفدية، وَلَا أَوْلَادهم بالنصرة من عَذَاب الله؛ وَذَلِكَ أَن الْإِنْسَان يدْفع عَن نَفسه بِفِدَاء المَال، وَتارَة بالاستعانة بالأولاد ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ .

стр. 724

(قَوْله) : ﴿مثل مَا يُنْفقُونَ فِي هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا كَمثل ريح فِيهَا صر﴾ الصر فِي الرّيح: الْبرد، وَقَول الشَّاعِر: (أوقد فَإِن اللَّيْل ليل قر ... وَالرِّيح يَا وَاقد ريح صر) (عَسى [مَا] نرى نَارا لمن يمر ... إِن جلبت ضيفا فَأَنت حر) ﴿أَصَابَت حرث قوم ظلمُوا أنفسهم فأهلكته﴾ شبه إنفاقهم بزرع اجتاحته جَائِحَة أَو أَصَابَته ريح بَارِدَة فأهلكته. وَاخْتلفُوا فِي تِلْكَ النَّفَقَة: قَالَ بَعضهم: أَرَادَ بِهِ: إِنْفَاق أبي سُفْيَان يَوْم بدر وَأحد على الْمُشْركين فِي قتال الْمُسلمين، وَقيل أَرَادَ بِهِ: إِنْفَاق الْمَرْء الَّذِي ينْفق مَاله رِيَاء

стр. 725

﴿أَمْوَالهم وَلَا أَوْلَادهم من الله شَيْئا وَأُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ (١١٦) مثل مَا يُنْفقُونَ فِي هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا كَمثل ريح فِيهَا صر أَصَابَت حرث قوم ظلمُوا أنفسهم فأهلكته وَمَا ظلمهم الله وَلَكِن أنفسهم يظْلمُونَ (١١٧) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا بطانة من دونكم لَا يأولونكم خبالا ودوا مَا عنتم قد بَدَت الْبغضَاء من أَفْوَاههم وَمَا تخفي صُدُورهمْ أكبر قد بَينا لكم الْآيَات إِن كُنْتُم تعقلون (١١٨) هَا أَنْتُم أولاء تحبونهم وَلَا يحبونكم وتؤمنون بِالْكتاب﴾ وَسُمْعَة، لَا يَبْتَغِي وَجه الله ﴿وَمَا ظلمهم الله وَلَكِن أنفسهم يظْلمُونَ﴾ .

стр. 726

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا بطانة من دونكم﴾ أَي: خَواص من غير أهل ملتكم، وبطانة الرجل: خاصته، وَالَّذين يستنبطون أمره، وَمِنْه: البطانة فِي الثَّوْب؛ لِأَنَّهُ يَلِي الْبَطن وَالْبَاطِن، وَهَذَا فِي النَّهْي عَن مُوالَاة الْكفَّار ﴿لَا يأولونكم خبالا﴾ أَي: يقصرون فِي (أَمركُم) ، فيفسدون عَلَيْكُم أَمركُم، والخبال: الْفساد ﴿ودوا مَا عنتم﴾ أَي: يودون مَا يشق عَلَيْكُم، والعنت: الْمَشَقَّة، وَمِنْه الأكمه العنوت وَهِي الشاقة الصعُود، قَالَ السّديّ: أَرَادَ بِهِ: أَنهم يودون ردكم إِلَى الْكفْر والضلالة. ﴿قد بَدَت الْبغضَاء من أَفْوَاههم﴾ يَعْنِي: الوقيعة بِاللِّسَانِ، ﴿وَمَا تخفي صُدُورهمْ أكبر﴾ (يَعْنِي: الَّذِي: فِي صُدُورهمْ) من الغيظ أعظم من الوقيعة بِاللِّسَانِ ﴿قد بَينا لكم الْآيَات إِن كُنْتُم تعقلون﴾ .

стр. 727

قَوْله تَعَالَى: ﴿هَا أَنْتُم أولاء﴾ يَعْنِي: أَنْتُم يَا هَؤُلَاءِ، ﴿تحبونهم﴾ أَي: تحبون إِيمَانهم، ﴿وَلَا يحبونكم وتؤمنون بِالْكتاب كُله وَإِذا لقوكم قَالُوا آمنا﴾ يَعْنِي: بِاللِّسَانِ. ﴿وَإِذا خلوا عضوا عَلَيْكُم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم﴾ وَهُوَ عبارَة عَن شدَّة الغيظ ﴿إِن الله عليم بِذَات الصُّدُور﴾ .

стр. 728

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن تمسسكم حَسَنَة﴾ أبي: خصب ونصرة (تسؤهم) ﴿وَإِن تصبكم سَيِّئَة﴾ أَي: قحط وبلاء ﴿يفرحوا بهَا وَإِن تصبروا وتتقوا﴾ يَعْنِي: على

стр. 729

﴿كُله وَإِذا لقوكم قَالُوا آمنا وَإِذا خلوا عضوا عَلَيْكُم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إِن الله عليم بِذَات الصُّدُور (١١٩) إِن تمسسكم حَسَنَة تسؤهم وَإِن تصبكم سَيِّئَة يفرحوا بهَا وَإِن تصبروا وتتقوا لَا يضركم كيدهم شَيْئا أَن الله بِمَا يعْملُونَ مُحِيط (١٢٠) وَإِذ غَدَوْت من أهلك تبوئ الْمُؤمنِينَ مقاعد لِلْقِتَالِ وَالله سميع عليم (١٢١) إِذْ هَمت طَائِفَتَانِ مِنْكُم أَن تَفْشَلَا وَالله وليهما وعَلى الله فَليَتَوَكَّل الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَد نصركم الله ببدر وَأَنْتُم أَذِلَّة فَاتَّقُوا الله﴾ الشدَّة وَالْبَلَاء ﴿لَا يضركم كيدهم شَيْئا﴾ وَيقْرَأ " لَا يضركم " بِكَسْر الضَّاد مخففا، وَالْمعْنَى وَاحِد ﴿إِن الله بِمَا يعْملُونَ مُحِيط﴾ .

стр. 730

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ غَدَوْت من أهلك﴾ يَعْنِي: وَاذْكُر إِذْ غَدَوْت، وَمَعْنَاهُ: خرجت غدْوَة من اهلك) ، أَي: من بَيت عَائِشَة ﴿تبوئ الْمُؤمنِينَ﴾ أَي: تنزل الْمُؤمنِينَ ﴿مقاعد لِلْقِتَالِ﴾ يَعْنِي: تنزلهم فِي مَوَاضِع الْقِتَال ومراكزه، يُقَال: بوأ فلَانا مَكَان كَذَا، إِذا أنزلهُ فِيهِ، قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَ النَّبِي يُسمى لكل وَاحِد من الْمُسلمين مَكَانا من [الْقِتَال] ، ويقيمه ". وَهَذَا كَانَ فِي حَرْب أحد، وَهَذِه الْآيَة إِلَى قريب من آخر السُّورَة فِي حَرْب أحد ﴿وَالله سميع عليم﴾ أَي: سميع بِمَا قَالَه المُنَافِقُونَ، عليم بِمَا أضمروا؛ فَيكون على وَجه التهديد، وَقيل: مَعْنَاهُ: ﴿وَالله سميع﴾ بِمَا قَالَ الْمُؤْمِنُونَ، عَلَيْهِم بِمَا أضمروا؛ فَيكون على وَجه الْمَدْح.

стр. 731

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ هَمت طَائِفَتَانِ مِنْكُم أَن تَفْشَلَا﴾ يَعْنِي: أَرَادَت، وقصدت، والهم: الْقَصْد، وَأما الطائفتان، فقد صَحَّ عَن جَابر أَنه قَالَ: أَرَادَ بِهِ: بني سَلمَة، وَبني حَارِثَة. والقصة فِي ذَلِك: مَا روى " أَن رَسُول الله شاور أَصْحَابه فِي الْخُرُوج إِلَى حَرْب أحد، فَأَشَارَ بَعضهم بِالْخرُوجِ، وَبَعْضهمْ بالمكث بِالْمَدِينَةِ، فَاخْتَارَ الْخُرُوج، وَكَانَ جَيش الْمُسلمين ألفا، فانخذل عبد الله بن أبي بن سلول بِثلث الْجَيْش فهمت هَاتَانِ

стр. 732

﴿لَعَلَّكُمْ تشكرون (١٢٣) إِذْ تَقول للْمُؤْمِنين ألن يكفيكم أَن يمدكم ربكُم بِثَلَاثَة آلَاف من الْمَلَائِكَة منزلين (١٢٤) بلَى إِن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هَذَا يمددكم ربكُم بِخَمْسَة﴾ الطائفتان بَنو سَلمَة وَبَنُو حَارِثَة أَن يرجِعوا مَعَهم، فثبتهما الله تَعَالَى على الْمُضِيّ مَعَه، فَلم يرجِعوا "، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿إِذْ هَمت طَائِفَتَانِ مِنْكُم أَن تَفْشَلَا﴾ أَي: أَن تضعفا: وتجبنا ﴿وَالله وليهما﴾ أَي: ناصرهما ومثبتهما على الْحَرْب. قَالَ جَابر: مَا وَدِدْنَا أَن تَفْشَلَا، وَقَالَ الله: ﴿وَالله وليهما وعَلى الله فَليَتَوَكَّل الْمُؤْمِنُونَ﴾ .

стр. 733

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد نصركم الله ببدر﴾ يذكر عَلَيْهِم منته بالنصرة يَوْم بدر، وَهُوَ مَوضِع بَين مَكَّة وَالْمَدينَة، وسمى بَدْرًا باسم الْموضع، وَقيل: سمى بَدْرًا بإسم رجل، وَقيل بإسم بِئْر ﴿وَأَنْتُم ذلة﴾ أَي: قَلِيل الْعدَد؛ لأَنهم كَانُوا يَوْم بدر ثلثمِائة وَثَلَاثَة عشر نَفرا، قَالَ عَليّ: وَلم يكن فِينَا فَارس إِلَى الْمِقْدَاد، وَكَانَ مِنْهُم سَبْعَة وَسَبْعُونَ من الْمُهَاجِرين وَالْبَاقُونَ من الْأَنْصَار، وَكَانَ صَاحب راية الْمُهَاجِرين أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵁، وَصَاحب راية الْأَنْصَار قيس بن سعد بن عبَادَة. وَكَانَ لَهُم يَوْمئِذٍ قَلِيل سلَاح، فَمن الله عَلَيْهِم بالنصرة لَهُم؛ مَعَ قلَّة عَددهمْ وعدتهم، ﴿فَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ .

стр. 734

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ تَقول للْمُؤْمِنين ألن يكفيكم﴾ قيل: أَرَادَ بِهِ: فِي يَوْم بدر، وَقيل: فِي يَوْم أحد، قَالَ ابْن عَبَّاس: مَا قَاتَلت الْمَلَائِكَة فِي المعركة إِلَّا يَوْم بدر. أَي: يكفيكم ﴿أَن يمدكم ربكُم﴾ الْإِمْدَاد: هُوَ إِعَانَة الْجَيْش بالجيش، وَمِنْه: المدد ﴿بِثَلَاثَة آلَاف من الْمَلَائِكَة منزلين﴾ .

стр. 735

قَوْله تَعَالَى: ﴿بلَى إِن تصبروا﴾ يَعْنِي: بلَى وَعدكُم إِن تصبروا على لِقَاء الْعَدو، ﴿وتتقوا﴾ أَي: وتحذروا مُخَالفَة الرَّسُول ﴿ويأتوكم من فورهم هَذَا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس وَالْحسن وَأكْثر الْمُفَسّرين: مَعْنَاهُ: ويأتوكم من وُجُوههم هَذَا، وَقيل مَعْنَاهُ: من غضبهم هَذَا؛ لأَنهم إِنَّمَا رجعُوا للحرب يَوْم أحد من غضبهم ليَوْم بدر.

стр. 736

﴿آلَاف من الْمَلَائِكَة مسومين (١٢٥) وَمَا جعله الله إِلَّا بشرى لكم ولتطمئن قُلُوبكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْر إِلَّا من عِنْد الله الْعَزِيز الْحَكِيم (١٢٦) ليقطع طرفا من الَّذين كفرُوا أَو يكبتهم فينقلبوا﴾ ﴿يمددكم ربكُم بِخَمْسَة آلَاف﴾ لم يرد بِهِ خَمْسَة آلَاف سوى مَا ذكر من ثَلَاثَة آلَاف؛ لأَنهم أَجمعُوا على أَن عدد الْمَلَائِكَة يَوْمئِذٍ خَمْسَة آلَاف، وَهَذَا نَظِير قَوْله تَعَالَى: ﴿بِالَّذِي خلق الأَرْض فِي يَوْمَيْنِ﴾ ، ثمَّ قَالَ بعده: ﴿وَجعل فِيهَا رواسي من فَوْقهَا وَبَارك فِيهَا وَقدر فِيهَا أقواتها فِي أَرْبَعَة أَيَّام﴾ وَلم يرد بِهِ أَرْبَعَة أَيَّام سوى ذَلِك الْيَوْمَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ بعده: ﴿فقضاهن سبع سموات فِي يَوْمَيْنِ﴾ وَأَجْمعُوا على أَن خلق الْكل كَانَ فِي سِتَّة أَيَّام لَا فِي ثَمَانِيَة أَيَّام، بل أَرَادَ بِهِ أَرْبَعَة أَيَّام مَعَ ذَلِك الْيَوْمَيْنِ كَذَا هَذَا. ﴿من الْمَلَائِكَة مسومين﴾ يقْرَأ بِفَتْح الْوَاو، وَالْمرَاد بِهِ المعلمين، وَيقْرَأ بِكَسْر الْوَاو فَيكون فعل التسويم: من الْمَلَائِكَة، والتسويم الْإِعْلَام بالعلامة، وَهُوَ من السومة، وَالسَّمَاء: وَهُوَ الْعَلامَة، وَاخْتلفُوا فِي عَلامَة الْمَلَائِكَة يَوْمئِذٍ كَيفَ كَانَت؟ قَالَ عُرْوَة بن الزبير: كَانَت الْمَلَائِكَة على خيل يلق عَلَيْهِم عمائم صفر. وَقَالَ الْحسن: كَانَت عمائم بيض مُرْسلَة خلف الظُّهُور. وَقَالَ مُجَاهِد: كَانُوا قد أعلمُوا من الصُّوف على أَذْنَاب الْخَيل ونواصيها؛ وَذَلِكَ سنة فِي خلق الشجعان، وَقد قَالَ: " سوموا فَإِن الْمَلَائِكَة قد سومت ".

стр. 737

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا جعله الله إِلَّا بشرى لكم﴾ أَي: بِشَارَة لكم ﴿ولتطمئن قُلُوبكُمْ بِهِ " أَي: بوعده النُّصْرَة ﴿وَمَا النَّصْر إِلَّا من عِنْد الله الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ يَعْنِي: (لَا) تختلوا بالنصرة عَن الْمَلَائِكَة والجند، واعرفوا [أَن] النَّصْر من عِنْد الله.

стр. 738

﴿خائبين (١٢٧) لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء أَو يَتُوب عَلَيْهِم أَو يعذبهم فَإِنَّهُم ظَالِمُونَ (١٢٨) وَللَّه﴾

стр. 739

﴿ليقطع طرفا من الَّذين كفرُوا﴾ أَي: قِطْعَة مِنْهُم، وَمِنْه أَطْرَاف الْإِنْسَان؛ لِأَنَّهَا قطع النَّفس، ثمَّ من حمل الْآيَة على حَرْب بدر، فقد كَانَ ذَلِك الْقطع مِنْهُم يَوْم بدر؛ فَإِنَّهُ قتل مِنْهُم سَبْعُونَ وَأسر سَبْعُونَ؛ أَكْثَرهم رؤساؤهم، وَمن حمل الْآيَة على حَرْب أحد، فقد قتل مِنْهُم سِتَّة عشر فيهم أَصْحَاب الرَّايَات، فَكَانَت النُّصْرَة للْمُسلمين مالم يخالفوا أَمر رَسُول الله، فَلَمَّا خالفوا أمره ذهبت النُّصْرَة عَنْهُم. قَوْله: ﴿أَو يكبتهم﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَي: يُهْلِكهُمْ، وَقيل مَعْنَاهُ: يخزيهم، وَهُوَ أصح، وَقيل مَعْنَاهُ: أَو يصرعنهم، والكب والكبت: الصرع على الْوَجْه، وَفِيه قَول رَابِع: يكبتهم بِمَعْنى: يكبدهم، وَذَلِكَ أَن يحزنهم حَتَّى وصل الْحزن إِلَى أكبادهم؛ وَالْعرب تسمي الحزين: أسود الكبد من تَأْثِير الْحزن فِيهِ [وَمِنْه] قَول الشَّاعِر: (الْأَعْدَاء والأكباد سود ... ) ﴿فينقلبوا خائبين﴾ أَي: لَا يدركون مَا أملوا، يُقَال: رَجَعَ فلَان من الْغَيْبَة بالخيبة، إِذا لم يدْرك أمله.

стр. 740

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء﴾ روى الزُّهْرِيّ، عَن سَالم، عَن أَبِيه عبد الله بن عمر: " ﴿لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء﴾ فَترك اللَّعْن فِي الْقُنُوت "، وروى أنس " أَنه شج رَأسه يَوْم أحد، وَكسرت رباعيته، وأدمي وَجهه، وَكَانَ يَأْخُذ الدَّم بكفه وَيَقُول: كَيفَ يفلح قوم خضبوا وَجه نَبِيّهم؟ ! فَنزل قَوْله: ﴿لَيْسَ لَك من الْأَمر
следующие страницы →