← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

﴿آلَاف من الْمَلَائِكَة مسومين (١٢٥) وَمَا جعله الله إِلَّا بشرى لكم ولتطمئن قُلُوبكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْر إِلَّا من عِنْد الله الْعَزِيز الْحَكِيم (١٢٦) ليقطع طرفا من الَّذين كفرُوا أَو يكبتهم فينقلبوا﴾ ﴿يمددكم ربكُم بِخَمْسَة آلَاف﴾ لم يرد بِهِ خَمْسَة آلَاف سوى مَا ذكر من ثَلَاثَة آلَاف؛ لأَنهم أَجمعُوا على أَن عدد الْمَلَائِكَة يَوْمئِذٍ خَمْسَة آلَاف، وَهَذَا نَظِير قَوْله تَعَالَى: ﴿بِالَّذِي خلق الأَرْض فِي يَوْمَيْنِ﴾ ، ثمَّ قَالَ بعده: ﴿وَجعل فِيهَا رواسي من فَوْقهَا وَبَارك فِيهَا وَقدر فِيهَا أقواتها فِي أَرْبَعَة أَيَّام﴾ وَلم يرد بِهِ أَرْبَعَة أَيَّام سوى ذَلِك الْيَوْمَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ بعده: ﴿فقضاهن سبع سموات فِي يَوْمَيْنِ﴾ وَأَجْمعُوا على أَن خلق الْكل كَانَ فِي سِتَّة أَيَّام لَا فِي ثَمَانِيَة أَيَّام، بل أَرَادَ بِهِ أَرْبَعَة أَيَّام مَعَ ذَلِك الْيَوْمَيْنِ كَذَا هَذَا. ﴿من الْمَلَائِكَة مسومين﴾ يقْرَأ بِفَتْح الْوَاو، وَالْمرَاد بِهِ المعلمين، وَيقْرَأ بِكَسْر الْوَاو فَيكون فعل التسويم: من الْمَلَائِكَة، والتسويم الْإِعْلَام بالعلامة، وَهُوَ من السومة، وَالسَّمَاء: وَهُوَ الْعَلامَة، وَاخْتلفُوا فِي عَلامَة الْمَلَائِكَة يَوْمئِذٍ كَيفَ كَانَت؟ قَالَ عُرْوَة بن الزبير: كَانَت الْمَلَائِكَة على خيل يلق عَلَيْهِم عمائم صفر. وَقَالَ الْحسن: كَانَت عمائم بيض مُرْسلَة خلف الظُّهُور. وَقَالَ مُجَاهِد: كَانُوا قد أعلمُوا من الصُّوف على أَذْنَاب الْخَيل ونواصيها؛ وَذَلِكَ سنة فِي خلق الشجعان، وَقد قَالَ: " سوموا فَإِن الْمَلَائِكَة قد سومت ".

стр. 737

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا جعله الله إِلَّا بشرى لكم﴾ أَي: بِشَارَة لكم ﴿ولتطمئن قُلُوبكُمْ بِهِ " أَي: بوعده النُّصْرَة ﴿وَمَا النَّصْر إِلَّا من عِنْد الله الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ يَعْنِي: (لَا) تختلوا بالنصرة عَن الْمَلَائِكَة والجند، واعرفوا [أَن] النَّصْر من عِنْد الله.

стр. 738

﴿خائبين (١٢٧) لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء أَو يَتُوب عَلَيْهِم أَو يعذبهم فَإِنَّهُم ظَالِمُونَ (١٢٨) وَللَّه﴾

стр. 739

﴿ليقطع طرفا من الَّذين كفرُوا﴾ أَي: قِطْعَة مِنْهُم، وَمِنْه أَطْرَاف الْإِنْسَان؛ لِأَنَّهَا قطع النَّفس، ثمَّ من حمل الْآيَة على حَرْب بدر، فقد كَانَ ذَلِك الْقطع مِنْهُم يَوْم بدر؛ فَإِنَّهُ قتل مِنْهُم سَبْعُونَ وَأسر سَبْعُونَ؛ أَكْثَرهم رؤساؤهم، وَمن حمل الْآيَة على حَرْب أحد، فقد قتل مِنْهُم سِتَّة عشر فيهم أَصْحَاب الرَّايَات، فَكَانَت النُّصْرَة للْمُسلمين مالم يخالفوا أَمر رَسُول الله، فَلَمَّا خالفوا أمره ذهبت النُّصْرَة عَنْهُم. قَوْله: ﴿أَو يكبتهم﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَي: يُهْلِكهُمْ، وَقيل مَعْنَاهُ: يخزيهم، وَهُوَ أصح، وَقيل مَعْنَاهُ: أَو يصرعنهم، والكب والكبت: الصرع على الْوَجْه، وَفِيه قَول رَابِع: يكبتهم بِمَعْنى: يكبدهم، وَذَلِكَ أَن يحزنهم حَتَّى وصل الْحزن إِلَى أكبادهم؛ وَالْعرب تسمي الحزين: أسود الكبد من تَأْثِير الْحزن فِيهِ [وَمِنْه] قَول الشَّاعِر: (الْأَعْدَاء والأكباد سود ... ) ﴿فينقلبوا خائبين﴾ أَي: لَا يدركون مَا أملوا، يُقَال: رَجَعَ فلَان من الْغَيْبَة بالخيبة، إِذا لم يدْرك أمله.

стр. 740

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء﴾ روى الزُّهْرِيّ، عَن سَالم، عَن أَبِيه عبد الله بن عمر: " ﴿لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء﴾ فَترك اللَّعْن فِي الْقُنُوت "، وروى أنس " أَنه شج رَأسه يَوْم أحد، وَكسرت رباعيته، وأدمي وَجهه، وَكَانَ يَأْخُذ الدَّم بكفه وَيَقُول: كَيفَ يفلح قوم خضبوا وَجه نَبِيّهم؟ ! فَنزل قَوْله: ﴿لَيْسَ لَك من الْأَمر

стр. 741

﴿مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض يغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء وَالله غَفُور رَحِيم (١٢٩) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أضعافا مضاعفة وَاتَّقوا الله لَعَلَّكُمْ تفلحون (١٣٠) وَاتَّقوا النَّار﴾ شَيْء) وَقيل: أَرَادَ رَسُول الله أَن يدعوا عَلَيْهِم بِدُعَاء الاستئصال؛ فَنزل قَوْله: ﴿لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء﴾ وَذَلِكَ أَنه تَعَالَى علم أَن فيهم من يسلم [أَو يَتُوب] ﴿أَو يَتُوب عَلَيْهِم أَو يعذبهم﴾ إِنَّمَا نَصبه على نصب قَوْله: ﴿ليقطع طرفا﴾ وَمَعْنَاهُ: لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء؛ فَإِن تبت عَلَيْهِم، أَو عذبتهم، فأمرك متابع لأمري، أَي: إِن تبت عَلَيْهِم، فبرحمتي، وَإِن عذبتهم، فبظلمهم. فَإِن قَالَ قَائِل: أَي اتِّصَال لقَوْله: ﴿أَو يَتُوب عَلَيْهِم﴾ بقوله ﴿لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء﴾ ؟ قيل: مَعْنَاهُ: لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء، حَتَّى يَتُوب عَلَيْهِم، أَو إِلَى أَن يَتُوب عَلَيْهِم، وَمثله قَول امْرِئ الْقَيْس: (فَقلت لَهَا لَا تبك عَيْنك إِنَّمَا ... نحاول ملكا أَو نموت فنعذرا) أَي: حَتَّى نموت، فنعذرا، وَيحْتَمل أَنه على نسق قَوْله: ليقطع طرفا من الَّذين كفرُوا أَو يكبتهم أَو يَتُوب عَلَيْهِم أَو يعذبهم فَإِنَّهُم ظَالِمُونَ لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء. وَالْأَمر أَمْرِي فِي ذَلِك كُله.

стр. 742

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَللَّه مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض يغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء وَالله غَفُور رَحِيم﴾ .

стр. 743

يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أضعافا مضاعفة) قد ذكر الرِّبَا فِي سُورَة الْبَقَرَة، وَأعَاد ذكره هَا هُنَا تَأْكِيدًا، والأضعاف المضاعفة: هُوَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ من تبعيد الْأَجَل بِزِيَادَة الدّين. ﴿وَاتَّقوا الله لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ أَي: كونُوا على رَجَاء الْفَلاح، يَعْنِي: من ترك الرِّبَا

стр. 744

﴿الَّتِي أعدت للْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطيعُوا الله وَالرَّسُول لَعَلَّكُمْ ترحمون (١٣٢) وسارعوا إِلَى﴾ وَفِيه الْفَلاح، وَفِي عَطاء الرِّبَا الْهَلَاك. وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁: " مَا هلك قوم إِلَّا وَقد فَشَا فيهم الرِّبَا وَالزِّنَا "، [و] عَنهُ أَيْضا: " [كثير] الرِّبَا إِلَى قلَّة ".

стр. 745

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاتَّقوا النَّار الَّتِي أعدت للْكَافِرِينَ﴾ وَهِي معدة للْكَافِرِينَ؛ فَإِنَّهَا دَار الخلود لَهُم

стр. 746

﴿وَأَطيعُوا الله وَالرَّسُول لَعَلَّكُمْ ترحمون﴾ أَي: كونُوا على رَجَاء الرَّحْمَة.

стр. 747

قَوْله تَعَالَى: ﴿وسارعوا إِلَى الْمَغْفِرَة﴾ أَي: بَادرُوا إِلَى مغْفرَة ﴿من ربكُم﴾ ، قَالَ ابْن عَبَّاس: مَعْنَاهُ: بَادرُوا إِلَى التَّوْبَة الَّتِي هِيَ سَبَب الْمَغْفِرَة. وَقيل: أَرَادَ بِهِ: سُؤال الْمَغْفِرَة. وَفِيه قَول غَرِيب أَنه التَّكْبِيرَة الأولى. ﴿وجنة عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ أَي: سعتها كسعة السَّمَوَات وَالْأَرْض. [وَفِي الْخَبَر: " أَن النَّبِي: سُئِلَ إِذا كَانَت الْجنَّة عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض] فَأَيْنَ النَّار؟ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام -: فَإِذا جَاءَ اللَّيْل، فَأَيْنَ يذهب النَّهَار؟ [وَإِذا] جَاءَ النَّهَار فَأَيْنَ يذهب اللَّيْل؟ " وَمَعْنَاهُ - وَالله أعلم - أَنه حَيْثُ يَشَاء الله. فَإِن قيل: قد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَفِي السَّمَاء رزقكم وَمَا توعدون﴾ ، وَأَرَادَ بِالَّذِي وعدنا الْجنَّة، فَإِذا كَانَت فِي السَّمَاء، فَكيف يكون عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض؟ قيل: إِن بَاب الْجنَّة فِي السَّمَاء وعرضها السَّمَوَات وَالْأَرْض كَمَا أخبر.

стр. 748

﴿مغْفرَة من ربكُم وجنة عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض أعدت لِلْمُتقين (١٣٣) الَّذين يُنْفقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء والكاظمين الغيظ وَالْعَافِينَ عَن النَّاس وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذين إِذا فعلوا فَاحِشَة أَو ظلمُوا أنفسهم ذكرُوا الله فاستغفروا لذنوبهم وَمن يغْفر الذُّنُوب إِلَّا الله﴾ وَقيل: أَرَادَ بِهِ فِي الْقِيَامَة، فَإِن الله يزِيد فِيهَا، فَيصير عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض إِذا (وصلت السَّمَوَات وَالْأَرْض) بَعْضهَا بِبَعْض، وَأما طولهَا [فَلَا يُعلمهُ] إِلَّا الله.

стр. 749

﴿أعدت لِلْمُتقين الَّذين يُنْفقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء﴾ أَي: فِي (الْيُسْر والعسر) ﴿والكاظمين الغيظ﴾ كظم الغيظ: هُوَ أَن يمتلئ غيظا؛ فَيمْنَع نُفُوذه، من قَوْلهم: كظم الْبَعِير بجرته إِذا ردهَا إِلَى جَوْفه، وَفِي الْخَبَر: " من امْتَلَأَ غيظا، وكظمه خَيره الله فِي الْحور الْعين ". ﴿وَالْعَافِينَ عَن النَّاس﴾ قيل: عَن المماليك سوء الْأَدَب، وَقيل: على الْعُمُوم عَن كَافَّة النَّاس، ﴿وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ .

стр. 750

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين إِذا فعلوا فَاحِشَة أَو ظلمُوا أنفسهم﴾ مَا دون الزِّنَا من الْقبْلَة، والمعانقة، واللمس، وَالضَّم، وَنَحْوه ﴿ذكرُوا الله فاستغفروا لذنوبهم﴾ سَبَب نزُول الْآيَة مَا روى: أَن رجلا بِالْمَدِينَةِ - يُقَال لَهُ: نَبهَان - كَانَ تمارا فَجَاءَتْهُ امْرَأَة تشتري مِنْهُ التَّمْر، فأعجبه جمَالهَا فقبلها، فَذكر الله، وَنَدم واستغفر؛ فَنزلت الْآيَة. ﴿وَالَّذين إِذا فعلوا فَاحِشَة أَو ظلمُوا أنفسهم ذكرُوا الله﴾ أَي: ذكرُوا وَعِيد الله ﴿فاستغفروا لذنوبهم وَمن يغْفر الذُّنُوب إِلَّا الله وَلم يصروا على مَا فعلوا﴾ الْإِصْرَار هُوَ الْمقَام على الْمعْصِيَة من غير تَوْبَة، فَقَوله: ﴿وَلم يصروا﴾ أَي: وَلم يقيموا، وَلم يمضوا ﴿على مَا فعلوا وهم يعلمُونَ﴾ أَن الله لَا يتعاظمه الْعَفو عَن الذَّنب، وَإِن أَكثر

стр. 751

﴿وَلم يصروا على مَا فعلوا وهم يعلمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جزاؤهم مغْفرَة من رَبهم وجنات﴾ الذَّنب، وَقد روى عَن معبد بن صَبِيحَة أَنه قَالَ: صليت خلف عُثْمَان، فَلَمَّا أنصرف من صلَاته قَالَ: إِن الله تَعَالَى يَقُول: ﴿وَلم يصروا على مَا فعلوا﴾ وَأَنا قد صليت من غير طَهَارَة نَاسِيا، وَهَا أَنا أتوضأ، فَذهب (وَتَوَضَّأ) وَأعَاد الصَّلَاة.

стр. 752

﴿أُولَئِكَ جزاؤهم مغْفرَة من رَبهم وجنات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَنعم أجر الْعَالمين﴾ ذكر فِي هَذِه الْآيَة جَزَاء الذَّاكِرِينَ، والمستغفرين، وَقد ورد فِي الاسْتِغْفَار أَخْبَار: مِنْهَا مَا روى مَرْفُوعا: " مَا أصر من اسْتغْفر، وَإِن عَاد فِي الْيَوْم سبعين مرّة ". وروى أَسمَاء بن الحكم الفزازي عَن عَليّ أَنه قَالَ: إِذا سَمِعت من رَسُول الله حَدِيثا، يَنْفَعنِي الله بِهِ مَا شَاءَ، وَإِذا سَمِعت من غَيره (حلفته) عَلَيْهِ، فَإِذا حلف صدقته وحَدثني أَبُو بكر - وَهُوَ صَادِق -: أَن رَسُول الله قَالَ " مَا من عبد يُذنب ذَنبا، فيتوضأ، وَصلى رَكْعَتَيْنِ واستغفر (الله) إِلَّا غفر الله لَهُ ". وَاعْلَم أَن الاسْتِغْفَار تسهيل لِلْأَمْرِ على هَذِه الْأمة، فَإِن الَّذين قبلنَا كَانَ الْوَاحِد مِنْهُم إِذا أذْنب ذَنبا يطهر على بَابه (أَن اقْطَعْ) من نَفسك عُضْو كَذَا، وَكَانَ لَا بُد لَهُ مِنْهُ، وَقد أخرج الله - تَعَالَى - هَذِه الْأمة عَن الذُّنُوب بالاستغفار؛ كَرَامَة لَهُم؛ وتيسيرا عَلَيْهِم.

стр. 753

﴿تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَنعم أجر العاملين (١٣٦) قد خلت من قبلكُمْ سنَن فسيروا فِي الأَرْض فانظروا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة المكذبين (١٣٧) هَذَا بَيَان للنَّاس وَهدى﴾ وَسُئِلَ ابْن المعتز: إِذا كَانَ الله - تَعَالَى - وَاسع الْمَغْفِرَة، وسعت رَحمته كل شَيْء فَمَا يمنعهُ أَن يرحم الْكَافِر؟ فَقَالَ: إِن رَحمته لَا تغلب حكمته.

стр. 754

قَوْله تَعَالَى: ﴿قد خلت من قبلكُمْ سنَن﴾ قَرَأَ ابْن مَسْعُود: " قد مَضَت "، وَهُوَ بِمَعْنى خلت. السّنة: هِيَ الطَّرِيقَة المتبعة فِي الْخَيْر وَالشَّر. وَقد قَالَ فِي الْمَجُوس: " سنوا بهم سنة أهل الْكتاب " وَكَانَت شرا لَهُم. وَقَالَ الشَّاعِر: (وَإِن الآلى بالطف من آل هَاشم ... تأسوا فسنوا للكرام التأسيا) قَالَ ابْن عَبَّاس: سنَن [الَّذين] من قبلكُمْ، وَهِي وقائع الله على الْكفَّار. وَقَالَ غَيره: هِيَ الْأَعْلَام والْآثَار الَّتِي كَانَت. وَحَقِيقَة الْمَعْنى: أَنَّهَا طرائق الله فِي الْكفَّار، وبقتلهم، وَسَبْيهمْ وتخريب دِيَارهمْ، وَنَحْوه، قَالَ الزّجاج: ﴿قد خلت من قبلكُمْ سنَن﴾ أَي: أهل سنَن. ﴿فسيروا فِي الأَرْض فانظروا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة المكذبين﴾ .

стр. 755

قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَا بَيَان للنَّاس وَهدى وموعظة لِلْمُتقين﴾ قَالَ الشّعبِيّ: بَيَان من الْعَمى، وَهدى من الضَّلَالَة، وموعظة من الْجَهْل؛ فالبيان: هُوَ إِظْهَار معنى الْكَلَام، وَالْمَوْعِظَة: هِيَ الدُّعَاء إِلَى الْحق بالترغيب والترهيب.

стр. 756

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تنهوا وَلَا تحزنوا﴾ أَي: وَلَا تضعفوا، وَلَا تجبنوا، وَلَا تحزنوا، ﴿وَأَنْتُم الأعلون﴾ أَي: تكون لكم الْعَاقِبَة والنصرة. وَقيل: إِنَّمَا قَالَ ﴿وَأَنْتُم الأعلون﴾ ؛ لِأَن الْمُسلمين كَانُوا على الْجَبَل، وَالْمُشْرِكين فِي

стр. 757

﴿وموعظة لِلْمُتقين (١٣٨) وَلَا تهنوا وَلَا تحزنوا وَأَنْتُم الأعلون إِن كُنْتُم مُؤمنين (١٣٩) إِن يمسسكم قرح فقد مس الْقَوْم قرح مثله وَتلك الْأَيَّام نداولها بَين النَّاس وليعلم الله﴾ أَسْفَل الْجَبَل، وَقَوله: ﴿إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ أَي: لَا تهنوا إِن كُنْتُم مُؤمنين؛ لِأَن الْإِيمَان يزِيد الْقُوَّة فَلَا يُورث الوهن.

стр. 758

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِن يمسسكم قرح﴾ تقْرَأ: بِفَتْح الْقَاف، وضمنها، وَقَالَ الْفراء: الْقرح - بِالْفَتْح -: الْجراحَة، والقرح: الْأَلَم، وَقَالَ الْكسَائي: هما عبارتان عَن معنى وَاحِد. وَالْأَكْثَرُونَ على القَوْل الأول، وَقَوله: ﴿إِن يمسسكم قرح﴾ خطاب للْمُسلمين فِيمَا مسهم يَوْم أحد ﴿فقد مس الْقَوْم قرح مثله﴾ أَي: مس الْكفَّار يَوْم بدر (قرح) مثل مَا مسكم يَوْم أحد. ﴿وَتلك الْأَيَّام نداولها بَين النَّاس﴾ فَتَارَة تكوم الدولة للْمُسلمين على الْكفَّار، وَتارَة للْكفَّار على الْمُسلمين، قَالَ الزّجاج: الدولة تكون للْمُسلمين على الْكفَّار، وَقد كَانَت الدولة للْكفَّار على الْمُسلمين؛ لما خالفوا أَمر الرَّسُول، فَإِن لم يخالفوا أمره كَانَت الدولة للْمُسلمين أبدا؛ لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن جندنا لَهُم الغالبون﴾ ؛ وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَإِن حزب الله هم الغالبون﴾ . ﴿وليعلم الله الَّذين آمنُوا﴾ قَرَأَ ابْن مَسْعُود: " وليبلي الله الَّذين آمنُوا "، وَالْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة: ﴿وليعلم﴾ ، فَإِن قَالَ قَائِل: مَا معنى قَوْله: ﴿وليعلم الله الَّذين آمنُوا﴾ ، وَهُوَ عَالم بهم أبدا؟ قيل: مَعْنَاهُ: وليعلم الصابرين على الْجِهَاد فِي مَوَاطِن الْجِهَاد ليعاملهم مُعَاملَة من يبتليهم؛ فيعلمهم، وَالْعلم بِالْجِهَادِ فِي مَوَاطِن الْجِهَاد إِنَّمَا يَقع بعد وُقُوع الْجِهَاد، وَقيل: الْعلم الأول: علم الْغَيْب، وَقَوله: ﴿وليعلم﴾ يَعْنِي: علم الْمُشَاهدَة، والوقوع والمجازة على علم الْوُقُوع لَا على علم الْغَيْب. ﴿ويتخذ مِنْكُم شُهَدَاء وَالله لَا يحب الظَّالِمين﴾ يَعْنِي: أَنه مَا جعل الْيَد للْكفَّار يَوْم أحد لحبه إيَّاهُم؛ وَلَكِن ليبتليكم، ويجعلكم شُهَدَاء.

стр. 759

﴿الَّذين آمنُوا ويتخذ مِنْكُم شُهَدَاء وَالله لَا يحب الظَّالِمين (١٤٠) وليحمص الله الَّذين آمنُوا ويمحق الْكَافرين (١٤١) أم حسبتم أَن تدْخلُوا الْجنَّة وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا﴾

стр. 760

قَوْله تَعَالَى: ﴿وليحمص الله الَّذين آمنُوا﴾ وكل هَذَا على نسق قَوْله: ﴿ليقطع طرفا﴾ (وَكَذَلِكَ) قَوْله: ﴿وليعلم الله الَّذين آمنُوا﴾ وَأما التمحيص: قيل: هُوَ [التخليص] وَهُوَ قَول الْحسن، وَقَالَ مُجَاهِد: هُوَ بِمَعْنى: الِابْتِلَاء، وَحَقِيقَة معنى التمحيص: التَّطْهِير من الذُّنُوب، تَقول الْعَرَب: محص عَنَّا ذنوبنا أَي: طهرنا من الذُّنُوب. ﴿ويمحق الْكَافرين﴾ [معنى] الْآيَة: أَنهم إِن قتلوكم؛ فَذَلِك تَطْهِير لكم، وَإِن قَتَلْتُمُوهُمْ فَذَلِك محق لَهُم واستئصال.

стр. 761

قَوْله تَعَالَى: ﴿أم حسبتم﴾ أَي: [أحسبتم] ﴿أَن تدْخلُوا الْجنَّة وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم﴾ أَي: وَلم يعلم الله الَّذين وَقع مِنْهُم الْجِهَاد، ﴿وَيعلم الصابرين﴾ .

стр. 762

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد كُنْتُم تمنون الْمَوْت﴾ سَبَب نزُول الْآيَة أَن الَّذين تخلفوا من حَرْب بدر من الْمُسلمين قَالُوا لما انْقَضتْ حَرْب بدر: لَو كَانَ لنا يَوْم مثله فنقاتل ونقتل ونستشهد، فَلَمَّا كَانَ يَوْم أحد انْهَزمُوا، وهربوا؛ فَنزلت الْآيَة. ﴿وَلَقَد كُنْتُم تمنون الْمَوْت﴾ أَي: سَبَب الْمَوْت وَهُوَ الْجِهَاد؛ إِذْ لَا يجوز أَن يتَمَنَّى الْمَوْت بقتل الْكَافِر إِيَّاه ﴿من قبل أَن تلقوهُ﴾ أَي: تلقونَ سَببه من الْجِهَاد ﴿فقد رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُم تنْظرُون﴾ ، فَإِن قيل: مَا معنى قَوْله: ﴿وَأَنْتُم تنْظرُون﴾ ، وَقد قَالَ: ﴿فقد رَأَيْتُمُوهُ﴾ ؟ (قيل) : يحْتَمل [أَن تكون] الرُّؤْيَة بِمَعْنى الْعلم؛ فَقَالَ:

стр. 763

﴿مِنْكُم وَيعلم الصابرين (١٤٢) وَلَقَد كُنْتُم تمنون الْمَوْت من قبل أَن تلقوهُ فقد رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُم تنْظرُون (١٤٣) وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل أَفَإِن مَاتَ أَو قتل انقلبتم على أعقابكم وَمن يَنْقَلِب على عَقِبَيْهِ فَلَنْ يضر الله شَيْئا وسيجزي الله الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَمَا كَانَ لنَفس أَن تَمُوت إِلَّا بِإِذن الله كتابا مُؤَجّلا وَمن يرد ثَوَاب الدُّنْيَا نؤته﴾ ﴿وَأَنْتُم تنْظرُون﴾ ليعلم أَن المُرَاد بِالرُّؤْيَةِ هَا هُنَا: التفكر، قَالَه الْأَخْفَش، وَقيل: إِنَّمَا قَالَه تَأْكِيدًا، وَقيل: مَعْنَاهُ: وَأَنْتُم تنْظرُون إِلَى مُحَمَّد.

стр. 764

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل﴾ سَبَب نزُول الْآيَة أَن الْمُسلمين يَوْم أحد لما وَقعت الْهَزِيمَة عَلَيْهِم، وَوَقع الْقَتْل فيهم؛ صَاح الشَّيْطَان - عَلَيْهِ مَا يسْتَحق -: أَلا إِن مُحَمَّدًا [قد] قتل، فَقَالَ الْمُسلمُونَ: خُذُوا لنا الْأمان من أبي سُفْيَان، وَقَالَ من كَانَ فِي قلبه نفاق: ارْجعُوا إِلَى دينكُمْ الأول، فَإِن مُحَمَّدًا قد قتل؛ فَنزل قَوْله: ﴿وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل أَفَإِن مَاتَ أَو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ يَعْنِي: هُوَ على رسَالَته ونبوته مَاتَ أَو قتل، فَلم انقلبتم على أعقابكم؟ ! ﴿وَمن يَنْقَلِب على عَقِبَيْهِ فَلَنْ يضر الله شَيْئا﴾ أَي: إِنَّمَا ضرّ نَفسه، ﴿وسيجري الله الشَّاكِرِينَ﴾ . وروى: أَن [أنس بن النَّضر] " لما سمع قَول الشَّيْطَان: إِن مُحَمَّدًا قتل، اخْتَرَطَ سَيْفه وَتوجه إِلَى الْكفَّار، وَقَالَ: إِن قَاتل مُحَمَّد وَقتل، وَوصل إِلَى مَا وصل، فَأَنا أقَاتل حَتَّى أقتل، وأصل إِلَى مَا وصل إِلَيْهِ، فقاتل حَتَّى قتل ". وَقَالَ كَعْب بن مَالك: أَنا أول من رأى رَسُول الله يَوْم أحد بعد صياح الشَّيْطَان، عَرفته بِعَيْنيهِ تَحت المغفر، فَقلت: هَذَا رَسُول الله حَيّ، فَأَشَارَ إِلَى أَن اسْكُتْ ". ﴿مِنْهَا وَمن يرد ثَوَاب الْآخِرَة نؤته مِنْهَا وسنجزي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وكأين من نَبِي قَاتل مَعَه ربيون كثير فَمَا وهنوا لما أَصَابَهُم فِي سَبِيل الله وَمَا ضعفوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَالله يحب الصابرين (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلهم إِلَّا أَن قَالُوا رَبنَا اغْفِر لنا ذنوبنا وإسرافنا فِي﴾

стр. 765

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لنَفس أَن تَمُوت إِلَّا بِإِذن الله﴾ تَقْدِيره: وَمَا كَانَت نفس لتَمُوت إِلَّا بِإِذن الله بِقَضَائِهِ وَقدره ﴿كتابا مُؤَجّلا﴾ تَقْدِيره: كتب كتابا مُؤَجّلا. (وَمن يرد ثَوَاب الدُّنْيَا نؤته مِنْهَا) فَإِن قيل: نَحن نرى من يُرِيد الدُّنْيَا، فَلَا يُؤْتى؟ قيل: مَعْنَاهُ: لَا يمْنَع عَنهُ مَا قدر لَهُ من ثَوَاب الدُّنْيَا بِسَبَب كفره. ﴿وَمن يرد ثَوَاب الْآخِرَة نؤته مِنْهَا﴾ فَإِن قيل: وَهل يُؤْتى ثَوَاب الْآخِرَة بِمُجَرَّد الْإِرَادَة؟ قيل مَعْنَاهُ: وَمن يرد بِالْعَمَلِ، وَهَذَا كَمَا يُقَال: فلَان يُرِيد الْجنَّة، أَي: يعْمل للجنة ﴿وسنجزي الشَّاكِرِينَ﴾ يَعْنِي: الْمُؤمنِينَ، قَالَ عَليّ ﵁: أَبُو بكر إِمَام الشَّاكِرِينَ. أَي: إِمَام الْمُؤمنِينَ، ﵁.

стр. 766

قَوْله تَعَالَى: ﴿وكأين من نَبِي [قَاتل] مَعَه ربيون كثير﴾ أَي: وَكم من نَبِي قتل قَالَ جرير: (وكأين بالأباطح من صديق ... يراني إِن أصبت هُوَ المصابا) قَالَ عِكْرِمَة: هَذَا وقف تَامّ، وَمَعْنَاهُ: كم نَبِي قتل وَمَعَهُ أَصْحَابه. ﴿فَمَا وهنوا لما أَصَابَهُم فِي سَبِيل الله﴾ أَي: مَا جبنوا ﴿وَمَا ضعفوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ أَي: مَا ذلوا، وَمَا خضعوا، وَقَالَ الْحسن: مَا قتل نَبِي فِي معركة قطّ، وَإِنَّمَا معنى الْآيَة: وكأين من نَبِي قتل مَعَه ربيون كثير، وَأما الْقِرَاءَة الْأُخْرَى: " قَاتل مَعَه فَمَعْنَاه ظَاهر، وَأما الربيون قَالَ ابْن مَسْعُود: هم أُلُوف، وَقيل: هم عشرَة آلَاف. قَالَ الْحسن: الربيون من الْعلمَاء مَأْخُوذ من الرب؛ لأَنهم على دين الرب وَطَرِيقه. قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله يحب الصابرين

стр. 767

وَمَا كَانَ قَوْلهم إِلَّا أَن قَالُوا رَبنَا أَغفر لنا ذنوبنا) أَي: الصَّغَائِر ﴿وإسرافنا فِي أمرنَا﴾ أَي: الْكَبَائِر، ﴿وَثَبت أقدامنا وَانْصُرْنَا على الْقَوْم الْكَافرين﴾ .

стр. 768

﴿أمرنَا وَثَبت أقدامنا وَانْصُرْنَا على الْقَوْم الْكَافرين (١٤٧) فآتاهم الله ثَوَاب الدُّنْيَا وَحسن ثَوَاب الْآخِرَة وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ (١٤٨) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن تطيعوا الَّذين كفرُوا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين (١٤٩) بل الله مولاكم وَهُوَ خير الناصرين (١٥٠) سنلقي فِي قُلُوب الَّذين كفرُوا الرعب بِمَا أشركوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا﴾

стр. 769

قَوْله تَعَالَى: ﴿فآتاهم الله ثَوَاب الدُّنْيَا﴾ يَعْنِي: (النُّصْرَة) وَالْغنيمَة. ﴿وَحسن ثَوَاب الْآخِرَة﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ أَن الله ينزل النَّبِي وَأَصْحَابه فِي قباب من در وَيَاقُوت حَتَّى يفصل بَين الْخلق، وَقيل، حسن ثَوَاب الْآخِرَة: أَن يجازيهم على عَمَلهم ويزيدهم من فَضله ﴿وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ .

стр. 770

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن تطيعوا الَّذين كفرُوا﴾ يَعْنِي: الْيَهُود وَالنَّصَارَى ﴿يردوكم على أعقابكم﴾ يَعْنِي: إِلَى الْيَهُودِيَّة والنصرانية. وَقيل: أَرَادَ بِهِ الْمُنَافِقين الَّذين قَالُوا يَوْم أحد: ارْجعُوا إِلَى دينكُمْ الأول؛ فَإِن مُحَمَّدًا قد قتل، فَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين﴾ أَي: مغبونين. ﴿بل الله مولاكم وَهُوَ خير الناصرين﴾ .

стр. 771

قَوْله تَعَالَى: (سنلقي فِي قُلُوب الَّذين كفرُوا الرعب) يَعْنِي: الْخَوْف، قَالَ: " نصرت بِالرُّعْبِ مسيرَة شهر " ﴿بِمَا أشركوا بِاللَّه﴾ أَي: بشركهم بِاللَّه ﴿مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا﴾ أَي: الَّذِي لم ينزل بِهِ حجَّة، وَالسُّلْطَان: الْحجَّة، قَالَ الله تَعَالَى (هلك عني سلطانيه) أَي: حجتي. ﴿ومأواهم النَّار﴾ مكانهم النَّار ﴿وَبئسَ مثوى الظَّالِمين﴾ سَبَب نزُول الْآيَة: أَن الْهَزِيمَة لما وَقعت على الْمُسلمين يَوْم أحد، وَوَقع الْقَتْل فيهم، تشَاور الْمُشْركُونَ فِيمَا بَينهم، وَأَجْمعُوا على أَن يعودوا لِلْقِتَالِ، فيستأصلوا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه فَألْقى الله تَعَالَى الرعب فِي قُلُوبهم، فَمروا على وُجُوههم لَا يلوون على شَيْء حَتَّى بلغُوا مَكَّة، فَذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿سنلقي فِي قُلُوب الَّذين كفرُوا الرعب﴾ .

стр. 772

﴿ومأواهم النَّار وَبئسَ مثوى الظَّالِمين (١٥١) وَلَقَد صدقكُم الله وعده إِذْ تحسونهم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فشلتم وتنازعتم فِي الْأَمر وعصيتم من بعد مَا أَرَاكُم مَا تحبون مِنْكُم من يُرِيد﴾

стр. 773

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد صدقكُم الله وعده﴾ أَي: وعده صدقكُم بالظفر والنصرة؛ وَقد كَانَت النُّصْرَة فِي الِابْتِدَاء للْمُسلمين يَوْم أحد ﴿إِذْ تحسونهم بِإِذْنِهِ﴾ أَي: تقتلونهم بِقَضَاء الله وَقدره، وألحس: الْقَتْل، وَمِنْه قَول الشَّاعِر: (تحسهم السيوف كَمَا تسامى ... لهيب النَّار فِي أجم الحصيد) ﴿حَتَّى إِذا فشلتم﴾ أَي: جبنتم، ﴿وتنازعتم فِي الْأَمر﴾ تَقْدِيره: حَتَّى إِذا فشلتم، تنازعتم فِي الْأَمر، و " الْوَاو " زَائِدَة قَالَه الْفراء، وَقيل: فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير وَتَقْدِيره: حَتَّى إِذا تنازعتم فِي الْأَمر، فشلتم ﴿وعصيتم من بعد مَا أَرَاكُم مَا تحبون﴾ يَعْنِي: من الظفر وَالْغنيمَة. ﴿مِنْكُم من يُرِيد الدُّنْيَا ومنكم من يُرِيد الْآخِرَة﴾ ؛ لأَنهم اخْتلفُوا على مَا سنذكر ﴿ثمَّ صرفكم عَنْهُم ليبتليكم﴾ أَي: [كف] أَيْدِيكُم عَنْهُم؛ ليمتحنكم، وَقيل: لينزل الْبلَاء عَلَيْكُم، ﴿وَلَقَد عَفا عَنْكُم وَالله ذُو فضل على الْمُؤمنِينَ﴾ ، والقصة فِي ذَلِك: " أَن رَسُول الله رأى فِي مَنَامه: أَنه لبس درعا حَصِينَة حِين نزل الْمُشْركُونَ بِأحد؛ فأولها على الْمَدِينَة، وشاور أَصْحَابه فِي الْخُرُوج إِلَى أحد، فَقَالُوا: إِن هَذِه بَلْدَة مَا دخل علينا فِيهَا أحد، وَلَا تبع حَتَّى قدم وَحَتَّى يخرج إِلَيْهِم، فَلبس رَسُول الله درعين، وَوضع المغفر على رَأسه، وَخرج؛ فَنَدِمُوا وَعَلمُوا أَنه كَانَ مُرَاده أَن يُقيم، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، (إِنَّا) تبع لرأيك، وطلبوا مِنْهُ أَن يرجع إِن شَاءَ، فَقَالَ: مَا كَانَ لنَبِيّ إِذا لبس لامته أَن يَنْزِعهَا حَتَّى يُقَاتل، أَو يحكم الله. وَمضى مَعَه ألف نفر، فانخذل عبد الله بن أبي بن سلول [وَأَصْحَابه] بِثلث الْجَيْش ثلثمِائة نفر، وَبَقِي سَبْعمِائة، فَلَمَّا وصل إِلَى أحد بعث قوما من الرُّمَاة، وأجلسهم على مَوضِع من جبل يخَاف مِنْهُ الكمين، وَأمر عَلَيْهِم عبد الله بن جُبَير الْأنْصَارِيّ.

стр. 774

﴿الدُّنْيَا ومنكم من يُرِيد الْآخِرَة ثمَّ صرفكم عَنْهُم ليبتليكم وَلَقَد عَفا عَنْكُم وَالله ذُو فضل﴾ ثمَّ ابْتَدَأَ الْقِتَال مَعَ الْمُشْركين، فظفر عَلَيْهِم، وَقتل جمَاعَة من رُؤَسَائِهِمْ، وانهزموا، ولاح الظفر للْمُسلمين، وَسَارُوا فِي أَثَرهم للغنيمة، فَلَمَّا رَآهُ الرُّمَاة، فَقَالُوا: إِن الْمُشْركين قد انْهَزمُوا، ولاح الظفر حَتَّى نسير على أَثَرهم؛ ونغنم، فَقَالَ عبد الله بن جُبَير: لَا تفارقوا هَذَا الْمَكَان؛ فَإِن رَسُول الله أَمركُم أَن تلزموا هَذَا الْمَكَان، فالزموه، فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ، وَذهب أَكْثَرهم، وَبَقِي عبد الله بن جُبَير مَعَ نفر قَلِيل من أَصْحَابه. فَلَمَّا عرى مَوضِع الكمين عَن الرُّمَاة، خرج عَلَيْهِم خَالِد بن الْوَلِيد من الكمين، وَحمل عَلَيْهِم بِالْقَتْلِ، فاستشهد عبد الله بن جُبَير، وَمن بَقِي مَعَه، وَعَاد الْمُشْركُونَ لِلْقِتَالِ، وَوَقع الْقَتْل فِي الْمُسلمين، وَقتل مِنْهُم سَبْعُونَ نَفرا، وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ، وَبَقِي مَعَ رَسُول الله نفر قَلِيل، فَذَلِك قَوْله ﴿وَلَقَد صدقكُم الله وعده﴾ أَي: فِي الِابْتِدَاء بالظفر والنصرة ﴿إِذْ تحسونهم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فشلتم وتنازعتم فِي الْأَمر﴾ يَعْنِي: أُولَئِكَ الرُّمَاة الَّذين اخْتلفُوا، ﴿وعصيتم﴾ يَعْنِي: عصيتم الرَّسُول، وخالفتم أمره ﴿من بعد مَا أَرَاكُم﴾ يَعْنِي: من بعد أَن أَرَاكُم الله تَعَالَى ﴿مَا تحبون﴾ من الظفر ﴿مِنْكُم من يُرِيد الدُّنْيَا﴾ هم الَّذين ذَهَبُوا للغنيمة، ﴿ومنكم من يُرِيد الْآخِرَة﴾ : الَّذين صَبَرُوا مَعَ عبد الله بن جُبَير. قَالَ ابْن مَسْعُود: مَا علمنَا أَن أحدا منا يُرِيد الدُّنْيَا حَتَّى أنزل الله هَذِه الْآيَة. ﴿ثمَّ صرفكم عَنْهُم ليبتليكم﴾ يَعْنِي: فِي الْوَقْعَة الثَّانِيَة حِين عَاد الْمُشْركُونَ، وَهَذَا دَلِيل لأهل السّنة على: أَن أَفعَال الْعباد مخلوقة؛ حَيْثُ نسب الله تَعَالَى هزيمَة الْمُسلمين إِلَى نَفسه مَعَ وُقُوع الْفِعْل مِنْهُم، فَقَالَ: ﴿ثمَّ صرفكم عَنْهُم﴾ . قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ تصعدون﴾ وَيقْرَأ: بِفَتْح التَّاء وَالْعين. فالإصعاد: هُوَ الْمَشْي فِي مستو من الأَرْض، والصعود: المشى فِي مُرْتَفع من الأَرْض.

стр. 775

﴿على الْمُؤمنِينَ (١٥٢) إِذْ تصعدون وَلَا تلوون على أحد وَالرَّسُول يدعوكم فِي أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على مَا فاتكم وَلَا مَا أَصَابَكُم وَالله خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ وَالْخطاب مَعَ الْمُسلمين الَّذين انْهَزمُوا،
следующие страницы →