← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 7631–7670 · переход к 7636.

стр. 7631

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنه لما قَامَ عبد الله﴾ فَمن قَرَأَ بِالْكَسْرِ ينْصَرف إِلَى قَول الْجِنّ، وَمَعْنَاهُ: قَالَ الْجِنّ: ﴿وَإنَّهُ﴾ وَقيل: ينْصَرف إِلَى قَول الله أَي: قَالَ الله تَعَالَى: وَإنَّهُ لما قَامَ عبد الله وَمن قَرَأَ بِالْفَتْح مَعْنَاهُ: أوحى إِلَيّ أَنه لما قَامَ عبد الله. فعلى القَوْل الأول قَوْله: ﴿كَادُوا يكونُونَ عَلَيْهِ لبدا﴾ ينْصَرف إِلَى أَصْحَاب النَّبِي وَعبد الله هُوَ الرَّسُول، وَالْمعْنَى: أَن الْجِنّ لما رأو النَّبِي وَأَصْحَابه خَلفه وشاهدوا طواعيتهم لَهُ قَالُوا: كَادُوا يكونُونَ عَلَيْهِ لبدا أَي: يركب بَعضهم بَعْضًا من الطواعية. وعَلى القَوْل الثَّانِي الْمَعْنى: هُوَ أَن الله تَعَالَى حكى عَن الْجِنّ أَن الرَّسُول لما قَرَأَ الْقُرْآن عَلَيْهِم - يَعْنِي: على الْجِنّ - كَادُوا يكونُونَ عَلَيْهِ لبدا أَي: على الرَّسُول ﵊ أَي: يركب بَعضهم بَعْضًا لحب الإصغاء إِلَى قِرَاءَته وَالِاسْتِمَاع إِلَيْهَا. وَيُقَال: إِن الرَّسُول كَانَ صلى بهم وازدحموا عَلَيْهِ، وَكَاد يركب بَعضهم بَعْضًا. وَفِي بعض التفاسير: كَادُوا يسقطون عَلَيْهِ. وَأما على قِرَاءَة الْفَتْح قَوْله: ﴿كَادُوا يكونُونَ عَلَيْهِ لبدا﴾ ينْصَرف إِلَى الْجِنّ أَيْضا، و (هُوَ) أظهر الْقَوْلَيْنِ أَن الِانْصِرَاف إِلَى الْجِنّ. وَمن اللبد قَالُوا: تلبد الْقَوْم إِذا اجْتَمعُوا، وَمِنْه اللبد، لِأَن بعضه على بعض. وَقيل: كَادُوا يكونُونَ عَلَيْهِ لبدا أَي: تلبدت الْجِنّ وَالْإِنْس واجتمعوا على أَن يطفئوا نور الله لما قَامَ الرَّسُول يَدعُوهُ أَي: يَدْعُو الله، وَقُرِئَ: " لبدا " أَي: كثيرا. واللبد أَيْضا اسْم آخر نسر من نسور (نعْمَان) بن عَاد، وَكَانَ عَاشَ سَبْعمِائة سنة. وَقيل فِي الْمثل: طَال لبد على أمد.

стр. 7632

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل إِنَّمَا أدعوا رَبِّي﴾ وَقُرِئَ: " قَالَ إِنَّمَا أدعوا رَبِّي " فِي التَّفْسِير: أَن

стр. 7633

﴿قل إِنِّي لَا أملك لكم ضرا وَلَا رشدا (٢١) قل إِنِّي لن يجيرني من الله أحد وَلنْ أجد من دونه ملتحدا (٢٢) إِلَّا بلاغا من الله ورسالاته وَمن يعْص الله وَرَسُوله﴾ النَّضر بن الْحَارِث قَالَ للنَّبِي: إِنَّك جِئْت بِأَمْر عَظِيم، وخالفت دين آبَائِك، وَأَن الْعَرَب لَا يوافقونك على هَذَا، فَارْجِع إِلَى دين آبَائِك فَأنْزل الله تَعَالَى قَوْله: ﴿قل إِنَّمَا أدعوا رَبِّي﴾ أَي: أوحد رَبِّي ﴿وَلَا أشرك بِهِ أحدا﴾ أَي: مَعَه أحدا. وَيُقَال: إِن هَذَا قَالَه مَعَ الْجِنّ، وَهُوَ نسق على مَا تقدم.

стр. 7634

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل إِنِّي لَا أملك لكم ضرا وَلَا رشدا﴾ يَعْنِي: لَا أملك ذَلِك بنفسي، وَإِنَّمَا هُوَ من الله تَعَالَى وبعونه وتوفيقه) .

стр. 7635

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل إِنِّي لن يجيرني من الله أحد﴾ روى أَن النَّضر بن الْحَارِث قَالَ لَهُ: ارْجع إِلَى دين آبَائِك وَلَا تخف من أحد، فَإنَّا نجيرك ونمنعك، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿قل إِنِّي لن يجيرني من الله أحد﴾ أَي: لن ينصرني ويمنعني من عَذَاب الله أحد. وَيُقَال: إِنَّه خطاب الْجِنّ نسقا على مَا تقدم. وروى أَبُو الجوزاء عَن ابْن عَبَّاس: أَن ابْن مَسْعُود خرج مَعَ النَّبِي لَيْلَة الْجِنّ، فازدحم الْجِنّ على النَّبِي وتعاووا عَلَيْهِ، فَقَالَ وَاحِد مِنْهُم يُقَال لَهُ وردان: يَا مُحَمَّد، لَا تخف فَأَنا أجيرك مِنْهُم، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿قل إِنِّي لن يجيرني من الله أحد﴾ . وَقَوله: ﴿وَلنْ أجد من دونه ملتحدا﴾ أَي: ملْجأ. وَقيل: مهربا. وَيُقَال: متعرجا.

стр. 7636

وَقَوله: ﴿إِلَّا بلاغا من الله﴾ أَي: لَا أملك شَيْئا من الضّر والرشد إِلَّا أَن أبلغ رِسَالَة رَبِّي أَي: لَيْسَ بيَدي إِلَّا هَذَا وَهَذَا التَّبْلِيغ. وَقد قيل: ضرا وَلَا رشدا أَي: لَا أدفَع عَنْكُم ضرا، وَلَا أسوق إِلَيْكُم خيرا، وَلَيْسَ بيَدي إِلَّا أَن أبلغ رِسَالَة رَبِّي. وَقَوله: ﴿وَمن يعْص الله وَرَسُوله فَإِن لَهُ نَار جَهَنَّم خَالِدين فِيهَا أبدا﴾ أَي: دَائِما.

стр. 7637

قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا رَأَوْا مَا يوعدون﴾ أَي: الْقِيَامَة، قَالَه سعيد بن جُبَير وَغَيره. وَقيل: الْعَذَاب فِي الدُّنْيَا، قَالَه قَتَادَة وَغَيره.

стр. 7638

﴿فَإِن لَهُ نَار جَهَنَّم خَالِدين فِيهَا أبدا (٢٣) حَتَّى إِذا رَأَوْا مَا يوعدون فسيعلمون من أَضْعَف ناصرا وَأَقل عددا (٢٤) قل إِن أَدْرِي أَقَرِيب مَا توعدون أم يَجْعَل لَهُ رَبِّي أمدا (٢٥) عَالم الْغَيْب فَلَا يظْهر على غيبه أحدا (٢٦) إِلَّا من ارتضى من رَسُول فَإِنَّهُ يسْلك من بَين يَدَيْهِ﴾ وَقَوله: ﴿فسيعلمون من أَضْعَف ناصرا وَأَقل عددا﴾ أَي: وَأَقل جندا وأعوانا. وَيُقَال: معنى قَوْله: ﴿وَأَقل عددا﴾ أَي: فِي الْقِيَامَة. وَفِي التَّفْسِير: أَن الله تَعَالَى يُعْطي الْمُؤمنِينَ من الْأزْوَاج والولدان والحور والقهارمة (و) وَمَا يكثر عَددهمْ ويزيدوا على أهل بَلْدَة كَثِيرَة من بِلَاد الدُّنْيَا، فَهُوَ معنى قَوْله: ﴿فسيعلمون من أَضْعَف ناصرا وَأَقل عددا﴾ فَإِن الْمُشْركين كَانُوا يعيرون النَّبِي وَالْمُؤمنِينَ بقلة النَّاصِر وَقلة الْعدَد، فَقَالَ: ﴿فسيعلمون من أَضْعَف ناصرا وَأَقل عددا﴾ أَي: فِي الْقِيَامَة، وَإِذا وصل كل أحد إِلَى مستقره.

стр. 7639

قَوْله تَعَالَى ﴿قل إِن أَدْرِي أَقَرِيب مَا توعدون أم يَجْعَل لَهُ رَبِّي أمدا﴾ أَي: مُدَّة وَغَايَة، وَالْمعْنَى: لَا أَدْرِي أَنه يعجل لكم الْعَذَاب أَو يُؤَخِّرهُ، ويعجل لكم مُدَّة ومهلة. وَقد روى أَن الْمُشْركين كَانُوا يستعجلونه الْعَذَاب، وَيَقُولُونَ: إِلَى مَتى توعدنا الْعَذَاب؟ فَأَيْنَ الْعَذَاب؟ فَأمره الله تَعَالَى أَن يكل ذَلِك إِلَى الله تَعَالَى، وَأَن يَقُول: إِنَّه بيد الله لَا بيَدي.

стр. 7640

قَوْله تَعَالَى: ﴿عَالم الْغَيْب فَلَا يظْهر على غيبه أحدا﴾ أَي: هُوَ عَالم الْغَيْب فَلَا يظْهر على غيبه أحدا

стр. 7641

﴿إِلَّا من ارتضى من رَسُول﴾ فَإِنَّهُ يطلعه على غيبه بِمَا ينزله عَلَيْهِ من الْآيَات والبينات. وَقَوله: ﴿فَإِنَّهُ يسْلك من بَين يَدَيْهِ﴾ أَي: يَجْعَل من بَين يَدَيْهِ ﴿وَمن خَلفه رصدا﴾ أَي: حفظَة. وروى سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: مَلَائِكَة يحرسونه. وَفِي التَّفْسِير: أَن الله تَعَالَى مَا بعث وَحيا من السَّمَاء إِلَّا وَمَعَهُ مَلَائِكَة يحرسونه. فَإِن قَالَ قَائِل: وَمن مَاذَا يَحْفَظُونَهُ ويحرسونه؟ وَالْجَوَاب: أَن الْحِفْظ والحراسة لخطر شَأْن

стр. 7642

﴿من خَلفه رصدا (٢٧) ليعلم أَن قد أبلغوا رسالات رَبهم وأحاط بِمَا لديهم وأحصى كل شَيْء عددا (٢٨) ﴾ . الْوَحْي ولتعظيمه فِي النُّفُوس، لَا بِحكم الْحَاجة إِلَى الحراسة والحفظة. يُقَال: إِن الْحِفْظ والحراسة من المسترقين للسمع، لِئَلَّا يسرقوا شَيْئا من ذَلِك ويلقوه إِلَى الكهنة. وَقد ورد فِي الْأَخْبَار: " أَن الله تَعَالَى لما أنزل سُورَة الْأَنْعَام بعث مَعهَا سبعين ألف ملك يحرسونها ". وَفِي الْآيَة دَلِيل على أَن من قَالَ بالنجوم شَيْئا وَادّعى علما من الْغَيْب بجهتها فَهُوَ كَافِر بِالْقُرْآنِ. وَقد قَالَ بَعضهم: الطّرق والجبت والكهان كلهم مضللون وَدون الْغَيْب أشاروا. وَقد ورد فِي الْأَخْبَار: " أَن النَّبِي نهى عَن النّظر فِي النُّجُوم ". وَالْمعْنَى هُوَ النّظر فِيهَا لِلْقَوْلِ بِالْغَيْبِ عَنْهَا، فَأَما النّظر فِيهَا للاهتداء أَو للاعتبار أَو لمعْرِفَة الْقبْلَة وَمَا أشبه ذَلِك مُطلق جَائِز.

стр. 7643

وَقَوله تَعَالَى: ﴿ليعلم أَن قد أبلغوا رسالات رَبهم﴾ وَقُرِئَ: " رِسَالَة رَبهم " وَهِي وَاحِد الرسالات. وَاخْتلف القَوْل فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ليعلم﴾ فأحد الْأَقْوَال هُوَ أَن مَعْنَاهُ: ليعلم مُحَمَّد أَن الرُّسُل الَّذين كَانُوا قبله قد أبلغوا رسالات رَبهم على مَا أنزل إِلَيْهِم. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه منصرف إِلَى الْجِنّ. وَقُرِئَ: " ليعلم الْجِنّ أَن قد أبلغ الرُّسُل رسالات رَبهم على مَا أنزل إِلَيْهِم ". وَالْقَوْل الثَّالِث: ليعلم الْمُؤْمِنُونَ. وَالْقَوْل الرَّابِع: ليعلم الله، أوردهُ الزّجاج وَغَيره. فَإِن قَالَ قَائِل: مَا معنى قَوْله: ليعلم الله، وَهُوَ عَالم

стр. 7644

بالأشياء قبل كَونهَا ووجودها؟ وَالْجَوَاب: أَنا قد بَينا الْجَواب فِيمَا سبق فِي مَوَاضِع كَثِيرَة. وَقد قيل: ليعلم الله تَعَالَى أَن قد أبلغ الرُّسُل رسالات رَبهم شَهَادَة ووجودا، وَقد كَانَ يعلم ذَلِك غيبا. وَقَوله: ﴿وأحاط بِمَا لديهم﴾ أَي: أحَاط علمه بِمَا عِنْدهم. وَقَوله: ﴿وأحصى كل شَيْء عددا﴾ أَي: وأحصى كل شَيْء معدودا. وَيُقَال: عد كل شَيْء عددا، وَهَذَا على معنى أَنه لَا يخفى على الله شَيْء كثير أَو قَلِيل، جليل أَو دَقِيق. وَالله أعلم.

стр. 7645

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَا أَيهَا المزمل (١) قُم اللَّيْل إِلَّا قَلِيلا (٢) ﴾ . تَفْسِير سُورَة المزمل وَهِي مَكِّيَّة. وَعند بَعضهم هِيَ مَكِّيَّة إِلَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن رَبك يعلم أَنَّك تقوم أدنى من ثُلثي اللَّيْل﴾ إِلَى آخر السُّورَة.

стр. 7646

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا المزمل﴾ مَعْنَاهُ: يَا أَيهَا المتزمل، أدغمت التَّاء فِي الزَّاي، وَمثله قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا المدثر﴾ أَي: يَا أَيهَا المتدثر، أدغمت التَّاء فِي الدَّال. قَالَ ابْن عَبَّاس: لما تراء لَهُ جِبْرِيل - صلوَات الله عَلَيْهِ - فِي ابْتِدَاء الْوَحْي فرق مِنْهُ فرقا شَدِيدا، فَرجع إِلَى بَيته وتزمل بثيابه؛ فَأنْزل الله تَعَالَى قَوْله: ﴿يَا أَيهَا المزمل﴾ ثمَّ إِن جِبْرِيل - عَليّ السَّلَام - أَكثر الْمَجِيء إِلَيْهِ حَتَّى أنس. قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: وَكَانَ متزملا فِي قطيفة. وَعَن الضَّحَّاك فِي قَوْله: ﴿يَا أَيهَا المزمل﴾ يَا أَيهَا النَّائِم. وَفِي بعض الرِّوَايَات أَن جِبْرِيل ﵇ جَاءَ إِلَيْهِ وَهُوَ نَائِم، فَقَالَ: يَا أَيهَا المزمل - أَي النَّائِم - قُم، وَاتخذ لنَفسك ظلا يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله. وَفِي بعض التفاسير عَن عِكْرِمَة: ﴿يَا أَيهَا المزمل﴾ يَا أَيهَا المتزمل بِالنُّبُوَّةِ. وَهُوَ غَرِيب. وَأنْشد فِي المزمل: (كَأَن ثبيرا فِي عرانين وبلة ... كَبِير أنَاس فِي بجاد مزمل) . وَقُرِئَ فِي الشاذ: " يَا أَيهَا المزمل ".

стр. 7647

وَقَوله: ﴿قُم اللَّيْل إِلَّا قَلِيلا﴾ أَي: إِلَّا شَيْئا يَسِيرا مِنْهُ. قَالَ الْكَلْبِيّ: هُوَ الثُّلُث، وَمَعْنَاهُ: قُم (ثُلثي) اللَّيْل. وَعَن وهب بن مُنَبّه: إِلَّا

стр. 7648

﴿نصفه أَو انقص مِنْهُ قَلِيلا (٣) أَو زد عَلَيْهِ ورتل الْقُرْآن ترتيلا (٤) ﴾ . قَلِيلا هُوَ دون السُّدس.

стр. 7649

وَقَوله: ﴿نصفه﴾ يدل على اللَّيْل أَي: قُم نصفه إِلَّا قَلِيلا. وَقيل فِي الْقَلِيل على هَذَا القَوْل: نصفه السُّدس. وَقَوله: ﴿أَو انقص مِنْهُ قَلِيلا﴾ أَي: من النّصْف إِلَى الثُّلُث.

стр. 7650

وَقَوله ﴿أَو زد عَلَيْهِ﴾ أَي: زد على النّصْف إِلَى الثُّلثَيْنِ. وَالْمعْنَى من الْآيَة: إِيجَاب الْقيام عَلَيْهِ مَعَ توسيع الْأَمر فِي الْمِقْدَار. وَذكر النقاش أَن قَوْله: " نصفه " مَعْنَاهُ: أَو نصفه. وَقَوله: ﴿ورتل الْقُرْآن ترتيلا﴾ أَي: بَينه تبيينا. قَالَ الضَّحَّاك: حرفا حرفا. وَحَقِيقَة الترتيل هُوَ الترسل فِي الْقِرَاءَة وإلقاء الْحُرُوف حَقّهَا من الإشباع بِلَا عجل وَلَا (هذرمة) . وروى أَبُو جَمْرَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: لِأَن أَقرَأ سُورَة الْبَقَرَة أرتل ترتيلا أحب إِلَيّ من أَن أَقرَأ جَمِيع الْقُرْآن هذرمة. وَعَن أنس أَنه سُئِلَ عَن قِرَاءَة النَّبِي فَقَالَ: " كَانَ يمد مدا ". وَفِي الحكايات عَن صَدَقَة المقابري أَنه قَالَ: قُمْت لَيْلَة وقرأت أحدر حدرا فَرَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَنِّي أزرع شَعِيرًا، ثمَّ رتلت فَرَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَنِّي أزرع حِنْطَة، ثمَّ حققت فَرَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَنِّي أزرع سمسما. وَقد صَحَّ بِرِوَايَة سعد بن هِشَام أَنه قَالَ: قلت لعَائِشَة ﵂: أَخْبِرِينِي عَن قيام رَسُول الله بِاللَّيْلِ. فَقَالَت: أَلَسْت تقْرَأ سُورَة المزمل؟ قلت: نعم. قَالَت:

стр. 7651

﴿إِنَّا سنلقي عَلَيْك قولا ثقيلا (٥) إِن ناشئة اللَّيْل هِيَ أَشد وطئا﴾ " فرض الله تَعَالَى قيام اللَّيْل على النَّبِي وَأَصْحَابه، فَقَامُوا سنة حَتَّى تورمت أَقْدَامهم، ثمَّ أنزل الله تَعَالَى قَوْله: ﴿إِن رَبك يعلم أَنَّك تقوم أدنى من ثُلثي اللَّيْل﴾ فنسخ قيام اللَّيْل ". وَفِي هَذَا الْخَبَر أَنه أنزل أول السُّورَة وَأمْسك خاتمتها سنة. وَفِي بعض الرِّوَايَات: سِتَّة عشر شهرا. وَفِي بعض الغرائب من الرِّوَايَات: عشر سِنِين.

стр. 7652

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا سنلقي عَلَيْك قولا ثقيلا﴾ قَالَ الْحسن: ثقيلا الْعَمَل بِهِ. وَقَالَ الزّجاج: هُوَ الصَّلَاة وَالصِّيَام وَسَائِر الْأَوَامِر والنواهي، لَا يَفْعَلهَا الْإِنْسَان إِلَّا بتكلف يثقل عَلَيْهِ. وَعَن قَتَادَة قَالَ: ثقيل وَالله حُدُوده وفرائضه. وَقيل: ثقيلا فِي الْمِيزَان يَوْم الْقِيَامَة، قَالَه الْحسن فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَقَالَ الْفراء: هُوَ قَول ثقيل، أَي: لَيْسَ بخفيف وَلَا بسفساف، وَهُوَ ثقيل، أَي: لَهُ وزن بِصِحَّتِهِ وَبَيَانه وتقشعه. يُقَال: هَذَا كَلَام رزين صين أَي: لَيْسَ بقول لَا معنى لَهُ.

стр. 7653

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن ناشئة اللَّيْل﴾ رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَابْن الزبير وَمُجاهد وَسَعِيد ابْن جُبَير: أَنه اللَّيْل كُله. وَعَن ابْن عمر وَأنس: هُوَ مَا بَين الْمغرب وَالْعشَاء. وَعَن الْكسَائي: أول اللَّيْل. وَعَن بَعضهم: من صَلَاة الْعشَاء الْأَخِيرَة إِلَى الصُّبْح، قَالَه الْحسن وَالْحكم بن عتيبة. وَعَن ابْن الْأَعرَابِي: هُوَ أَن يَسْتَيْقِظ بعد أَن ينَام. وناشئة اللَّيْل: سَاعَات اللَّيْل، وَحَقِيقَته هِيَ أَن سَاعَات الناشئة من اللَّيْل، أَي: الَّتِي ينشأ بَعْضهَا فِي إِثْر بعض. وَقَوله: ﴿هِيَ أَشد وطئا﴾ وَقُرِئَ: " وطاء " أما قَوْله: ﴿وطأ﴾ قَالَ الْأَخْفَش سعيد ابْن مسْعدَة: أَشد قيَاما. وَالْوَطْء فِي اللُّغَة هِيَ الثّقل. قَالَ النَّبِي " اشْدُد وطأتك على مُضر ". يُقَال: اشْتَدَّ وَطْء السُّلْطَان فِي بلد كَذَا، أَي: ثقله. فعلى هَذَا معنى

стр. 7654

﴿وأقوم قيلا (٦) إِن لَك فِي النَّهَار سبحا طَويلا (٧) ﴾ . قَوْله: ﴿أَشد وطئا﴾ أَي: ثقلا. وَالْمعْنَى: أَنه أثقل على الْبدن؛ لِأَنَّهُ وَقت الرَّاحَة والسكون، فَيكون الْقيام فِيهِ أثقل، وَإِذا كَانَ الْقيام أثقل فالثواب أعظم، فَإِن الْجهد إِذا كَانَ أَشد، وَالْعَمَل أتعب، فالثواب أكبر، وَهُوَ المُرَاد بِالْآيَةِ فِي هَذِه الْقِرَاءَة. وَأما الْقِرَاءَة الثَّانِيَة أَي: أَشد مواطأة، وَمَعْنَاهُ: مُوَافقَة بَين السّمع وَالْبَصَر وَالْقلب، وَذَلِكَ لقلَّة الحركات وهدء الْأَصْوَات، فَإِن بِالنَّهَارِ تكون الْعين مشتغلة بِالنّظرِ، وَالْأُذن بِالسَّمْعِ، وَالْقلب مشتغل بالتصرفات، فَلَا تقع الْمُوَافقَة بالاستماع والتفهم. قَالَ الْفراء: ﴿أَشد وطأ﴾ أَي أَجْدَر أَن تُحْصُوا مقادير قيامكم لفراغ قُلُوبكُمْ. وَقَوله: ﴿وأقوم قيلا﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ وَمُقَاتِل: أبين قولا. وَعَن أنس أَنه قَرَأَ قَوْله: ﴿أَشد وطاء﴾ " أهيأ وطاء " وَهُوَ قريب الْمَعْنى من الأول. وَعَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ: ناشئة اللَّيْل هُوَ جَمِيع اللَّيْل بالحبشية، وَهِي معربة.

стр. 7655

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن لَك فِي النَّهَار سبحا طَويلا﴾ أَي: فراغا طَويلا للاستراحة. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: سبحا طَويلا، أَي: تَصرفا وإقبالا وإدبارا فِي أمورك. وَقَرَأَ يحيى بن يعمر " سبخا طَويلا " بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة. قَالَ ثَعْلَب: السبح هُوَ الِاضْطِرَاب، والسبخ هُوَ السّكُون. وَمِنْه قَوْله ﵊ لعَائِشَة ﵂ فِي السَّارِق مِنْهَا: " لَا تستبخي بِرَأْيِك عَلَيْهِ "، أَي: لَا تخففي.

стр. 7656

﴿وَاذْكُر اسْم رَبك وتبتل إِلَيْهِ تبتيلا (٨) رب الْمشرق وَالْمغْرب لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فاتخذه وَكيلا (٩) واصبر على مَا يَقُولُونَ واهجرهم هجرا جميلا (١٠) وذرني﴾

стр. 7657

وَقَوله: وَقَوله ﴿وَاذْكُر اسْم رَبك﴾ قَالَ مقَاتل: إِذا قَرَأت فَقل: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم عِنْد افْتِتَاح السُّورَة. وَقيل: اذكر رَبك. وَقَوله: ﴿وتبتل إِلَيْهِ تبتيلا﴾ أَي: انْقَطع إِلَيْهِ انْقِطَاعًا. وَمِنْه الْعَذْرَاء البتول لِمَرْيَم، أَي: المنقطعة إِلَى الله تَعَالَى فِي النّسك. وَكَذَلِكَ الزهراء البتول لفاطمة، أَي: المنقطعة عَن أقرانها فِي الْفضل، وَمِنْه صَدَقَة بتلة، أَي: مُنْقَطِعَة خَارِجَة من مَال الْمُتَصَدّق بهَا. وَقيل: ﴿وتبتل إِلَيْهِ تبتيلا﴾ أَي: أخْلص لَهُ إخلاصا. وَذكر النقاش عَن مُحَمَّد بن عَليّ الباقر: أَنه رفع الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاة. وَعَن زيد بن أسلم: أَنه رفض الدُّنْيَا، وَطلب مَا عِنْد الله تَعَالَى.

стр. 7658

قَوْله تَعَالَى: ﴿رب الْمشرق وَالْمغْرب لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فاتخذه وَكيلا﴾ قَالَ الْفراء: كَفِيلا. وَقيل: إِلَهًا. وَقيل: كل أمورك.

стр. 7659

قَوْله تَعَالَى: ﴿واصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ وَهَذَا فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام قبل نزُول آيَة السَّيْف، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿واهجرهم هجرا جميلا﴾ وَقد نسخ بِآيَة السَّيْف. والهجر الْجَمِيل قيل: هُوَ الَّذِي لَا جزع فِيهِ.

стр. 7660

قَوْله تَعَالَى ﴿وذرني والمكذبين﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: أيش معنى قَوْله: ﴿وذرني والمكذبين﴾ وَلَا حَائِل يحول عَنْهُم؟ وَالْجَوَاب: أَن الْعَرَب تَقول ذَلِك وَإِن لم يكن ثمَّ حَائِل وَلَا مَانع على مَا بَينا. وَقَوله: ﴿أولي النِّعْمَة﴾ أَي: التنعم. وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي قَالَ: " إِن

стр. 7661

﴿والمكذبين أولي النِّعْمَة ومهلهم قَلِيلا (١١) إِن لدينا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّة وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣) ﴾ . عباد الله لَيْسُوا بمتنعمين ". وَقَوله: ومهلهم قَلِيلا) أَي: أمهلهم مُدَّة قَليلَة. قَالَت عَائِشَة ﵂: لم يكن بَين نزُول هَذِه الْآيَة ووقعة بدر إِلَّا شَيْئا (يَسِيرا) . وَقد قيل: إِن الْآيَة نزلت فِي بني الْمُغيرَة، وَهُوَ مُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم. وَيُقَال: إِنَّهَا نزلت فِي اثْنَي عشر رهطا من قُرَيْش، هم المطعمون يَوْم بدر.

стр. 7662

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن لدينا أَنْكَالًا﴾ أَي: قيودا. وَقَالَت الخنساء: (دعَاك فَقطعت أنكاله ... ولولاك يَا صَخْر لم تقطع) . وَقَالَ أَبُو عمرَان الْجونِي: إِن لدينا أَنْكَالًا أَي: اللجم من النَّار. وَقَوله: ﴿وَجَحِيمًا﴾ قد بَينا.

стр. 7663

وَقَوله: ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّة﴾ قَالَ مُجَاهِد: هُوَ الزقوم، وَقيل: هُوَ شوك يحصل فِي الْحلق، فَلَا ينزل وَلَا يخرج. وَقيل: هُوَ الضريع. وَفِي الحكايات أَن الْحسن الْبَصْرِيّ طوى ثَلَاث لَيَال وَلم يفْطر، وَكَانَ كلما قدم إِلَيْهِ الطَّعَام ذكر هَذِه الْآيَة فيأمر بِرَفْعِهِ، حَتَّى أكره من بعد على شربة سويق. وَقد ورد فِي بعض الغرائب من الْأَخْبَار " أَن النَّبِي قرئَ عِنْده هَذِه الْآيَة فَصعِقَ صعقة "،

стр. 7664

﴿يَوْم ترجف الأَرْض وَالْجِبَال وَكَانَت الْجبَال كثيبا مهيلا (١٤) إِنَّا أرسلنَا إِلَيْكُم رَسُولا شَاهدا عَلَيْكُم كَمَا أرسلنَا إِلَى فِرْعَوْن رَسُولا (١٥) فعصى فِرْعَوْن الرَّسُول فأخذناه أخذا وبيلا (١٦) فَكيف تَتَّقُون إِن كَفرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَل الْولدَان شيبا (١٧) ﴾ . وَهُوَ غَرِيب جدا. قَوْله: ﴿وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ أَي: موجعا. وَفِي بعض الْأَخْبَار أَن الله تَعَالَى يحب النكل على النكل. أَي: الرجل الْقوي المجرب على الْفرس المجرب.

стр. 7665

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم ترجف الأَرْض وَالْجِبَال﴾ أَي: تتزلزل، وَمِنْه الرجفة، أَي: الزلزلة. وَقَوله: ﴿وَكَانَت الْجبَال كثيبا مهيلا﴾ أَي: رملا سَائِلًا. وَيُقَال: المهيل هُوَ الَّذِي إِذا أَخذ الطّرف مِنْهُ انهال الطّرف الآخر.

стр. 7666

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أرسلنَا إِلَيْكُم رَسُولا شَاهدا عَلَيْكُم﴾ وَهُوَ مُحَمَّد. وَقَوله تَعَالَى: ﴿كَمَا أرسلنَا إِلَى فِرْعَوْن رَسُولا﴾ هُوَ مُوسَى صلوَات الله عَلَيْهِ.

стр. 7667

وَقَوله: ﴿فعصى فِرْعَوْن الرَّسُول﴾ أَي: خرج عَن أمره. وَقَوله: ﴿فأخذناه أخذا وبيلا﴾ أَي: شَدِيدا. يُقَال: طَعَام وبيل إِذا أكله الْإِنْسَان فَلم يستمرئه. وَقيل وبيلا: ثقيلا.

стр. 7668

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكيف تَتَّقُون إِن كَفرْتُمْ يَوْمًا﴾ أَي: كَيفَ تَتَّقُون [إِن كَفرْتُمْ من عَذَاب يَوْم؟] ثمَّ وصف الْيَوْم فَقَالَ: ﴿يَجْعَل الْولدَان شيبا﴾ وَهَذَا على طَرِيق كَلَام الْعَرَب فِي ذكر شدَّة الْيَوْم، فَإِنَّهُم يَقُولُونَ: هُوَ يَوْم تشيب [فِيهِ] النواصي، وَيَوْم يبيض فِيهِ القار. فَالْمُرَاد من الْآيَة هُوَ الْإِخْبَار عَن شدَّة الْأَمر. وَفِي التَّفْسِير: أَنه يشيب فِيهِ ولدان الْكفَّار لَا ولدان الْمُؤمنِينَ.

стр. 7669

﴿السَّمَاء منفطر بِهِ كَانَ وعده مَفْعُولا (١٨) إِن هَذِه تذكرة فَمن شَاءَ اتخذ إِلَى ربه سَبِيلا (١٩) إِن رَبك يعلم أَنَّك تقوم أدنى من ثُلثي اللَّيْل وَنصفه وَثلثه وَطَائِفَة من﴾

стр. 7670

وَقَوله: ﴿السَّمَاء منفطر بِهِ﴾ قد ورد عَن كثير من السّلف أَن قَوْله: ﴿منفطر بِهِ﴾ أَي: بِاللَّه، وَهُوَ نزُول يَوْم الْقِيَامَة لفصل الْقَضَاء بِلَا كَيفَ. وَقيل: السَّمَاء منفطر بِهِ أَي: فِيهِ، يَعْنِي أَن السَّمَاء منشقة فِي يَوْم الْقِيَامَة. ذكره أَبُو جَعْفَر النّحاس، وَذكر أَنه أحسن الْمعَانِي. وَقَوله: ﴿كَانَ وعده مَفْعُولا﴾ أَي: متحققا كَائِنا لَا محَالة.
следующие страницы →