← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 8471–8510 · переход к 8476.

стр. 8471

وَقَوله: (نَار حامية) أَي: حامية على الْكفَّار محرقة لَهُم، وَالله أعلم.

стр. 8472

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿أَلْهَاكُم التكاثر (١) حَتَّى زرتم الْمَقَابِر (٢) كلا سَوف تعلون (٣) ثمَّ كلا سَوف تعلمُونَ (٤) كلا لَو تعلمُونَ علم الْيَقِين (٥) لترون الْجَحِيم (٦) ثمَّ﴾ تَفْسِير سُورَة التكاثر وَهِي مَكِّيَّة

стр. 8473

قَول تَعَالَى: ﴿أَلْهَاكُم التكاثر﴾ أَي: شغلكم التكاثر بالأموال وَالْأَوْلَاد عَمَّا أمرْتُم بِهِ.

стр. 8474

وَقَوله: ﴿حَتَّى زرتم الْمَقَابِر﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: حَتَّى متم، وَالْقَوْل الثَّانِي: هُوَ أَنه تفاخر حَيَّان من قُرَيْش، وهما بَنو عبد منَاف، وَبَنُو الزهرة، وَقيل: بَنو زهرَة وَبَنُو جمح - وَهُوَ الْأَصَح - فعدوا الْأَحْيَاء فكثرتهم بَنو زهرَة فعدوا الْأَمْوَات فكثرتهم بَنو جمح، فَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى زرتم الْمَقَابِر﴾ أَي: عددتم من فِي الْقُبُور. وروى شُعْبَة، عَن قَتَادَة، عَن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عَن أَبِيه قَالَ: انْتَهَيْت إِلَى رَسُول الله وَهُوَ يَقُول: " أَلْهَاكُم التكاثر " قَالَ: يَقُول ابْن آدم: مَالِي مَالِي، وَمَا لَك من مَالك إِلَّا مَا أكلت فأفنيت، أَو لبست فأبليت، أَو تَصَدَّقت فأمضيت؟ ". قَالَ ﵁: أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد الصريفيني الْمَعْرُوف بِابْن هزارمرد، أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم بن حبابة، أخبرنَا الْبَغَوِيّ، أخبرنَا عَليّ بن الْجَعْد، عَن شُعْبَة. . الحَدِيث، خرجه مُسلم عَن بنْدَار، عَن غنْدر، عَن شُعْبَة.

стр. 8475

وَقَوله تَعَالَى: ﴿كلا سَوف تعلمُونَ﴾ تهديد ووعيد.

стр. 8476

وَقَوله: ﴿ثمَّ كلا سَوف تعلمُونَ﴾ تهديد بعد تهديد، ووعيد بعد وَعِيد، وَالْمعْنَى: ستعلمون عَاقِبَة تفاخركم وتكاثركم إِذا نزل بكم الْمَوْت.

стр. 8477

﴿لترونها عين الْيَقِين (٧) ﴾

стр. 8478

قَوْله تَعَالَى: ﴿كلا لَو تعلمُونَ عل الْيَقِين﴾ جَوَابه مَحْذُوف، وَالْمعْنَى: كلا لَو تعلمُونَ علم الْيَقِين لارتدعتم عَمَّا تَفْعَلُونَ، وَقيل: مَا أَلْهَاكُم التكاثر.

стр. 8479

وَقَوله: ﴿لترون الْجَحِيم ثمَّ لترونها عين الْيَقِين﴾ قَالَ بَعضهم: الثَّانِي تَأْكِيد للْأولِ، وَالْمعْنَى فيهمَا وَاحِد، وَقَالَ بَعضهم: لترون الْجَحِيم عَن بعد إِذا أبرزت، ثمَّ لترونها عين الْيَقِين إِذا دخلتموها. وَعَن قَتَادَة قَالَ: كُنَّا نتحدث أَن علم الْيَقِين أَن يعلم أَن الله باعثه بعد الْمَوْت. وَيُقَال: لترون الْجَحِيم فِي الْقَبْر، ثمَّ لترونها عين الْيَقِين فِي الْقِيَامَة.

стр. 8480

وَقَوله: ﴿ثمَّ لتسألن يَوْمئِذٍ عَن النَّعيم﴾ قَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: النَّعيم صِحَة الْأَبدَان والأسماع والأبصار، يسْأَل الله تَعَالَى عباده يَوْم الْقِيَامَة فيمَ استعملوها؟ وَهُوَ أعلم بذلك مِنْهُم. وَعَن ابْن مَسْعُود: أَنه الْأَمْن وَالصِّحَّة. وَعَن قَتَادَة: هُوَ الْمطعم الهني وَالْمشْرَب الروي. وروى أَبُو هُرَيْرَة مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي " أَنه الظل الْبَارِد وَالْمَاء الْبَارِد ". وروى عمر بن أبي سَلمَة أَن النَّبِي وَأَبا بكر وَعمر أَتَوا منزل أبي الْهَيْثَم بن التيهَان، وأكلوا عِنْده لَحْمًا وَتَمْرًا، ثمَّ قَالَ النَّبِي: " هَذَا من النَّعيم الَّذِي تسْأَلُون عَنهُ ". وروى أَن عمر قَالَ: " يَا رَسُول الله، نسْأَل عَن هَذَا؟ قَالَ: نعم إِلَّا كسرة يسد الرجل بهَا جوعه، وخرقة يستر بهَا عَوْرَته، وحجرا يدْخل فِيهِ من الْحر والقر ". وروى ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد قَالَ: كل لذات الدُّنْيَا. وَعَن بَعضهم: النّوم مَعَ الْعَافِيَة.

стр. 8481

﴿ثمَّ لتسألن يَوْمئِذٍ عَن النَّعيم (٨) ﴾ وَذكر أَبُو عِيسَى أَخْبَارًا فِي هَذِه، مِنْهَا مَا روينَا من حَدِيث مطرف، وَقَالَ: هُوَ حَدِيث حسن صَحِيح، وَمِنْهَا حَدِيث الْمنْهَال بن عَمْرو، عَن زر بن حُبَيْش، عَن عَليّ قَالَ: مَا زلنا نشك فِي عَذَاب الْقَبْر حَتَّى نزلت ﴿أَلْهَاكُم التكاثر﴾ . قَالَ أَبُو عِيسَى: وَهُوَ حَدِيث غَرِيب. وَمِنْهَا حَدِيث يحيى بن عبد الرَّحْمَن بن حَاطِب، عَن عبد الله بن الزبير بن الْعَوام، عَن أَبِيه قَالَ: " لما نزلت ﴿ثمَّ لتسألن يَوْمئِذٍ عَن النَّعيم﴾ قَالَ الزبير: يَا رَسُول الله، وَأي النَّعيم يسْأَل عَنهُ، وَإِنَّمَا هما الأسودان: التَّمْر وَالْمَاء؟ قَالَ: أما إِنَّه سَيكون " قَالَ: وَهُوَ حَدِيث حسن. وروى عَن مُحَمَّد بن عَمْرو، عَن أبي سَلمَة، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: " لما نزلت هَذِه الْآيَة: ﴿ثمَّ لتسألن يَوْمئِذٍ عَن النَّعيم﴾ قَالَ النَّاس: يَا رَسُول الله، عَن أَي النَّعيم نسْأَل، وَإِنَّمَا هما الأسودان، والعدو حَاضر، وسيوفنا على عواتقنا؟ قَالَ: إِن ذَلِك سَيكون ". روى عَن الضَّحَّاك بن عبد الرَّحْمَن [بن] عَرْزَم الْأَشْعَرِيّ قَالَ: سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: قَالَ رَسُول الله: " إِن أول مَا يسْأَل عَنهُ يَوْم الْقِيَامَة - يَعْنِي العَبْد من النَّعيم - أَن يُقَال لَهُ: ألم نصحح لَك جسمك، ونروك من المَاء الْبَارِد ". قَالَ: وَهُوَ حَدِيث غَرِيب، وَالله أعلم.

стр. 8482

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْعصر (١) إِن الْإِنْسَان لفي خسر (٢) إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصبرِ (٣) ﴾ تَفْسِير سُورَة الْعَصْر وَهِي مَكِّيَّة

стр. 8483

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَ الْعصر إِن الْإِنْسَان﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ الدَّهْر، وَفِيه الْعبْرَة لمرور اللَّيْل وَالنَّهَار أَنَّهُمَا على تَرْتِيب وَاحِد. وَعَن الْحسن وَقَتَادَة: أَنه الْعشي. قَالَ الشَّاعِر: (تروح بِنَا عمر وَقد قصر الْعَصْر ... وَفِي الروحة الأولى المثوبة وَالْأَجْر) والعصران: هما اللَّيْل وَالنَّهَار، وَيُقَال: هما الْغَدَاة والعشي. وَقَالَ مقَاتل: الْعَصْر هُوَ صَلَاة الْعَصْر. وَعَن بَعضهم: أَنه عصر النَّبِي أقسم بِهِ، وَحكى أَن فِي حرف عَليّ: " الْعَصْر ونوائب الدَّهْر إِن الْإِنْسَان لفي خسر. وَهُوَ فِيهِ إِلَى آخر الْعُمر ". وَقَالَ الزّجاج: وَالْمعْنَى: وَرب الْعَصْر. وَقَوله: ﴿إِن الْإِنْسَان لفي خسر﴾ مَعْنَاهُ: لفي غبن، وَيُقَال: فِي شَرّ، وَيُقَال: فِي هَلَاك، والخسران هُوَ ذهَاب رَأس المَال، وَرَأس مَال الْآدَمِيّ هُوَ عمره وَنَفسه، فَإِذا كفر فقد ذهب رَأس مَاله، وَالْإِنْسَان هُوَ الْكَافِر، وَقيل: وَاحِد بِمَعْنى الْجمع، وَقيل: هُوَ فِي كَافِر بِعَيْنِه، فَقيل: إِنَّه أبي بن خلف، وَقيل: وليد بن الْمُغيرَة، وَقيل: أَبُو جهل بن هِشَام.

стр. 8484

وَقَوله: ﴿إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ أَي: بالطاعات. وَقَوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ قَالَ الْحسن وَقَتَادَة: أَي بِالْقُرْآنِ واتباعه، وَقيل: بِالتَّوْحِيدِ. وَعَن السّديّ: بِاللَّه أَي: تواصوا بِاللَّه، وَعَن الفضيل بن عِيَاض قَالَ: يحث بَعضهم بَعْضًا على طَاعَة الله.

стр. 8485

وَقَوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصبرِ﴾ عَن الْمعاصِي، وَقيل: بِالصبرِ على الطَّاعَة، وَقد ورد خبر غَرِيب بِرِوَايَة أبي أُمَامَة أَن قَوْله: ﴿إِن الْإِنْسَان لفي خسر﴾ هُوَ أَبُو جهل بن هِشَام. وَقَوله: ﴿إِلَّا الَّذين آمنُوا﴾ هُوَ أَبُو بكر ﴿وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ هُوَ عمر ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ هُوَ عُثْمَان ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصبرِ﴾ هُوَ عَليّ، ﵃.

стр. 8486

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿ويل لكل همزَة لُمزَة (١) الَّذِي جمع مَالا وعدده (٢) يحْسب أَن مَاله أخلده (٣) كلا لينبذن فِي الحطمة (٤) وَمَا أَدْرَاك مَا الحطمة (٥) نَار الله الموقدة﴾ تَفْسِير سُورَة الْهمزَة وَهِي مَكِّيَّة، وَالله أعلم

стр. 8487

قَوْله تَعَالَى: ﴿ويل لكل همزَة﴾ قد بَينا معنى الويل. وَقَوله: ﴿همزَة لُمزَة﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: الْهمزَة الَّذِي يطعن فِي النَّاس ويعيبهم، واللمزة هُوَ الَّذِي يغتابهم وَمثله عَن مُجَاهِد، وَقيل على الْعَكْس، فالهمزة هُوَ المغتاب، واللمزة الَّذِي يطعن فِي النَّاس، قَالَه السّديّ وَغَيره، وَعَن بَعضهم: أَن الْهمزَة هُوَ الَّذِي يُؤْذِي النَّاس بِلِسَان أَو يَد، واللمزة هُوَ الَّذِي يؤذيهم بحاجب (وَعين) ، وَهُوَ قَول غَرِيب، وَعَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة: أَن الْآيَة نزلت فِي الْأَخْنَس بن شريق الزُّهْرِيّ، وَهُوَ قَول مَعْرُوف، وأنشدوا فِي الْهمزَة واللمزة: (تدلى بودي إِذا لاقيتني كذبا ... وَإِن تغيبت كنت الهامز اللمزة)

стр. 8488

وَقَوله: ﴿الَّذِي جمع مَالا وعدده﴾ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف، فَقَوله: ﴿جمع﴾ بِالتَّخْفِيفِ مَعْلُوم، وبالتشديد فَالْمَعْنى: أَنه جمع من كل وَجه شَيْئا فَشَيْئًا. وَقَوله: ﴿وعدده﴾ أَي أعده لنَفسِهِ ولحوادثه، وَقُرِئَ: " وعدده " بِالتَّخْفِيفِ، وَمَعْنَاهُ: جمع عددا أَي: قوما وأنصارا يتقوى بهم.

стр. 8489

وَقَوله: ﴿يحْسب أَن مَاله أخلده﴾ أَي: يبْقى حَتَّى بَقِيَّته، قَالَه الْحسن، وَقَالَ بَعضهم: أَي: يمْنَع الْمَوْت عَنهُ.

стр. 8490

وَقَوله: ﴿كلا لينبذن فِي الحطمة﴾ هُوَ اسْم من أَسمَاء جَهَنَّم، وَقَرَأَ ابْن مصرف:

стр. 8491

( ﴿٦) الَّتِي تطلع على الأفئدة (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِم مؤصدة (٨) فِي عمد ممددة (٩) " لينبذن فِي الحطمة " يَعْنِي: نَفسه وَمَاله، وَسميت النَّار حِكْمَة؛ لِأَنَّهَا تَأْكُل كل شَيْء. يُقَال: رجل حُطَمة أَي: أكول، وَقيل: لِأَنَّهَا تكسر كل شَيْء من الحطم وَهُوَ الْكسر.

стр. 8492

وَقَوله: ﴿وَمَا أَدْرَاك مَا الحطمة﴾ قد بَينا.

стр. 8493

وَقَوله: ﴿نَار الله الموقدة الَّتِي تطلع على الأفئدة﴾ يَعْنِي: يصل ألمها ووجعها إِلَى الْفُؤَاد. قَالَ مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ: تَأْكُل النَّار أَجْسَادهم، فَإِذا وصلت النَّار إِلَى الْقلب أعيدوا كَمَا كَانُوا، وتعود النَّار إِلَى أكلهم فَهَكَذَا أبدا.

стр. 8494

وَقَوله: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مؤصدة﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة: مطبقة، وَقيل: مغلقة. يُقَال: أصدت الْبَاب أَي أغلقته.

стр. 8495

وَقَوله: ﴿فِي عمد﴾ وَقُرِئَ " فِي عمد ممددة " بِفَتْح الْعين وَرَفعه، وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَطَلْحَة وَيحيى بن وثاب: " بعمد ممدة " وَهُوَ معنى الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة، وَعَن بَعضهم: أَن الْعمد الممدة هِيَ الأغلال فِي أَعْنَاقهم، وَعَن بَعضهم: [هُوَ] الْقُيُود فِي أَرجُلهم، وَعَن بَعضهم: قيود على قبرهم من نَار يُعَذبُونَ فِيهَا، وَأولى الْأَقَاوِيل هُوَ أَنَّهَا مطبقة بعمد يَعْنِي: مسدودة لَا يخرج مِنْهَا غمر، وَلَا يدخلهَا روح. وَعَن قَتَادَة: يُعَذبُونَ بالعمد، وَهِي جمع عَمُود. وَعَن أبي جَعْفَر الْقَارئ: أَنه بَكَى مرّة حِين قُرِئت هَذِه السُّورَة عَلَيْهِ، فَقيل لَهُ: مَا يبكيك يَا أَبَا جَعْفَر؟ قَالَ: أَخْبرنِي زيد بن أسلم أَن أهل النَّار لَا يتنفسون فَذَلِك أبكاني. وَقَوله: ﴿ممدة﴾ وَقيل: مُطَوَّلَة، وَيُقَال: ممدودة. وَذكر النقاش فِي تَفْسِيره: أَنه يبْقى رجل من الْمُؤمنِينَ فِي النَّار ألف سنة يَقُول: يَا حنان، يَا منان، وَهُوَ فِي شعب من شعاب النَّار، فَيَقُول الله لجبريل: أخرج عَبدِي من النَّار، فَيَجِيء جِبْرِيل ﵇ فيجد النَّار مؤصدة أَي: مطبقة، فَيَعُود وَيَقُول: يَا رب، إِنِّي وجدت النَّار مؤصدة،

стр. 8496

فَيَقُول: يَا جِبْرِيل عد وَفَكهَا، وَأخرج عَبدِي من النَّار، فَيَعُود جِبْرِيل ويخرجه، وَهُوَ مثل الْخلال (أسود) فيلقيه على سَاحل الْجنَّة حَتَّى ينْبت الله لَهُ شعرًا وَلَحْمًا ودما ويدخله الْجنَّة. رَوَاهُ عَن سعيد بن جُبَير، وَذكر أَن النَّار تطبق عَلَيْهِم لييأسوا من الْخُرُوج مِنْهَا، وَالله أعلم.

стр. 8497

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿ألم تَرَ كَيفَ فعل رَبك بأصحاب الْفِيل (١) ﴾ تَفْسِير سُورَة الْفِيل وَهِي مَكِّيَّة

стр. 8498

قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ كَيفَ فعل رَبك بأصحاب الْفِيل﴾ الْفِيل دَابَّة مَعْلُومَة، وَمعنى قَوْله: ﴿ألم تَرَ﴾ أَي: ألم تعلم؟ وَقيل: ألم تَرَ آثَار مَا فعل رَبك بأصحاب الْفِيل. وَأَصْحَاب الْفِيل هم جند من الْحَبَشَة أَمِيرهمْ أَبْرَهَة بن الصَّباح أَبُو يكسوم وَقيل: غَيره. غزوا الْكَعْبَة، وقصدوا تخريبها وهدمها، وَأَصَح مَا حكى فِي سَببه أَن أَبْرَهَة كَانَ نَصْرَانِيّا بني بيعَة بِصَنْعَاء الْيمن، وزينها بالفاخر من الثِّيَاب والجواهر، وَقَالَ: بنيت هَذَا، يحجه الْعَرَب وأكفهم عَن حج الْكَعْبَة، وَأمر النَّاس بذلك وأجبرهم عَلَيْهِ، فجَاء رجل من الْعَرَب - وَقيل: إِنَّه كَانَ من بني كنَانَة - وَدخل الْبيعَة، وأحدث فِيهَا وهرب، فَذكر ذَلِك لأبرهة فَغَضب غَضبا شَدِيدا وَحلف بالنصرانية والمسيح ليغزون الْكَعْبَة، وليهدمنها حجرا حجرا، ثمَّ إِنَّه غزا الْكَعْبَة مَعَ جَيش عَظِيم. وَفِيه قصَّة طَوِيلَة، وسَاق مَعَ نَفسه فيلا يُقَال لَهُ: مَحْمُود، وَقيل: كَانَت ثَمَانِيَة من الفيلة أكبرها هَذَا الْفِيل، وَلَقي فِي الطَّرِيق جندا من الْعَرَب وَهَزَمَهُمْ، وَقتل مِنْهُم حَتَّى أَتَى الطَّائِف، ثمَّ إِنَّه توجه من الطَّائِف إِلَى مَكَّة، وَدَلِيله أَبُو رِغَال، فَمَاتَ أَبُو رِغَال فِي الطَّرِيق فقبره هُوَ الْقَبْر الَّذِي تَرْجمهُ الْعَرَب، وَهُوَ بَين مَكَّة والطائف، وَنزل أَبْرَهَة والجند بالمغمس، وَسمع أهل مَكَّة بذلك، وسيدهم يَوْمئِذٍ عبد الْمطلب بن هَاشم، وأغار الْجند على مَا وجدوا من أَمْوَال أهل مَكَّة وإبلهم، وَأخذُوا مِائَتي بعير لعبد الْمطلب ثمَّ إِنَّه جَاءَ عبد الْمطلب، إِلَى أَبْرَهَة فِي طلب بعيره - وَكَانَ رجلا جسيما وسيما - فَلَمَّا رَآهُ أَبْرَهَة أعجبه حسنه وجماله فَقَالَ: مَا حَاجَتك؟ فَقَالَ: أَن ترد على إبلي. فَقَالَ لِترْجُمَانِهِ: قل

стр. 8499

﴿ألم يَجْعَل كيدهم فِي تضليل (٢) ﴾ لَهُ: أعجبني مَا رَأَيْت من هيئتك، ثمَّ رغبت عَنْك حِين سَمِعت كلامك، فَقَالَ عبد الْمطلب: وَمَا الَّذِي رغب الْملك عني؟ فَقَالَ: جِئْت لأهدم شرفك وَشرف آبَائِك، فَتركت ذكره وَسَأَلتنِي إبِلا أخذت لَك! فَقَالَ لَهُ عبد الْمطلب: أَنا رب الْإِبِل، وَإِن للبيت رَبًّا يمنعهُ، فَأمر برد الْإِبِل عَلَيْهِ، فَعَاد عبد الْمطلب، وَأمر أهل مَكَّة حَتَّى تَنْصَرِف فِي رُءُوس الْجبَال، وَقَالَ: قد جَاءَكُم مَالا قبل لكم بِهِ. ثمَّ أَخذ عبد الْمطلب بِحَلقَة الْكَعْبَة وَقَالَ: (يَا رب: لَا أَرْجُو لَهُم سواكا ... يَا رب، فامنع مِنْهُم حماكا) (إِن عَدو الْبَيْت من عاداك ... ) وَمن الْمَعْرُوف أَيْضا أَنه قَالَ: (يَا رب إِن الْمَرْء يمْنَع ... حلّه فامنع حلالك) (لَا يغلبن صليبهم ... ومحالهم أبدا محالك) والمحال: الْعقُوبَة. (إِن كنت تاركهم وكعبتنا ... فامر مَا بدالك) ثمَّ خرج مَعَ الْقَوْم وخلوا مَكَّة، فروى أَن الْفِيل كَانَ إِذا أحس التَّوَجُّه قبل مَكَّة امْتنع، فَإِذا وَجه نَحْو الْيمن أسْرع وهرول، وَحبس الله الْفِيل عَن الْبَيْت، وَهُوَ معنى مَا ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ يَوْم الْحُدَيْبِيَة حِين بَركت نَاقَته - وَهِي الْقَصْوَاء - وَقَالَ النَّاس: خلأت الْقَصْوَاء فَقَالَ النَّبِي: " لَا، لَكِن حَبسهَا حَابِس الْفِيل " ثمَّ إِن الله تَعَالَى بعث عَلَيْهِم طيرا خرجت من قبل الْبَحْر، قَالَ ابْن عَبَّاس: لَهَا خراطيم الطير وأنف الْكلاب، وَقيل: كَانَت سَوْدَاء، وَقيل: حَمْرَاء، وَمَعَ كل طير ثَلَاثَة أَحْجَار: حجران فِي كفيه، وَحجر فِي منقاره، وَفِي الْقِصَّة: أَن الْحجر كَانَ دون الحمص وَفَوق

стр. 8500

﴿وَأرْسل عَلَيْهِم طيرا أبابيل (٣) ترميهم بحجارة من سجيل (٤) فجعلهم كعصف مَأْكُول (٥) العدس، فَجَاءَت الطير ورمتهم بالأحجار، وَفِي الْقِصَّة: أَن الْحجر كَانَ يُصِيب رَأس الْإِنْسَان، فَيخرج من دبره، فَيسْقط وَيَمُوت، وَكَانَ إِذا وَقع على جَانب مِنْهُ خرج من الْجَانِب الآخر، وهرب الْقَوْم وتساقطوا فِي الطَّرِيق. وَقيل: إِن الْحجر إِذا أصَاب الْوَاحِد مِنْهُم نفط مَوْضِعه وأصابه الجدري، فَهُوَ أول مَا رئى الجدري فِي ديار الْعَرَب، وَالله أعلم. وَأما أَبْرَهَة فتساقط فِي الطَّرِيق أُنْمُلَة أُنْمُلَة، ثمَّ إِنَّه انصدع صَدره عَن قلبه وَمَات. وعام الْفِيل هُوَ الْعَام الَّذِي ولد فِيهِ النَّبِي، وَقد قيل: إِنَّه ولد بعد ذَلِك بِسنتَيْنِ، وَالصَّحِيح هُوَ الأول، وَقَالَ أهل الْعلم: كَانَ ذَلِك إرهاصا لنبوة النَّبِي وتأسيسا بهَا.

стр. 8501

قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم يَجْعَل كيدهم فِي تضليل﴾ أَي: أبطل مَكْرهمْ وسعيهم، وَيُقَال: قَوْله: ﴿فِي تضليل﴾ أَي: ضل عَنْهُم، وفاتهم مَا قصدُوا.

стр. 8502

وَقَوله: ﴿وَأرْسل عَلَيْهِم طيرا أبابيل﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: جماعات فِي تَفْرِقَة، وَعند أبي عُبَيْدَة وَالْفراء: لَا وَاحِد لَهَا، وَعند الْكسَائي: وَاحِدهَا: أبول مثل عجاجيل وعجول. وَيُقَال: طيرا أبابيل أَي: كَثِيرَة، وَيُقَال: أقاطيع يتبع بَعْضهَا بَعْضًا.

стр. 8503

وَقَوله: ﴿ترميهم بحجارة من سجيل﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: السجيل بِالْفَارِسِيَّةِ (سنك) كل، وَيُقَال: من سجيل من السَّمَاء، وَهُوَ اسْم سَمَاء الدُّنْيَا.

стр. 8504

وَقَوله: ﴿فجعلهم كعصف مَأْكُول﴾ العصف: هُوَ ورق الزَّرْع، وَمَعْنَاهُ: كعصف قد أكل مَا فِيهِ، وَقيل: كل ثمره. وَالْمعْنَى: أَن الله تَعَالَى شبههم بالزرع الَّذِي أَكلته الدَّوَابّ وراثته وَتَفَرَّقَتْ، وَلم يبْق من ذَلِك شَيْء فَشبه هلاكهم بذلك، وَالله أعلم.

стр. 8505

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْش (١) تَفْسِير سُورَة لِإِيلَافِ وَهِي مَكِّيَّة

стр. 8506

قَوْله تَعَالَى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْش﴾ روى سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْش﴾ قَالَ: نعمتي على قُرَيْش بإيلافهم رحْلَة الشتَاء والصيف. والإيلاف فِي اللُّغَة هُوَ ضد الإيجاش، وَهُوَ نَظِير الإيناس، فَإِن قَالَ قَائِل: مَا معنى ابْتِدَاء السُّورَة بِاللَّامِ؟ وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَن مَعْنَاهُ: اعجبوا لِإِيلَافِ قُرَيْش وتركهم الْإِيمَان بِي، كَأَنَّهُ يذكر نعْمَته عَلَيْهِم، وَيذكر كفرانهم لنعمته بترك الْإِيمَان، وَالْوَجْه الثَّانِي أَن مَعْنَاهُ: أَن هَذَا مُتَّصِل فِي الْمَعْنى بالسورة الْمُتَقَدّمَة، وَكَأَنَّهُ قَالَ: ﴿فجعلهم كعصف مَأْكُول لِإِيلَافِ قُرَيْش﴾ أَي: ليبقى لَهُم مَا ألفوه من رحلتي الشتَاء والصيف. وَذكر القتيبي فِي معنى السُّورَة: أَن الْقَوْم لم يكن لَهُم زرع وَلَا ضرع إِلَّا الْقَلِيل، وَكَانَت مَعَايشهمْ من التِّجَارَة وَكَانَت لَهُم رحلتان: رحْلَة فِي الصَّيف إِلَى الشَّام، ورحلة فِي الشتَاء إِلَى الْيمن، وَقيل: غير هَذَا، وَكَانُوا إِذا خَرجُوا من مَكَّة لَا يتَعَرَّض لَهُم أحد، فَإِذا لَقِيَهُمْ قوم قَالُوا: نَحن أهل الله فيكفون عَنْهُم وَلَا يحاجون. وروى أَنهم كَانُوا يَقُولُونَ: نَحن من حرم الله، فَتَقول الْعَرَب: هَؤُلَاءِ أهل الله فيكفون عَنْهُم، وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لم يرَوا أَنا جعلنَا حرما آمنا وَيُتَخَطَّف النَّاس من حَولهمْ﴾ فَذكر الله تَعَالَى فِي هَذِه السُّورَة وَالسورَة الْمُتَقَدّمَة منته عَلَيْهِم فِي دفع أَصْحَاب الْفِيل عَنْهُم، ليبقى لَهُم مَا ألفوه من التِّجَارَة فِي رحلتي الشتَاء والصيف. وَأما قُرَيْش: فهم أَوْلَاد النَّضر بن كنَانَة، فَكل من كَانَ من أَوْلَاد النَّضر بن كنَانَة فَهُوَ

стр. 8507

﴿إيلافهم رحْلَة الشتَاء والصيف (٢) فليعبدوا رب هَذَا الْبَيْت (٣) الَّذِي أطْعمهُم من جوع وآمنهم من خوف (٤) ﴾ قرشي وَاخْتلفُوا فِي اشتقاق هَذَا الِاسْم، فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: سموا قُريْشًا للتِّجَارَة، وَكَانُوا أهل تِجَارَة، والقرش: الْكسْب، يُقَال: كَانَ فلَان يقرش لِعِيَالِهِ ويقترش أَي: يكْتَسب. وَعَن ابْن عَبَّاس: أَنه سميت قُرَيْش قُريْشًا بِدَابَّة تكون فِي الْبَحْر، يُقَال لَهَا: القرش، لَا تمر بغث وَلَا سمين إِلَّا أَكلته وأنشدوا فِي ذَلِك: (وقريش هِيَ الَّتِي تسكن الْبَحْر ... وَبهَا سميت قُرَيْش قُريْشًا) (تَأْكُل الغث والسمين وَلَا تتْرك ... فِيهِ لذِي الجناحين ريشا) (هَكَذَا فِي الْبِلَاد هِيَ قُرَيْش ... يَأْكُلُون الْبِلَاد أكلا كميشا) (وَلَهُم آخر الزَّمَان نَبِي ... يكثر الْقَتْل فيهم والخموشا)

стр. 8508

وَقَوله: ﴿فليعبدوا رب هَذَا الْبَيْت الَّذِي أطْعمهُم من جوع﴾ قَالَ ذَلِك لأَنهم كَانُوا يجلبون الطَّعَام من الْمَوَاضِع الْبَعِيدَة وَكَانَ هُوَ الَّذِي يسهل لَهُم ذَلِك، ويرزقهم إِيَّاهَا بتيسير أَسبَابهَا لَهُم. وَقَوله: ﴿وآمنهم من خوف﴾ أَي: من خوف الْغَارة وَالْقَتْل على مَا قُلْنَا، وَقيل: من خوف الجذام، وَالأَصَح هُوَ الأول. وَفِي بعض التفاسير: أَن أول من جمع قُريْشًا على رحلتي الشتَاء والصيف هَاشم بن عبد منَاف، وَكَانُوا يَأْخُذُونَ فِي بضائعهم باسم الْفُقَرَاء شَيْئا مَعْلُوما فَإِذا رجعُوا أعطوهم ذَلِك تقربا إِلَى الله. وَقَالَ الشَّاعِر فِي هَاشم: (عَمْرو الْعلَا هشم الثَّرِيد لِقَوْمِهِ ... وَرِجَال مَكَّة مسنتون عجاف) (الخالطين فقيرهم بغنيهم ... حَتَّى يصير فقيرهم كالكاف)

стр. 8509

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿أَرَأَيْت الَّذِي يكذب بِالدّينِ (١) فَذَلِك الَّذِي يدع الْيَتِيم (٢) وَلَا يحض على طَعَام الْمِسْكِين (٣) فويل للمصلين (٤) ﴾ تَفْسِير سُورَة أَرَأَيْت وَهِي مَكِّيَّة وَقيل: إِنَّهَا مَدَنِيَّة، وَقيل: نصفهَا مَكِّيَّة، وَنِصْفهَا مَدَنِيَّة، فالنصف الأول إِلَى قَوْله ﴿فويل للمصلين﴾ مَكِّيَّة، وَالنّصف الْبَاقِي مَدَنِيَّة، وَالله أعلم.

стр. 8510

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَرَأَيْت الَّذِي يكذب بِالدّينِ﴾ أَي: بالجزاء، وَقيل: بِالْحِسَابِ، قَالَه مُجَاهِد، وَالْمعْنَى: أَرَأَيْت من يكذب بِالدّينِ أمخطئ هُوَ أم مُصِيب؟ يَعْنِي: أَنه مُخطئ فَلَا توافقه وَلَا تتبعه.
следующие страницы →