← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

﴿نصيب من الْملك فَإِذا لَا يُؤْتونَ النَّاس نقيرا (٥٣) أم يحسدون النَّاس على مَا آتَاهُم الله من فَضله فقد آتَيْنَا آل إِبْرَاهِيم الْكتاب وَالْحكمَة وآتيناهم ملكا عَظِيما (٥٤) فَمنهمْ من آمن بِهِ﴾ وَمُجاهد، وَجَمَاعَة: أَرَادَ بِهِ: مُحَمَّدًا وَحده، وَقَالَ قَتَادَة: أَرَادَ بِهِ الْعَرَب؛ حسدهم الْيَهُود ببعث النَّبِي مِنْهُم، وَفِيه قَول ثَالِث: أَرَادَ بِهِ: مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه، وَقَالَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ الباقر: نَحن النَّاس؛ وَذَلِكَ أَنهم حسدوا، فَإِذا قُلْنَا بالْقَوْل الأول: أَنه مُحَمَّد وَحده؛ فَاخْتَلَفُوا فِي الْفضل الْمَذْكُور فِي الْآيَة مَا هُوَ؟ قَالَ بَعضهم: هُوَ النُّبُوَّة حسد الرَّسُول بهَا، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ تَحْلِيل الزَّوْجَات فِيمَا زَاد على الْأَرْبَع، حسده الْيَهُود عَلَيْهِ؛ فَقَالُوا: مَا بَال هَذَا الرجل همه فِي النِّكَاح، ينْكح، وينكح. ﴿فقد آتَيْنَا آل إِبْرَاهِيم الْكتاب وَالْحكمَة﴾ أَرَادَ بآل إِبْرَاهِيم: دَاوُد، وَسليمَان، وَالْكتاب: هُوَ الْكتاب الَّذِي أنزل عَلَيْهِم، وَأما الْحِكْمَة: قيل: هِيَ النُّبُوَّة، وَقيل هِيَ السّنة. وَمعنى الْآيَة: أَنهم إِن حسدوا الرَّسُول بِمَا أُوتى من الْفضل، فليحسدوا آل إِبْرَاهِيم؛ فَإِنَّهُم قد أُوتُوا الْكتاب وَالْحكمَة ﴿وآتيناهم ملكا عَظِيما﴾ اخْتلفُوا فِي الْملك الْعَظِيم: فَمن فسر الْفضل بتحليل الزَّوْجَات، فسر الْملك الْعَظِيم بِهِ أَيْضا، وَقد كَانَ لداود تسع وَتسْعُونَ امْرَأَة، ولسليمان مائَة امْرَأَة، وَقيل: كَانَ لِسُلَيْمَان سَبْعمِائة امْرَأَة، وثلثمائة سَرِيَّة، وَقيل: أعْطى نَبينَا صلوَات الله عَلَيْهِ قُوَّة سبعين شَابًّا فِي المباضعة. وَقيل: الْملك الْعَظِيم: ملك سُلَيْمَان، وَقيل: المُرَاد بِهِ تأييدهم بالجنود من الْمَلَائِكَة.

стр. 947

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمنهمْ من آمن بِهِ﴾ يعْنى: بِالْكتاب ﴿وَمِنْهُم من صد عَنهُ﴾ أَي: أعرض عَنهُ، وَقيل: مَعْنَاهُ: فَمنهمْ من آمن بِمُحَمد، وَمِنْهُم من صد عَنهُ ﴿وَكفى بجهنم سعيرا﴾ والسعير: هِيَ النَّار المسعرة.

стр. 948

﴿وَمِنْهُم من صد عَنهُ وَكفى بجهنم سعيرا (٥٥) إِن الَّذين كفرُوا بِآيَاتِنَا سَوف نصليهم نَارا كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا ليذوقوا الْعَذَاب إِن الله كَانَ عَزِيزًا حكيما﴾

стр. 949

قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين كفرُوا بِآيَاتِنَا سَوف نصليهم نَارا﴾ أَي نلقيهم فِي النَّار، وَيُقَال: صلى النَّار، إِذا قرب مِنْهَا، قَالَ الشَّاعِر يصف امْرَأَة: (تجْعَل الْمسك واليلنجوج والند ... صلاء لَهَا على الكانون) ﴿كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا ليذوقوا الْعَذَاب﴾ قيل: قُرِئت هَذِه الْآيَة عِنْد عمر ﵁ وَكَانَ عِنْده معَاذ بن جبل، فَقَالَ: تبدل جُلُودهمْ فِي كل سَاعَة سبعين مرّة، قَالَ عمر: كَذَا سَمِعت رَسُول الله ". وَقَالَ الْحسن: فِي كل يَوْم سبعين ألف مرّة. فَإِن قيل: إِذا بدلت جُلُودهمْ، فَكيف يعذب غير الْجلد الَّذِي كَانَ فِي الدُّنْيَا؟ قيل: إِنَّمَا يعذب الشَّخْص فِي الْجلد دون الْجلد، وَقيل: يُعَاد الْجلد الأول فِي كل مرّة، إِلَّا أَنه سَمَّاهُ جلدا غَيره، وَمثله جَائِز، تَقول الْعَرَب: صغت من خَاتمِي خَاتمًا غَيره، وَإِن كَانَ الثَّانِي إِعَادَة للْأولِ، وَفِي الْخَبَر: " أَن بصر جلد الْكَافِر فِي النَّار أَرْبَعُونَ ذِرَاعا يَعْنِي: غلظه وضرسه مثل جبل أحد، وَمَا بَين مَنْكِبَيْه مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام ".

стр. 950

﴿وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سندخلهم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا أبدا لَهُم فِيهَا أَزوَاج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا (٥٧) إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى﴾ وَفِي الْأَخْبَار: " يكون عَلَيْهِ مائَة جلد، بَين كل جلدين لون من الْعَذَاب " ﴿إِن الله كَانَ عَزِيزًا حكيما﴾ عَزِيزًا: غَالِبا. حكيما: فِيمَا دبر،

стр. 951

قَوْله: ﴿وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سندخلهم جنَّات تجرى من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا أبدا لَهُم فِيهَا أَزوَاج مطهرة﴾ وَقد ذكرنَا معنى الْجَمِيع، ﴿وندخلهم ظلا ظليلا﴾ وَهُوَ الْكن الَّذِي يقي من الْحر وَالْبرد.

стр. 952

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا﴾ فِيهِ ثَلَاثَة أقاويل: أَحدهَا: أَن المُرَاد مِنْهُ: جَمِيع الْأَمَانَات، وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَنه قَالَ: يجاء بِالَّذِي خَان فِي الْأَمَانَة يَوْم الْقِيَامَة، فَيُقَال لَهُ: رد الْأَمَانَة. فَيَقُول: ذهبت الدُّنْيَا أَنى لي الْأَمَانَة، فتمثل لَهُ الْأَمَانَة فِي النَّار، وَيُقَال لَهُ: خُذ الْأَمَانَة وردهَا، فَيَأْتِي ليَأْخُذ الْأَمَانَة؛ فَيهْوِي فِي النَّار، ثمَّ يعود ليَأْخُذ فَيهْوِي فِيهَا أبدا. وَفِي الْخَبَر أَنه قَالَ: " أد الْأَمَانَة إِلَى من ائتمنك، وَلَا تخن من خانك ". وروى عَن ابْن عَبَّاس، عَن النَّبِي أَن قَالَ: " لَا إِيمَان لمن لَا أَمَانَة لَهُ، وَلَا دين لمن لَا عهد لَهُ

стр. 953

﴿أَهلهَا وَإِذا حكمتم بَين النَّاس أَن تحكموا بِالْعَدْلِ إِن الله نعما يعظكم بِهِ إِن الله كَانَ سميعا بَصيرًا (٥٨) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم فَإِن تنازعتم﴾ وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه أَرَادَ بِهِ: تَفْوِيض الْأَمر إِلَى الْوُلَاة بِالطَّاعَةِ لَهُم، وَالْقَوْل الثَّالِث - وَهُوَ قَول عَامَّة الْمُفَسّرين -: أَن المُرَاد مِنْهُ رد مَفَاتِيح الْكَعْبَة. وَسبب نزُول الْآيَة مَا روى: " أَن رَسُول الله لما فتح مَكَّة، أَخذ مِفْتَاح الْكَعْبَة من عُثْمَان بن طَلْحَة، وَفتح الْبَاب، وَدخل الْكَعْبَة، فَلَمَّا خرج، قَالَ الْعَبَّاس: بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله، اجْمَعْ لي بَين السدَانَة والسقاية فهم رَسُول الله أَن يدْفع الْمِفْتَاح إِلَيْهِ؛ فَنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا﴾ ، فَدَعَا رَسُول الله عُثْمَان بن طَلْحَة، وَدفع إِلَيْهِ الْمِفْتَاح، وَقَالَ: خذوها يَا بني طَلْحَة، خالدة تالدة، لَا يَنْزِعهَا عَنْكُم إِلَّا ظَالِم " وَكَانَ مَعَ عُثْمَان حَيَاته، فَلَمَّا توفّي دَفعه إِلَى أَخِيه شيبَة، فَهُوَ فِي بني شيبَة إِلَى قيام السَّاعَة. ﴿وَإِذا حكمتم بَين النَّاس أَن تحكموا بِالْعَدْلِ﴾ أَي: بِالْقِسْطِ ﴿إِن الله نعما يعظكم بِهِ إِن الله كَانَ سميعا بَصيرًا﴾ .

стр. 954

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وَأولى الْأَمر مِنْكُم﴾ اخْتلفُوا فِي أولى الْأَمر، قَالَ ابْن عَبَّاس، وَجَابِر - وَهُوَ قَول جمَاعَة -: هم الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: هم الْوُلَاة والسلاطين، وَقيل: هم أُمَرَاء السَّرَايَا الَّذين بَعثهمْ رَسُول الله فِي الحروب، وَقد صَحَّ أَنه ﵊ قَالَ: " من عصى أَمِيري فقد عَصَانِي، وَمن عَصَانِي فقد عصى الله، وَمن أطَاع أَمِيري فقد أَطَاعَنِي، وَمن أَطَاعَنِي فقد أطَاع الله ".

стр. 955

﴿فِي شئ فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ذَلِك خير وَأحسن تَأْوِيلا (٥٩) ألم تَرَ إِلَى الَّذين يَزْعمُونَ أَنهم آمنُوا بِمَا أنزل إِلَيْك وَمَا أنزل من قبلك يُرِيدُونَ﴾ وَقَالَ عِكْرِمَة: أَرَادَ بِهِ: أَبَا بكر وَعمر. ﴿فَإِن تنازعتم فِي شئ فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ التَّنَازُع: هُوَ التشاجر، سمى تنَازعا؛ لِأَن كل وَاحِد من الْخَصْمَيْنِ ينْزع بِحجَّة وَآيَة. وَقَوله: ﴿فَردُّوهُ إِلَى الله﴾ يعْنى: إِلَى الْكتاب، وَإِلَى الرَّسُول إِن كَانَ حَيا، وَإِلَى سنته إِن كَانَ مَيتا. وَالرَّدّ إِلَى الْكتاب وَالسّنة وَاجِب، مَا دَامَ فِي الْحَادِثَة شئ من الْكتاب وَالسّنة، فَإِن لم يكن فالسبيل فِيهِ الِاجْتِهَاد، وروى أَن مسلمة بن عبد الْملك قَالَ لرجل: إِنَّكُم أمرْتُم أَن تطيعونا، فَقَالَ الرجل: قد نَزعهَا الله مِنْكُم؛ حَيْثُ قَالَ: ﴿فَإِن تنازعتم فِي شئ فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ وَقد تنازعتم، فَقَالَ مسلمة: أَيْن الله؟ فَقَالَ: الْكتاب، وَقَالَ: أَيْن الرَّسُول؟ فَقَالَ: السّنة. وَقيل: الرَّد إِلَى الله وَالرَّسُول: أَن يَقُول الرجل فِيمَا لَا يدرى: الله وَرَسُوله أعلم، وَهَذَا قَول حسن ﴿إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ذَلِك خير وَأحسن تَأْوِيلا﴾ أَي: أحسن مآل وعاقبة.

стр. 956

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين يَزْعمُونَ أَنهم آمنُوا بِمَا أنزل إِلَيْك وَمَا أنزل من قبلك يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَى الطاغوت وَقد أمروا أَن يكفروا بِهِ وَيُرِيد الشَّيْطَان أَن يضلهم ضلالا بَعيدا﴾ . فِي الْآيَة قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه فِي جمَاعَة من الْمُنَافِقين مِنْهُم خلاس بن الصَّامِت، كَانَت لَهُم خُصُومَة مَعَ جمَاعَة من الْمُسلمين، فَقَالَ الْمُسلمُونَ: نَتَحَاكَم إِلَى الرَّسُول، وَقَالَ المُنَافِقُونَ: نَتَحَاكَم إِلَى الكهنة. وَالْقَوْل الثَّانِي - وَهُوَ الْأَصَح: " أَن رجلا من الْيَهُود خَاصم رجلا من الْمُنَافِقين،

стр. 957

﴿أَن يتحاكموا إِلَى الطاغوت وَقد أمروا أَن يكفروا بِهِ وَيُرِيد الشَّيْطَان أَن يضلهم ضلالا بَعيدا (٦٠) وَإِذا قيل لَهُم تَعَالَوْا إِلَى مَا أنزل الله وَإِلَى الرَّسُول رَأَيْت الْمُنَافِقين يصدون عَنْك صدودا (٦١) فَكيف إِذا أَصَابَتْهُم مُصِيبَة بِمَا قدمت أَيْديهم ثمَّ جاءوك يحلفُونَ بِاللَّه إِن﴾ فَقَالَ الْيَهُودِيّ: نَتَحَاكَم إِلَى أبي الْقَاسِم إِذْ عرف أَنه لَا يَأْخُذ الرِّشْوَة على الحكم فَيحكم بِالْحَقِّ، وَقَالَ الْمُنَافِق: نَتَحَاكَم إِلَى كَعْب بن الْأَشْرَف، فتحاكما إِلَى النَّبِي فَحكم لِلْيَهُودِيِّ، وَكَانَ الحكم لَهُ، فَقَالَ الْمُنَافِق: لَا أرْضى بِحكمِهِ، نَتَحَاكَم إِلَى أبي بكر، فتحاكما إِلَى أبي بكر، فَحكم لِلْيَهُودِيِّ بِمثل مَا حكم رَسُول الله فَقَالَ الْمُنَافِق: لَا أرْضى بِحكمِهِ، نَتَحَاكَم إِلَى عمر، فتحاكما إِلَى عمر، فَقَالَ عمر: هَل تحاكمتما إِلَى أحد؟ فَقَالَ الْيَهُودِيّ: نعم إِلَى أبي الْقَاسِم، وَإِلَى أبي بكر، وَقد حكما لي، وَهُوَ لَا يرضى، فَقَالَ عمر: مَكَانكُمَا حَتَّى أخرج إلَيْكُمَا، فَدخل الْبَيْت، واشتمل على السَّيْف، ثمَّ خرج، وَضرب عنق الْمُنَافِق، فَبلغ ذَلِك رَسُول الله، فَقَالَ: أَنْت الْفَارُوق ".

стр. 958

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا قيل لَهُم تَعَالَوْا إِلَى مَا أنزل الله وَإِلَى الرَّسُول رَأَيْت الْمُنَافِقين يصدون عَنْك صدودا﴾ هُوَ مَا ذكرنَا، أَن الْمُنَافِقين دعوا إِلَى التحاكم إِلَى الرَّسُول، فأعرضوا عَنهُ، وتحاكموا إِلَى الطاغوت.

стр. 959

قَوْله تَعَالَى ﴿فَكيف إِذا أَصَابَتْهُم مُصِيبَة بِمَا قدمت أَيْديهم﴾ قيل: هَذَا فِي الْمُنَافِقين الَّذين تحاكموا إِلَى الطاغوت، وَقَوله: ﴿أَصَابَتْهُم مُصِيبَة بِمَا قدمت أَيْديهم﴾ قيل: هُوَ قتل عمر ﵁ ذَلِك الْمُنَافِق؛ فَإِنَّهُم جَاءُوا يطْلبُونَ دَمه، وَقيل: هُوَ فِي جَمِيع الْمُنَافِقين، والمصيبة: كل مُصِيبَة تصيبهم فِي الدُّنْيَا والعقبى. يَقُول الله تَعَالَى: فَكيف الْحَال إِذا أَصَابَتْهُم مُصِيبَة بِمَا قدمت أَيْديهم ﴿ثمَّ جاءوك يحلفُونَ بِاللَّه إِن أردنَا إِلَّا إحسانا وتوفيقا﴾ قيل: هُوَ إِحْسَان بَعضهم إِلَى بعض، وَقيل أَرَادوا بِالْإِحْسَانِ: تقريب الْأَمر من الْحق، لَا الْقَضَاء على مر الحكم.

стр. 960

﴿أردنَا إِلَّا إحسانا وتوفيقا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذين يعلم الله مَا فِي قُلُوبهم فَأَعْرض عَنْهُم وعظهم وَقل لَهُم فِي أنفسهم قولا بليغا (٦٣) وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا ليطاع بِإِذن الله وَلَو أَنهم إِذْ ظلمُوا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لَهُم الرَّسُول لوجدوا الله تَوَّابًا رحِيما﴾ وَأما التَّوْفِيق: مُوَافقَة الْحق، وَقيل: هُوَ التَّأْلِيف وَالْجمع بَين الْخَصْمَيْنِ. وَمعنى الْآيَة: أَن الْمُنَافِقين يحلفُونَ مَا أردنَا بالتحاكم إِلَى غَيْرك إِلَّا إحسانا وتوفيقا. وقِي الْآيَة قَول آخر: أَنَّهَا فِي الْمُنَافِقين، حلفوا فِي الْمَسْجِد الَّذِي بنوا ضِرَارًا على مَا هُوَ مَذْكُور قي سُورَة التَّوْبَة ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِن أردنَا إِلَّا الْحسنى﴾ .

стр. 961

قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذين يعلم الله مَا فِي قُلُوبهم﴾ خلاف مَا على ألسنتهم ﴿فَأَعْرض عَنْهُم وعظهم﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يتَصَوَّر الْجمع بَين الْإِعْرَاض والوعظ وَقد أَمر الله تَعَالَى بهما؟ قيل مَعْنَاهُ: فَأَعْرض عَن عقوبتهم، وعظهم. وَقيل: مَعْنَاهُ: فَأَعْرض عَن قبُول عذرهمْ، وعظهم ﴿وَقل لَهُم فِي أنفسهم قولا بليغا﴾ القَوْل البليغ: هُوَ مَا يبلغ الْإِنْسَان بِلِسَانِهِ كنه مَا فِي قلبه، وَقيل: هُوَ التخويف بِاللَّه تَعَالَى وَقيل: هُوَ أَن يَقُول: إِن رجعتم إِلَى هَذَا، فأمركم الْقَتْل.

стр. 962

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا ليطاع بِإِذن الله﴾ قَالَ أهل الْمعَانِي: قَوْله ﴿إِلَّا ليطاع﴾ كَلَام كَاف مُفِيد بِنَفسِهِ، وَقَوله: ﴿بِإِذن الله﴾ كَلَام آخر وَمَعْنَاهُ بِعلم الله وَقَضَاء الله يعْنى: أَن طَاعَته تقع بِإِذن الله. ﴿وَلَو أَنهم﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقين ﴿إِذا ظلمُوا أنفسهم﴾ يعْنى: بالتحاكم إِلَى الطاغوت ﴿جاءوك فاستغفروا الله﴾ لأَنهم مَا جَاءُوا مستغفرين، وَإِنَّمَا جَاءُوا معتذرين بالأعذار الكاذبة. قَوْله: ﴿فاستغفروا الله﴾ أَي: سَأَلُوا مغْفرَة الله، ﴿واستغفر لَهُم الرَّسُول﴾ أَي: دَعَا لَهُم الرَّسُول بالاستغفار ﴿لوجدوا الله تَوَّابًا رحِيما﴾ .

стр. 963

﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا قي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا (٦٥) وَلَو أَنا كتبنَا عَلَيْهِم أَن اقْتُلُوا أَنفسكُم أَو اخْرُجُوا من دِيَاركُمْ﴾

стр. 964

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا رَبك لَا يُؤمنُونَ﴾ قَوْله: ﴿فَلَا﴾ : رد لقَوْل الْمُنَافِقين وَعذرهمْ، ثمَّ ابْتِدَاء بقوله: ﴿وَرَبك لَا يُؤمنُونَ﴾ وَالْمرَاد بِهِ: الْإِيمَان الْكَامِل، أَي: لَا يكمل إِيمَانهم، ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم﴾ أَي: اخْتلف، والاشتجار: الِاخْتِلَاف، وَمِنْه الشّجر لالتفاف أغصانه بَعْضهَا على بعض، قَالَ الشَّاعِر: (هم الْحُكَّام أَرْبَاب الندي ... وسراة النَّاس إِذْ الْأَمر شجر) أَي: اخْتلف، (ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت) أَي: ضيقا، وَمِنْه الحرجة، روى أَن عمر ﵁ قَالَ لبَعض الْعَرَب: مَا الحرجة عنْدكُمْ؟ قَالَ: هِيَ شَجَرَة ملتفة، لَا يصل المَاء إِلَيْهَا. وَمن ذَلِك قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَجْعَل صَدره ضيقا حرجا﴾ أَي: يضيق مسلكه بِحَيْثُ لَا تصل إِلَيْهِ الْهِدَايَة ﴿ويسلموا تَسْلِيمًا﴾ وَمعنى الْآيَة: لَا يكمل إِيمَانهم حَتَّى يرْضوا بحكمك، وينقادوا لَك، قيل: هَذِه أبلغ آيَة فِي كتاب الله - تَعَالَى - فِي الْوَعيد. وَاخْتلفُوا فِي سَبَب نزُول الْآيَة، قَالَ عَطاء، وَمُجاهد: الْآيَة فِي الْمُنَافِقين الَّذين تحاكموا إِلَى الطاغوت، وَقَالَ عبد الله بن الزبير، وَعُرْوَة بن الزبير، وَجَمَاعَة: " الْآيَة نزلت فِي رجل من الْأَنْصَار يُقَال لَهُ: حَاطِب بن أبي بلتعة - وَكَانَ من أهل بدر - خَاصم الزبير بن الْعَوام فِي مَاء أَرض عِنْد النَّبِي، فَقَالَ ﵊ للزبير: اسْقِ أَرْضك المَاء ثمَّ أرْسلهُ إِلَى جَارك، وَكَانَت أَرض الْأنْصَارِيّ دون أرضه؛ فَقَالَ الْأنْصَارِيّ: أَن كَانَ ابْن عَمَّتك، فَتَلَوَّنَ وَجه النَّبِي، وَقَالَ للزبير: اسْقِ أَرْضك، واحبس المَاء حَتَّى يبلغ الْجدر " - وَفِي رِوَايَة - حَتَّى يبلغ الْكَعْبَيْنِ ثمَّ سرحه يمر "

стр. 965

﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيل مِنْهُم وَلَو أَنهم فعلوا مَا يوعظون بِهِ لَكَانَ خيرا لَهُم وَأَشد تثبيتا (٦٦) وَإِذا لآتيناهم من لدنا أجرا عَظِيما (٦٧) ولهديناهم صراطا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمن يطع الله﴾ كَانَ النَّبِي ساهل فِي حق الزبير فِي ابْتِدَاء الْأَمر، فَلَمَّا أغضبهُ الْأنْصَارِيّ استوعب جَمِيع حَقه، وكلا الْحكمَيْنِ كَانَ حَقًا، وَفِي الْخَبَر: قَالَ الزبير: " احسب أَن قَوْله: ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ﴾ نزل فِي هَذَا. وروى أَن الْيَهُود لما بَلغهُمْ ذَلِك، قَالُوا: انْظُرُوا إِلَى أَصْحَاب مُحَمَّد كَيفَ يخالفونه، وَإِن مُوسَى عتب علينا، فَأمرنَا بقتل أَنْفُسنَا، فَقَتَلْنَا أَنْفُسنَا حَتَّى بلغ الْقَتْلَى سبعين ألفا.

стр. 966

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَو أَنا كتبنَا عَلَيْهِم أَن اقْتُلُوا أَنفسكُم أَو اخْرُجُوا من دِيَاركُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيل مِنْهُم﴾ مَعْنَاهُ: لَو كتبنَا عَلَيْهِم أَن اقْتُلُوا أَنفسكُم، أَو اخْرُجُوا من دِيَاركُمْ، بدل مَا أمرناهم بِهِ من طَاعَة الرَّسُول، والانقياد لحكمه ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيل مِنْهُم﴾ قَالَ ثَابت بن قيس بن شماس: لَو أَمرنِي رَسُول الله بقتل نَفسِي لقتلت، وَفِي الْخَبَر: أَن ابْن مَسْعُود وعمار بن يَاسر، وثابت بن قيس بن شماس، من ذَلِك الْقَلِيل، وروى أَن النَّبِي أَشَارَ إِلَى عبد الله بن رَوَاحه، فَقَالَ لَهُ: " أَنْت من ذَلِك الْقَلِيل ". وَيقْرَأ " إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم " فَمن قَرَأَ بِالرَّفْع؛ فَلِأَنَّهُ مَعْطُوف على قَوْله: ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ وَذَلِكَ فِي مَحل الرّفْع، وَتَقْدِيره: مَا فَعَلُوهُ إِلَّا نفر قَلِيل مِنْهُم فَعَلُوهُ. وَمن قَرَأَ بِالنّصب، فعلى الِاسْتِثْنَاء. ﴿وَلَو أَنهم فعلوا مَا يوعظون بِهِ﴾ يعْنى: من طَاعَة الرَّسُول، وَالرِّضَا لحكمه (لَكَانَ خيرا لَهُم وَأَشد تثبيتا) أَي: تَصْدِيقًا

стр. 967

(وَإِذ لآتيناهم من لدنا أجرا عَظِيما) هُوَ الْجنَّة

стр. 968

﴿ولهديناهم صراطا مُسْتَقِيمًا﴾ قيل: هُوَ الْقُرْآن، وَقيل: الْإِسْلَام.

стр. 969

﴿وَالرَّسُول فَأُولَئِك مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِك الْفضل من الله وَكفى بِاللَّه عليما (٧٠) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾

стр. 970

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَمن يطع الله وَالرَّسُول فَأُولَئِك مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم﴾ سَبَب نزُول الْآيَة، مَا روى: أَن بعض أَصْحَاب رَسُول الله قَالُوا: يَا رَسُول الله، كَيفَ يكون الْحَال فِي الْجنَّة، وَأَنت فِي الدَّرَجَات الْعلي، وَنحن أَسْفَل مِنْك، وَكَيف نرَاك؟ فَنزلت الْآيَة. وَذكر النقاش فِي تَفْسِيره: أَن ذَلِك الْقَائِل كَانَ عبد الله بن زيد بن عبد ربه الْأنْصَارِيّ. وروى: أَن رجلا قَالَ: لرَسُول الله أَنْت أحب إِلَى من أَهلِي وَمَالِي وَوَلَدي، وَإِذا غبت عَنى يُصِيبنِي شبه الْجُنُون، حبا لَك، فَكيف حَالي مَعَك فِي الْجنَّة؟ فَنزلت الْآيَة " ﴿فَأُولَئِك مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين﴾ قيل: ذَلِك بِأَن ينزل إِلَيْهِم النَّبِيُّونَ؛ حَتَّى يروهم، لَا أَن يرفعوا إِلَى درجاتهم، وَقيل: مَعْنَاهُ: أَنهم لَا يفوتهُمْ رُؤْيَة النَّبِيين ومجالستهم، وَقَوله: ﴿وَالصديقين﴾ يعْنى: أَصْحَاب رَسُول الله، وَالصديق المبالغ فِي الصدْق، ﴿وَالشُّهَدَاء﴾ الَّذين اسْتشْهدُوا يَوْم أحد. وَاخْتلفُوا فِي أَنهم لم سموا شُهَدَاء؟ قَالَ بَعضهم: لأَنهم قَامُوا بِشَهَادَة الْحق حَتَّى قتلوا، وَقيل: لِأَن أَرْوَاحهم تشهد الْجنَّة عقيب الْقَتْل، ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ الصَّالح: من اسْتَوَت سريرتيه عَلَانِيَته ﴿وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ الرفيق: الْوَاحِد، وَهُوَ بِمَعْنى الْجمع هَاهُنَا ﴿ذَلِك الْفضل من الله وَكفى بِاللَّه عليما﴾ .

стр. 971

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا خُذُوا حذركُمْ﴾ أَي: عدتكم، والحذر: مَا يتقى بِهِ من الْعَدو، نَحْو الْعدة وَالسِّلَاح، (فانفروا ثبات) جمع " ثبة " قَالَ ابْن عَبَّاس: " الثبة ": مَا فَوق الْعشْرَة، وَقَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: " الثبة " النَّفر، وَمَعْنَاهُ: انفروا جماعات، نَفرا نَفرا (أَو انفروا جَمِيعًا) . وَهَذَا دَلِيل على أَن الْجِهَاد فرض على الْكِفَايَة، وَقيل إِن الْآيَة صَارَت مَنْسُوخَة؛

стр. 972

﴿خُذُوا حذركُمْ فانفروا ثبات أَو انفروا جَمِيعًا (٧١) وَإِن مِنْكُم لمن ليبطئن فَإِن أَصَابَتْكُم مُصِيبَة قَالَ قد أنعم الله عَليّ إِذْ لم أكن مَعَهم شَهِيدا (٧٢) وَلَئِن أَصَابَكُم فضل من الله﴾ لقَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤمنِينَ لينفروا كَافَّة﴾ .

стр. 973

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَإِن مِنْكُم لمن ليبطئن﴾ أَي: ليتأخرن، والبطء: التَّأْخِير. وَقيل: هَذَا فِي عبد الله بن أبي بن سلول ﴿فَإِن أَصَابَتْكُم مُصِيبَة﴾ يعْنى: بِالْقَتْلِ وَالْجرْح فِي الْجِهَاد ﴿قَالَ قد أنعم الله على إِذْ لم أكن مَعَهم شَهِيدا﴾ أَي: حَاضرا

стр. 974

﴿وَلَئِن أَصَابَكُم فضل من الله﴾ أَي: الْغَنِيمَة (ليَقُولن) - بِنصب اللَّام - وَيقْرَأ فِي الشواذ: بِرَفْع اللَّام وَالْمعْنَى وَاحِد ﴿كَأَن لم تكن بَيْنكُم وَبَينه مَوَدَّة﴾ قيل: فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَتَقْدِيره: فَإِن أَصَابَتْكُم مُصِيبَة، قَالَ: قد أنعم الله على؛ إِذْ لم أكن مَعَهم شَهِيدا، كَأَن لم تكن بَيْنكُم وَبَينه مَوَدَّة، أَي: معاقدة ومعاهدة على الْجِهَاد، وَقيل: أَرَادَ بِهِ: مَوَدَّة الصُّحْبَة. ثمَّ ابْتَدَأَ ﴿وَلَئِن أَصَابَكُم فضل من الله ليَقُولن يَا لَيْتَني كنت مَعَهم فأفوز فوزا عَظِيما﴾ .

стр. 975

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فليقاتل فِي سَبِيل الله الَّذين يشرون الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ أَي: يبيعون ﴿بِالآخِرَة وَمن يُقَاتل فِي سَبِيل الله فَيقْتل أَو يغلب فَسَوف نؤتيه أجرا عَظِيما﴾ وَهُوَ معنى قَوْله فِي سُورَة التَّوْبَة: ﴿فيقتلون وَيقْتلُونَ﴾ .

стр. 976

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَمَا لكم لَا تقاتلون فِي سَبِيل الله﴾ عتب على أَصْحَاب رَسُول الله بترك الْقِتَال ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ وهم الَّذين أَسْلمُوا بِمَكَّة وَسَكنُوا بأعذار، وَبَعْضهمْ منعُوا من الْهِجْرَة، قَالَ ابْن عَبَّاس: كنت أَنا وَأمي من الْمُسْتَضْعَفِينَ. قَالَ الْأَزْهَرِي: معنى الْآيَة: لَا تقاتلون فِي سَبِيل الله، وَفِي سَبِيل الْمُسْتَضْعَفِينَ؛ بتخليصهم من أَيدي الْمُشْركين ﴿من الرِّجَال وَالنِّسَاء والولدان الَّذين يَقُولُونَ رَبنَا أخرجنَا من هَذِه الْقرْيَة﴾ وَهِي مَكَّة بِاتِّفَاق الْمُفَسّرين ﴿الظَّالِم أَهلهَا﴾ أَي: الْمُشرك أَهلهَا ﴿وَاجعَل لنا من لَدُنْك وليا﴾ أَي: من يَلِي أمرنَا ﴿وَاجعَل لنا من لَدُنْك

стр. 977

﴿ليَقُولن كَأَن لم تكن بَيْنكُم وَبَينه مَوَدَّة يَا لَيْتَني كنت مَعَهم فأفوز فوزا عَظِيما (٧٣) فليقاتل فِي سَبِيل الله الَّذين يشرون الْحَيَاة الدُّنْيَا بِالآخِرَة وَمن يُقَاتل فِي سَبِيل الله فَيقْتل أَو يغلب﴾ ﴿نَصِيرًا﴾ أَي: من يمْنَع الْعَدو عَنَّا؛ فَاسْتَجَاب الله دعوتهم، حَتَّى فتح رَسُول الله مَكَّة، وَولى عَلَيْهَا عتاب بن أسيد، فَكَانَ ينصف الْمَظْلُوم، وينتصف من الظَّالِم.

стр. 978

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿الَّذين آمنُوا يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله وَالَّذين كفرُوا يُقَاتلُون فِي سَبِيل الطاغوت﴾ قد بَينا معنى الطاغوت ﴿فَقَاتلُوا أَوْلِيَاء الشَّيْطَان﴾ أَي: الْكفَّار ﴿إِن كيد الشَّيْطَان كَانَ ضَعِيفا﴾ قيل كَانَ ضَعِيفا بِمَعْنى: أَنه لَا يرد أحدا عَن الْإِسْلَام وَالْهِدَايَة، وَقيل: أَرَادَ بِهِ أَن كَيده كَانَ ضَعِيفا يَوْم بدر، حِين رأى الْمَلَائِكَة، وَخَافَ أَن يأخذوه، فهرب، فكيده ضَعِيف بِأحد هذَيْن الْمَعْنيين.

стр. 979

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين قيل لَهُم كفوا أَيْدِيكُم﴾ قيل: هَذَا فِي قوم أَسْلمُوا بِمَكَّة فآذاهم الْمُشْركُونَ؛ " فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، ائْذَنْ لنا نقاتلهم، فَقَالَ لَهُم: ﴿كفوا أَيْدِيكُم وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة﴾ ؛ فَإِنِّي لم أُؤمر بِالْقِتَالِ، ثمَّ لما هَاجر إِلَى الْمَدِينَة، فَأمر بِالْقِتَالِ، فكرهوا الْقِتَال " قيل: أُولَئِكَ الَّذين أَسْلمُوا وَقَالُوا ذَلِك، مِنْهُم: عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَسعد بن أبي وَقاص، وَقُدَامَة بن مَظْعُون، والمقداد بن الْأسود الْكِنْدِيّ، وَجَمَاعَة. ﴿فَلَمَّا كتب عَلَيْهِم الْقِتَال﴾ يعْنى: بعد الْهِجْرَة ﴿إِذا فريق مِنْهُم يَخْشونَ النَّاس كخشية الله أَو أَشد خشيَة﴾ أَي: يَخْشونَ النَّاس كخشيتهم من الله، أَو أَشد خشيَة، قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: مَا كَانُوا يَخْشونَ أَمر الله بِالْقِتَالِ، وَإِنَّمَا ذَلِك: خشيَة طبع البشرية. ﴿وَقَالُوا رَبنَا لم كتبت علينا الْقِتَال لَوْلَا أخرتنا إِلَى أجل قريب﴾ أَي: هلا أخرتنا إِلَى أجل قريب؛ فنموت بآجالنا، قيل: هَذَا قَول الْمُنَافِقين، وَقيل: كَانَ ذَلِك قَول بعض

стр. 980

﴿فَسَوف نؤتيه أجرا عَظِيما (٧٤) وَمَا لكم لَا تقاتلون فِي سَبِيل الله وَالْمُسْتَضْعَفِينَ من الرِّجَال وَالنِّسَاء والولدان الَّذين يَقُولُونَ رَبنَا أخرجنَا من هَذِه الْقرْيَة الظَّالِم أَهلهَا وَاجعَل لنا من لَدُنْك﴾ أَصْحَاب رَسُول الله: قَالُوا ذَلِك خوفًا و (جبنا) لَا اعتقادا. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ قَول طَلْحَة بن عبيد الله؛ قَالَ ذَلِك خوفًا ثمَّ تَابَ عَنهُ. ﴿قل مَتَاع الدُّنْيَا قَلِيل﴾ يعْنى: أَن مَا تستمتعون بِهِ من الدُّنْيَا فَهُوَ قَلِيل، وَفِي الْخَبَر الْمَعْرُوف: " مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا كَمَا يغمس أحدكُم الْمخيط فِي الْبَحْر، فَلْينْظر بِمَ يرجع؟ ! " ﴿وَالْآخِرَة خير لمن اتَّقى وَلَا تظْلمُونَ فتيلا﴾ أَي: لَا ينقص من أجرهم شئ، وَلَا مِقْدَار الفتيل.

стр. 981

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يدرككم الْمَوْت وَلَو كُنْتُم فِي بروج مشيدة﴾ مَعْنَاهُ: أَيْنَمَا كُنْتُم يأتيكم الْمَوْت، وَإِن كُنْتُم فِي بروج مشيدة، والبروج: الْحُصُون، قَالَ السّديّ: وَهِي قُصُور بيض فِي السَّمَاء، قَوْله: ﴿مشيدة﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس - فِي القَوْل الْمَعْرُوف -: هِيَ الْمَعْرُوفَة المطولة، وَقَالَ عِكْرِمَة: المشيدة: المجصصة، والشيد: الجص. وَقَالَ بَعضهم: المشيد: المجصص، والمشيدة: المرفوعة، وَفِيه قَول آخر عَن ابْن عَبَّاس: أَنه أَرَادَ: فِي بروج من حَدِيد. ﴿وَإِن تصبهم حَسَنَة يَقُولُوا هَذِه من عِنْد الله وَإِن تصبهم سَيِّئَة يَقُولُوا هَذِه من عنْدك﴾ فالحسنة: الخصب، والسيئة: الجدب، وَقيل الْحَسَنَة: النَّصْر، وَالظفر يَوْم بدر، والسيئة: الْهَزِيمَة وَالْقَتْل يَوْم أحد، وَمعنى الْآيَة: أَن الْمُسلمين إِذا أَصَابَتْهُم حَسَنَة، فَقَالَ الْكفَّار: هَذَا من عِنْد الله وَإِن تصبهم سَيِّئَة قَالُوا هَذَا من عنْدك أَي: بشؤمك؛ وَذَلِكَ أَن النَّبِي لما قدم الْمَدِينَة أصَاب أَهلهَا نوع سوء؛ فَقَالَت الْيَهُود: مَا رَأينَا أشأم

стр. 982

﴿وليا وَاجعَل لنا من لَدُنْك نَصِيرًا (٧٥) الَّذين آمنُوا يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله وَالَّذين كفرُوا يُقَاتلُون فِي سَبِيل الطاغوت فَقَاتلُوا أَوْلِيَاء الشَّيْطَان إِن كيد الشَّيْطَان كَانَ ضَعِيفا (٧٦) ألم تَرَ﴾ من هَذَا الرجل؛ مُنْذُ دخل دِيَارنَا، قد غلت أسعارنا، ونقصت ثمارنا؛ وَذَلِكَ بلية للْمُسلمين، وَهَذَا نَحْو مَا قَالُوا لصالح ﵇ ﴿اطيرنا بك وبمن مَعَك﴾ وَفِي قصَّة مُوسَى: ﴿يطيروا بمُوسَى وَمن مَعَه﴾ وَفِي سُورَة " يس ": ﴿إِنَّا تطيرنا بكم﴾ . ﴿قل كل من عِنْد الله﴾ أَي: الخصب، والجدب، والنصر، والهزيمة، كل من عِنْد الله، ﴿فَمَا لهَؤُلَاء الْقَوْم لَا يكادون يفقهُونَ حَدِيثا﴾ أَي: مَا لَهُم لَا يعلمُونَ حَدِيثا. والْحَدِيث: الْقُرْآن هَاهُنَا، أَي: لَا يعلمُونَ مَعَاني الْقُرْآن.

стр. 983

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿مَا أَصَابَك من حَسَنَة فَمن الله﴾ يَعْنِي: مَا أَصَابَك من خصب، فَمن فضل الله، ﴿وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة﴾ أَي: من جَدب ﴿فَمن نَفسك﴾ أَي: بذنبك. وَالْخطاب وَإِن كَانَ مَعَ الرَّسُول، فَالْمُرَاد بِهِ: الْأمة؛ وَذَلِكَ معنى قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم﴾ قيل مَعْنَاهُ: وَمَا أَصَابَك من حَسَنَة أَيهَا الْإِنْسَان فَمن الله، وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة، فَمن نَفسك؛ فَيكون الْخطاب مَعَ كل أحد من النَّاس، وَقيل: مَعْنَاهُ ﴿مَا أَصَابَك من حَسَنَة﴾ أَي: من النَّصْر، وَالظفر فَمن فضل الله ﴿وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة﴾ أَي: من هزيمَة، وَقتل يَوْم أحد ﴿فَمن نَفسك﴾ أَي: بذنب نَفسك من مُخَالفَة النَّبِي كَمَا سبق. فَإِن قيل: كَيفَ وَجه الْجمع بَين الْآيَتَيْنِ، فَإِنَّهُ قد قَالَ - فِي الْآيَة الأولى -: ﴿قل كل من عِنْد الله﴾ قيل: معنى الْآيَة الأولى: أَن الخصب والجدب والنصر والهزيمة

стр. 984

﴿إِلَى الَّذين قيل لَهُم كفوا أَيْدِيكُم وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة فَلَمَّا كتب عَلَيْهِم الْقِتَال إِذا فريق مِنْهُم يَخْشونَ النَّاس كخشية الله أَو أَشد خشيَة وَقَالُوا رَبنَا لم كتبت علينا الْقِتَال لَوْلَا﴾ كلهَا تقع من عِنْد الله، وَمعنى الْآيَة الثَّانِيَة ﴿وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة فَمن نَفسك﴾ أَي: مَا أَصَابَك من سَيِّئَة من الله، فبذنب نَفسك؛ عُقُوبَة لَك. وَاعْلَم أَنه لَيْسَ فِي الْآيَة مُتَعَلق لأهل الْقدر أصلا؛ فَإِن الْآيَة فِيمَا يُصِيب النَّاس من النعم والمحن، لَا فِي الطَّاعَات والمعاصي؛ إِذْ لَو كَانَ المُرَاد مَا توهموا، لقَالَ: مَا أصبت من حَسَنَة، فَمن الله وَمَا أصبت من سَيِّئَة؛ فَلَمَّا قَالَ: مَا أَصَابَك من حَسَنَة وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة؛ دلّ أَنه أَرَادَ: مَا يُصِيب الْعباد من النعم والمحن، لَا فِي الطَّاعَات والمعاصي، وَحكى عبد الْوَهَّاب بن مُجَاهِد، عَن مُجَاهِد، أَن ابْن عَبَّاس قَرَأَ: " وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة فَمن نَفسك وَأَنا كتبتها عَلَيْك " وَكَذَا حكى عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَرَأَ كَذَلِك، وَهُوَ مَعْرُوف عَن ابْن عَبَّاس، وَهُوَ يُؤَيّد قَوْلنَا: إِن المُرَاد: بذنب نَفسك. وَفِي الْآيَة قَول آخر: مُضْمر فِيهِ، وَتَقْدِيره: فَمَال هَؤُلَاءِ الْقَوْم لَا يكادون يفقهُونَ حَدِيثا؛ يَقُولُونَ: مَا أَصَابَك من حَسَنَة، فَمن الله، وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة، فَمن نَفسك فَيكون حِكَايَة لقَوْل الْكفَّار ﴿وأرسلناك للنَّاس رَسُولا وَكفى بِاللَّه شَهِيدا﴾ .

стр. 985

قَوْله تَعَالَى: ﴿من يطع الرَّسُول فقد أطَاع الله﴾ روى: " أَن النَّبِي قَالَ: " من أَطَاعَنِي فقد أطَاع الله تَعَالَى وَمن أَحبَّنِي فقد أحب الله، فَقَالَت الْيَهُود: إِن هَذَا الرجل يُرِيد أَن نتخذه رَبًّا وَحَنَانًا، كَمَا اتَّخذت النَّصَارَى عِيسَى بن مَرْيَم؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة على وفَاق قَول الرَّسُول " ﴿وَمن تولى فَمَا أَرْسَلْنَاك عَلَيْهِم حفيظا﴾ أَي: كل أمره إِلَى.
следующие страницы →