← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ولغير العرب وغير المسلمين شهادات مماثلة: يؤكد جورجي زيدان في كتابه (آداب اللغة العربية) تأثير القرآن في أخلاق أهله وعقولهم وقرائحهم ومعاملاتهم. فالصبغة القرآنية أو الإسلامية - كما يقول - تظهر في مؤلفات المسلمين، ولو كانت في موضوعات علمية. . كالفلسفة والفلك والحساب، فضلا عن العلوم أو الآداب الشرعية. وبعد أن يشير جورجي زيدان إلى تأثير القرآن في حياة المسلمين المعاشية والاجتماعية يقول: ". . وهذا ما لا نراه في الأناجيل - مثلا - فإنها كتب تعليمية لمصلحة الآخرة فقط. ولا نجد فيها شرعا، ولا حكومة ولا أحوالا شخصية. . أو نحو ذلك ". ثم يضيف: " وبالجملة فإن للقرآن تأثيرا في آداب اللغة العربية، ليس لكتاب ديني مثله في اللغات الأخرى ". وجورجي زيدان هذا - كما نعلم - كاتب مسيحي معروف. . فاعترافه بتأثير القرآن على المسلمين خلقا وأدبا ولغة وثقافة، وخلو الكتب الأخرى، ومنها الأناجيل، من هذا التأثير - اعترافه هذا له قيمته الكبيرة، ودلالته الخاصة. وفي كتاب " اللغات السامية " لأرنست رينان تأكيد آخر لأثر الإسلام في انتشار اللغة العربية، فهو يقول: " إن من أغرب ما وقع في تاريخ البشر، وصعب حل سره: انتشار اللغة العربية. . حيث بدت فجأة في غاية السلامة والغنى والكمال، فليس لها طفولة ولا شيخوخة. ولم يمض على فتح الأندلس أكثر من خمسين سنة حتى اضطر رجال الكنيسة أن يترجموا صلواتهم إلى اللغة العربية ليفهمها النصارى ". كما يقول المستشرق برنارد لويس في كتابه " العرب في التاريخ ": " إن موجات الفتح الكبرى التي تلت موت محمد ﷺ وإقامة الخلافة على أرس الأمة الإسلامية الناشئة قد سطرت بحروف كبرى كلمة " عرب " على خريطة القارات الثلاث: آسيا وأفريقيا وأوروبا، وجعلت منها عنوانا لفصل حاسم رغم قصره، في تاريخ الفكر والأعمال البشرية ". نكتفي بهذه الآراء والنظريات الحاسمة، لبعض أئمة اللغة والأدب والتاريخ - في القديم والحديث - مسلمين وغير مسلمين. . كحجة ساطعة قاطعة على مدى التلازم الوثيق والارتباط الشامل بين انتشار الإسلام بالعربية، وانتشار العربية بالإسلام، لأنها لسانه المبين، ولغته الساحرة، ولأنه هو روحها النافذ وعقلها الرشيد.

стр. 107

تآمر الأعداء على اللغة العربية الذين كادوا للغة العربية كثيرون، من مستشرقين ومستغربين. وغايتهم من ذلك القضاء على وحدة المسلمين التي هي ثمرة التقائهم على لغة واحدة هي لغة " القرآن " ولغة " السنة النبوية " ولغة التراث الحضاري الإسلامي المجيد. . من المستشرقين المتآمرين على اللغة العربية: القاضي الإنجليزي " دلمور " الذي عاش في مصر وألف سنة ١٩٠٢ م كتابا سماه (لغة القاهرة) ووضع فيه قواعد اقترح اتخاذها لغة للعلم والأدب، كما اقترح كتابتها بالحروف اللاتينية. وفي سنة ١٩٢٦ م دعا " وليم ويلكوكس " مهندس بالري حينذاك في مصر إلى هجر اللغة العربية، وخطا باقتراحه خطوة عملية، فترجم الإنجيل إلى ما سماه باللغة المصرية. وممن أعلنوا آراءهم في أهمية اللغة وأثرها في وحدة المسلمين وقوتهم: القس زويمر " ١٩٠٦ " الذي دعا أيضا إلى القضاء عليها تمهيدا للقضاء على الإسلام ووحدة المسلمين، ومثله " وليم جيفورد بالجراف " الذي يقول: " متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في قبول الحضارة المسيحية التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه ". ويزعم " أرنولد توينبي ": أن اللغة العربية لغة دينية لا تصلح إلا للطقوس والشعائر كالصلاة، وتلاوة القرآن والدعاء. وهناك المستشرق الألماني " سبيتا " الذي بدأ الدعوة إلى استعمال اللغة العامية لتحل محل العربية سنة ١٨٨٠ م. أما العرب المستغربون: الذين حطبوا في حبل أعداء الإسلام، وكالوا بصاعه فمنهم: عبد العزيز فهمي عضو المجمع العلمي المصري. . الذي تقدم سنة ١٩٤٣ م باقتراح لاستبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية، وشغل المجمع ببحث اقتراحه

стр. 108

ثلاث سنوات حتى خصص المجمع جائزة مالية لمن يتقدم بأحسن اقتراح لتيسير الكتابة العربية. . وسلامة موسى، الكاتب المصري المسيحي المعروف بعدائه للإسلام، الذي أيد اقتراح " ولكوكس " أن تكون هناك لغة مصرية للكتابة والتأليف، وقال: " إن اللغة العربية لغة بدوية، وأنها لغة رجعية متخلفة ". ورفاعة الطهطاوي. . الذي دعا بعد عودته من فرنسا سنة ١٢٨٥ هـ إلى استعمال اللغة العامية وتصنيف الكتب بها. ومثله الدكتور لويس عوض الكاتب المصري. وكذلك سعيد عقل الكاتب اللبناني. . دعا إلى استخدام اللغة العامية، وكتابتها بالحروف اللاتينية قائلا في وقاحة عجيبة: " من أراد لغة القرآن فليذهب إلى أرض القرآن ". وأحمد لطفي السيد - من مصر - دعا إلى التسامح في قبول المسميات الأجنبية، وإدخالها في اللغة العربية، زاعما أن استعمال المفردات العامية وتراكيبها: إحياء للغة الكلام والخطاب، وأننا بذلك نجعل العامة يتابعون كتابة الحاصة، وخطبهم وأحاديثهم. ولئلا نطيل نحيل القارئ إلى كتاب " الاتجاهات الوطنية " للدكتور محمد حسين - وكتاب " أباطيل وأسمار " للأستاذ محمد محمود شاكر - وكتاب " تاريخ الدعوة إلى اللغة العامية " للدكتورة نفوسة زكريا سعيد - وكتاب " التبشير والاستعمار " للأستاذين عمر فروخ ومصطفى الخالدي. .

стр. 109

لغة عربية جديدة وفي عام ١٣٩٣ هـ " ١٩٧٣ م " انعقد في برمانا في لبنان مؤتمر ضم عددا من أساتذة الجامعات في أمريكا وأوروبا والبلاد العربية. وبحث فيه اقتراح فرنسي قدمه جاك بيول، وأندريه رومان، ورولان مانيه. . بإيجاد لغة عربية جديدة تكون مفرداتها هي المفردات الأكثر تداولا بين الناطقين بالضاد. . أي استعمال اللهجات العامية الدارجة، وذلك بحجة أن " الاستعمال هو السيد الذي يفرض نفسه ". وهكذا يتكرر الزعم الفاسق بأن الفصحى لا تستجيب للحضارة الحديثة، ولا تستوعبها، وأنها عسيرة على الذين يتعلمونها، ولا بد من استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية، وكتابتها باللهجات العامية الدارجة. . وقد قام فريق من الأدباء العرب بتأليف الكتب، ونظم الأشعار، وكتابة القصص باللهجات

стр. 110

العامية تطبيقا لهذه الدعوة الماكرة، ومظاهرة لدعاتها الكائدين للإسلام والعربية، ومحاولة لإقناع الجماهير بأن اصطناع اللغة العامية في الأدب العربي والصحافة العربية. . إنما هو اعتراف بحقها - أي الجماهير - في العلم والفهم، وفي التأثر بالرأي العام والتأثير فيه. والدعاة الآخرون إلى الشعر الحر، والشعر المرسل. . المنتقدون لقواعد القصيد العربي ونظام الوزن والقافية - ليسوا بعيدين عن ميدان التآمر على اللغة العربية وبلاغتها المؤثرة، وأدبها الممتع. وليس أدل على خطأ هذه الدعوات والمحاولات، وخداع حملتها وافترائهم وزروهم، من الحقائق والتجارب العلمية والتربوية التالية: - أولا: أن ما تتهم به العربية من تقصير ليس في ذاتها، وإنما التقصير الحقيقي هو في نفر من المدرسين الذين يتولون تدريسها للطلاب في المعاهد والكليات، ويؤلفون فيها كتبهم ومراجعهم (كما يقول الدكتور عمر فروخ). ثانيا: أن أحد أسباب الصعوبة التي يجدها الأطفال في تعلم اللغة العربية: هو فرض لغة أجنبية عليه في المدرسة في سن مبكرة، وأن ازدواجية اللغة في هذه السن الباكرة هي الخطر الحقيقي الذي تتجنبه كل دول العالم، فاللغة الأجنبية يمكن تعلمها عند الحاجة إليها في ثلاث شهور، كما يقول أحد رجال التربية في لبنان " في مجلة الحوادث عام ١٩٧٣ م ". ثالثا: أن اللغة العربية حفظت التراث العالمي، والعلمي بالذات، واستوعبتهما قرونا طويلة من الزمن؛ فكيف تعجز الآن عن القيام بنفس الدور؟. رابعا: إن ثمة مصاعب تواجه كل لغة في العالم، وثمة طرق وأساليب للتغلب على تلك المصاعب، أهمها: بالتأكيد تطوير طرق تدريس اللغة وتعلمها. خامسا: يقول الكاتب الإنجليزي " هكسلي ": إن كتابة العلوم والآداب باللغة العامة يضعف المواهب العلمية، ويقضي على ملكة الإنشاء الفصحى. لذلك ينبغي أن نرقي بعقول العامة إلى فهم لغة العلم والأدب العالية. . لا أن ننزل بالعلماء والأدباء إلى مستوى العامة. ومع يقيننا الثابت بخسران هذه المحاولة اللئيمة في معركتها الفاشلة ضد اللغة العربية، لغة القرآن ولغة

стр. 111

الدين الإسلامي، خسرانها اليوم وغدا كما خسرت بالأمس القريب والبعيد، إلا أننا لا نجد بدا من وقفة قصيرة، نرد فيها الشبهة التي يختلقها الدعاة المتآمرون، حول مقدرة اللغة العربية وكفايتها وبلاغتها، وتفضح - إلى جانب ذلك - ما تقتضيه دعوتهم المنكرة من تخريب للمجد الأدبي العربي، وتذويب للشخصية العربية الأصيلة لغة وأدبا وتاريخا وحضارة. إن الدفاع عن اللغة العربية الفصحى: هو دفاع عن القرآن، وعن الدين الإسلامي: قرآنه، وحديث رسوله، وتاريخه، وتراثه الفقهي، وذخائره الفكرية والأدبية الخالدة الماجدة. . واللغة العربية التي حملت هذا الميراث الضخم الفخم المتطاول على الزمن من حضارة الإسلام الدينية والفكرية والعلمية منذ أربعة عشر قرنا - لا يعجزها بل لم يعجزها فعلا أن تمضي في رسالتها البيانية والتاريخية وإلى الأبد الأبيد. أما أنها عسيرة على الذين يتعلمونها، فهذا شأن كل لغة أجنبية يتعلمها من هو من غير أهلها. فاللغة الإنجليزية أو الفرنسية - مثلا - عسيرة على الذين يتعلمونها من العرب لكثرة ما فيها من شواذ في القاعدة، والنطق، والكتابة. . وهو ما لا يوجد في العربية مثيله أو نظيره. أما عواقب التذويب والتخريب، التي يقتضيها استعمال اللغة العامية في كل قطر عربي، بديلا عن اللغة الفصحى - فيأتي في مقدمتها الانفصال التام بين شعوب البلاد العربية، لأن كل شعب منها سيقتصر على لغته المحلية تفاهما وتعاملا، وتعليما وصحافة وتأليفا، فيتعذر اللقاء بين الشعوب العربية على علم أو أدب أو تعامل أو فكر أو عمل. وهذا ما تريده " الصليبية الاستعمارية " فصما للوحدة العربية التي وسيلتها اللسان العربي، وقوامها الدين الإسلامي. ونقول: إن قوام الوحدة العربية: هو الدين الإسلامي، لأنه لا يمكن فصل الإسلام عن اللغة العربية ولا عن الأمة العربية التي أعزها الله بالإسلام، والتي لا يمكن أن تحيى مجيدة سعيدة إلا في ظله الكريم العزيز. ومن عواقب التخريب والتذويب، لهذه المؤامرة الماكرة الخاسرة: إهمال جميع الكتب العربية القديمة والحديثة - المؤلفة بالفصحى بما في ذلك مراجع العقيدة والشريعة، وعلى رأسها القرآن والسنة، والقيام - من جديد - بوضع كتب باللغة العامية أو بالحرف اللاتيني، والتدريس في المدارس والمعاهد والكليات، على الطريقة الجديدة، بعد إلغاء المناهج الحالية، وتخريج معلمين ومدرسين على النظام العامي أو النظام اللاتيني!!

стр. 112

وبعد فإن اللغة العربية التي وسعت كتاب الله (لفظا وغاية) كما قال " حافظ إبراهيم " ووسعت أيضا حضارة الإسلام خلال أربعة عشر قرنا: علما وأدبا وفكرا وتاريخا، واستطاع علماء العرب ومفكروهم ومترجموهم - قديما - أن يستولدوها كلمات ومعاني جديدة من لغات أخرى، عن طريق التعريب والاشتقاق. . . هذه اللغة الولود الودود، الغنية السخية ليست عاجزة عن مسايرة ركب العلم الحديث، وإنما أبناؤها العاقون هم العاجزون. وهم الذين يخربون بيوتهم بأيديهم، ويطفئون نور حضارتهم بأفواههم، ويطمسون معالم شخصيتهم العربية الإسلامية الأصلية بآرائهم المنحرفة. إلا أن المتآمرين على الإسلام، ولغته، وتراثه الحضاري المجيد الرشيد: هم الخاسرون. . .

стр. 113

الأستاذ أحمد محمد جمال عضو مجلس الشورى. . بالمملكة العربية السعودية. أستاذ الثقافة الإسلامية في جامعة الملك عبد العزيز منذ تأسيسها عام ١٣٨٧ هـ. عضو اتحاد المنظمات الإسلامية العالمية. عضو اللجنة الثقافية العاملة برابطة العالم الإسلامي. من مؤلفاته: محاضرات في الثقافة الإسلامية مفتريات على الإسلام على مائدة القرآن أربعة أجزاء مكانك تحمدي استعمار وكفاح نحو سياسة عربية صريحة كرائم النساء. من مواليد عام ١٣٤٣ هـ.

стр. 114

مقارنة بين أسلوب الحديث النبوي وأسلوب القرآن الكريم مصطفى أحمد الزرقا (١) الفرق عظيم جدا بين أسلوب الحديث النبوي وأسلوب القرآن في طريقة البيان العربي. فبينهما شقة واسعة لا يشبه أحدهما الآخر لدى أهل البصر باللغة وأساليبها، وبالمأثور المألوف من بيانها قديمه وحديثه. وإن هذا التفاوت الكبير في الأسلوبين إذا أنعم الإنسان فيه النظر وكان ذا ملكة بيانية لا يترك لديه مجالا للشك والريبة في أن الحديث النبوي والقرآن صادران عن مصدرين مختلفين. فالحديث النبوي كما سنرى في نصوصه التي سنعرض أمثلتها قريبا جاء كله على الأسلوب المعتاد للعرب في التخاطب، تتجلى فيه لغة المحادثة والتفهم والتعليم والخطابة في صورها ومناهجها المألوفة لدى العرب، ويعالج جزئيات القضايا والمسائل ويجيب عنها، ويحاور ويناقش كما يتخاطب سائر الناس بعضهم مع بعض. ولكن يتميز من الكلام العربي المألوف بأن فيه لغة منتقاة غير نابية. وأن فيه إحكاما في التعبير وجمعا للمعاني المقصودة بأوجز طريق وأقربه دون حشو، مما استحق به التسمية بجوامع الكلم. فهو كلام عربي من الطراز المعتاد المألوف ولكنه على درجة عليا من أساليب البلغاء المعهودة. أما أسلوب القرآن فهو أسلوب مبتكر لا يجد الناظر فيه والسامع شبيها له فيما يعرف من كلام العرب

стр. 115

وأساليبهم. يعالج الكليات، ويفرض الأحكام، ويضرب الأمثال، ويوجه المواعظ، في عموم لا تشبهه العمومات المألوفة، وخطاب فيه من التجريد ما يجعل له طابعا منقطع النظير. وإذا أخذ كتاب تاريخ وقورن بما في القرآن من قصص تاريخي لما وجد أيضا بينهما شبه في الأسلوب ولو أنهما عالجا قصة واحدة. ولو أخذ كذلك كتاب مواعظ وأخلاق وقورن بما في القرآن من مواعظ لما كان بينهما أيضا شبه أصلا في الأسلوب ولو اتحد الموضوع. وهكذا لا يمكن أن يجد الباحث كلاما أو كتابا في اللغة العربية يمكن أن يتحد أو يتشابه أسلوبه وأسلوب القرآن. فهو صورة جديدة مبتكرة في البيان العربي جارية على قواعد العرب وطريقتهم في التركيب، ولكنه يختلف عنها كل الاختلاف فيما نسميه بالأسلوب، بحيث إنك لو خلطت سورة أو جملة آيات بمجموعة أخرى من كلام العربي لاستطعت أن تميزها منها بسهولة. (أما الحديث النبوي فأسلوبه يختلف كل الاختلاف عن أسلوب القرآن ويمكن أن يشتبه أسلوبه بأساليب البلغاء ولذلك كثيرا ما توضع الأحاديث كذبا على لسان رسول الله ﷺ من حيث لفظها ومعناها على السامع العادي ولهذا كان التحقق عن صحتها لدى رجال الحديث يكاد ينحصر في البحث عن السند). ومن المسلم به لدى أهل البصر الأدبي أنه من المتعذر على الشخص الواحد أن يكون له أسلوبان في بيانه يختلفان اختلافا كبيرا أحدهما عن الآخر ويجري كل منهما في ذاته على نسق متشابه لا يختلف في درجة بلاغته وطريقته، ويختلف عن أسلوبه الآخر اختلافا كليا، فهذا مما لم يعهد في التاريخ الأدبي المعروف. بل إذا أراد أحد الكتاب أن يخرج عن الأسلوب الذي هو متميز فيه إلى أسلوب آخر فلا بد أن يظهر فيه التكلف، ولا يمكن أن يتقن ذلك الأسلوب الثاني، فما بالك بهذا التفاوت الكلي بين أسلوب القرآن وأسلوب الحديث؟.

стр. 116

فمن يتوهم من الأجانب أن القرآن هو مجموعة من تأليف النبي ﵇ إلى جانب أحاديثه إنما منشأ وهمهم هذا عدم إمكانهم أن يتذوقوا الفارق العظيم بين الأسلوبين لكي يعرفوا إمكان وحدة المصدر فيهما أو اختلافه. هذا الاختلاف الواسع المدى بين أسلوب القرآن وأسلوب الحديث النبوي الذي يوجب الحكم باختلاف مصدرهما يتجلى واضحا لكل ذي إدراك في الأسلوب العربي وذوق في لسان العرب من المقارنة بالأمثلة الواردة منهما في موضوع واحد. فلو أننا أخذنا من القرآن آيات، ومن الحديث النبوي أحاديث في موضوع تلك الآيات نفسه، لرأينا بهذه المقارنة من اختلاف الأسلوبين الحاكم باختلاف المصدر ما فيه البرهان الكافي: ١ - فلنأخذ مثلا قول الحق جل وعلا في موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) ولننظر مقابله في المعنى نفسه قول النبي ﵊. «لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم (٢)». ٢ - ولنأخذ مثلا في موضوع الإخاء في الدين قول الله العظيم في سورة الحجرات: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٣) ولننظر مقابله في نفس المعنى قول النبي ﵇. «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه (٤)». ومعنى (يسلمه) أن يتركه لعدوه فلا يحميه ولا يمنعه منه. ٣ - ولنأخذ أيضا قول الخالق العظيم في موضوع الإخاء الإنساني العام والتآلف والتفاضل والصلاح، لا بالعرق والنسب، ولا بالمال والنسب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٥) ولننظر في المعنى نفسه أقوال النبي ﵇ التالية. «أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل

стр. 117

لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر (٢)». «من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه (٣)». «المؤمن آلف مألوف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف (٤)». ٤ - ولنأخذ أيضا قول الله سبحانه في ارتباط صلاح الحياة الاجتماعية بنظام العقوبة على الجنايات: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٥) ولننظر في مقابله قول النبي ﵇. «إقامة حد بأرض خير لأهلها من مطر أربعين صباحا (٦)». ٥ - ولنأخذ أيضا قوله سبحانه في وجوب أداء الأمانة والحكم بالعدل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٧) ولننظر في مقابلة أقوال النبي ﵇. «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك (٨)». «ما من أحد يكون على شيء من أمور هذه الأمة فلم يعدل فيهم إلا كبه الله في النار». «لا تقدس أمة لا يقضى فيها بالحق ولا يأخذ الضعيف حقه من القوي غير متعتع (٩)». وهكذا إذا تقصينا الموضوعات والمعاني التي وردت في القرآن وفي الحديث معا نجد بينهما في الأسلوب العربي هذا البون الكبير الذي يجزم معه كل ذي بصر وإنصاف أن شخصا لا يمكن أن يصدر عنه هذان الأسلوبان معا، ولكل منهما طابعه الخاص البعيد كل البعد عن الآخر، وكل منهما في ذاته وفي جميع أمثلته ونصوصه متشابه لا يختلف، بل يجري على غرار واحد فيحافظ على طريقته المتميزة، وعلى اختلافه عن غيره ذلك الاختلاف الكبير. وإنه ليتجلى من هذه الأمثلة المقارنة ومن نظائرها ما أشرنا إليه آنفا من أن أسلوب الحديث النبوي هو أسلوب التخاطب العادي المألوف بين العرب في بيانهم وأحاديثهم ومحاوراتهم وحكمهم وأحكامهم ووصاياهم، ونصائحهم، لا يخرج عن هذا السنن المألوف بينهم، وإنما يمتاز بأنه من جوامع الكلم ومن حكيم البيان

стр. 118

وفصيح اللغة، وبخلوه من الحشو ومن الصور الخطابية العاطفية التي تعتمد على العاطفة وحدها دون العقل. وبتعبير آخر: أنه يتجلى في أسلوب الحديث النبوي العقل الناطق بأبلغ وأوجز تعبير معتاد. أما أسلوب القرآن فيتجلى فيه الابتكار الذي لم يعهد له مثيل، ولا يشبهه شيء من كلام العرب في طرائق بيانه ومناهج خطابه.

стр. 119

اختلاف الأسلوب ينم عن اختلاف الذاتية هذا وإذا كان كل أسلوب بياني يشف عن ذاتية وشخصية في المتكلم فمن وراء ذلك التفاوت العظيم في أسلوبي القرآن والحديث النبوي من الوجهة البيانية يستشف القارئ والسامع تفاوتا أعظم منه في هذه الذاتية التي ينبئ عنها الكلام. فعندما تسمع القرآن تتجلى لك من خلال آياته ذاتية تتكلم من جو علو وقوة، وسطوة، وقدرة، وحكمة ورحمة. وهذه الذاتية القوية العظمى التي تتجلى من وراء أسلوب القرآن لا تضعف حتى في المواطن التي تعبر فيها عن الرحمة، وأن قوتها واحدة في جميع سوره وآياته. فهي دائما ذاتية جبارة قادرة منتقمة عادلة حكيمة رحيمة، آخذة بزمامين من الترغيب والترهيب، ذات سلطان مطلق. فانظر وتصورها مثلا من خلال نحو الآيات التالية: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (١) ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (٢) ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٣) ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٤) ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٥) ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٦) ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ (٧) ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ (٨) ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٩) ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١٠) ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١١)

стр. 120

قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ (١) ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (٢) ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (٣) أما الحديث النبوي فإنك تشعر من وراء أسلوبه بشخصية بشرية، وذاتية يعتريها الضعف والقوة فكثيرا ما تشعر من أسلوب الحديث النبوي بشخصية تعتز بهذا الضعف الذاتي أمام الله، إلى جانب اعتزازها بقوة الأمانة والثقة بالحق، ففيها ضراعة البشر وتواضع الزهاد، إلى جانب حكمة العلماء وقوة المبلغين الأمناء. فانظر وتصور هذه الشخصية في لون قوتها من خلال قول الرسول ﵇ لعمه أبي طالب حينما هددته قريش فنصحه بترك الدعوة. قال ﷺ : «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما فعلت حتى يظهره الله أو أهلك دونه». وتصورها في شعورها بالضعف الذاتي من خلال الأدعية المأثورة عن النبي ﵊ في مناجاة ربه، كقوله بعدما خرج لدعوة ثقيف وعاد بالأذى والخذلان؟ وقال: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين إلى من تكلني؟ إلى عدو يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري، إن لم تكن ساخطا علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أضاءت له السماوات والأرض، وأشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن تحل علي غضبك أو تنزل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك». وقال: «اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي وتجمع بها شملي وتلم بها شعثي وترد بها الفتن عني (٤)». وبعد فهذه مقارنة بين أسلوب القرآن وأسلوب الحديث النبوي إنما نقصد بها الموازنة بين الأسلوبين من الناحية العربية البيانية فقط، وما توحي به من اختلاف الذاتية والشخصية مما يدل على اختلاف المصادر دون النظر إلى النواحي التي يذكرها العلماء والأدباء الباحثون في وجوه إعجاز القرآن المتعددة لأنها تخرج عن موضوعنا هنا.

стр. 121

محمد محمد خليفة كعب بن مالك شاعر السيف والقلم كلمة بين ضجيج معاركنا الضارية مع الصهيونية، وفي غمرة الكفاح الرهيب لاسترداد المقدسات، وإعلاء كلمة الله، واسترجاع ما اغتصب من الأرض، ومع خفقات الألوية التي جمعتها كلمة التوحيد والتقت تحتها أصداء أصوات المجاهدين: الله أكبر الله أكبر، بين ذلك ومع هذا نقدم شاعرنا الذي جمع بين السيف والكلمة المثيرة المصورة في جهاده تحت راية رسول الله ﷺ وأبلى بلاءه مع الغازين في فتوحات الإسلام لتكون كلمة الله هي العليا. نسبه: هو كعب بن مالك بن أبي كعب، واسم ابن أبي كعب عمرو بن القين بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة ويكنى: أبا عبد الله وأبا عبد الرحمن، وأمه ليلى بنت زيد بن ثعلبة من بني سلمة، وينتهي نسبه إلى الخزرج، والخزرج والأوس الذين سكنوا المدينة ينتهي نسبهم إلى ثعلبة العنقاء بن عمرو بن عاص بن ماء السماء. وفي عامر بن ماء السماء يلتقي نسبهم مع قبيلة خزاعة التي سكنت مكة، ومع الغساسنة الذين ملكوا الشام، ومع المناذرة الذين ملكوا الحيرة. وكل أولئك نزحوا من اليمن واستوطنوا بعض جزيرة العرب. وهم من أصل قحطاني. فشاعرنا هذا من أصل يمني قحطاني.

стр. 122

ولد كعب بن مالك في المدينة قبل هجرة الإسلام إليها، وكان مولده في فترة اشتعلت فيها الحروب بين الأوس والخزرج، فتفتحت عين الوليد أول ما تفتحت على غبار المعارك يملأ دروب المدينة وتغص به بطاحها، وعلى منظر الدم تسفكه الأحقاد، وتشتفي به الأنانية، وسمع أول ما سمع صليل السيوف وصهيل الخيول وصيحات الإهابة والتحريض والإثارة وأناشيد الفخر ومقطوعات المراثي وأنات الثكالى وبكاء اليتامى. واشتد عوده بين الملاحم التي شهدها أو سمع أقاصيصها من أيام الأوس والخزرج وما أكثرها ومن بينها يوم بعاث، ويوم سميحة، ويوم الدرك، ويوم الربيع، ويوم البقيع. وكم سمع من أبيه مالك بن أبي كعب الشاعر صورا لتلك الأيام وما قيل فيها، وكم سمع من عمه قيس بن أبي كعب ما جادت به عبقريته الشاعرة في تلك المعارك. فلم يكن بدعا وقد نشأ في بيت الشعر والفروسية وبين تلك الملاحم أن يكون أحد أرباب السيف والقلم من شعراء العروبة. ولم يكن بدعا وهذا بيته أن نرى ابنه عبد الرحمن شاعرا وأن نرى ابن ابنه بشير بن عبد الرحمن شاعرا كذلك فهو واسطة العقد في بيت الشعر. ولم يكن بيت كعب وحده في المدينة هو الذي اختص بين بيوتها بقول الشعر، بل كل البيوت تفيض بالمشاعر والأحاسيس، وتتدفق بالقوافي، وذلك ما يرويه أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ فيقول: قدم علينا الرسول ﵊ وما في الأنصار بيت إلا وهو يقول الشعر، فقيل له: وأنت أبا حمزة؟ قال: وأنا. فكعب وهو ينشأ ويعيش في المدينة في وسط هذا المجتمع الشاعر وبين الملاحم المثيرة خليق به أن يكون شاعرا بل أن يكون مجيدا لأن للبيئة والوراثة أثرهما. دين المجتمع المدني: تقاسمت ذلك المجتمع الوثنية واليهودية فالوثنية يدين بها العرب من الأوس والخزرج وغيرهما ممن يعيشون في يثرب من القبائل العربية، واليهودية يدين بها بنو النضير وبنو قريظة، وبنو المصطلق وغيرهم من اليهود الذين يعيشون في المدينة وحولها. ودان كعب كقومه بالوثنية.

стр. 123

ظهور الإسلام وانتشاره في المدينة ظهر الإسلام أول ما ظهر في مكة ودعا محمد ﷺ قومه فآمن بدعوته من شرح الله صدره للإسلام ثم راح يعرض نفسه على القبائل في موسم الحج (وكان العرب يقدمون الكعبة ويحجون إليها في كل عام بعد مواسم الأسواق التي كانوا يشهدونها)، وشاء الله أن يلتقي الرسول ﷺ في مكة بستة من الخزرج عند العقبة فعرض عليهم دعوة الإسلام فقبلوها، ولما قدموا المدينة عرضوها على أقوام ففشت بينهم حتى كانت أحاديث بيوت المدنيين. وفي العام الذي يليه التقى في الموسم في مكة (عند العقبة) اثنا عشر رجلا من الأوس والخزرج برسول الله ﷺ فبايعوه وكانت هذه بيعة العقبة الأولى، وأرسل معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف ليقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين، ويصلي بهم. وأمن بالإسلام في هذه السنة الكثير من الأوس والخزرج ومن بينهم شاعرنا (كعب بن مالك).

стр. 124

أول لقاء الشاعر برسول الله ولما كان العام التالي خرج اليثربيون إلى الحج وبينهم كثرة من المسلمين فلما استقر بهم المقام خرج كعب بن مالك في صحبة البراء بن معرور يسألان عن (محمد) وما كانا يعرفانه فلقيهما رجل من أهل مكة فسألاه عنه فقال لهما: هل تعرفان العباس بن عبد المطلب؟ قالا: نعم، حيث كان يقدم على المدينة تاجرا، قال المكي: إذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس، قال كعب: فدخلنا المسجد فإذا العباس جالس ورسول الله ﷺ جالس معه، فسلمنا، ثم جلسنا إليه. فقال رسول الله للعباس: هل تعرف الرجلين يا أبا الفضل؟. قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيد قومه، وهذا كعب بن مالك. قال: رسول الله ﷺ : الشاعر؟ قال: نعم (وهذه شهادة لشاعرية كعب يشهد له بها من أوتي جوامع الكلم). ثم واعد المسلمون من الأوس والخزرج رسول الله ﷺ على اللقاء عند العقبة ليلا في أواسط أيام التشريق فلما كانت الليلة الموعودة خرجوا يتسللون إلى العقبة وعددهم ثلاثة وسبعون رجلا ومعهم امرأتان هما: نسيبة بنت كعب وأسماء بنت عمرو، ووافاهم الرسول مع عمه العباس (وكان على دين قومه).

стр. 125

وتكلم العباس فقال: إن محمدا منا في عز من قومه ومنعه في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه. فقالوا له: سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله. فتكلم رسول الله ﷺ فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم. فأخذ البراء بن معرور يده، ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق نبيا لنمنعنك مما تمنع منه أزرنا (كناية عن النساء) فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة (السلاح) ورثناها كابرا عن كابر. فقال أبو الهيثم بن التيهان: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها (يعني اليهود) فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا، فتبسم الرسول وقال: بل الدم الدم والهدم الهدم (أي ذمتي ذمتكم وحرمتي حرمتكم) أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم. ثم هاجر رسول الله ﷺ ولم يكد يقر قراره في المدينة حتى آخى بين المهاجرين والأنصار وكان نصيب كعب بن مالك (شاعرنا) من تلك المؤاخاة أخوته لطلحة بن عبيد الله.

стр. 126

الغزوات التي شهدها كعب وحينما بدأ الرسول صلوات الله وسلامه عليه غزواته ليحق الحق ويبطل الباطل، كان كعب بن مالك واحدا من أولئك البواسل الذين خاضوا مع الرسول غزواته في سبيل الله إلا غزوة بدر وتبوك، وذلك ما يحدث به كعب نفسه فيقول: ما تخلفت عن غزوة غزاها رسول الله ﷺ قط غير أني كنت قد تخلفت في غزوة بدر، وكانت غزوة لم يعاقب رسول الله أحدا تخلف عنها، وتخلفت في تبوك وكنت قويا ميسورا. .! وشهد كعب بن مالك غزوة أحد وأبلى فيها أحسن البلاء، وكان قد لبس لأمة رسول الله ﷺ ولبس الرسول لأمته، وقد جرح كعب في أحد أحد عشر جرحا وثبت على الرغم من جراحه وحينما صاح الكفار: قتل محمد، ودقت الصيحات أسماع كعب راح يفتقد القتلى والجرحى فعرف النبي ﷺ ورأى عينيه تزهران (تضيئان) من تحت المغفر، فنادى بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أبشروا

стр. 127

هذا رسول الله، فأشار إليه الرسول: أن أنصت، فلما عرف المسلمون رسول الله ﷺ نهضوا به.

стр. 128

ما نزل فيه من القرآن لقد أنزل الله في شأن كعب بن مالك قرآنا بعد تخلفه عن غزوة تبوك التي كانت بين المسلمين والروم، وكانت في الصيف حيث الحر والجدب، وحيث يهيم الناس بالأفياء ويهرعون إلى الظلال. وقد روى ابن إسحاق عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان يقود أباه حين أصيب بصره فحدثه حديث تخلفه عن تبوك قال: كان من خبري حين تخلفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك: أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر منى حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، وتجهز رسول الله وتجهز المسلمون معه، وجعلت أغدو لأتجهز معهم فأرجع ولم أقض حاجة، ثم يقول: وجعلت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ وطفت فيهم يحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا (مطعونا عليه) في النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك. فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه والنظر في عطفيه. فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا منه إلا خيرا. فسكت رسول الله فلما قفل الرسول من تبوك دخل المسجد وصلى ركعتين، ثم جاءه المخلفون، فجعلوا يحلفون له ويعتذرون فيقبل منهم، حتى جلس كعب بين يديه. فقال له الرسول: ما خلفك؟ ألم تكن ابتعت ظهرك؟ قال كعب: قلت: يا رسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم كذبا لترضين عني، وليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديثا صدقا تجد علي فيه، إني لأرجو عقباي من الله. فقال الرسول: قم حتى يقضي الله فيك، وكان معه في مثل موقفه: مرارة بن الربيع، وهلال بن أبي أمية.

стр. 129

وكان كعب بن مالك بعد ذلك يخرج إلى الصلوات، ويطوف بالأسواق، وكان الرسول ﵊ قد نهى المسلمين عن كلام هؤلاء الثلاثة، ولكن كعب بن مالك كان يصلي في المسجد مع الرسول، ويسارقه النظر والرسول يعرض عنه، وطالت مقاطعة المسلمين لهم. ولما علم ملك غسان بذلك أرسل إلى كعب يطلب منه النزوح إلى الشام ليعيش في كنفه حيث يلتقي بملك غسان نسبا في عامر بن ماء السماء، ولكن كعبا أحرق الرسالة. وبعد انقضاء أربعين يوما على تلك المقاطعة جاءه رسول رسول الله يبلغه أن الرسول يأمره باعتزال زوجته، فاعتزلها، وبعد انقضاء خمسين يوما من بدء المقاطعة ضاقت فيها نفسه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وكان قد ابتنى خيمة له في ظهر سلع. سمع صوتا يناديه: يا كعب بن مالك أبشر، فخر ساجدا لله، ثم نزل إلى المسجد فتلقاه الناس في طريقه بالفرح والتهنئة حتى سلم على رسول الله ﷺ . فقال له الرسول: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك. قال كعب: قلت أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال الرسول: بل من عند الله. قال كعب: يا رسول الله إن توبتي إلى الله أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله. قال الرسول: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك، ثم تلا الرسول: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١) ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٢) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣) وبهذا تاب الله على كعب بن مالك وصاحبيه بعد عذاب نفسي قضوا فيه خمسين يوما بل عانوا منه منذ خروج الرسول إلى تبوك وتخلفهم عنه حتى ضاقت عليهم الأرض وضاقت عليهم أنفسهم، وكانت توبة الله عليهم فأخرجتهم من الضيق إلى فرج الحياة يعيشون فيه مع الصادقين المتقين.

стр. 130

روايته الحديث روى كعب بن مالك عن النبي ﷺ كثيرا من الأحاديث، وكل بني كعب قد روى عنه ما سمعه وما رآه من أفعال الرسول. ومما رواه حفيده عن أبيه أن كعب بن مالك كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال. «والذي نفسي بيده لكأنما تنضحونهم بالنبل بما تقولون لهم من الشعر (١)». (وكأنما يرى رسول الله ﷺ أن هجاء كعب وحسان وابن رواحة لقريش - حين عبأت شعراءها لهجائه فعبأ الرسول لهم هؤلاء - كأنما يرى في هجائهم لقريش قوة فتك النبال في النيل من النفوس). وربما كان طعن النفس أشد أثرا من طعن الجسد.

стр. 131

مواقفه من الفتنة الكبرى كانت الفتنة التي مني بها المسلمون في عهد عثمان أخطر فتنة مزقت وحدة المسلمين في بدء قيام أمتهم الكبيرة. وكان بين كعب وعلي حوار في أمر عثمان وقتله، ولم يقتنع برأي علي فاعتزله: وله شعر يحرض فيه الأنصار على نصرة عثمان ويؤنبهم على خذلانهم له ومنه قوله: فلو حلتم من دونه لم يزل لكم ... مدى الدهر عز لا يبوح ولا يسري ولم تقعدوا والدار كاب دخانها ... يحرق فيها بالسعير وبالجمر وكان كعب أحد من عاون عثمان على المصريين وشهر سلاحه، فلما ناشد عثمان الناس أن يغمدوا سيوفهم انصرف كعب، ولم ير أن الأمر يخلص إليه، ولا يجترئ القوم على قتله، فلما قتل وقف كعب على مجلس الأنصار في مسجد الرسول فأنشد: من مبلغ الأنصار عني آية ... رسلا تقص عليهم التبيانا حتى يقول:

стр. 132

حتى إذا خلصوا إلى أبوابه ... دخلوا عليه صائما عطشانا الله يعلم أنني لم أرضه ... لكم صنيعا يوم ذاك وشانا والله لو شهد ابن قيس ثابت ... ومعاشر كانوا له إخوانا وأبو دجانة وابن أقرم ثابت ... وأخو المشاهد من بني عجلانا قوم يرون الحق نصر أميرهم ... ويرون طاعة أمره إيمانا وقد عمر كعب حتى مات في خلافة معاوية.

стр. 133

كعب بن مالك أحد شعراء الرسول كان كعب بن مالك أحد الشعراء المخضرمين وهو من شعراء المدر الذين عاشوا في المدينة فتأثروا، بأجوائها وطبيعتها وما في مجتمعاتها، وما اكتسبته من وقوعها في طريق تجارة الجزيرة العربية والشام وكان واحدا ممن شدوا بالشعر من أهل المدينة، فلما أسلم كان أحد شعراء الرسول الذين نافحوا ووهبوا ألسنتهم للذود عنه وهم حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وتولى ابن رواحة تعيير قريش بالكفر وعبادة ما لا يضر ولا ينفع، أما حسان وكعب فقد أخذا يعارضان شعراء قريش، ويردان على ما يقولون في المعارك والأيام، ويذكران مثالب قريش، وكانت قريش قد عبأت لهجاء الرسول: عبد الله بن الزبعرى، وأبا سفيان بن الحارث وضرار بن الخطاب، وعمرو بن العاص. ولم تنم شاعرية كعب عن هجاء قريش قبل إسلامها، كما لم تهدأ عن هجاء يهود المدينة بعد أن نقضوا عهودهم وغدروا وخانوا، كما كان لشاعرية كعب أثرها في إرهاب قبائل العرب التي لم تسلم. ومن شر ما قيل في قريش قول كعب: زعمت سخينة أن ستغلب ربها ... فليغلبن مغالب الغلاب (والسخينة طعام من اللبن أغلظ من الحساء) وقد عيرت به قريش حتى سموا سخينة، ولما سمع رسول الله ﷺ البيت قال: لقد شكرك الله يا كعب على قولك هذا. وقد حدثوا أن قبيلة دوس أسلمت خوفا من المسلمين حينما بلغها قول كعب: قضينا من تهامة كل وتر ... وخيبر ثم أغمدنا السيوفا نخيرها ولو نطقت فقالت ... قواطعهن: دوسا أو ثقيفا

стр. 134

موضوعات شعره في الإسلام كان أهم ما خاضت فيه شاعرية كعب من موضوعات شعره في الإسلام هو الغزوات والمراثي، وخلال هذين الغرضين ساق الفخر والرد على المعارضين من شعراء قريش وتناول الهجاء وإن كان لم يصل فيه إلى الأعماق كما وصل حسان، كما توعد وهدد الشانئين، وحينا نراه في بعض أبياته مؤرخا، وحقائق التاريخ لا تجتمع مع الجمال الفني الذي يتطلبه الشعر، وكثيرا ما حرض، وأثار النفوس إلى البذل وذلك في تصويره للغزوات، وقدم في مراثيه مشاعر النفس الحزينة الجريحة حين يبكي أخا مسلما وأروع ما قدم في ذلك السبيل مراثيه في حمزة وقتلى مؤتة. وإليكم بعض النماذج لما قدمته شاعرية كعب بن مالك في الموضوعات المختلفة وعقب كل قطعة شرح بعض المفردات اللغوية التي قد لا تدرك مع تعليق موجز يوضح بعض ما تناولته الأبيات، وذلك إذا كان فيها شيء من الغرابة على أجيالنا، وقد يضطرنا الموقف إلى ذكر بعض أبيات لشاعر قرشي يستدعيها رد شاعرنا عليه.

стр. 135

الفخر والرد لقد آوى الأنصار رسول الله ﷺ وآزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه ومن ثم نرى كعب بن مالك يفخر كثيرا بقومه الأوس والخزرج وبمواقفهم حول رسول الله ﷺ وأنهم كانوا معقلا له يحميه من كل عدوان، وكثيرا ما تصدى للرد على شعراء قريش فيما يقولون، فحين يدعي ضرار بن الخطاب شاعر قريش أن نصر المسلمين في بدر كان مرجعه إلى القرشيين المهاجرين وعلى رأسهم محمد ليطعن بذلك المنزلة الحربية التي كانت للأنصار فيقول: فإن تظفروا في يوم بدر فإنما ... بأحمد أمسى جدكم وهو ظاهر وبالنفر الأخيار هم أولياؤه ... يحامون في اللأواء والموت حاضر بعد أبو بكر وحمزة فيهم ... ويدعى علي وسط من أنت ذاكر ويدعى أبو حفص وعثمان فيهم ... وسعد إذا ما كان في الحرب حاضر أولئك لا من نتجت في ديارها ... بنو الأوس والنجار حين تفاخر ولكن أبوهم من لؤي وغالب ... إذا عدت الأنساب كعب وعامر

стр. 136

اللأواء: الشدة. فيجيبه كعب بن مالك من قصيدة طويلة: قضي يوم بدر أن نلاقي معشرا ... بغوا وسبيل البغي بالناس جائر وقد حشدوا واستنفروا من يليهم ... من الناس حتى جمعهم متكاثر وسارت إلينا لا تحاول غيرنا ... بأجمعها كعب جميعا وعامر وفينا رسول الله والأوس حوله ... له معقل منهم عزيز وناصر وجمع بني النجار تحت لوائه ... يمشون في الماذي والنقع ثائر الماذي: بتشديد الياء: الدرع، النقع: الغبار. بهذه الأبيات يبين كعب بغي قريش، وأنها حشدت واستنفرت وسارت بكل من تناسل من كعب وعامر تريد بذلك القضاء على الأوس والخزرج، وقد كانت الأوس المعقل الذي احتمى به رسول الله ﷺ فهم الذين آزروه ونصروه، وقد استظلت جموع بني النجار (وهم من الخزرج) بلوائه ومشوا في دروعهم وسط الغبار المتكاثف يصدون الجموع الكثيفة التي ألقت بها إليهم لؤي: من كعب وعامر. وسكت كعب عن ذكر الأبطال القرشيين المسلمين الذين ذكرهم ضرار فلم يتناول مواقفهم وبطولاتهم بل لم يذكر للمهاجرين موقفا في قصيدته هذه، ولم يكن كعب يقصد بهذا السكوت الغض من شأن المهاجرين أو الإنقاص من مواقفهم في بدر ولكن الرد على ضرار هو الذي فرض على كعب هذا الموقف. وفي أبيات أخرى يفخر بالقوة الضاربة للمسلمين تلك القوة التي ضربت عظماء لؤي وحلفاءهم فهووا لمناخرهم حيث يكر المسلمون، وداس المسلمون بالصوارم أبناء لؤي وحلفاءهم فقال: ضربناهم حتى هوى في مكرنا ... لمنخر سوء من لؤي عظيمها فولوا ودسناهم ببيض صوارم ... سواء علينا حلفها وصميمها الحلف: الحليف، والصميم: من يرجع إلى لؤي أصلا. ويسترسل كعب في مفاخره فيفخر بالفضائل التي عرف بها الأنصار: فهم لا يرون القتل عارا على من يحمي حماه، وهم صبر على الحوادث لا يبكون على هالك يموت في المعارك، وهم أبناء الحرب لا يجزعون مما تجره من ويلات.

стр. 137

ولا يفحشون إن ظفروا ولا يتوجعون إن مسهم قرح فيقول: ونحن أناس لا نرى القتل سبة ... على كل من يحمي الذمار ويمنع جلاد على ريب الحوادث لا نرى ... على هالك عينا لنا الدهر تدمع بنو الحرب لا نعيا بشيء تقوله ... ولا نحن مما جرت الحرب نجزع بنو الحرب إن نظفر فلسنا بفحش ... ولا نحن من أظفارها نتوجع وكم من صورة أزجتها شاعرية كعب تتدفق بمفاخر الأنصار، وتحمل ما تحمل من تهديد للمشركين بالضربات السريعة التي يلاقونها من أولئك المحيطين برسول الله ممن أعدوا للحروب سرابيل تقيهم وهم من أصل الغساسنة (وكثيرا ما افتخر كعب بهذا النسب) وقد طالت حمائل سيوفهم، وهم ليسوا بالجبناء، ولا ممن فقدوا التروس والرماح وإنهم ليمشون في ظلمات غبار المعارك كما تمشي فحول الإبل البيض التي يمشي بعضها إثر بعض، أو كما تمشي أسود الطل وقد بللها الرذاذ الذي أثارته ريح الشمال، وهم في دروع سابغة محكمة تلمع كالغدير والقائم بها كالنهر الأبيض، تلك هي الصور التي يقدمها فيفخر بها ويهدد ويرهب، ويثير الرعب في قلوب المناوئين فيقول: ولو هبطتم ببطن السيل كافحكم ... ضرب بشاكلة البطحاء ترعيل تلقاكم عصب حول النبي لهم ... مما يعدون للهيجا سرابيل من جذم غسان مسترخ حمائلهم ... لا جبناء ولا ميل معازيل يمشون تحت عمايات القتال كما ... تمشي المصاعبة الأدم المراسيل أو مثل مشي أسود الطل ألثقها ... يوم رذاذ من الجوزاء مشمول في كل سابغة كالنهي محكمة ... قيامها فلج كالسيف بهلول الشاكلة: الطرف، الترعيل: الضرب السريع، الهيجاء: الحرب وقصر للضرورة الشعرية، السرابيل: جمع سربال: القميص أو الدرع أو كل ما يلبس، الجذم بكسر الجيم: الأصل، الحمائل: علائق السيوف، الميل بكسر الميم جمع أميل: وهو من لا ترس له، والمعازيل: من لا رماح معهم، العمايات: الظلمات، المصاعبة: فحول الإبل، الأدم بضم الهمزة: الإبل البيض، المراسيل: التي يمشي بعضها إثر بعض، الطل: المطر الخفيف، ألثقها: بللها، الرذاذ: المطر الضعيف، الجوزاء: نجم، المشمول: الذي هبت فيه ريح الشمال، السابغة: الدرع، النهي: بكسر النون المشددة: النهر، قيامها: القائم بها، الفلج: النهر، البهلول: بضم الباء: الأبيض.

стр. 138

وما أكثر ما تغنى الشاعر ببسالة قومه في الغزوات حتى وهو في موطن الرثاء ففي إحدى مرثياته لحمزة شهيد أحد يقول: غداة أجابت بأسيافها ... جميعا بنو الأوس والخزرج فما برحوا يضربون الكماة ... ويمضون في القسطل المرهج القسطل: الغبار، المرهج: الذي علا في الجو. ولم يقصر كعب فخره بقومه على مواقفهم في الحروب بل افتخر بهم في السلم حين تجدب الأرض ويجف الزرع والضرع فتراهم الكرماء وذلك في قوله: فإن تسألي ثم لا تكذبي ... يخبرك من قد سألت اليقينا بأنا ليالي ذات العظام ... كنا ثمالا لمن يعترينا تلوذ البجود بأذرائنا ... من الضر في أزمات السنينا الليالي ذات العظام: ليالي الجوع التي تجمع فيها العظام وتطبخ لاستخراج ودكها فيؤتدم به، الشمال: الغياث، يعترينا: يزورنا، تلوذ: تلجأ، البجود: جماعات الناس، الأذراء: الأكناف، الأزمات: الشدائد. وهكذا يخاطب من يخاطب محبوبة أو غير محبوبة أنها إذا سألت عن قومه هنالك لا تكذب بل تخبر باليقين الذي تعرفه عن قومه، فهم الغوث لكل من يزورهم في تلك الليالي القاسية التي يجمع فيها الناس العظام ليطبخوها حيث فقدوا اللحم، وما أشد هذه الأيام التي تلجأ فيها جموع الناس إلى أكناف بيوتهم خوفا من الضر الذي يحيق بهم في السنين الشديدة التي لا تحتمل مجاعاتها. حسبنا ما قدمنا من نماذج فخر كعب بقومه.

стр. 139

شعر الوعيد والتهديد كان لانتصار المسلمين في أول غزوة التقوا فيها بالمشركين أثره في رفع معنوية المسلمين، فانطلق شعراؤهم على أثرها يهددون ويتوعدون أعداء الله. وكم جاش هذا اللون خلال القصائد التي سيقت في مختلف الأغراض، وهذا نموذج من الوعيد يسوقه كعب فيهدد قريشا بجيوش المسلمين التي ستغزوهم في عقر دورهم وتطلع عليهم من (كداء) وهو موضع

стр. 140

بمكة وبين الجيوش جبريل وميكال وأشراف القوم وكأنه بهذا يخيف قريشا ويبين لها أنها لا تحارب المهاجرين والأنصار وحدهم بل معهم ملائكة السماء. وأنى لقريش أن تتصدى لمعارك فيها ملائكة الله، وهو بهذا يشير إلى ما جاء في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١) ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ (٢) ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ (٣) فيقول كعب: فلا تعجل أبا سفيان وارقب ... جياد الخيل تطلع من كداء بنصر الله روح القدس فيها ... وميكال فيا طيب الملاء الملاء: الملأ وهم أشراف القوم.

стр. 141

الهجاء لقد كان الجبن منقصة عند العرب، وكان الرضا بالذل وصمة، وكان عدم كسب مواقف البطولة معرة ومن تلك الأبواب يلج الشعراء إلى هجاء من يريدون هجاءه وذلك ما اتجه إليه كعب في هجاء ابن الزبعري في قوله: فسل عنك في عليا معد وغيرها ... من الناس من أخزى مقاما وأشنع ومن هو لم تترك له الحرب مفخرا ... ومن خده يوم الكريهة أضرع الكريهة: الحرب، الأضرع: الذليل. وقدمنا قوله في هجاء قريش: جاءت سخينة كي تغالب ربها ... فليغلبن مغالب الغلاب

стр. 142

إبراز صفات المسلمين في المعارك وإعدادهم لها اتسم المسلمون في معاركهم مع عدو الله تحت راية رسول الله بصفات عني الشعراء بإبرازها، وشغل الحديث عنها مشاعرهم وقوافيهم.

стр. 143

(أ) وكان الصبر في المواقف وعدم الفرار حين يستحر القتال من الصفات التي عرف بها المسلمون وصورها كعب في قوله: صبرنا لهم والصبر منا سجية ... إذا طارت الأبرام نسمو ونرتق على عادة تلكم جرينا بصبرنا ... وقدما لدى الغايات نجري فنسبق الأبرام: اللئام، نرتق: نصلح. (ب) حب الاستشهاد في سبيل الله والحق، وفي ذلك يقول كعب: إن تقتلونا فدين الحق فطرتنا ... والقتل في الحق عند الله تفضيل وقوله: فخرتم بقتلى أصابتهم ... فواضل من نعم المفضل فاعتبر القتل في سبيل الله نعمة تفضل الله بها على الشهداء. وبين مكانة شهيد الإسلام وقتيل الكفر في قوله: شتان من هو في جهنم ثاويا ... أبدا ومن هو في الجنان مخلد (جـ) ملاقاة الشجعان وبذل الغالي من الأموال في الدفاع عن الأحساب، فقال: جلاد الكماة وبذل التلاد ... عن جل أحسابنا ما بقينا (د) إعداد العدة: عرف العرب في جاهليتهم بالغارة وحب الفتك، وكثيرا ما تغنوا ببطولاتهم، فلما جاء الإسلام هذب طباعهم ونظم شمائلهم، فتجلت ضروب الشجاعة ولكنها لم تكن لحب الفتك وإراقة الدم للتشفي بل لخير الإنسان والإنسانية، ومن ثم أعدوا للمعارك الإسلامية العدة من سلاح وعتاد قبل خوضها ولم يجبنوا عند لقاء الأعداء، أو يفروا عند الزحف. ومن أروع ما قيل في التقدم في المعارك قول كعب بن مالك: نصل السيوف إذا قصرن بخطونا ... قدما ونلحقها إذا لم تلحق فترى الجماجم ضاحيا هاماتها ... بله الأكف كأنها لم تخلق ونعد للأعداء كل مقلص ... ورد ومحجول القوائم أبلق

стр. 144

تردي بفرسان كأن كماتهم ... عند الهياج أسود طل ملثق صدق يعاطون الكماة حتوفهم ... تحت العماية بالوشيج المزهق أمر الإله بربطها لعدوه ... في الحرب إن الله خير موفق الجماجم: الرءوس، ضاحيا: بارزا للشمس، بله: اسم فعل بمعنى: اترك، المقلص: الفرس الخفيف، الورد من الخيل: بين الكميت والأشقر، التحجيل: بياض في قوائم الفرس كلها ويكون في رجلين ويد وفي رجلين فقط وفي رجل فقط ولا يكون في اليدين خاصة، البلق: سواد وبياض وارتفاع التحجيل إلى الفخذين، تردي بفتح التاء: تسرع، الكماة: الشجعان، الطل: المطر الضعيف، ملثق: فيه زلق وطين والأسود عند ذاك تكون أشد هياجا، العطو: التناول، الحتف: الموت، العماية: سحابة الغبار وظلمته، الوشيج: الرماح، المزهق: المذهب للنفوس. وحول الإعداد للمعارك يدور كثير من شعر كعب بن مالك فيقول في إحدى قصائده: أجيبونا إلى ما نجتديكم ... من القول المبين والسداد والإ فاصبروا لجلاد يوم ... لكم منا إلى شطر المذاد نصبحكم بكل أخي حروب ... وكل مطهم سلس القياد وكل طمرة خفق حشاها ... تدف دفيف صفراء الجراد وكل مقلص الآراب نهد ... تميم الخلق من أخرى وهادي ينازعن الأعنة مصغيات ... إذا نادى إلى الفزع المنادي الاجتداء: الطلب، الشطر: الناحية، المذاد: موضع بالمدينة، المطهم: الفرس التام الخلق، الطمرة: بتشديد الطاء المكسورة وتشديد الراء المفتوحة: الفرس الجواد، دف الطائر: حرك جناحيه، المقلص: الشديد الآراب: قطع اللحم، النهد بتشديد النون المفتوحة: الغليظ، الهادي: العنق، الأعنة: اللجم. يطلب الشاعر من الأعداء الصبر على جلاد يوم يجتمعون فيه ناحية المذاد حيث يصبحون هناك بكل مؤاخ للحروب مدرب على أهوالها وبكل جواد سلس وبكل فرس كذلك تتحرك كأنها الجراد وبكل شديد اللحم مكتنز ضخم العنق، وكل تلك الخيول تنازعنا الأعنة وهي مصغية حينما تسمع صوت المنادي وكأنما دربت على الانطلاق حينما تسمعه إلى حيث مصدره.

стр. 145

شعر الغزوات بين جيوش المؤمنين الذين عاهدوا الله ورسوله على البذل، وتحت ألوية التوحيد غزا كعب بن مالك وشهد غزوات الرسول الله ﷺ غير بدر وتبوك، غزا ومعه سيفه الصارم ولسانه البتار وقلمه المصور، غزا فأبلى وأحسن البلاء فكما أرسل مهنده وسنانه أرسل لسانه يصور، ويتحدث عن الإسلام وما جاء به، وما يدعو إليه، وتوعد الجاحدين بالقوة الإلهية التي تجتاح المعاندين، وفي بعض شعره في الغزوات تراه المؤرخ الذي يذكر أسماء القتلى في المعارك. وما كان يهدأ غبار المعارك حتى يسترجع خواطره وما فيها من صور ثم يترجم الصور والمشاهد شعرا عاش على الزمن حيا ينقل للأجيال صور المعارك الإسلامية وما كان فيها من بطولات، وكثيرا ما هزته نشوة الانتصار في بدر فرجع إليها يستثير بها الهمم، ويكشف ظفر القلة المؤمنة على الكثرة الباغية، ومما قال في بدر وتعرض فيه لذكر أسماء رءوس الكفر الذين صرعهم المسلمون قوله: وقد عربت بيض خفاف كأنها ... مقاييس يزهيها لعينيك شاهر فكب أبو جهل صريعا لوجهه ... وعتبة قد غادرنه وهو عاثر وشيبة والتيمي غادرن في الوغى ... وما منها إلا بذي العرش كافر فأمسوا وقود النار في مستقرها ... وكل كفور في جهنم صائر تلظى عليهم وهي قد شب حميها ... بزبر الحديد والحجارة ساجر وكان رسول الله قد قال اقبلوا ... فولوا وقالوا إنما أنت ساحر البيض: السيوف، تلظى: تلهب، شب: أوقد، زبر الحديد: قطعه، الساجر: الموقد. وفي الأبيات الثلاثة الأخيرة ساق معاني قرآنية لا تخفى على القارئ. ومن قصيدة طويلة له في أحد قال: فجئنا إلى موج من البحر وسطه ... أحابيش منهم حاسر ومقنع ثلاثة آلاف ونحن نصية ... ثلاث مئين إن كثرنا وأربع نغاورهم تجري المنية بيننا ... نشارعهم حوض المنايا ونشرع تهاوي قسي النبع فينا وفيهم ... وما هو إلا اليثربي المقطع ومنجوفة حرمية صاعدية ... يذر عليها السم ساعة تصنع تصوب بأبدان الرجال وتارة ... تمر بأعراض البصار تقعقع
следующие страницы →