← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الهجاء لقد كان الجبن منقصة عند العرب، وكان الرضا بالذل وصمة، وكان عدم كسب مواقف البطولة معرة ومن تلك الأبواب يلج الشعراء إلى هجاء من يريدون هجاءه وذلك ما اتجه إليه كعب في هجاء ابن الزبعري في قوله: فسل عنك في عليا معد وغيرها ... من الناس من أخزى مقاما وأشنع ومن هو لم تترك له الحرب مفخرا ... ومن خده يوم الكريهة أضرع الكريهة: الحرب، الأضرع: الذليل. وقدمنا قوله في هجاء قريش: جاءت سخينة كي تغالب ربها ... فليغلبن مغالب الغلاب

стр. 142

إبراز صفات المسلمين في المعارك وإعدادهم لها اتسم المسلمون في معاركهم مع عدو الله تحت راية رسول الله بصفات عني الشعراء بإبرازها، وشغل الحديث عنها مشاعرهم وقوافيهم.

стр. 143

(أ) وكان الصبر في المواقف وعدم الفرار حين يستحر القتال من الصفات التي عرف بها المسلمون وصورها كعب في قوله: صبرنا لهم والصبر منا سجية ... إذا طارت الأبرام نسمو ونرتق على عادة تلكم جرينا بصبرنا ... وقدما لدى الغايات نجري فنسبق الأبرام: اللئام، نرتق: نصلح. (ب) حب الاستشهاد في سبيل الله والحق، وفي ذلك يقول كعب: إن تقتلونا فدين الحق فطرتنا ... والقتل في الحق عند الله تفضيل وقوله: فخرتم بقتلى أصابتهم ... فواضل من نعم المفضل فاعتبر القتل في سبيل الله نعمة تفضل الله بها على الشهداء. وبين مكانة شهيد الإسلام وقتيل الكفر في قوله: شتان من هو في جهنم ثاويا ... أبدا ومن هو في الجنان مخلد (جـ) ملاقاة الشجعان وبذل الغالي من الأموال في الدفاع عن الأحساب، فقال: جلاد الكماة وبذل التلاد ... عن جل أحسابنا ما بقينا (د) إعداد العدة: عرف العرب في جاهليتهم بالغارة وحب الفتك، وكثيرا ما تغنوا ببطولاتهم، فلما جاء الإسلام هذب طباعهم ونظم شمائلهم، فتجلت ضروب الشجاعة ولكنها لم تكن لحب الفتك وإراقة الدم للتشفي بل لخير الإنسان والإنسانية، ومن ثم أعدوا للمعارك الإسلامية العدة من سلاح وعتاد قبل خوضها ولم يجبنوا عند لقاء الأعداء، أو يفروا عند الزحف. ومن أروع ما قيل في التقدم في المعارك قول كعب بن مالك: نصل السيوف إذا قصرن بخطونا ... قدما ونلحقها إذا لم تلحق فترى الجماجم ضاحيا هاماتها ... بله الأكف كأنها لم تخلق ونعد للأعداء كل مقلص ... ورد ومحجول القوائم أبلق

стр. 144

تردي بفرسان كأن كماتهم ... عند الهياج أسود طل ملثق صدق يعاطون الكماة حتوفهم ... تحت العماية بالوشيج المزهق أمر الإله بربطها لعدوه ... في الحرب إن الله خير موفق الجماجم: الرءوس، ضاحيا: بارزا للشمس، بله: اسم فعل بمعنى: اترك، المقلص: الفرس الخفيف، الورد من الخيل: بين الكميت والأشقر، التحجيل: بياض في قوائم الفرس كلها ويكون في رجلين ويد وفي رجلين فقط وفي رجل فقط ولا يكون في اليدين خاصة، البلق: سواد وبياض وارتفاع التحجيل إلى الفخذين، تردي بفتح التاء: تسرع، الكماة: الشجعان، الطل: المطر الضعيف، ملثق: فيه زلق وطين والأسود عند ذاك تكون أشد هياجا، العطو: التناول، الحتف: الموت، العماية: سحابة الغبار وظلمته، الوشيج: الرماح، المزهق: المذهب للنفوس. وحول الإعداد للمعارك يدور كثير من شعر كعب بن مالك فيقول في إحدى قصائده: أجيبونا إلى ما نجتديكم ... من القول المبين والسداد والإ فاصبروا لجلاد يوم ... لكم منا إلى شطر المذاد نصبحكم بكل أخي حروب ... وكل مطهم سلس القياد وكل طمرة خفق حشاها ... تدف دفيف صفراء الجراد وكل مقلص الآراب نهد ... تميم الخلق من أخرى وهادي ينازعن الأعنة مصغيات ... إذا نادى إلى الفزع المنادي الاجتداء: الطلب، الشطر: الناحية، المذاد: موضع بالمدينة، المطهم: الفرس التام الخلق، الطمرة: بتشديد الطاء المكسورة وتشديد الراء المفتوحة: الفرس الجواد، دف الطائر: حرك جناحيه، المقلص: الشديد الآراب: قطع اللحم، النهد بتشديد النون المفتوحة: الغليظ، الهادي: العنق، الأعنة: اللجم. يطلب الشاعر من الأعداء الصبر على جلاد يوم يجتمعون فيه ناحية المذاد حيث يصبحون هناك بكل مؤاخ للحروب مدرب على أهوالها وبكل جواد سلس وبكل فرس كذلك تتحرك كأنها الجراد وبكل شديد اللحم مكتنز ضخم العنق، وكل تلك الخيول تنازعنا الأعنة وهي مصغية حينما تسمع صوت المنادي وكأنما دربت على الانطلاق حينما تسمعه إلى حيث مصدره.

стр. 145

شعر الغزوات بين جيوش المؤمنين الذين عاهدوا الله ورسوله على البذل، وتحت ألوية التوحيد غزا كعب بن مالك وشهد غزوات الرسول الله ﷺ غير بدر وتبوك، غزا ومعه سيفه الصارم ولسانه البتار وقلمه المصور، غزا فأبلى وأحسن البلاء فكما أرسل مهنده وسنانه أرسل لسانه يصور، ويتحدث عن الإسلام وما جاء به، وما يدعو إليه، وتوعد الجاحدين بالقوة الإلهية التي تجتاح المعاندين، وفي بعض شعره في الغزوات تراه المؤرخ الذي يذكر أسماء القتلى في المعارك. وما كان يهدأ غبار المعارك حتى يسترجع خواطره وما فيها من صور ثم يترجم الصور والمشاهد شعرا عاش على الزمن حيا ينقل للأجيال صور المعارك الإسلامية وما كان فيها من بطولات، وكثيرا ما هزته نشوة الانتصار في بدر فرجع إليها يستثير بها الهمم، ويكشف ظفر القلة المؤمنة على الكثرة الباغية، ومما قال في بدر وتعرض فيه لذكر أسماء رءوس الكفر الذين صرعهم المسلمون قوله: وقد عربت بيض خفاف كأنها ... مقاييس يزهيها لعينيك شاهر فكب أبو جهل صريعا لوجهه ... وعتبة قد غادرنه وهو عاثر وشيبة والتيمي غادرن في الوغى ... وما منها إلا بذي العرش كافر فأمسوا وقود النار في مستقرها ... وكل كفور في جهنم صائر تلظى عليهم وهي قد شب حميها ... بزبر الحديد والحجارة ساجر وكان رسول الله قد قال اقبلوا ... فولوا وقالوا إنما أنت ساحر البيض: السيوف، تلظى: تلهب، شب: أوقد، زبر الحديد: قطعه، الساجر: الموقد. وفي الأبيات الثلاثة الأخيرة ساق معاني قرآنية لا تخفى على القارئ. ومن قصيدة طويلة له في أحد قال: فجئنا إلى موج من البحر وسطه ... أحابيش منهم حاسر ومقنع ثلاثة آلاف ونحن نصية ... ثلاث مئين إن كثرنا وأربع نغاورهم تجري المنية بيننا ... نشارعهم حوض المنايا ونشرع تهاوي قسي النبع فينا وفيهم ... وما هو إلا اليثربي المقطع ومنجوفة حرمية صاعدية ... يذر عليها السم ساعة تصنع تصوب بأبدان الرجال وتارة ... تمر بأعراض البصار تقعقع

стр. 146

وخيل تراها بالفضاء كأنها ... جراد صبا في قرة يتريع فلما تلاقينا ودارت بنا الرحي ... وليس لأمر حمه الله مدفع ضربناهم حتى تركنا سراتهم ... كأنهم بالقاع خشب مصرع النصيحة: خيار القوم، المناورة: المداولة، نشارعهم: نشاربهم، ونشرع: نشرب، النبع: شجر تصنع منه القسي، اليثربي: الأوتار نسبة إلى يثرب، المنجوفة: السهام، الحرمية: نسبة إلى الحرم وأهله، الصاعدية: نسبة إلى صاعد صانعها، البصارة: حجارة لينة، تقعقع: تصوت، الصبا: ريح شرقية، يتريع: يجيء ويذهب، حمه الله: قدره، سراتهم: خيارهم، القاع: ما انخفض من الأرض. في هذه الأبيات يصور الشاعر جيش قريش في كثرته الزاخرة، وكأن المسلمين لقوا به بحرا مائجا يتوسطه الأحابيش من عبيدهم بين حاسر ومقنع، وكان عدد المشركين ثلاثة آلاف (وهذا نص شعري يتلاقى مع النص التاريخي) أما المسلمون فكانوا ثلاث مئين وأربع من خيار القوم. وصور الشاعر حركة المعركة بين الجيشين وهما يتداولان التقدم والتقهقر والمنية تجري بينهم فتنهش أظفارها من تناله، والمسلمون يسوقون أعداء الله إلى أحواض المنايا تارة ويساقون تارة، والقسي تعمل عملها بين هؤلاء وأولئك، وللأوتار اليثربية والسهام الحرمية الصاعدية التي ذر عليها السم أثناء صنعها عملها في الأجساد وهي تقع تارة بأبدان الرجال فتمزقها وتارة تخيب فتنطلق بين الأحجار اللينة تصوت، والخيل تنطلق كأنها جراد ريح شرقية تجيء وتذهب في بردها، وحينما دارت الرحى والتقى الجيشان ونزل بالقوم أمر الله الذي لا عاصم منه ضرب المسلمون المشركين حتى تركوا أخبارهم وهم خشب مصرعة. وله في أحد كثير من القصائد بل الروائع وحسبنا مما قال الأبيات التالية: ويوم له وهج دائم شديد التهاول حامي الأرينا طويل شديد أوار القتال ... تنفي قواحزه المقرفينا تحال الكماة بأعراضه ... ثمالا على لذة منزفينا تعاور أيمانهم بينهم ... كئوس المنايا بحد الظبينا شهدنا فكنا أولي بأسه ... وتحت العماية والمعلمينا بخرس الحسيس حسان رواء ... وبصرية قد أجمن الجفونا فما ينفللن وما ينحنين ... وما ينتهين إذا ما نهينا

стр. 147

الوهج: الحرب، التهاول: الهول، الأرين: جمع إرة: مستوقد النار، الأوار: لهب الحرب، القواحز من القحز: وهو القلق، المقرفون: اللئام، الكماة جمع كمن وهو الشجاع المستتر في سلاحه، الأعراض: النواحي، الثمال: السكارى، المنزفون: الذين أنزفت الخمر عقولهم، التعاور: التداول، الظبينا: جمع ظبة: وهي حد السيف، العماية: السحابة أو ظلمة الغبار، المعلمون: من يعلمون أنفسهم في الحرب بعلامة تحديا للأعداء، الخرس: التي لا صوت لها ويقصد السيوف والرواء بالراء المشدودة المكسورة: الممتلئة بالدم، بصرية منسوبة إلى بصرى وهي مشهورة بصنع السيوف، أجمن: مللن، الجفون جمع جفن: وهو غمد السيف. بهذه الأبيات من قصيدة طويلة يقدم الشاعر صورة ليوم من أيام الكفاح الإسلامي (يوم أحد) فالمعارك الدامية فيه اشتد هولها، وحمي موقدها وقد طال ذلك اليوم واشتد لهبه، ونفي القلق الذي ساد في ذلك اليوم اللئام عن القتال فلم يبق القلق بين الساحة لئيما، وإنك لتحسب الشجعان في نواحيه سكارى ذهبت عقولهم وتداولت أيمانهم مع الأعداء كئوس الموت بحد السيوف، فكل يقدم كأس المنية لمن ينازله. ولقد شهدنا ذلك اليوم فكنا أصحاب بأسه وقوته، وكنا تحت ظلماته، وكنا المعروفين بما نحمل من علامات تميزنا وكأنها تشير إلينا، وقد شهدناه بسيوف حسان تعمل ولا صوت لها وقد امتلأت بالدم وبسيوف كذلك من صنع بصرى قد ملت الأغماد وهي لا تقل ولا تنحني ولا تنتهي عن الضرب إذا نهيت وهكذا قدم الشاعر صورة اليوم والشجعان وهم يتعاورون كئوس الموت، وصور قوة سيوفهم وكرهها للأغماد ومتانتها من حيث إنها لا تفل ولا تنحني ولا تكف.

стр. 148

إجلاء بني النضير خرج رسول الله ﷺ إلى بني النضير يستعينهم في دية قتيلين من بني عامر، فتآمروا على إسقاط صخرة على رسول الله ﷺ من فوق البيت الذي يجلس إلى جانب جداره فجاءه الخبر من السماء بما دبروه، فقام وقفل راجعا إلى المدينة، وأمر الناس بالتهيؤ للحرب وخرج إليهم فتحصنوا بالحصون، فأمر رسول الله ﷺ بقطع نخيلهم وإحراقها، فلما رأوا ما حاق بأموالهم سألوا رسول الله أن يجليهم ويكف عن دمائهم، ولهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح، فخرجوا إلى خيبر، وسار بعضهم إلى الشام، وخلوا الأموال لرسول الله ونزل في بني النضير سورة الحشر. وتناول كعب بن مالك في قصيدة طويلة إجلاء بني النضير ومقتل كعب بن الأشرف، وقد كانت أم كعب بن الأشرف من بني النضير، ولما سمع بنصر المسلمين في بدر هاله ذلك وخرج إلى مكة وأخذ يبكي

стр. 149

قتلي بدر من المشركين في شعر ثائر يحرض به القرشيين على المسلمين، ثم رجع كعب بن الأشرف إلى المدينة وأخذ يشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم، فقال الرسول: من لي بابن الأشرف؟ فقال محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول الله، ثم اتفق معه سلكان بن سلامة (وهو أخو كعب بن الأشرف من الرضاعة) وعباد بن بشر، والحارث بن أوس، وأبو عبس بن جبر، وخرجوا، واستدرجه سلكان من حصنه فمشى به ساعة، ثم حمل عليه وحمل أصحابه معه فقتلوه، وفزع اليهود حينما علموا بمقتله. وهذه أبيات من تلك القصيدة التي يسوق فيها الشاعر كمؤرخ مصرع كعب بن الأشرف وإجلاء بني النضير، وليس في القصيدة شيء من الجمال الفني السامي لأن الشاعر كان فيها قصاصا يسرد فيها كيفية قتل كعب وإجلاء بني النضير في أسلوب لا يعدو أن يكون نظما للحوادث حيث يقول: فغودر منهم كعب صريعا ... فذلت بعد مصرعه النضير على الكفين ثم وقد علته ... بأيدينا مشهرة ذكور بأمر محمد إذ دس ليلا ... إلى كعب أخا كعب يسير فماكره فأنزله بمكر ... ومحمود أخو ثقة جسور فتلك بنو النضير بدار سوء ... أبارهم بما اجترموا المبير غداة أتاهم في الزحف رهوا ... رسول الله وهو بهم بصير فذاقوا غب أمرهم وبالا ... لكل ثلاثة منهم بعير وأجلوا عامدين لقينقاع ... وغودر منهم نخل ودور والمشهرة الذكور: السيوف المسلولة من أغمادها، أبارهم: أهلكهم، المبير: المهلك، الرهو: السير السهل، غب: عاقبة، الوبال: العذاب. وأشار بقوله: لكل ثلاثة منهم بعير إلى الكيفية التي خرجوا عليها حيث ركب كل ثلاثة منهم بعيرا، وكان اتجاههم إلى قينقاع وهم قبيلة يهودية كذلك.

стр. 150

بدر الآخرة كان أبو سفيان توعد رسول الله ﷺ بعد أحد في لقاء آخر في بدر فخرج الرسول وأقام في بدر ثماني ليال ينتظر أبا سفيان على رأس جيشه، وخرج أبو سفيان إلى عسفان أو الظهران، ثم أمر الناس بالرجوع، فرجعوا

стр. 151

وسماهم أهل مكة جيش السويق حيث قالوا لهم: إنما خرجتم تشربون السويق وفي ذلك يقول كعب بن مالك: وعدنا أبا سفيان بدرا فلم نجد ... لميعاده صدقا وما كان وافيا فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا ... لأبت ذميما وافتقدت المواليا آب: رجع، افتقدت: فقدت، الموالي: قصد بها القرابة.

стр. 152

غزوة الخندق أو الأحزاب وقدم نفر من اليهود على قريش ودعوهم إلى حرب محمد واستئصال قوته، وكان ذلك في شوال سنة خمس، فخرجت قريش وعلى رأسها أبو سفيان، وخرجت غطفان وعلى رأسها عيينة بن حصن، فلما سمع رسول الله ﷺ بخروجهم ضرب الخندق حول المدينة، وأقبلت قريش في عشرة آلاف ومعهم الأحابيش وأهل كنانة وتهامة فنزلوا بمجتمع الأسيال وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد فنزلوا إلى جانب أحد، وخرج رسول الله ﷺ وأصحابه فجعلوا ظهورهم إلى سلع (جبل بالمدينة) وكان عدتهم ثلاثة آلاف، واشتد خوف المسلمين حين أتاهم أعداؤهم في تلك الجموع الكثيفة من فوقهم ومن أسفل منهم، وطال الحصار ولم يقع خلاله إلا بعض مبارزات بين أفراد من المشركين اقتحموا الخندق وبين بعض أبطال المسلمين. وأوقع الله الفتنة بين قريش وغطفان من جانب وبين بني قريظة (اليهود) من جانب آخر، ثم بعث الله عليهم الريح في ليال شاتية البرد فكفأت قدورهم وأطارت خيامهم فطاروا مع الريح وطارت معها شوكتهم، وشتت الله شملهم ثم خرج الرسول صلوات الله وسلامه عليه إلى بني قريظة فحاصرهم ثم حكم فيهم سعد بن معاذ، فحكم بقتلهم، وقال له رسول الله ﷺ : لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة. وقد صور كعب بن مالك غزوة الخندق في قصيدة مطلعها: وسائلة تسائل ما لقينا ... ولو شهدت أرتنا صابرينا ومنها: بباب الخندقين كأن أسدا ... شوابكهن يحمين العرينا إلى قوله: كما قد ردكم فلا شريدا ... بغيظكم خزايا خائبينا

стр. 153

خزايا لم تنالوا ثم خيرا ... وكدتم أن تكونوا دامرينا بريح عاصف هبت عليكم ... فكنتم تحتها متكمهينا * الشوابك: التي يتشبث بها فلا يفلت * الفل: المنهزمون * الشديد: الطريد * الدامر: الهالك * المتكمه: الأعمى الذي لا يبصر. بهذا النص يكشف الشاعر عن حقيقة رواها التاريخ وهي رجوع الأحزاب دون حرب، وقد شردوا في الآفاق وكادوا يهلكون، ويلتقي البيت الأخير مع قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ (١) ويصور الشاعر في الشطر الأخير حالة الأحزاب وقد عميت أبصارهم حينما هبت عليهم الريح العاصفة. * * * وقال كعب في غزوة الخندق كذلك من قصيدة طويلة: من سره ضرب يمعمع بعضه ... بعضا كمعمعة الأباء المحرق فليأت مأسدة تسن سيوفها ... بين المذاذ وبين جزع الخندق دربوا بضرب المعلمين وأسلموا ... مهجات أنفسهم لرب المشرق في كل سابغة تخط فضولها ... كالنهي هبت ريحه المترقرق بيضاء محكمة كأن قتيرها ... حدق الجنادب ذات شك موثق * المعمعة: صوت التهاب النار * الأباء: العصب * المأسدة: موضع الآساد * المعلمون: الذين ميزوا أنفسهم في الحروب بعلامة * السابغة: الدرع * تخط فضولها: ينجر على الأرض ما فضل منها * النهي: بتشديد النون المكسورة الغدير * المترقرق: الذي تصفقه الريح فيجيء ويذهب * القتير: مسامير الدرع * الجنادب: ذكور الجراد * الشك: إحكام السرد. قدم الشاعر في هذه الأبيات صورة لبعض ما وقع من ضروب المبارزة بين الشجعان الأقوياء، ورأى أن ذلك الضرب العنيف يسر الشجعان حيث يشد أنظارهم وأسماعهم صليل السيوف وحركتها، وفي قعقعة أصواتها ما يشبه قعقعة القصب حين تلتهمه ألسنة اللهب، فمن شاء رؤية ذلك فليأت تلك المأسدة التي تسن سيوف أصحابها بين مراتع الخيول والوادي الذي لا شجر فيه عند الخندق، فأولئك تدربوا على ضرب الذين علموا أنفسهم بعلامة يعرفون بها وكأنهم دربوا على ضرب من يتحداهم وقد أسلموا أرواحهم لربهم وإنهم ليلبسون الدروع السابغة التي انحطت فضولها حتى انجرت على الأرض وهي تروح وتجيء كأمواج الغدير التي حركتها الريح، وإنها محكمة النسج وكأن مساميرها حدق ذكر الجراد، وهي ذات إحكام وتوثيق.

стр. 154

وله في الخندق قصيدة مطلعها: ألا أبلغ قريشا أن سلعا ... وما بين العريض إلى الصماد ومنها: فلم نر عصبة فيمن لقينا ... من الأقوام من قار وباد أشد بسالة منها إذا ما ... أردناه وألين في الوداد إذا ما نحن أشرجنا عليها ... جياد الجدل في الأرب الشداد قذفنا في السوابغ كل صقر ... كريم غير معتلث الزناد أشم كأنه أسد عبوس ... غداة بدا ببطن الجزع غادي يغشى هامة البطل المذكى ... صبي السيف مسترخي النجاد لنظهر دينك اللهم إنا ... بكفك فاهدنا سبل الرشاد سلع: جبل بالمدينة * العريض: واد بالمدينة * الصماد: جبل * القاري: من كان من أهل القرى والباد من كان من أهل البادية * البسالة: الشجاعة * أشرجنا: ربطنا * الجدل: الدروع المحكمة * الأرب: العقدة الشديدة * السوابغ: الدروع * اعتلث الرجل زندا: أخذه من شجر لا يدري أيوري أم لا؟ * الأشم: العالي العزيز * المذكى: الذي بلغ الغاية في القوة * صبي السيف: وسطه، * النجاد: حمائل السيف. إن الشاعر ليفخر بقومه حيث لا يرى بسالة أشد من بسالتهم بين القرى والبوادي إذا ما أرادوا الضرب الذي تحدث عنه في أبيات سابقة وهم إلى جانب سطوتهم وقوتهم ألين في حبهم من غيرهم فهم البسلاء إذا ما ضربوا واللينون إذا ما أحبوا، وبسالتهم تتجلى حين يربطون الدروع ويشدون عقدها، وكأنهم يقذفون في الدروع كل صقر كريم مستعد للحرب عالي الأنف، كأنه الأسد في عبوسه حين يغدو ببطن الجزع، وحين يضرب بوسط سيفه هامة البطل الذي بلغ غاية قوته، وقد بدا نجاده الطويل المسترخي إلى جانبه يشير إلى طوله، كل ذلك يكون لإظهار دين الله وإعلاء كلمته، ثم ختم قصيدته بالدعاء إلى الله أن يهديهم في حياتهم ومعاركهم سبل الرشاد. * * * وقد تناول كعب بن مالك تصوير يوم ذي قرد وخيبر والطائف، ونسوق بعض أبيات من قوله في غزوة الطائف: قال منها: قضينا من تهامة كل ريب ... وخيبر ثم أجممنا السيوفا

стр. 155

نخيرها ولو نطقت لقالت ... قواطعهن: دوسا أو ثقيفا ومنها: فلست لحاضن إن لم تروها ... بساحة داركم منا ألوفا ويأتيكم لنا سرعان خيل ... يغادر خلفه جمعا كثيفا إذا نزلوا بساحتكم سمعتم ... لها مما أناخ بها رجيفا بأيديهم قواضب مرهفات ... يزدن المصطلين بها الحتوفا ومنها: وكم من معشر ألبوا علينا ... صميم الجذم منهم والحليفا أتونا لا يرون لهم كفاء ... فجدعنا المسامع والأنوفا بكل مهند لين صقيل ... نسوقهم بها سوقا عنيفا وتنسى اللات والعزى وود ... ونسلبها القلائد والشنوفا * * * الريبة: الشك * أجممنا: أرحنا ومنه الاستجمام * نخيرها: نعطيها الخيرة * الحاضن: المرأة التي تحضن ولدها * السرعان: المتقدمون * الكثيف: الملتف: الرجيف: الصوت المضطرب * القواضب: السيوف القواطع * المرهفات: الحادة القاطعة * المصطلون بها: الذين باشروها واصطلوا بحرها * الحتوف جمع حتف: الموت * ألبوا: جمعوا * الصميم: الخالص * الجذم: بكسر الجيم: الأصل * الجدع: القطع * المهند: السيف * اللين مخفف لين بتشديد الياء * الصقيل: المصقول * الشنوف جمع شنف بفتح الشين وهو قرط يعلق في أعلى الأذن، وما يعلق في أسفلها هو القرط، واللات والعزى وود (آلهة كانت تعبد. . .). . بين الشاعر في هذه الأبيات أنهم انتهوا من معارك تهامة وخيبر ثم أراحوا السيوف حينا، ثم خيروها بمن تبدأ بعد ذلك، ولو نطقت لهتفت: أريد دوسا أو ثقيفا، وبعد أبيات بدأ تهديده لهم فقال لست لامرأة حضنتني وربتني أو لحاصن بالصاد وهي العفيفة أي: لست ابن عفيفة راشدة إن لم تفاجئكم السيوف وإن لم تروا بأفناء دوركم ألوفها تجز الأعناق والنواصي، واستطرد في وعيده بأنهم ستأتيهم طلائع الخيل ووراءها الجموع الكثيفة من جيوش المسلمين فإذا نزلوا ستسمع الساحة اضطرابا شديدا، يشير بذلك إلى الكثرة التي تتهددهم ثم كشف عن قوة سيوفهم التي تزير كل من يتصدى للمسلمين ساحة الموت. ثم راح الشاعر يخوفهم فعرض عليهم صورة القبائل التي جمعت جموعها وألقت في المعارك بأصولها وحلفائها وظنوا حين شنوا غاراتهم علينا بأننا لسنا أكفاء لهم فلم يقتلوا بأيدينا فحسب، بل قطعنا آذانهم وأنوفهم (لم يرو التاريخ أن المسلمين مثلوا بجثث قتلاهم في معركة من المعارك الإسلامية، أتراها مبالغة شعرية من شاعرنا؟ أم تراه التهديد والإرهاب؟ أم تراها القافية حكمت بهذا التخيل؟ حيث لم يثبت في التاريخ الإسلامي ذلك التمثيل). وقد ساقوهم سوقا عنيفا بكل سيف لين مصقول وأنسوهم آلهتهم التي طالما

стр. 156

عبدوها وهي اللات والعزى وود، وطالما قدموا لها القرابين والهدايا وعلقوا بها القلائد والشنوف، ولكن المسلمين سلبوا ذلك الذي قدمه الموسرون السذج لهذه الآلهة.

стр. 157

المراثي لقد رثى كعب بن مالك وترجم في مراثيه عن الأحزان والآلام، وكان رثاؤه في حمزة وقتلى مؤتة من أجود ما قال في الرثاء وقد تناول رثاء شهداء أحد وبينهم حمزة في قوله: فكلهم مات حر البلاء ... على ملة الله لم يحرج كحمزة لما وفى صادقا ... بذي هبة صارم سلجج فلاقاه عبد بني نوفل ... يبربر كالجمل الأدعج فأوجره حربة كالشهاب ... تلهب في اللهب الموهج * حر البلاء: خالص الاختيار * لم يحرج: لم يأثم، بذي هبة: يقصد السيف وهبة السيف وقوعه بالعظم * الصارم: القاطع * السلجج: المرهف * عبد بني نوفل: وحشي قاتل حمزة * يبربر: يصيح * الأدعج: الأسود، أوجره: طعنه * الشهاب: القطعة من النار، الموهج: الموقد. وبهذه الأبيات بين أن أولئك الذين استشهدوا في أحد أخلصوا وماتوا على ملة الله بلا إثم وبينهم حمزة الذي وفى بسيفه الصارم المرهف في هذه المعركة، ولكن عبد بني نوفل صاح كالجمل الأسود فطعنه طعنة تلهبت فيه كاللهب الموقد فقضت عليه. * * * وفي قصيدة أخرى كشف عن مشاعره حيال فقد حمزة فقال: ولقد هددت لفقد حمزة هدة ... ظلت بتات الجوف منها ترعد ولو أنه فجعت حراء بمثله ... لرأيت رأسي صخرها يتبدد قرم تمكن في ذؤابة هاشم ... حيث النبوة والندى والسؤدد والعاقر الكوم الجلاد إذا غدت ... ريح يكاد الماء منها يجمد والتارك القرن الكمي مجدلا ... يوم الكريهة والقنا يتقصد وتراه يرفل في الحديد كأنه ... ذو لبدة شثن البراثن أربد عم النبي محمد وصفيه ... ورد الحمام فطاب ذاك المورد * بتات الجوف: القلب والأحشاء * ترعد: تضطرب، حراء: جبل * الراسي: الثابت * القرم:

стр. 158

السيد الشريف * ذؤابة هاشم: أعاليها * الكوم: جمع كوماء وهي العظيمة السنام من الإبل * الجلاد: القوية * القرن: النظير * الكمي: الشجاع * مجدلا: مطروحا * الكريهة: الشدة والحرب * يتقصد: ينكسر * يرفل: يتبختر * ذو لبدة: الأسد * شثن: غليظ * البراثن: للسباع: كالأصابع للإنسان * الأربد: الأغبر يخالطه سواد * الحمام: الموت. وقال أيضا: صفية قومي ولا تعجزي ... وبكى النساء على حمزة ولا تسأمي أن تطيلي البكا ... على أسد الله في الهزة فقد كان عزا لأيتامنا ... وليث الملاحم في البزة يريد بذاك رضا أحمد ... ورضوان ذي العرش والعزة * الهزة: الاهتزاز والاختلاط في الحرب، الملاحم: جمع ملحمة وهي الحرب، البزة: السلاح. * * * وفي قتلى مؤتة أرسل نفثات قلبه الجريح حيث قضى هنالك القواد الثلاثة زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة الأنصاري الشاعر، وتلك أبيات من قصيدة في قتلى مؤتة، قال: نام العيون ودمع عينك يهمل ... سحا كما وكف الطباب المخضل في ليلة وردت علي همومها ... طورا أحن وتارة أتململ واعتادني حزن فبت كأنني ... ببنات نعش والسماك موكل وكأنما بين الجوانح والحشى ... مما تأوبني شهاب مدخل وجدا على النفر الذين تتابعوا ... يوما بمؤتة أستدوا لم ينقلوا صلى الإله عليهم من فتية ... وسقى عظامهم الغمام المسبل صبروا بمؤتة للإله نفوسهم ... حذر الردى ومخافة أن ينكلوا فمضوا أمام المسلمين كأنهم ... فنق عليهن الحديد المرفل * همل، همل الدمع: سال * السح: الصب * * وكف: قطر * الطباب جمع طبابة وهي سير بين خرزتين في المزادة فإذا لم يكن محكما قطر منه الماء * المخضل: السائل * التململ: التبرم والقلق.

стр. 159

* بنات نعش الكبرى: سبعة كواكب * السماك: برج في السماء * المدخل: النافذ إلى الداخل * أستدوا: حاربوا تحت رايات شتى * لم ينقلوا: لم تتغير حالهم * الغمام: المسبل: الممطر * الردى: الموت * ينكلوا: يرجعوا هائبين من عدوهم * الفنق: فحول الإبل الواحد فنيق * المرفل الذي تنجر أطرافه على الأرض. * * *

стр. 160

نظرة في شعر كعب تستطيع بعد أن قدمنا الكثير من النماذج لشعر كعب والتي أردنا بها أن نضع ذلك الشاعر في المكان الملائم لتلك الشاعرية، تستطيع عندئذ أن تدرك «أن رسول الله ﷺ حين قدم إليه كعب لأول مرة في الكعبة فقال: كعب الشاعر؟» فقضى له بالشاعرية لم يكن ليقضي بذلك لولا أنه بلغه من شعره قبل إسلامه ما رآه أهلا للحكم بأنه الشاعر، وحسبه شهادة الرسول ومع هذا فتلك النماذج بين يديك ودون التأثر بحكم تستطيع أن تقرأ في دقة وتمحيص لتخرج كما خرجنا بالحكم له بأنه مصور دقيق يتخذ من الكلمات المناسبة مادة للصورة، وتلك صورة لجيش المشركين وقوامه ثلاثة آلاف سوى الأحابيش يرى الشاعر في ذلك العدد العظيم، والعدد التي يموج فيها من الدروع والسيوف والحراب وكلها يلمع تحت أضواء الشمس ما يشبه البحر المائج فيقول: فجئنا إلى موج من البحر وسطه ... أحابيش فيهم حاسر ومقنع فيكشف بذلك عن صورة تصطخب فيها الكثرة والحركة واللون، وفي وسط الموج المتقلب صورة أشبهتها صورة الأحابيش وهم بين حاسر تجلى سواده الفاحم ومقنع ستر سواده بقناع أبيض، وقدم في نفس القصيدة صورة السهام وهي تقع تارة بأبدان الرجال وتارة لا تصيب الهدف فتنطلق في الحجارة اللينة ترعد أصواتها في قوله: تصوب بأبدان الرجال وتارة ... تمر بأعراض البصار تقعقع ويقدم صورة للخيل تسبح في الفضاء كأنها جراد ماجته ريح الصبا الباردة هنا وهناك فهو يذهب ويجيء، وهكذا تكون صورة الخيل حين يكر بها الفرسان حينا ثم يرجعون ليهتبلوا فرصة للكر، فهي كذلك تتريع وتجيء وتذهب وذلك في قوله: وخيل تراها بالفضاء كأنها ... جراد صبا في قرة يتريع

стр. 161

ويقدم في نفس القصيدة صورة للصحاري والجبال وكأن سوادها يتراءى من البعد كغبار ساكن منقطع وذلك في قوله: صحار وأعلام كأن قتامها ... من البعد فقع هامد متقطع * * * وإن: شاعرنا هذا صادق كل الصدق في التصوير، فهو ابن بيئته ترجم كل ما ألهمته له البيئة في صور كأنها لوحات مصور تفنن في إضفاء الألوان والظلال عليها فعاشت على الأجيال يرى فيها المسلمون أمجادهم ويرى فيها العرب صور البادية في صحاراها وأعلامها وعينها وآرامها ونعامها، تلك البادية التي أنجبته، وكأننا ونحن نردد شعر كعب نعيش معه في عصره، ونلحظ بأبصارنا روائع المشاهد التي ألهمته الصور. وكأننا نرى صورة سلع والعريض والصماد، وحدائق النخيل التي تروى بالنضح والآبار الضيقة التي حفرت من عهد عاد، وهي ثابتة دائمة يعلو فيها نهر المرار، وكأننا نرى الغاب والبردي الغليظ الصوت الذي اصفر للحصاد، كأننا نرى ذلك كله حين نقرأ له: ألا أبلغ قريشا أن سلعا ... وما بين العريض إلى الصماد نواضح في الحروب مدربات ... وخوص ثقبت من عهد عاد رواكد يزخر المرار فيها ... فليس بالجمام ولا الثماد كأن الغاب والبردي فيها ... أجش إذا تبقع للحصاد * سلع والصماد: جبلان * العريض: واد * النواضح: النخيل التي تسقى بالنضح * الخوص: الآبار * المرار: نهر، الجمام جمع جمة وهي البئر الكثيرة الماء * والثماد: الماء القليل: أجش: عالي الصوت، تبقع: اصفر. * * * وليس: ثمت من شاعر عربي جاهلي أو مخضرم لم يتحدث عن الخيل؛ لأنها العماد الثاني لذلك المجتمع الذي عاش في جاهليته وصدر إسلامه، بين غبار المعارك الذي لا يخمد إلا ليشتعل، ومن ثم اعتمدوا على الخيل في تلك الحروب، واعتمادهم ذلك دعا شعراءهم إلى الحديث عنها في أشعارهم كسلاح هام من أسلحة القتال أو كعدة من عدده؛ ولأننا قلنا إن شاعرنا ابن بيئته المصور المعبر عنها نرى أنه لابد قبل أن نختتم الحديث عنه أن نقدم صورة للخيل في شعره: قال في قصيدة مطلعها: أبقى لنا حدث الحروب بقية ... من خير نحلة ربنا الوهاب

стр. 162

ونزائعا مثل السراح نمى بها ... علف الشعير وجزة المقضاب قودا تراح إلى الصياح إذا غدت ... فعل الضراء تراح للكلاب وتحوط سائمة الديار وتارة ... تردي العدا وتئوب بالأسلاب * النزائع: الخيل العربية التي حملت من أرضها إلى أرض أخرى * السراح: الذئاب جمع سرحان * جزة المقضاب: ما يجز من النبات ويقطع * قود: طوال * تراح بفتح التاء: تنشط * الضراء: الكلاب الضارية في الصيد، والكلاب بتشديد اللام الصائد صاحب الكلاب * السائمة: الماشية المرسلة للرعي * تردي: تهلك، تئوب: ترجع. كأننا بالشاعر يقدم الحديث عن الخيول التي غنمت أو التي اشتريت ثم نقلت لتعيش في أرباض المدينة، وشبهها بالذئاب في سرعة عدوها وخفة حركتها، وذكر الشاعر أن نموها كان بسبب علف الشعير وما يجز لها من النبات بالمقضاب، ثم صور جسدها فوصفه بالطول في قوله: قود وهو جمع أقود وقوداء، ثم صور نشاطها وحركتها حين تسمع الصياح فتفعل فعل كلاب الصيد حين تنشط وتنطلق وقد سمعت صوت الكلاب (صاحبها) وهو يهيب بها نحو الفرائس وكأن الخيول دربت على الاندفاع حين تسمع الصياح. وهذه الخيول ينتفع بها في السلم والحرب، فهي في السلم تحوط السوائم وترعاها من سطوة الذئاب، وأما في الحرب فهي مهلكة للأعداء وتئوب بالغنائم والأسلاب. وإنا حين نلقي نظرة على هذه الأبيات من تلك القصيدة الطويلة نلمس قوة (لبيد) وأسلوب لبيد وروح لبيد وكأن انطباعات الجاهليين تنعكس على شعره فهو متأثر إلى حد كبير برءوس شعراء الجاهلية وإن كان مخضرما وفي شعره الكثير من المعاني التي جاء بها القرآن والإسلام. وقد لا نجد في هذا اللون الكثير من الوهن الذي ربما نراه في شعر غيره من شعراء صدر الإسلام الذين اتهموا بضعف شعرهم الإسلامي؛ لأنه مرتجل أو لأنه يحمل حقائق إسلامية صادقة. وقد قيل: إن أعذب الشعر أكذبه: والحقائق تجافي الكذب، وربما كان سبب ضعف شعرهم، ذلك السرد التاريخي وقد لا يكون من إسراف القول إذا قلنا: إن كعب بن مالك قمة شعراء الرسول ﷺ وحسبه من بين الصحابة أن يكون واحدا من اثنين حملا في سبيل الدعوة السيف والقلم هما: كعب وابن رواحة، فكان كعب صاحب السيف الذي نافح عن الإسلام ورسوله ونصر كلمته وكان صاحب القلم الذي ذاد عن الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - هجمات شعراء قريش بل طعن فأدمى ووخز فأخزى " جزاه الله وأحسن بين المجاهدين مثواه ".

стр. 163

أحمد الشرباصي (١) مسلمة بن عبد الملك مجاهد على الدوام روى الإمام البخاري أن رسول الله ﷺ قال: «جعل رزقي تحت ظل رمحي (٢)». والنفس تفهم من هذا الحديث الكريم معنى ترجو أن يكون صوابا من الله: وإلا فالخطأ منها ومن الشيطان، أن الحق لا بد له من قوة تحرسه وتصونه، وإلا ضاع تحت جبروت الباطل، والعامة تقول: المال السايب يعلم السرقة وكذلك قيل: من لم يتذأب أكلته الذئاب. فرزق المسلم وهو يتمثل في داره وعقاره، وسكنه ووطنه، وزرعه وضرعه، وكل ما يحوزه ويملكه - يجب أن يكون محروسا بعدته وعتاده، مستظلا بسلاحه ورماحه، ومن هنا قال الله في القرآن الكريم: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (٣) وليست الحرب في الإسلام غاية مقصودة لذاتها، ولكنها خطة يدفع إليها بغي الباغين وظلم الظالمين، ولذلك قال الله تعالى في التنزيل المجيد: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٤) وقال أيضا: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٥)

стр. 164

وصيانة الحق والرزق تستلزم أن يكون أبناء الإسلام دائما على إعداد واستعداد، وأن تكون طائفة منهم على الدوام في حالة رباط، أو على أرض الميدان، حتى يظل الجهاد فريضة قائمة باقية، وصلوات الله وسلامه على رسوله حين مجد شأن المؤمن المجاهد الموصول النضال، فقال: «خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه كلما سمع هيعة طار إليها (١)». * * * وهذا: واحد من أبناء الإسلام، وأتباع محمد ﵊ يظل أكثر من خمسين عاما يحمل سلاحه، ويسدد رماحه، ويذود عن حمى الدين، ويصون حرمات المسلمين، ويتقرب بالجهاد إلى الله رب العالمين: إنه البطل القائد، الأمير الفاتح أبو سعيد مسلمة بن عبد الملك بن مروان بن الحكم القرشي الأموي الدمشقي، وإليه تنسب جماعة بني مسلمة التي كانت بلدتهم هي الأشمونين وفيها منازلهم، وهي بلدة بالصعيد الأعلى في مصر غربي نهر النيل. وكان مسلمة بن عبد الملك من أبطال عصره، بل من أبطال الإسلام المعدودين، حتى كانوا يقولون عنه أنه خالد بن الوليد الثاني، لأنه كان يشبه سيف الله المسلول في شجاعته وكثرة معاركه وحروبه، ويقول عنه المؤرخ يوسف بن تغري: روى صاحب كتاب النجوم الزاهرة هذه العبارة: كان شجاعا صاحب همة وعزيمة، وله غزوات كثيرة (٢). ويقول عنه ابن كثير: وبالجملة كانت لمسلمة مواقف مشهورة، ومساع مشكورة، وغزوات متتالية منثورة، وقد افتتح حصونا وقلاعا، وأحيا بعزمه قصورا وبقاعا، وكان في زمانه في الغزوات نظير خالد بن الوليد في أيامه، وفي كثرة مغازيه، وكثرة فتوحه، وقوة عزمه، وشدة بأسه، وجودة تصرفه في نقضه وإبرامه، وهذا مع الكرم والفصاحة (٣)، ويقول عنه صاحب العقد الفريد: ولم يكن لعبد الملك ابن أسد رأيا، ولا أزكي عقلا، ولا أشجع قلبا، ولا أسمع نفسا، ولا أسخى كفا من مسلمة (٤). ولذلك أوصى عبد الملك بن مروان أولاده، وفيهم مسلمة، فكان مما قاله لهم عنه: يا بني، أخوكم

стр. 165

مسلمة، نابكم الذي تفترون عنه، ومجنكم الذي تستجنون به، أصدروا عن رأيه (١). ومع أن إخوة لمسلمة تولوا الخلافة دونه، ظل هو بينهم النجم المتألق الثاقب بجهاده وكفاحه، وقال عنه مؤرخ الإسلام الذهبي: كان مسلمة أولى بالخلافة من إخوته. وليست العبرة بالمناصب والمراتب، ولكنها بالإرادة والعزيمة، والإقدام، وعمق التفكير، وحسن الخلق. وكانوا يلقبون مسلمة بلقب الجرادة الصفراء، لأنه كان متحليا بالشجاعة والإقدام، مع الرأي والدهاء؛ ومع أنه تولى إمارة أذربيجان وأرمينية أكثر من مرة وإمارة العراقين (٢)، ظل يواصل الجهاد، ويتابع المعارك، منذ تولى والده الخلافة سنة خمس وستين وظل مسلمة على هذه الروح البطولية حتى لحق بربه سنة إحدى وعشرين ومائة. * * *

стр. 166

وهذه إشارات سريعة إلى سلسلة المعارك التي خاضها: * في سنة ست وثمانين غزا مسلمة أرض الروم. وفي سنة سبع وثمانين غزا أرض الروم، ومعه يزيد بن جبير، فلقي الروم في عدد كثير بسوسنة من ناحية المصيصة، ولاقى فيها ميمونا الجرجماني، ومع مسلمة نحو من ألف مقاتل من أهل أنطاكية عند طوانة، فقتل منهم بشرا كثيرا، وفتح الله على يديه حصونا. *وفي سنة ثمان وثمانين فتح مسلمة حصنا من حصون الروم تسمى طوانة، في شهر جمادى الآخرة، وشتوا بها، وكان على الجيش مسلمة والعباس بن الوليد بن عبد الملك، وهزم المسلمون أعداءهم، ويروى أن العباس قال لبعض من معه: أين أهل القرآن الذين يريدون الجنة، فقال له: نادهم يأتوك. فنادى العباس: يا أهل القرآن. فأقبلوا جميعا، فهزم الله أعداءهم. *وفي سنة ثمان وثمانين أيضا غزا مسلمة الروم مرة أخرى، ففتح ثلاثة حصون، هي حصن قسطنطينية وحصن غزالة، وحصن الأخرم (١). *وفي سنة تسع وثمانين غزا مسلمة أرض الروم مرة أخرى، حيث فتح حصن سورية، وقصد عمورية، فوافق بها للروم جمعا كثيرا، فهزمهم الله، وافتتح هرقلة وقمودية.

стр. 167

*وفي سنة تسع وثمانين أيضا غزا مسلمة الترك، حتى بلغ الباب من ناحية أذربيجان، ففتح حصونا ومدائن هناك. *وفي سنة اثنتين وتسعين غزا مسلمة، ومع عمر بن الوليد، أرض الروم، ففتح الله على يدي مسلمة ثلاثة حصون، وجلا أهل سوسنة إلى جوف أرض الروم. *وفي سنة ثلاث وتسعين غزا مسلمة أرض الروم، فافتتح ماسة، وحصن الحديد، وغزالة، وبرجمة من ناحية ملطية (١). *وفي سنة ست وتسعين غزا مسلمة أرض الروم صيفا، وفتح حصنا يقال له: حصن عوف. *وفي سنة سبع وتسعين غزا مسلمة أرض الروم، وفتح الحصن الذي كان قد فتحه الوضاح صاحب الوضاحية. *وفي سنة ثمان وتسعين حاصر مسلمة القسطنطينية، وطال الحصار، واحتمل الجنود في ذلك متاعب شديدة. *وفي سنة ثمان ومائة غزا مسلمة الروم حتى بلغ قيسارية وفتحها. *وفي سنة تسع ومائة غزا الترك والسند، وولاه أخوه يزيد بن عبد الملك إمارة العراقيين ثم أرمينية. *وفي سنة عشر ومائة غزا مسلمة الترك، وظل يجاهد شهرا في مطر شديد حتى نصره الله (٢). *وفي سنة عشر ومائة أيضا قاتل مسلمة ملك الترك الأعظم خاقان، حيث زحف إلى مسلمة في جموع عظيمة فتوافقوا نحوا من شهر، ثم هزم الله خاقان زمن الشتاء، ورجع مسلمة سالما غانما، فسلك على مسلك ذي القرنين في رجوعه إلى الشام، وتسمى هذه الغزوة غزاة الطين، وذلك أنهم سلكوا على مفارق ومواضع غرق فيها دواب كثيرة، وتوحل فيها خلق كثير، فما نجوا حتى قاسوا شدائد وأهوالا صعابا وشدائد عظاما (٣). *وفي سنة ثلاث عشرة غزا مسلمة بلاد خاقان، وبث فيها الجيوش، وفتح مدائن وحصونا، وقتل منهم وأسر ودان لمسلمة من كان وراء جبال بلنجر (٤).

стр. 168

*وفي سنة ثلاث عشرة أيضا توغل مسلمة في بلاد الترك، فقتل منهم خلقا كثيرا، ودانت له تلك الممالك من ناحية بلنجر وأعمالها (١). *وفي سنة إحدى وعشرين ومائة غزا مسلمة الروم، ففتح حصن مطامير (٢).

стр. 169

رواية الحديث عن الخليفة الخامس أرأيت. . . إنها سلسلة طويلة من المعارك والغزوات والحروب، وإنها لسلسلة كثيرة الحلقات. وكأنما نذر مسلمة نفسه للجهاد والقتال، واتخذ مسكنه في ساحات الكفاح والنضال، ومع ذلك كان عالما محدثا، روى الحديث عن خامس الراشدين عمر بن عبد العزيز، وروى عنه الأحاديث جماعة منهم: عبد الملك بن أبي عثمان، وعبد الله بن قرعة، وعيينة والد سفيان بن عيينة، وابن أبي عمران، ومعاوية بن خديج، ويحيي بن يحيي الغساني (١). ويظهر أن اتصال مسلمة بن عبد الملك بالحاكم العادل، المخلص الأمين، خامس الراشدين عمر بن عبد العزيز كان من أقوى الأسباب في تكوين شخصية مسلمة، تكوينا باهرا رائعا؛ لأني أومن بأن عمر بن عبد العزيز كان رجلا تتمثل فيه نفحات إلهية من الخير والبر والتوفيق، وأن الذين اتصلوا به وأخذوا عنه واقتبسوا منه هداهم الله، ووهبهم توفيقا ورشادا. ولعل مسلمة قد عبر عن شيء من هذا القبيل حينما دخل على عمر بن عبد العزيز وهو في ساعاته الأخيرة فقال له في تأثر عميق بليغ: جزاك الله، يا أمير المؤمنين عنا خيرا، فقد ألنت لنا قلوبا كانت قاسية، وجعلت لنا في الصالحين ذكرا (٢). وهذه عبارة تدل على أن ملامح من شخصية مسلمة كان الفضل فيها لخامس الراشدين رضوان الله ﵎ عليه.

стр. 170

على فراش الموت بين مسلمة وعمر بن عبد العزيز ومن: المواقف الخالدة الباقية بين مسلمة وعمر ما رواه ابن عبد ربه، وهو أن مسلمة بن عبد الملك، دخل على عمر بن عبد العزيز في المرض الذي مات فيه، فقال له: يا أمير المؤمنين، إنك فطمت أفواه ولدك عن هذا المال، وتركتهم عالة، ولا بد لهم من شيء يصلحهم، فلو أوصيت بهم إلي أو إلى

стр. 171

نظرائك من أهل بيتك لكفيتك مئونتهم إن شاء الله. فقال عمر: أجلسوني، فأجلسوه، فقال: الحمد لله، أبالله تخوفني يا مسلمة؟. أما ما ذكرت أني فطمت أفواه ولدي عن هذا المال وتركتهم عالة، فإني لم أمنعهم حقا هو لهم. ولم أعطهم حقا هو لغيرهم، وأما ما سألت من الوصاة إليك أو إلى نظرائك من أهل بيتي، فإن وصيتي بهم إلى الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين، وإنما بنو عمر أحد رجلين: رجل اتقى الله، فجعل الله له من أمره يسرا، ورزقه من حيث لا يحتسب، ورجل غير وفجر فلا يكون عمر أول من أعانه على ارتكابه، ادعوا لي بني. فدعوهم، وهم يومئذ اثنا عشر غلاما، فجعل يصعد بصره فيهم ويصوبه، حتى اغرورقت عيناه بالدمع، ثم قال: بنفسي فتية تركتهم ولا مال لهم. يا بني، إني قد تركتكم من الله بخير، إنكم لا تمرون على مسلم ولا معاهد إلا ولكم عليه حق واجب إن شاء الله، يا بني، ميلت رأيي بين أن تفتقروا في الدنيا، وبين أن يدخل أبوكم النار، فكان أن تفتقروا إلى آخر الأبد خيرا من دخول أبيكم يوما واحدا النار. قوموا يا بني عصمكم الله ورزقكم. فما احتاج أحد من أولاد عمر ولا افتقر (١). وكان مسلمة يظهر نعمة الله تعالى، ومن شواهد ذلك أنه دخل على عمر بن عبد العزيز وعليه ريطة من رياط مصر (أي ثوب رقيق ناعم). فقال له عمر: بكم أخذت هذا يا أبا سعيد؟ أجاب مسلمة: بكذا وكذا. قال عمر: فلو نقصت من ثمنها ما كان ناقصا من شرفك. فأجاب مسلمة: إن أفضل الاقتصاد ما كان بعد الجدة، وأفضل العفو ما كان بعد القدرة، وأفضل اليد ما كان بعد الولاية (٢). ولقد كان مسلمة رجلا معطاء، ولقد قال يوما لنصيب الشاعر: سلني. قال: لا، قال: ولم؟ قال نصيب: لأن كفك بالجزيل أكثر من مسألتي باللسان. وكان مسلمة مع تقواه وحرصه على الصلاة رجلا يحب العفو ويحبب فيه، ولقد حدث بين الخليفة هشام بن عبد الملك وبين ابن هبيرة ما دعا إلى إهدار دمه، ولكن خادما لمسلمة يحدثنا فيقول:

стр. 172

كان مسلمة بن عبد الملك يقوم الليل فيتوضأ ويتنفل حتى يصبح، فيدخل على أمير المؤمنين، فإني لأصب الماء على يديه من آخر الليل وهو يتوضأ، إذ صاح صائح من وراء الرواق: أنا بالله وبالأمير: فقال مسلمة (في دهشة): صوت ابن هبيرة، اخرج إليه. فخرجت إليه ورجعت فأخبرته، فقال: أدخله، فدخل فإذا رجل يميد نعاسا، فقال: أنا بالله وبالأمير. قال: أنا بالله، وأنت بالله. ثم قال: أنا بالله، وأنا بالأمير. قال مسلمة: أنا بالله، وأنت بالله. حتى قالها ثلاثا، ثم قال: أنا بالله. فسكت عنه، ثم قال لي: انطلق به فوضئه وليصل، ثم اعرض عليه أحب الطعام إليه فأته به، وافرش له في تلك الصفة - لصفة بين يدي بيوت النساء - ولا توقظه حتى يقوم متى قام. فانطلقت به فتوضأ وصلى، وعرضت عليه الطعام فقال: شربة سويق، فشرب، وفرشت له فنام، وجئت إلى مسلمة فأعلمته، فغدا إلى هشام فجلس عنده، حتى إذا حان قيامه قال: يا أمير المؤمنين، لي حاجة. قال هشام: قضيت، إلا أن تكون في ابن هبيرة. قال قال مسلمة: رضيت يا أمير المؤمنين. ثم قام مسلمة منصرفا، حتى إذا كاد أن يخرج من الديوان رجع فقال: يا أمير المؤمنين، ما عودتني أن تستثني في حاجة من حوائجي، وإني أكره أن يتحدث الناس أنك أحدثت علي الاستثناء. قال هشام: لا أستثني عليك. قال مسلمة: فهو ابن هبيرة. فعفا عنه هشام (١). * * * ومن ملامح شخصية مسلمة أنه كان يعرف للفصحى مكانتها، وللبيان السليم منزلته، وكان يقول: اللحن في الكلام أقبح من الجدري في الوجه (٢). وكان يقول أيضا: مروءتان ظاهرتان: الرياسة والفصاحة (٣). ومن كلماته قوله: ما أخذت أمرا قط بحزم فلمت نفسي فيه، وإن كانت العاقبة علي، ولا أخذت أمرا قط، وضيعت الحزم فيه، فحمدت نفسي وإن كانت لي العاقبة (٤).

стр. 173

وكان مسلمة يحب أهل الأدب، وأوصى لهم بثلث ماله، وقال: إنها صنعة جحف أهلها (١) أي سلبهم الناس حقهم. وكذلك كان يعرف للشعراء مكانتهم وحقهم، ولقد تحدث كثير عزة فقال: شخصت أنا والأحوص ونصيب إلى عمر بن عبد العزيز ﵁ وكل واحد منا يدل عليه بسابقة وإخاء قديم، ونحن لا نشك أن سيشركنا في خلافته، فلما رفعت لنا أعلام خناصرة (٢) لقينا مسلمة بن عبد الملك، وهو يومئذ فتى العرب، فسلمنا فرد، ثم قال: أما بلغكم أن إمامكم لا يقبل الشعر؟ قلنا: ما توضح إلينا خبر حتى انتهينا إليك. ووجمنا وجمة عرف ذلك فينا. قال: إن يكن ذو دين بني مروان قد ولي وخشيتم حرمانه، فإن ذا دنيانا قد بقي، ولكم عندي ما تحبون، وما ألبث حتى أرجع إليكم، وأمنحكم ما أنتم أهله. فلما قدم كانت رحالنا عنده بأكرم منزل عليه (٣). وكان مسلمة يعرف للعلماء كذلك أقدارهم، ويهدي إليهم، وكان يهدي إلى الحسن البصري، وأهدى إليه ذات مرة خميصة لها أعلام، فكان الحسن يصلي فيها (٤). وكان يتقدم بالنصيحة في موطنها، ولقد لاحظ على أخيه يزيد بن عبد الملك نوعا من اللهو وهو في الخلافة، فنصحه وذكره بسيرة عمر بن عبد العزيز وقال له فيما قال: إنما مات عمر أمس، وقد كان من عدله ما قد علمت، فينبغي أن تظهر للناس العدل، وترفض هذا اللهو، فقد اقتدى بك عمالك في سائر أفعالك وسيرتك (٥). * * * ومن أروع المشاهد المأثورة المذكورة في سيرة البطل الفاتح: مسلمة بن عبد الملك. والتي يجب أن نطيل فيها التأمل والاعتبار، إن كنا من أصحاب القلوب والأبصار، أن مسلمة كان يحاصر ذات يوم حصنا، وما أكثر الحصون التي حاصرها، وما أكثر الحصون التي اقتحمها باسم الإسلام والمسلمين. . . واستعصى فتح الحصن على الجنود، فوقف مسلمة يخطب بينهم ويقول لهم ما معناه: أما فيكم أحد يقدم فيحدث لنا نقبا في هذا الحصن؟. وبعد قليل تقدم جندي ملثم، وألقى بنفسه على الحصن، واحتمل ما احتمل من أخطار وآلام، حتى أحدث في الحصن نقبا كان سببا في فتح المسلمين له، وعقب ذلك نادى مسلمة في جنوده قائلا: أين صاحب النقب؟.

стр. 174

فلم يجبه أحد، فقال مسلمة: عزمت على صاحب النقب أن يأتي للقائي، وقد أمرت الآذن بإدخاله علي ساعة مجيئه. وبعد حين أقبل نحو الآذن شخص ملثم، وقال له: استأذن لي على الأمير. فقال له: أأنت صاحب النقب؟. فأجاب: أنا أخبركم عنه، وأدلكم عليه. فأدخله الآذن على مسلمة، فقال الجندي الملثم للقائد: إن صاحب النقب يشترط عليكم أمورا ثلاثة: ألا تبعثوا باسمه في صحيفة إلى الخليفة، وألا تأمروا له بشيء جزاء ما صنع، وألا تسألوه من هو؟. فقال مسلمة: له ذلك، فأين هو؟ فأجاب الجندي في تواضع واستحياء أنا صاحب النقب أيها الأمير. ثم سارع بالخروج. فكان مسلمة بعد ذلك لا يصلي صلاة إلا قال في دعائها: اللهم اجعلني مع صاحب النقب يوم القيامة (١). وبعد ما يزيد عن نصف قرن من الزمان قضاها مسلمة بن عبد الملك في قتال ونضال، وكفاح وحمل سلاح. مضى إلى ربه سنة إحدى وعشرين ومائة، لينال ثوابه مع أهل التقوى وأهل المغفرة: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ (٢) ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (٣) وهو الذي سأله أخوه هشام: هل دخلك ذعر قط لحرب أو عدو؟ فقال: ما سلمت في ذلك من ذعر ينبه على حيلة، ولم يغشني ذعر سلبني رأيي. فقال هشام: هذه والله البسالة (٤). توفي مسلمة يوم الأربعاء لسبع مضين من المحرم سنة إحدى وعشرين ومائة، في موضع يقال له الحانوت، وقيل سنة عشرين ومائة، وقيل سنة ثنتين وعشرين ومائة. ومن العجيب أن صاحب (النجوم الزاهرة) ذكر خبرين عن وفاته فذكر أولا أنه مات سنة عشرين ومائة. ثم عاد بعد قليل فذكر أنه مات سنة ثنتين وعشرين ومائة، ولكن القول الأول أصح. ولقد رثى الوليد بن يزيد بن عبد الملك عمه البطل مسلمة بن عبد الملك فقال في رثائه هذه الأبيات: أقول - وما البعد إلا الردى ... أمسلم , لا تبعدن , مسلمة فقد كنت نورا لنا في البلاد ... مضيئا , فقد أصبحت مظلمة ونكتم موتك نخشى اليقين ... فأبدى اليقين لنا الجمجمة! رضوان الله ﵎ عليه.

стр. 175

الدكتور أحمد الشرباصي تاريخ الميلاد: ١٧ نوفمبر سنة ١٩١٨ م في بلدة البجلات بمحافظة الدقهلية - جمهورية مصر العربية. العمل: أستاذ بجامعة الأزهر - كلية اللغة العربية. التخصص: العلوم الإسلامية والعربية. المؤهل العلمي الأخير: درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف الأولى في الدراسات الأدبية والنقدية سنة ١٩٦٧ م. المؤلفات: له عشرات من الكتب في الدين والتاريخ والأدب والاجتماع. عنوان المراسلات: ١٥ شارع أبو حازم - شارع الأهرام - الجيزة - مصر.

стр. 176

عبد الله خياط حركة الإصلاح الديني في القرن الثاني عشر في كل فترة من الزمن، وكلما تقادم العهد على إشعاع نور العرفان على الإنسانية، وأخذت الشموع بعد طول اتقادها تذبل وتتلاشى، يبدأ إشراق جديد لنجوم أخرى تلمع في سماء البشرية، فيستضيء البشر بلألائها، ويهتدي إلى الطريق بسطوع أنوارها، فتحيا في نفوس أفراده المعرفة بعد اضمحلالها وينتبه الوعي بعد خموله. ولقد كان مصلح القرن الثاني عشر الشيخ محمد بن عبد الوهاب نجما من تلك النجوم اللامعة التي استضاءت بنورها الإنسانية بعد ما خبت فيها جذوة التفكير، وأظلم أمامها سبيل الحق وغشيتها غاشية من الجهل فجاء ظهوره في الوقت المناسب. ميلاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولد هذا المصلح عام ١١١٥ هـ - ١٧٠٣ م في بلدة العيينة وفي قلب الجزيرة العربية من بيت علم محافظ متمسك، وترعرع في أحضان العلم حيث كان أبوه وجده علمين من أعلام زمانهما، وارتشف من

стр. 177

مناهل العلم على والده ثم سعى إلى طلب المعرفة في الحجاز والعراق وبلغ من طموحه أن فكر في التطواف في البلاد رغبة في الكشف عن معالم الحقيقة، ولكن إمكانياته وقفت به عند هذا الحد، وقد حصل على رصيد كبير في علوم الدين وما يتصل بها من علوم اللغة العربية، مما هيأه للاضطلاع بمهمة الزعامة الدينية والقيام بواجب المصلح، الذي ينير السبيل ويهدي إلى النور ويحمل على الرجعية، ويصلح ما أفسده تقادم العهد على شريعة السماء، التي جاء بها رسول الإنسانية محمد ﷺ ويبعد عنها الزيف. ويبرزها واضحة المعالم، وإن المصلحين والمجددين في كل زمان ومكان كثيرا ما يصطدمون - بأطماع المغرضين وأصحاب النزوات الطائشة الذين يكرهون الحد من أطماعهم ونزواتهم فيحتالون بكل الوسائل لإحباط مجهود المصلحين وإيقاف حملة الإنقاذ التي يقودها المجددون، وقد لقي مصلح القرن الثاني عشر من العنت والإرهاق والتضييق ومصادرة الحرية، لقي من ذلك كله الشيء الكثير فصبر وجالد شأن كل مؤمن بمبدئه مقتنع بسلامة قضيته وصحة نظرياته. لقد خشي خصوم المصلح من امتداد مبادئه وذلك طبيعي ومنطقي أيضا إذ أن البقاء للأصلح فجندوا له كل الإمكانيات للقضاء عليه حتى رموه بالأطماع السياسية ليوغروا الصدور عليه في داخل الجزيرة وخارجها ولدى سلاطين الدولة العثمانية، ووصفوا دعوته (بالوهابية) إمعانا في التنفير منها لاعتبارها خارجة على تعاليم الإسلام ونظريات أئمة المذاهب الإسلامية المجتهدين. وفي ظروف غير اعتيادية، وتحت تأثير سلسلة من الاضطهادات المتعاقبة قرر المصلح النزوح إلى بلدة الدرعية عاصمة ملك آل سعود شمال الرياض (العاصمة الحالية للمملكة العربية السعودية) وتعاقد المصلح مع أميرها محمد بن سعود على نشر تعاليمه التي هي في الواقع تعاليم الإسلام الصحيح، وكان للأمير محمد ولأولاده من بعده مع المصلح وأبنائه وأحفاده مواقف حميدة اتسع بها نطاق الإصلاح حيث تضامن السيف مع الكتاب لإظهار الحق تحت ظلال علم الدولة الأخضر الذي يحمل شعار الإسلام وكلمة الإسلام. * * * لا إله إلا الله محمد رسول الله: هذا الشعار في هذا العلم البارز الخفاق اجتذب إليه القلوب ونبه الوعي الإسلامي فأدرك بعد طول سبات أن هذا الصوت المدوي المنبعث من قلب الجزيرة مهد الفطرة هو صوت الحرية، صوت النذير باضمحلال سحب الباطل، صوت التحرير يقود حملته مصلح الجزيرة في القرن الثاني عشر الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ومات المصلح سنة١٢٠٦ هـ - ١٧٨٧ م - بعد أن قرت عينه بانتشار تعاليمه إلى أبعد مدى أمكن أن تنتشر إليه في الجزيرة وبعد أن خلفه من ذريته من حمل على عاتقه القيام بالدعوة إلى مبادئه التي هي في الواقع مبادئ

стр. 178

أفضل شريعة جاءت من السماء عن طريق منقذ البشرية محمد ﷺ . والذي بشرت به الكتب السماوية. ومات قبل المصلح رأس الدولة السعودية الأولى محمد بن سعود - رحمه الله تعالى - ولكن سيفه لم يزل مسلولا - بيد أبنائه من بعده يناصرون به الحركة الإصلاحية الدينية ويعاضدون خلفاء المصلح حتى الوقت الحاضر.

стр. 179

النظريات التي قامت عليها الدعوة النظرية الأولى تنظيم: العلاقة بين الخالق والمخلوق. بحيث يعترف المخلوق بسلطان الإله والهيمنة عليه في جميع أموره وله في عنقه حق التقديس والتأليه والعبودية المطلقة، فلا يلتفت إلا إليه ولا يتعلق إلا به ولا يعترف لسلطة غيبية وقدرة فعالة إلا لسلطته وقدرته. حتى السلطة التنفيذية التي تكون عادة للملوك والهيئات التنفيذية يجعلها الشيخ خاضعة لنظام التشريع الإلهي فلا يجوز الانصياع والإذعان لهذه السلطات ولا يحقق رغباتها إلا في حدود تشريع السماء وهذه هي نظرية الإسلام حيث يقول رسول الله محمد ﷺ «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (١)» ولا يجوز الشيخ أن تتطامن النفوس إلا لخالقها أو تذل وتستكين إلا لمن له حق الهيمنة عليها والتصرف المطلق فيها وهو الله ويؤيد هذه النظرية بقول رسول الإسلام ﷺ في خطبته التي قرر فيها قواعد العدالة الإنسانية يقول. «إن دينكم واحد، وإن أباكم واحد، الناس من آدم، وآدم من تراب». وتمشيا مع واقع هذه النظرية وتحقيقا لأهدافها طالب الشيخ بما يأتي: ١ - الإخلاص: في عبادة الواحد الأحد، المالك لأمور عباده، فهو وحده الذي يستحق التأليه والتوجه إليه، وقصده في جلب النفع ودفع الضر. ٢ - الإعراض: عن عبادة الطواغيت، وكل ما توجه إليه الناس بلون التقديس والعبادة فهو طاغوت، سواء كان قبرا أو شجرا أو حجرا أو جنيبا أو غير ذلك. ٣ - قطع: الصلة بالقبور والمقبورين إلا في زورات خاصة، يقوم بها الرجال لا تتقيد بزمن ولا تتحدد بوقت معين، والغرض من هذه الزيارة مصلحة الأموات؛ لاستنزال الرحمة لهم، والدعاء والاستغفار، ولأخذ العبرة من مصيرهم لا لغرض التبرك بهم، والتمسح بقبورهم وطلب العون منهم. ٤ - التنكر: لمبدأ اتخاذ الموتى من صالحين وأولياء وأنبياء شفعاء ووسطاء بين الخالق والمخلوق قياسا على الوساطة المعروفة بين المخلوقين بعضهم مع بعض لدى الملوك والعظماء، إذ أن ذلك قياس مع الفارق وباطل لا تقره التعاليم الإسلامية. ٥ - تسوية: القبور المشرفة بالأرض، لا فرق في ذلك بين قبر نبي أو ولي أو رجل صالح أو غيره - ذلك لأن في رفع القبور والبناء عليها وإشعال السرج عندها تحذيرا شديدا من حامي

стр. 180

حمى الدين النبي محمد ﷺ ؛ ولأن هذا الصنيع خطوة للوثنية.
следующие страницы →