التعقيب العشرون
قوله في صفحة ١٠٤، في المقطع الأخير، والإسلام يستتبع آثاره مستقلا ومنفصلا عن الإيمان في الدنيا.
هذا الكلام فيه نظر فإن الإسلام الصحيح لا ينفصل عن الإيمان لا في الدنيا ولا في الآخرة، فإن انفصل عنه فليس إسلاما صحيحا، وإنما هو نفاق والمنافق لا يسمى مسلما وإنما يسمى منافقا كما سماه الله ورسوله.
ولا يلزم من معاملته معاملة المسلم في الدنيا، أنه مسلم حقيقة لا في الدنيا ولا في الآخرة.
стр. 11412
التعقيب الحادي والعشرون
قوله في صفحة ١٠٧، والقول بأن الإنسان يخلق أفعال نفسه وهو مذهب المعتزلة ليس مكفرا، أقول: في نفي تكفيره نظر، لأن من قال ذلك إن كان مع هذا ينكر علم الله كما هو قول غلاة القدرية فهو كافر وإن كان لا ينكره وهو مقلد لغيره فهذا يضلل، وإن كان غير مقلد فقد أنكر أحد أركان الإيمان وهو القدر على علم، فكيف لا يكفر من هذه حاله. وأيضا هو قد أثبت لله شريكا في خلقه وقد قال السلف عن هذا الصنف إنه مجوس هذه الأمة.
стр. 11413
التعقيب الثاني والعشرون
ما ذكره في صفحة ١١١ - ١١٢ من أن من أضفى صفات النبوة على علي بن أبي طالب وما يعتقده بعض المريدين في أشياخهم من العصمة وما قاله للإمام الخميني من أن لأئمتهم ما لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل، أن هذه الأمور تعتبر شذوذات لا تستوجب كفر أصحابها وخروجهم من الملة وكرر ذلك أيضا في أول صفحة ١١٠، وقال في هامش صفحة ١١٢، تعليقة رقم (١) سألت بعض الإخوة علماء الشيعة الإيرانيين. . إلخ.
стр. 11414
نقول إن عدم تكفير من يقول هذه المقالات واعتباره أخا خطأ واضح لأنها من أسباب الردة الواضحة فكيف لا يكفرون بذلك وقد فضلوا أئمتهم على الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين وادعوا لهم العصمة وأعطوهم حق التشريع كما هو موجود في كتبهم ومقالاتهم وهذا من أعظم أنواع الردة، فلا يجوز للمؤمن أن يحبهم ويقول: إنهم إخوانه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ (١)
وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ (٢) الآية.
стр. 11415
التعقيب الثالث والعشرون
قوله في صفحة ١١٤: ويقابل التعطيل التجسيم أو التشبيه وهو أن تترك هذه الآيات (أي آيات الصفات) على ظاهرها ويفهم منها المألوف في حياة المخلوقين والمحدثين فيفهم من اليد الجارحة التي خلقها الله فينا ويفهم من الاستواء معناه المتمثل في جلوس أحدنا على كرسيه أو سريره ويفهم من المجيء الحركة التي تتخطى حيزا، إلى غيره وهكذا (ا. هـ).
والجواب عن ذلك أن نقول:
أولا: لا بد من ترك الآيات على ظاهرها فإنه حق مراد لله سبحانه وكون بعض الناس يفهم منها فهما سيئا آفته من فهمه الخاطئ وليس ما فهمه هو ظاهر الآيات:
وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم
ثانيا: الآيات تدل على صفات حقيقية لله فله يد حقيقية تليق به ولا تشبه يد المخلوق. والاستواء له معنى حقيقي فسره به السلف وأئمة السنة واللغة وهو العلو والارتفاع والاستقرار والصعود، وكل هذه المعاني على ما يليق بالله لا كعلو المخلوق وارتفاعه واستقراره وصعوده. تعالى
стр. 11416
الله عن ذلك، وكذلك المجيء هو مجيء حقيقي على معناه في اللغة العربية وكذا الإتيان كما جاء في الآيات الأخرى ولا يلزم منه مشابهة مجيء المخلوق وإتيانه. والجارحة والحيز ألفاظ مجملة لم يرد نفيها ولا إثباتها في حق الله تعالى.
стр. 11417
التعقيب الرابع والعشرون
في صفحة ١١٨ - ١١٩، أثنى على بعض المتصوفة وبعض مؤلفاتهم كالقشيري، وهذا الثناء في غير محله لأن التصوف أصله مبتدع في الإسلام ودخيل عليه وقد تطور إلى أفكار إلحادية، وما زال العلماء المحققون يحذرون منه ومن أصحابه وبالخصوص القشيري فإن لشيخ الإسلام ابن تيمية ردا مفصلا على رسالته وما فيها من مخالفات وشطحات وفي الثناء عليه وعلى أمثاله تقرير بمن لا يعرف حقيقتهم.
стр. 11418
التعقيب الخامس والعشرون
تكلم عن صفات الله من صفحة ١٣٢ حتى صفحة ١٤٤، وقد حصل في كلامه أخطاء كثيرة من أهمها:
١ - اعتباره آيات الصفات من المتشابه، وهذا خطأ لأن آيات الصفات عند سلف الأمة وأئمتها من المحكم ولم يقل إنها من المتشابه إلا بعض المتأخرين الذين لا يحتج بقولهم، ولا يعتبر بخلافهم.
٢ - ذكر أن آيات الصفات لها محملان:
المحمل الأول: أن تجري على ظاهرها مع تنزيه الله عن التشبيه والشريك، وقال إن هذا تأويل إجمالي لأن ظاهرها ما هو من صفات المخلوقين.
والجواب: نقول له: ليس الأمر كما ذكرت فليس ظاهرها يدل على مشابهة صفات المخلوقين، وإنما هذا وهم توهمته أنت وتوهمه غيرك وليس هو ظاهرها لأن ظاهرها هو ما يليق بجلال الله، وصفات الخالق تختص
стр. 11419
به وصفات المخلوق تختص به -ثم قال: والمحمل الثاني حملها على المعنى المجازى بأن يفسر الاستواء بالاستيلاء والتسلط واليد بالقوة. انتهى كلامه.
والجواب نقول له: لا يجوز حمل صفات الله على المعنى المجازي لأن هذا تعطيل لها عن مدلوها. بل يجب حملها على المعنى الحقيقي اللائق بالله، لأن الأصل في الكلام الحقيقة ولا سيما كلام الله ، ولا سيما ما يتعلق به وبأسمائه وصفاته - ولا يجوز حمل الكلام على المجاز، إلا عند تعذر حمله على الحقيقة وهذا ما لم يحصل في نصوص الصفات فليس هناك ما يوجب حملها على المجاز - وكتبرير منه لهذا الباطل الذي ذكره نسب إلى بعض السلف تأويل بعض الصفات. فنسب إلى الإمام أحمد تأويل (وجاء ربك) بمعنى جاء أمر ربك، ونسب إلى الإمام البخاري تأويل الضحك بالرحمة، ونسب إلى الإمام حماد بن زيد تأويل نزول الله إلى السماء الدنيا بإقباله ﷻ إلى عباده.
والجواب أن نقول:
أولا: ما نسبه إلى الإمام أحمد لم يثبت عنه ولم يوثقه عنه ولم يوثقه من كتبه أو كتب أصحابه وذكر البيهقي لذلك لا يعتمد. لأن البيهقي ﵀ عنده شيء من تأويل الصفات فلا يوثق بنقله في هذا الباب، لأنه ربما يتساهل في النقل.
والثابت المتيقن عن الإمام أحمد إثبات الصفات على حقيقتها وعدم تأويلها فلا يترك المعروف المتيقن عنه لشيء مظنون ونقل لم يثبت عنه وله ﵀ رد على الجهمية والزنادقة في هذا الباب مشهور ومطبوع وتداول.
ثانيا: وما نسبه إلى البخاري غير صحيح فقد راجعت صحيح البخاري فوجدته قد ذكر الحديث الذي أشار إليه الدكتور تحت
стр. 11420
ترجمة: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (١) ولم يذكر تأويل الضحك بالرحمة، وإنما الذي أوله بالرضا هو الحافظ ابن حجر في الفتح. والحافظ ﵀ متأثر بمذهب الأشاعرة فلا عبرة بقوله في هذا.
ثالثا: ما نسبه إلى حماد بن زيد من تأويل النزول بالإقبال يجاب عنه من وجهين:
الوجه الأول: أن هذا لم يثبت عنه لأنه من رواية البيهقي، والبيهقي ﵀ يتأول بعض الصفات ولو ثبت عن حماد هذا التأويل فهو مردود بما أجمع عليه السلف من إثبات النزول على حقيقته.
الوجه الثاني: أنه لا تنافي بين إثبات النزول على حقيقته وإقبال الله على عباده فيقال ينزل ويقبل على عباده وليس في هذا حمل على المجاز كما يظن الدكتور.
٣ - نسب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره أنهم قد يفسرون الوجه بالجهة أو القبلة أو الذات وظن أن هذا تأويل للوجه الذي هو صفة من صفات الله الذاتية - وهذا الظن منه خطأ واضح فهؤلاء الأئمة لم يقصدون ما توهمه - لأن الوجه لفظ مشترك. تارة يراد به الوجه الذي هو الصفة الذاتية، وتارة يراد به الدين والقصد، وتارة يراد به الجهة والوجهة - وسياق الكلام هو الذي يحدد المقصود في كل مكان بحسبه. فإذا فسر الوجه في موضع بأحد هذه المعاني لدليل اقتضى ذلك من دلالة السياق أو غيره، صح ذلك ولم يكن تأويلا - بل هو تفسير لذلك النص وبيان للمراد به. وبما ذكرنا يتبين أن ما ذكره الدكتور من جواز حمل آيات الصفات وأحاديثها على المعنى المجازي وصرفها عن ظاهرها أنه قول غير صحيح وأنه لا مستند له فيما ذكره عن بعض السلف، إما لأنه لم يصح عنهم أو لأنهم لم يقصدوا ما توهمه.
стр. 11421
٤ - اعتمد على تأويلات الخطابي لبعض الصفات وأشاد به ومدحه من أجل ذلك.
والجواب عن ذلك: أن الخطابي ﵀ ممن يتأولون الصفات فلا اعتبار بقوله ولا حجة برأيه وله تأويلات كثيرة والله يعفو عنا وعنه.
ثم العجيب في الأمر أن الدكتور تناقض مع نفسه حيث ذكر فيما سبق أنه يجب إثبات صفات الله كما جاءتنا مع تنزيه الله عن التشبيه والتمثيل كما في صفحة ٩٩، ١٠١، ١١٣، ١١٥، بينما نراه هنا يجيز تأويلها وحملها على المجاز. هل هذا تراجع عما سبق أو هو التناقض.
стр. 11422
التعقيب السادس والعشرون
أنه في صفحة ١٣٨، يجيز مخالفة السلف في إثبات الصفات على حقيقتها فيقول: بل نفرض أن أحدا من رجال السلف رضوان الله عليهم لم يجز لنفسه أكثر من أن يثبت ما أثبته الله لذاته مع تفويض ما وراء ذلك من العلم والتفاصيل إلى الله فإن ذلك لا يقوم حجة على حرمة مخالفتهم في موقفهم هذا حرمة مطلقة انتهى كلامه.
ونقول: يا سبحان الله ألا يسعنا ما وسع السلف، أليست مخالفتهم وفيهم المهاجرون والأنصار والخلفاء الراشدون وبقية الصحابة ﵃ والقرون المفضلة أليست مخالفتهم لا سيما في العقيدة. بدعة وكل بدعة ضلالة. بدليل قوله ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة (١)»، والله تعالى يقول:
﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٢)
فتشرط سبحانه في رضاه عمن جاء بعدهم اتباعهم للمهاجرين والأنصار بإحسان والدكتور يقول: لا تحرم مخالفتهم في صفات الله .
стр. 11423
ألم يخبر النبي ﷺ أنهم خير القرون ومعنى هذا الحث على الاقتداء بهم والنهي عن مخالفتهم لا سيما في أصول الدين، ثم هل تجوز المخالفة في أمور العقيدة أليست العقيدة توقيفية لا مجال للاجتهاد والاختلاف فيها.
стр. 11424
التعقيب السابع والعشرون
في صفحة ١٤٦ المقطع الأخير ذكر في أن من البدع القول بفناء النار وأن ذلك داخل بإجماع المسلمين في معنى البدعة، وتعقيبا عليه من وجهين:
الوجه الأول: أنه لم يحصل إجماع على تخطئة القول بفناء النار وعده من البدع كما زعم فالمسألة خلافية وإن كان الجمهور لا يرون القول بذلك لكنه لم يتم إجماع على إنكاره وإنما هو من المسائل الخلافية التي لا يبدع فيها.
الوجه الثاني: أن الذين قالوا بفنائها استدلوا بأدلة من القرآن والسنة.
وبقطع النظر عن صحة استدلالهم بها أو عدم صحته فإن هذا القول لا يعتبر من البدع ما دام أن أصحابه يستدلون له. لأن البدع ما ليس لها دليل أصلا - وغاية ما يقال أنه قول خطأ أو رأي غير صواب ولا يقال بدعة وليس قصدي الدفاع عن هذا القول ولكن قصدي بيان أنه ليس بدعة. ولا ينطبق عليه ضابط البدعة، وهو من المسائل الخلافية.
стр. 11425
التعقيب الثامن والعشرون
في صفحة ١٤٩، قال: وتفريق الباحث في مسألة القرآن بين ما فيه من المعاني النفسية والألفاظ المنطوق بها مع ما يلحق بها من حبر وورق وغلاف - ليقول أن الأول (يعني المعاني النفسية) قديم غير مخلوق - والثاني حادث مخلوق أيعد بدعة محظورة لأن هذا التفريق لم يعلم على عهد رسول الله ﷺ . ومن ثم يجب إطلاق القول بأن القرآن قديم غير مخلوق دون تفضيل ولا تفريق أم لا يعد بدعة وإنما هو شرح وبيان لما
стр. 11426
علمه الصحابة من قبل على وجه الإجمال. ومن ثم فلا مانع لا سيما في مجال التعليم من هذا التفريق والتفضيل - (ا. هـ).
وتعقيبا عليه أقول: كلامه هذا يتمشى مع مذهب الأشاعرة الذين يفرقون في كلام الله بين المعنى واللفظ فيقولون المعنى قائم بالنفس وهو قديم غير مخلوق وهذا هو كلام الله عندهم.
وأما اللفظ فهو عندهم تعبير عن هذا المعنى من قبل جبريل أو النبي ﷺ وهو مخلوق - وهذا تفريق باطل (١) - ومذهب أهل السنة سلفا وخلفا أن كلام الله تعالى هو اللفظ والمعنى وكلاهما غير مخلوق لأنه كلام الله تعالى وصفة من صفاته غير مخلوقة. وقوله إن الصحابة علموا هذا التفريق بين اللفظ والمعنى في كلام الله هو تقول على الصحابة ونسبة إليهم ما هم منه براء.
стр. 11427
التعقيب التاسع والعشرون
في صفحة ١٤٩ تساءل عن التوسل بجاه رسول الله ﷺ بعد وفاته أو بجاه من عرفوا بالصلاح والاستقامة بعد وفاتهم هل هو بدعة أو يقاس على التوسل به ﷺ حال حياته وهو شيء ثابت دلت عليه الأحاديث الصحيحة ومن ثم فهو ليس من البدعة في شيء ولم يجب عن ذلك التساؤل بل ترك القارئ في حيرة والتباس.
وأقول: أولا: التوسل بالجاه ليس عليه دليل أصلا لا في حياته ولا بعد موته فهو بدعة بلا شك.
ثانيا: أما التوسل بدعائه ﷺ فهو جائز في حياته لأنه يتمكن من الدعاء فيها. ما بعد وفاته فطلب الدعاء منه بدعة ولا تجوز. لأنه لا يقدر على الدعاء ولأن الصحابة لم يفعلوا هذا معه بعد وفاته وإنما كانوا يفعلونه في حال حياته ولا تقاس حالة الحياة على حالة الموت لوجود الفوارق
стр. 11428
العظيمة بينهما عند جميع العقلاء - وإنما يقيس هذا القياس المخرفون.
وإن كان هو يزعم في صفحة ١٥٥ أن هذا التفريق لم يعرف إلا عن ابن تيمية وأن السلف لم يفرقوا ولم تفرق الأدلة بينهما وكأنه لم يقرأ ما ذكره العلماء في هذا الموضوع وما ذكره ابن تيمية في كتاب التوسل والوسيلة عن السلف والأئمة في ذلك، أو أن تحامله عليه أنساه ذلك. ثم إنه نسب إلى السلف ما لم يقولوه وحمل الأدلة ما لا تحمله، ولم يأت بدليل واحد على ما قال وأنى له ذلك.
والواجب أن الباحث أمثال الدكتور البوطي لا يخطئ شخصا ويتحامل عليه حتى يقرأ كلامه وينظر في مستنداته حتى يعرف هل هو مخطئ أو مصيب هذا هو الإنصاف والعدل - ولا ننسى أن الدكتور البوطي له هنات في غير هذا الكتاب حول هذه المسألة قد قام بالرد عليها الشيخ محمد ناصر الدين الألباني حفظه الله. ثم إنه في صفحة ١٤٦ يهون من شأن هذه المسألة ويقول: هي أقل من أن تصدع المسلمين أو تجعل منهم مذهبيين. وأقول: كلا والله إنها لمسألة خطيرة تمس صميم العقيدة وتجر إلى الشرك فكيف تكون هينة.
وفي صفحة ١٥٠، ١٥٧ أدخل تحت بدعة التزيد في العبادة الأذان الأول ليوم الجمعة الذي أمر به عثمان ﵁ لما دعت الحاجة إليه.
وهذا منه خطأ واضح فإن عثمان ﵁ من الخلفاء الراشدين وقد قال النبي ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين (١)» ففعله هذا يعتبر سنة لا بدعة وتزيد، حاشاه من ذلك ﵁ وأرضاه. وهذا ينسينا ما قاله في حق شيخ الإسلام ابن تيمية أنه ابتدع التفريق بين حالة الحياة والموت. إذ إن الخليفة الراشد عنده قد ابتدع وتزيد في الدين.
стр. 11429
التعقيب الثلاثون
في صفحة ١٦٠ خلط بين علم الكلام والفلسفة وانتقد شيخ الإسلام
стр. 11430
ابن تيمية حيث أجاز مناظرة المتكلمين بمثل مصطلحاتهم مع أنه ينكر على الغزالي انشغاله بالفلسفة، وكأنه لا يدري أن علم الكلام غير الفلسفة وأن بينهما فرقا واضحا، وقد انتقد شيخ الإسلام أيضا في صفحة ١٦٢، ١٦٣ من ناحية أنه يحذر من الإقبال على علم الكلام والمنطق وهو قد تضلع فيهما وناظر بهما.
والجواب عن ذلك أنه ﵀ يحذر من الاشتغال بذلك من هم على غير مستوى علمي جيد يمكنهم من التخلص من أضرار علم الكلام ولأن ذلك يشغل عن تعلم الكتاب والسنة، فأي انتقاد يوجه إليه في ذلك إلا من صاحب هوى وحقد. ثم إن الشيخ ﵀ لا ينكر على من تعلم علم الكلام والمنطق من أجل الرد على المضللين وقتلهم بسلاحهم وإنما ينكر على من تعلمهما بغير هذا القصد.
стр. 11431
التعقيب الواحد والثلاثون
من صفحة ١٦٤ حتى صفحة ١٨٨ شن هجوما مسلحا على شيخ الإسلام ابن تيمية واتهمه أنه قال بقول الفلاسفة حينما قال إن الحوادث قديمة النوع حادثة الآحاد.
وهذه المسألة قد شنع بها خصوم شيخ الإسلام ابن تيمية عليه قديما وحديثا وقالوا إنه يقول بحوادث لا أول لها. والدكتور في هذا الكتاب اتخذ من هذه المسألة متنفسا ينفث من خلاله ما في صدره من حقد على شيخ الإسلام ابن تيمية لأنه شيخ السلفيين الذين يضايقونه في هذا الزمان - ولكن والحمد لله ليس له في هذه المسألة ولا للذين سبقوه أي مدخل على الشيخ وسيرده الله بغيظه لم ينل خيرا كما رد الذين من قبله. فإن مراد الشيخ ﵀ أن أفعال الله سبحانه ليس لها بداية لأنه الأول الذي ليس قبله شيء -.
стр. 11432
(قال ﵀: والتسلسل الواجب ما دل عليه الشرع من دوام أفعال الرب تعالى في الأبد فكل فعل مسبوق بفعل آخر فهذا واجب في كلامه فإنه لم يزل متكلما إذا شاء ولم تحدث له صفة الكلام في وقت، وهكذا أفعاله هي من لوازم حياته فإن كل حي فعال، والفرق بين الحي والميت الفعل، ولم يكن ربنا تعالى قط في وقت من الأوقات معطلا عن كماله من الكلام والإرادة والفعل - إلى أن قال: ولا يلزم من هذا أنه لم يزل الخلق معه فإنه سبحانه متقدم على كل فرد من مخلوقاته تقدما لا أول له، فلكل مخلوق أول والخالق سبحانه لا أول له فهو وحده الخالق وكل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن - إلى أن قال: والمقصود أن الذي دل عليه الشرع والعقل أن كل ما سوى الله تعالى محدث كائن بعد أن لم يكن) ا. هـ.
أما كون الرب تعالى لم يزل معطلا عن الفعل ثم فعل فليس في الشرع ولا في العقل ما يثبته بل كلاهما يدل على نقيضه - هذه خلاصة ما يراه الشيخ في هذه المسألة وهل في ذلك ما يشنع به عليه كما يظنه الدكتور وأضرابه لولا أنه الهوى والحقد أو الجهل والغفلة، فإن بين ما قاله الشيخ في هذه المسألة وبين قول الفلاسفة - فروقا واضحة هي الفروق بين الحق والباطل والكفر والإيمان.
стр. 11433
التعقيب الثاني والثلاثون
في صفحة ١٩١ - ١٩٢ يؤيد عقد حلقات الصوفية التي يسمونها حلق الذكر ويزعم أنه ليس هناك ما يمنع من إقامتها ويقول إن الذكر مشروع.
ونحن نجيبه عن ذلك ونقول له: الذكر لا شك أنه مشروع لكن على الصفة الواردة في الكتاب والسنة، أما إحداث هيئة للذكر لا دليل عليها كالذكر الجماعي أو الأوراد الصوفية التي ليس عليها دليل أو ربما
стр. 11434
يشوبها شيء من الألفاظ الشركية فهذه لا شك أنها بدعة، وأن الذين يقيمونها مبتدعة داخلون في قوله ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١)» والشيء قد يكون مشروعا في أصله لكن الصفة التي يؤدى بها إذا لم يكن عليها دليل فهي بدعة. وقد أنكر عبد الله بن مسعود ﵁ على الذين يجتمعون في مسجد الكوفة وفيهم رجل يقول: سبحوا مائة. كبروا مائة. هللوا مائة، لأن هذه الصفة ليست من سنة الرسول ﷺ .
стр. 11435
التعقيب الثالث والثلاثون
في صفحة ١٩٣ - ١٩٥، شنع على الذين ينكرون ذكر الله بالاسم المفرد (الله) ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه وجه إليه قذائف غضبه ولم يصغ إلى حجج المذكورين ومنها أن ذكر الله بالاسم المفرد لم يرد في الكتاب ولا في السنة ولا في هدي السلف الصالح علاوة على أنه لا يفيد شيئا. لأن الاسم المفرد لا يأتي بفائدة حتى يتركب مع جملة مفيدة، وما يزعمه الدكتور أن ذكر الله بالاسم المفرد يدخل في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (١)
فنحن نسأله ونريد منه الصدق في الجواب دون مراوغة، هل ورد في سنة من أمره الله بهذا الأمر وهو الرسول ﷺ أنه ذكر الله بالاسم المفرد إذ لا شك أن سنته تفسر القرآن، أو أن هذا من محدثات الصوفية وفهمهم السقيم، وكثيرا ما يكرر الدكتور أن المخالف في هذه المسألة وغيرها لا يضلل ونحن نقول له: إن المخالف لا يضلل إذا كان لمخالفته مأخذ من النصوص الشرعية: أما إذا كانت مخالفته ليس لها مأخذ من الكتاب والسنة فإنه يضلل لأن الله تعالى يقول: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ (٢)
وما دل عليه كتاب الله حق وما خالفه فهو ضلال يضلل من قال به.
стр. 11436
التعقيب الرابع والثلاثون
في صفحة ١٩٦/ ١٩٧ يبرر اصطلاحات الصوفية التي منها تفريقهم بين الشريعة والحقيقة ولم يجد دليلا - والحمد لله - لهذا التبرير إلا أن ذلك قول كبار الصوفية كسهل التستري، والحارث المحاسبي، والجنيد - وهذا لا أظنه معهم، وإن حشره معهم - ومعروف الكرخي، فهو بهذا الاستدلال كمن فسر الماء بعد الجهد بالماء (١)، ثم هل هناك حقيقة تخالف الشريعة حتى يقال الحقيقة والشريعة إلا في اصطلاح الصوفية أن الشريعة للعوام والحقيقة للخواص. وهذا إلحاد واضح، وليت الدكتور لم يدخل هذه المجاهل المخيفة.
стр. 11437
التعقيب الخامس والثلاثون
في صفحة ٢٠١ حتى ٢١٢ تحدث عن الصوفية وأحوالهم وأقوالهم وحاول الدفاع عنهم بكل ما أوتي من قوة والاعتذار لهم بكل ما استطاع من عبارة حتى عمن قال منهم: ما في الجبة إلا الله. وعمن قال منهم: ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك. ورغم ما تحمله هاتان العبارتان من كفر وضلال حاول تأويلهما بما لا داعي للإطالة بذكره.
لأن هاتين العبارتين تنبئان عن نفسهما ولا تقبلان التأويل؛ فإن قول القائل: ما في الجبة إلا الله صريح في الحلول أو الاتحاد، وقوله: ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك مخالف لهدي الأنبياء جميعا حيث وصفهم الله بأنهم يدعونه رغبا ورهبا، ومخالف لصفة المؤمنين الذين يدعون ربهم خوفا وطمعا - ولا يعني هذا أنهم لا يعبدونه إلا من أجل الخوف والطمع. فقط بل هم مع ذلك يحبونه حبا شديدا ويذلون له كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ (١)
وقال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (٢)
стр. 11438
ولا تصح العبادة إلا باستكمال هذه الأركان: المحبة والذل والخوف والرجاء.
ثم حاول الدفاع عن ابن عربي وما في كتبه من القول بوحدة الوجود.
ففي هامش صفحة ١٠٤ - ١٠٥ قال: إنه لا يجوز تكفيره بموجب كلامه الذي فيه الإلحاد الصريح حتى يعلم ما في قلبه هل يعتقد ما يقول أو لا - ولو صح قول الدكتور هذا ما كفر أحد بأي قول أو فعل مهما بلغ من القبح والشناعة والكفر والإلحاد حتى يشق عن قلبه ويعلم ما فيه من اعتقاد. وعلى هذا فعمل المسلمين على قتال الكفرة وقتل المرتدين خطأ على لازم قول الدكتور لأنهم لم يعلموا ما في قلوبهم وهل هم يعتقدون ما يقولون وما يفعلون من الكفر أو لا.
واسمع عبارته في ذلك حيث يقول: " وخلاصة المشكلة أنه (يعني شيخ الإسلام ابن تيمية) ومن يقلده في نهجه يظلون يأخذون ابن عربي وأمثاله بلازم أقوالهم بدون أن يحملوا أنفسهم على التأكد من أنهم يعتقدون (١) فعلا ذلك اللازم الذي تصوروه ثم قال: أما أن يكون في كتب ابن عربي كلام كثير يخالف العقيدة الصحيحة ويوجب الكفر فهذا ما لا ريبة فيه ولا نقاش فيه، وأما أن يدل ذلك دلالة قاطعة على أن ابن عربي كافر وأنه ينطلق في فهم الشهود الذاتي من أصل كفري هو نظرية الفيض فهذا ما لا يملك ابن تيمية ولا غيره أي دليل قاطع عليه، انتهى. وإنما سقت هذا المقطع من كلامه لإطلاع القارئ على ما فيه من تخبط وتناقض ومناقضة لأدلة الكتاب والسنة وعمل المسلمين على كفر من قال كلمة الكفر غير مكره قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ (٢)
ويلزم من هذا أيضا أنه لا يحكم بإسلام كافر، إذا نطق بالشهادتين
стр. 11439
حتى يعلم ما في قلبه هل يعتقدها أو لا؟ ولوازم هذا كثيرة، ويلزم عليه أن من دعا غير الله لا يكفر حتى يعلم ما في قلبه، ثم اعتذر عن ابن عربي بأن في كتبه كلاما آخر يناقض كلامه الكفري، ونحن نقول له إجابة عن ذلك هل ثبت لديك أنه رجع عن كلامه الكفري وأنه كتب هذا الكلام الذي يناقضه بعد ما تاب أو أنه كتبه من باب التغطية والتلبيس. ثم أنت لم تأت بشاهد على ما قلت من كلامه.
ثم قال: وإذا أبى ابن تيمية ﵀ إلا أن يحملنا على تكفير ابن عربي استدلالا بالضلالات الفلسفية التي انزلق فيها، ويعني بذلك المسألة التي سبق ذكرها وهي قول الشيخ أن أفعال الله سبحانه ليس لها بداية.
ونقول: يا سبحان الله هل وصف الرب بما يستحقه من الكمال بدوام أفعاله وكماله أزلا وأبدا وتنزيهه عن التعطيل الذي وصفه به أهل الضلال من قولهم (إنه تعالى الله عما يقولون) مضى عليه وقت لم يفعل شيئا ثم حدث له الفعل بعد ذلك هل هذا هو قول الفلاسفة الذين يقولون بقدم العالم وإنكار الخالق، إن الضلال هو قول من يعطل الله من أفعاله ويضرب له مدة لا يفعل فيها شيئا كما هو قول علماء الكلام.
وإن قول ابن تيمية هو الحق وقول أهل الحق، وأين خطؤه لو كان خطأ على فرض من كفريات ابن عربي وقوله بوحدة الوجود وأن من عبد الأصنام ما عبد إلا الله - ثم إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لم ينفرد بتكفير ابن عربي بل قد كفره كثير من العلماء حتى من الصوفية واقرأ مؤلفاتهم في ذلك منها كتاب - تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي للباقعي وغيره من الكتب. وللشيخ تقي الدين الفاسي رسالة مستقلة في تكفير ابن عربي وذكر من قال بذلك من العلماء وهي مطبوعة ومتداولة، فإذا كان بإمكان البوطي أن يكفرهم فليفعل.
стр. 11440
التعقيب السادس والثلاثون
في صفحة ٢٣٦ كتب عنوانا بلفظ: (التمذهب بالسلفية بدعة) وهذا الكلام يثير الدهشة والاستغراب - كيف يكون التمذهب بالسلفية بدعة والبدعة ضلالة. وكيف يكون بدعة وهو اتباع لمذهب السلف، واتباع مذهبهم واجب بالكتاب والسنة وحق وهدى قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﵃﴾ (١) الآية. .
وقال النبي ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين (٢)» الحديث.
فالتمذهب بمذهب السلف سنة وليس بدعة، وإنما البدعة التمذهب بغير مذهبهم. وإذا كان قصده أن التسمي بهذا الاسم حادث كما يظهر من كلامه ولم يكن معروفا من قبل فهو بدعة بهذا الاعتبار، فمسألة الأسماء أمرها سهل والخطأ فيها لا يصل إلى حد البدعة، وإن كان قصده أن في الذين تسموا بهذا الاسم من صدرت عنهم أخطاء تخالف مذهب السلف فعليه أن يبين هذا دون أن يتناول السلفية نفسها، فالتسمي بالسلفية إذا كان يعني التمسك بمذهب السلف ونبذ البدع والخرافات فهذا شيء محمود وطيب. كما قرر هذا هو في صفحة ٢٣٣ حيث قال عن حركة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وتسميتها بالسلفية: فقد كان الشعار الذي رفعه أقطاب هذه الحركة الإصلاحية هو السلفية، وكان يعني الدعوة إلى نبذ كل هذه الرواسب التي عكرت على الإسلام طهره وصفاءه. هذا ما قاله عن تلك الحركة وتسميتها بالسلفية، ولم يعب عليها هذا التسمي نظرا لسلامة أهدافها - فنقول له: وهل السلفية اليوم تعني غير ذلك.
стр. 11441
التعقيب السابع والثلاثون
وفي صفحة ٢٣٦ - ٢٣٧ عبر عن دعوة الشيخ محمد بن
стр. 11442
عبد الوهاب ﵀ بالمذهب الوهابي وقال: إن الوهابية تبرموا من هذه الكلمة لأنها توحي بأن ينبوع هذا المذهب بكل ما تضمنه من مزايا وخصائص يقف عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فدعاهم ذلك إلى أن يستبدلوا بكلمة الوهابية هذه كلمة السلفية. . إلخ. . ما قال. .
والجواب أن نقول: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ليس له مذهب خاص به يدعى بالوهابية؛ لأنه في العقيدة على منهج السلف وفي الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل الذي كان عليه علماء نجد من قبله وفي عصره ومن بعده. وأتباعه لم يتسموا بالسلفية وإنما يدعون إلى التمسك بمذهب السلف ويسيرون عليه بدون تسمية؛ لأن العبرة بالحقائق لا بالأسماء. ولأن التسمي بذلك فيه تزكية للنفس وهم لا يزكون أنفسهم، وأنا أطلب من الدكتور البوطي أن يأتي بما يدل على ما ادعاءه عليهم من كتبهم ومقالاتهم أنهم سموا أنفسهم بالسلفية، كما أطالبه أن يأتي بما يثبت أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أتى بمذهب جديد ينسب إليه، وإذا لم يأت ولن يأتي بذلك فإنه مفتر على الشيخ وعلى أتباعه. والله يجزي المفترين.
стр. 11443
التعقيب الثامن والثلاثون
في صفحة ٢٣٩ - ٢٤٠ تكلم عن زيارة القبر النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام فقال: ولكم اتهمنا واتهم كثير من المسلمين من أهل السنة والجماعة بالابتداع والمروق لأننا ذهبنا إلى ما ذهب إليه الجمهور من علماء السلف وغيرهم من أنه لا ضير في أن يعزم الرجل على زيارة كل من قبر النبي ﷺ ومسجده - كذا قال - والجواب أن نقول: إن زيارة قبر النبي ﷺ من غير سفر سنة وليست بدعة - ولم يقل أحد إنها إذا كانت على هذه الصفة بدعة ومروق. أما السفر لزيارة قبره ﷺ فهو بدعة؛ لأنه لا يجوز السفر لأجل زيارة القبور لا قبر
стр. 11444
النبي ﷺ ولا قبر غيره من الأولياء والصالحين أو الأقارب لقوله ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى (١)». وعملا بهذا الحديث لم يكن السلف والأئمة الأربعة وغيرهم من الأئمة المقتدى بهم يسافرون من أجل زيارة القبور. وقد أوغل الدكتور في الخطأ حين ادعى أن مذهب الجمهور من علماء السلف وغيرهم أنه لا ضير في أن يعزم الرجل على هذا، فإن كان قصده العزم على السفر لزيارة قبر النبي ﷺ ، فعلماء السلف ينهون عما نهى عنه الرسول ﷺ من السفر لزيارة القبور عموما. قبر النبي ﷺ وغيره.
ثم إن الدكتور خطأ شيخ الإسلام ابن تيمية في استدلاله بالحديث المذكور على منع السفر لزيارة القبور وسماه غلطا عجيبا انزلق فيه الشيخ حيث قال: ويترتب على هذا الغلط العجيب الذي انزلق فيه ابن تيمية ﵀ أن الإنسان لا يجوز له أن يشد الرحل إلى زيارة رحم أو إلى طلب علم أو إلى انتجاع رزق؛ لأن هذه الأشياء كلها خارج المساجد الثلاثة، ونحن نقول له بل الغلط العجيب ما انزلق إليه فهم الدكتور؛ لأن الحديث الشريف يعني منع السفر إلى بقاع مخصوصة لأجل التعبد فيها أو عندها غير المساجد الثلاثة، سواء كانت هذه البقاع مساجد أو قبورا أو غيرها.
أما السفر لزيارة الرحم أو طلب العلم أو طلب الرزق فلم يدخل في مدلول الحديث أصلا.
стр. 11445
التعقيب التاسع والثلاثون
في صفحة ٢٤١ قال عن سبب صبر الإمام أحمد على تحمل محنة القول بخلق القرآن: (وإنما كان سبب المحنة التي تعرض لها الإمام دون غيره هو ورعه الشديد الذي منعه أن يفصل ويفرق بين اللفظ والمعنى).
والجواب نقول له:
стр. 11446
أولا: لم يكن الإمام أحمد وحده الذي تعرض لهذه المحنة بل شاركه في ذلك خلق كثير من العلماء منهم من قتل في ذلك ومنهم من عذب وأوذي لكن يظهر أن الدكتور لم يقرأ التاريخ.
ثانيا: ليس هناك تفريق بين معنى القرآن ولفظه كلاهما كلام الله منزل غير مخلوق والتفريق بينهما بأن يقال المعنى غير مخلوق واللفظ مخلوق، هذا قول المبتدعة لا قول أهل السنة. فالإمام أحمد لم يفرق بينهما لأنه كغيره من الأئمة لا يرى فرقا بينهما ولا يعتقد عقيدة الأشاعرة.
стр. 11447
التعقيب الأربعون وهو الأخير
في صفحة ٢٥٦ - ٢٥٧ استنكر الرد على كتاب الذخائر المحمدية لمحمد علوي مالكي وبيان ما فيه من الضلالات. وقال إن محمد علوي من أهل السنة والجماعة، ولم يقرأ الناس في تآليفه وكتاباته، ولم يروا من واقع حاله إلا ما يزيدهم ثقة باستقامة دينه وصلاح حاله وسلامة عقيدته.
والجواب أن نقول له: الواجب عليك أن تنظر محتويات كتب هذا الرجل وتعرضها على الكتاب والسنة وعلى عقيدة السلف لتعرف مدى مطابقتها أو مخالفتها لهذه الأصول. ولا تعتمد على قراءة الناس، وإنما تنظر أنت هل المعترض عليه مصيب أو مخطئ - هذا ما يتطلبه الباحث المنصف الذي يحترم ما يقول ويكتب دون التهجم على من اعترض على علوي قبل معرفة وجهة اعتراضه. ثم هل كون الرجل من أهل السنة والجماعة ومن أهل الاستقامة هل ذلك يمنع من الاعتراض عليه إذا أخطأ.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبيا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 11448
الشباب
والتيارات المعاصرة
بقلم د. محمد بن سعد الشويعر
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الهادي البشير النذير، سيد الأولين والآخرين، محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على دربهم، واقتفى أثرهم إلى يوم الدين. أما بعد: -
فإن الحديث في موضوع كهذا، له أهمية كبيرة من حيث الاستيعاب والاستعداد؛ لأن ما يعترض الشباب، ويشوش أفكارهم، وخاصة في عصرنا الحاضر، الذي تكاثرت فيه التيارات المتعارضة، بحيث أصبحت الأفكار المتصارعة من نماذج متعددة، سمة من سمات العصر الذي نعيش فيه، يجب أن تؤخذ الأهبة له.
ولذا فإن على المهتمين بتأدية الأمانة العلمية والقيادية واجبا يحسن بهم أن يأخذوا الحيطة من أجله. وجهودا يجب أن يبذلوها من أجل حماية الشباب، وتحصين عقولهم من تلك الأفكار المسلطة. وتنقية أفكارهم عن تلك التيارات الجارفة. وإحلال أذهانهم بأفكار إسلامية مكانها، حتى يكون لدى الشباب في البيئة الإسلامية مناعة في التصدي، وقدرة على المجابهة.
стр. 11449
وهذا الموضوع في نظري هام وخطير، وأستميح القارئ عذرا فيما قد يبدر من قصور، أو يلمس من نواقص؛ لأن الإحاطة بجوانب هذا الموضوع، والاستشهاد بالوقائع، يحتاج لقدرة أمكن، واطلاع أكثر. . ولذا فإن ما أطرحه في هذه العجالة، ما هو إلا جهد المقل، مسترشدا بالتعليق والإضافة والتوضيح والإبانة ممن له إحاطة ودراية. . ورحم الله امرءا عرف قدر نفسه، إذ حسبي في هذا التعرض الحماسة والرغبة في المشاركة، وطرح الموضوع للإبانة عن أهمية الحاجة إلى حلول مريحة، تطمئن الأمة على شبابها، وتعين في حمايتهم من المخاطر المحدقة بهم.
ذلك أن شباب اليوم يمرون بعقبات متعددة، وتحيط بهم مدلهمات خطيرة، وتكتنفهم تيارات عديدة أكثر مما أحاط بشباب الأمس؛ لأنه قد ركز نحوهم غزو متعمد، بقصد بلبلة أفكارهم، ونصبت لهم الشباك بطرق شتى لمباعدتهم عن دينهم، وتشكيكهم في قدرة شرائعه على حل ما يعترضهم، ومحاولة صم آذانهم عن فهم تعاليمه فهما صحيحا، أو أخذها من مصادرها الموثوقة.
ولذا فإن الحماية من تلك الأخطار تحتاج إلى جهد يبذل، وعمل يتواصل وجهود تتضافر، مع فهم عميق، وإدراك وروية.
شباب اليوم انفتحت أمامهم مصادر المعرفة، وتكاثرت عليهم الآراء المتباينة. وانتشرت في ثقافاتهم الأفكار والنوايا المغرضة، التي يراد بها تشكيك المسلمين في دينهم، وانحرافهم عنه، ما بين مسموع ومرئي ومقروء.
وقد تعددت المصادر التي تأتي منها الأفكار والعلوم، وأصبحت المعرفة الموجهة إلى الشباب ذات أبعاد متنوعة من فكرية إلى عقدية إلى مادية وابتزاز، إلى ملذات ودعوة لتسليم النفس قياد الهوى، والنفس أمارة بالسوء.
стр. 11450
ترابطت أطراف العالم بثقافاته، وتشابكت الطرق المؤدية لذلك، وتعددت الوسائل الحاملة لهذه الثقافات، وخلف كل ثقافة بعدا عميقا في الجذور العقدية، والمنطلقات الفكرية. وغالبها خلفه أيد نشطة تحركه وتعذيه، وتدفع في سبيله الشيء الكثير من جهد ومال ووقت وتخطيط.
أصبحت وسائل الثقافة الموجهة، متوفرة في كل صقع من الأرض، بل دخلت كل بيت في أنحاء المعمورة، حتى أكواخ الفقراء، ومضارب البادية، وحصون النساء المخدرات، لقد تسربت إلى كل مكان تحركها عوامل متعددة: من نفس وهوى وشيطان. . وشياطين الإنس أشد خطرا من شياطين الجن.
أصبحت وسائل الثقافة اليوم سلاحا ذا حدين في التوجيه والاهتمام، وهو إن روعي فجانب خير ومفيد. . وهذا لن يتأتى إلا بجهود مبذولة في التوجيه والإعداد، ومغالبة للنفس في العمل، وهو قليل في أرض الله الواسعة، إلا ما رحم ربي.
وجهود أخرى في المراقبة والحيطة. . وهذا الجانب المهم، مهما بذل فيه فإن له طرقا للإفلات يدركها المتمرسون فيه، والمدفوعون إلى ترويجه لأي هدف، وبأي مصلحة شخصية أو جماعية.
وعندما نجيل النظر، فإننا لا نجد شخصا لا يملك جهاز راديو، أو يحتفظ بجهاز للتسجيل، كما أن الأجهزة المرئية من تلفاز وفيديو، وغيرها قد سرت في المجتمعات الإسلامية سريان النار في الهشيم.
أما الصحف والثقافات المتعددة، المهتمة بالصورة المثيرة، والمعلومات التي تتلاعب بأوتار الحواس عند الشباب، وتثير العواطف والشهوات، فهي المصدر المحبب إليهم أخذا من قول الشاعر:
منعت شيئا فأكثرت الولوع به ... أحب شيء إلى الإنسان ما منعا
فكان لا بد من معرفة ذلك، ثم التعرف على السبل المعينة على حماية