عندهم الولاء والطاعة عندما يكونون شبابا، وتحبب إليهم في سن التكليف مع الحرص على فهم ما تنطوي عليه من خيرات ومصالح. فهي تؤصل الطاعة والانقياد لولي الأمر.
ووجوب التمسك ببيعة ولي الأمر والسمع والطاعة له، وعدم الخروج عليه من الأمور التي تؤصلها عقيدة الإسلام، كما جاء ذلك في أحاديث كثيرة منها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من بايع إماما فأعطاه صفقة يمينه وثمرة قلبه، فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر (١)» رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه (٢).
والذي يجب أن يدرك الشباب خاصة وغيرهم عامة أن لزوم الجماعة في البيئة الإسلامية جزء من العقيدة التي يجب أن تؤصل في النفوس، حتى لو بدر من القيادة ما يكرهه المرء، مما يحرص أعداء الأمة الإسلامية على تجسيمه سواء كان له أساس أو مختلق، مما يقصد من ورائه التفريق، وإذكاء النزاعات، وإفساد المجتمع، فقد أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من كره من أميره شيئا فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية (٣)».
ودورنا أن نتأدب بأدبه ﷺ ، ونتأسى بأعماله، حيث نهى أن يتحدث إليه أحد في أصحابه حتى يخرج إليهم، وقلبه سليم، ونفسه صافية، بدون حقد أو ضغينة، أما أعداء الأمة المسلمة، فهم يريدون لقلوب المسلمين أن تحمل الضغينة على العلماء، والبغضاء بعضهم لبعض، وشق عصا لطاعة لولاة الأمر حتى يفسدوا المجتمع الإسلامي، ويبثوا
стр. 11482
الفتنة في أرجائه. وبذلك يسهل عليهم تحقيق مآربهم في البيئة الإسلامية، من نقاط الضعف التي أوجدوا مداخلها. وإن السبيل الوحيد الذي يفسد عليهم عملهم، هو تحصن شباب الأمة بالعلم والإدراك وبث روح الوعي لما تنطوي عليه تعاليم الإسلام في النفوس، حتى تقوى على التصدي لكل ما يبث، وإدراك ما يراد بأمة الإسلام، فإذا عرف الداء، أمكن معرفة الدواء. وبذلك تتقارب النفوس، وتتحقق الألفة والمحبة بين فئات المجتمع.
стр. 11483
٩ - النزعات العقائدية:
وهي مدخل دقيق من مداخل النفس وعواطفها، فالولاء العقدي جزء من أجزاء النفس المتأصلة، فكما أن النفس البشرية لا تستغني عن الهواء والماء، لأنهما أهم مقومات الحياة، فكذلك الارتباط العقدي، والولاء الوجداني من لوازم النفس. ومقومات كيانها.
والدارسون لخصائص النفوس، يدركون أهمية العقيدة، وحاجة النفس إليها. فالإنسان يأخذها منذ حداثة سنه ممن حوله بدءا بالأبوين، ثم بمن يرتبط به تعليما وتقليدا. وقد فطر الله الخلق على العقيدة الصافية. كما جاء في حديث رسول الله ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه، أو ينصرانه (١)».
ويأتي التأثير في العقيدة للطفل، ثم الشباب اللذين هما كالصلصال القابل للتكيف على الشكل الذي يضعه فيه من يتصرف فيه - كل من يحيط بهما، ويؤثر فيهما -.
ولا وقاية تحمي الشاب من النزعات الموجهة إليه سواء كانت عقائد دينية، أو اتجاهات فكرية في شئون الحياة المختلفة إلا بتوفيق الأمة بإعطائه حصانة ضد هذه الأسلحة الموجهة إليه، كما يعطى الطفل تحصينات ضد
стр. 11484
كثير من الأمراض في سن معينة من عمره، وتحصيناته تتم في حسن التوجيه والرعاية: في البيت والمجتمع والمدرسة.
وأعداء الإسلام يدخلون على أبنائه من طرق شتى، فيتحينون نقاط الضعف لينفذوا منها، كالشيطان الذي يحاول جذب الإنسان إلى منهجه بقدر ما يستطيع، فإذا عجز عن الدخول من طريق الإغواء إلى المعصية، دخل عن طريق الطاعات والعبادات، ليفسدها على صاحبها: مبالغة وإغواء وتشديدا، وتشكيكا ووسوسة، وغير هذا من الأعمال المفسدة لجواهر العبادة، وسلامة العمل.
والذين يكيدون للإسلام من الإنس، يحرصون على معرفة خصائص نفوس شباب الإسلام، باعتبارهم العمود الفقري للأمة، والوتد الذي يثبت به المبنى، فيحاولون دراسة نفسيته، وتقويم اتجاهاته، والتعمق في رغبات نفسه، لعلهم يجدون منفذا يدخلون معه، أو نقطة ضعف تسهل عليهم غايتهم.
ودراسة نفسية الفرد المسلم، والمؤثرات فيه، كانت متأصلة لدى الغرب نحو شباب المسلمين، في محاولة لمعرفة مواطن الضعف فيهم، والنفاذ منها لبواطن عقولهم، ثم تحريك ما يضر بهم، ويخدم أعداءهم حتى يجدوا لأنفسهم مستقرا في ديار الإسلام، وهيمنة ذات آثار قديمة قدم العداء بين الإسلام والكفر، لكن الحروب الصليبية زادتها رسوخا وإلحاحا، ذلك أنه لم يمتد مكث الصليبين في بلاد الشام إلا بعد إثارتهم للنزعات العقائدية. واتكائهم على فئات تنتمي للإسلام اسما وهي بعيدة عنه عمقا وعملا. بل تطعن الإسلام وأهله بخنجر مسموم.
وأصحاب النزعات المتعددة هم العضد المساند لأعداء الإسلام في كل وقت وزمان، وهم الذين ثبتوا أقدام الاستعمار في كل بلد إسلامي، أو بلد به فئات كبيرة من المسلمين في أنحاء المعمورة. والتاريخ خير شاهد
стр. 11485
على ذلك، فقد ذكر ابن تيمية ﵀ دور أصحاب النزعات في خدمة النصارى في بلاد الشام، ومساندتهم لهم (١). كما ذكر ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية شيئا عمن خدموا التتار في دخول بغداد. وتقويض الخلافة الإسلامية العباسية، والزحف على ديار الإسلام قتلا وتدميرا، وفي سقوط الأندلس وإقصاء الإسلام من تلك البلاد، كان للمتعاطفين مع الإفرنج من أصحاب النزعات أثر في فتح باب التعاون والتساهل، ثم التخاذل بعدما مكنوهم من رقاب المسلمين، كما جاء في كتب المؤرخين الغربيين، الذين نقل عنهم بول ديورانت في كتابه قصته، وكما نقل أطرافا من ذلك محمد عبد الله عنان في كتابيه نهاية الأندلس، ودولة الإسلام في الأندلس. وغير هذا كثير في سجلات التاريخ.
ولذا فإن الاستعمار في القرن الحاضر وما قبله، قد وجد في أصحاب المعتقدات الشاذة عن منهج الإسلام سندا قويا، فأرضى لديهم نزعة حب العلو، وأمدهم بقوته، فمهدوا له السبيل للبقاء، وكانوا شوكة في جنب الإسلام، يحركهم العدو في الاتجاه، الذي يريده ليحقق بهم غرضه، ويطعن بهم أبناء الإسلام، ويحارب بهم مبادئ هذا الدين وشريعته.
ومع انتهاء الاستعمار العسكري جاء الاستعمار الفكري، فكانت دراساتهم تخدم ذوي النزعات العقدية، وتسهل لهم الإثارة، لأنهم أدركوا من مضمون حديث رسول الله ﷺ قال: «سألت ربي ثلاثا، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة، فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق، فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها (٢)». وفي رواية مالك في الموطأ بدل الغرق: «أن لا يظهر عليهم عدوا من غيرهم (٣)».
стр. 11486
ومن تحريك النزعات: سواء كانت عقدية أو قبلية، أو طائفية تشتعل فتيلة البأس، وتتوقد نار الفتنة النائمة، فيجدها أعداء إسلام في تحريك الأمر من وراء ستار لتكبير الصغير، وتوسيع الخرق الضيق.
وفي هذا شق لعصا الجماعة، وخروج على أوامر الإسلام الذي يدعو للاعتصام والتماسك. فقد نهى ﷺ عن عصبية الجاهلية، وعن التفاخر بالأحساب والأنساب ليجمعهم حول الإسلام ومكانته في تأليف القلوب، وتوحيد الصفوف، والانصهار تحت قيادة واحدة، والسمع والطاعة لهذه القيادة، ضمن الإطار الإسلامي وفي بوتقته.
أما تحريك النزعات العقدية، فهي من الدعوات الجاهلية التي يغتنمها أعداء الأمة عندما تطغى الأثرة، وتضعف مكانة الإسلام في القلوب: عقيدة وفهما. ويضعف الوازع الديني بتغليب رغبات النفس على تعاليم الدين، وتقديم العاطفة والمصلحة الذاتية، على ما شرع الله، عند ذلك يصبح الإنسان سريع التأثر، لأنه فتح على نفسه بابا يسهل الولوج معه، وثغرة تجد الأفكار والآراء طريقا للنفاذ معها.
стр. 11487
١٠ - أما التيارات الفكرية المتنوعة، ونشرها وتمجيدها، فإن مما لا شك فيه أن كل أمة من الأمم لها فكر ينبعث من عقيدتها، وما تدعو إليه من مبادئ، ووجهات نظر، وهذه الأفكار تتنوع بحسب الاتجاه الذي ينزع إليه الداعون، ولعل أهم تلك التيارات ما يرتبط بالعقيدة، وما يمس الدين الإسلامي، وخاصة لدى أبناء المسلمين الذين درسوا في بلاد الشرق والغرب، الذين يحرص مدرسوهم على شحن أذهانهم بأفكار تشكك في قدرة إسلام ومناخه في التقديم العلمي والتكنولوجي، وأن خصائص النمو الاقتصادي، لا تتلاءم مع الفكر الإسلامي، وأن السياسة والحكم، وما ينجم عن ذلك من أسس ينتظم بها المجتمع، وتساس بها الرعية، وتكافح بها الجريمة، يجب أن تكون بعيدة عن نظرة الإسلام
стр. 11488
وقيوداته، التي تتسم بالقسوة فيما فرض من حدود. وما يطبق على الجاني من عقوبات كقطع يد السارق، ورجم الزاني المحصن، وإتلاف كل ما حرم في الإسلام، يتأثر بها بعض الشباب، أو تفرض على الشباب في تعليمه أو بوسائل الإعلام المختلفة، قبل أن تتحصن نفسه بما يعينه على مجابهة الموقف، والتصدي لمثل هذه التيارات.
وأخطر من ذلك أن يحملها شباب المسلمين لديارهم ليقنعوا بها غيرهم: فكرا مقلدا، أو ينشروها بين أضرابهم كشيء جديد وافد ليرفع المجتمع، ويعلي مكانة الأمة، وليبث ذلك كله منسوخا من البيئة المصدرة، كأي بضاعة ذات نفع في شئون الحياة.
ولذا فإن على المهتمين بأمور الشباب، أن يسلحوهم بما يعينهم لفهم الحقيقة، وإدراك كمال الإسلام، وشمول تعاليمه لما يصلح أحوال الناس في معاشهم ومعادهم، وأن تكامل العقيدة، مما يسمو بالنفس البشرية، على الإدراك المتكامل لما في الإسلام من حل لجميع القضايا المطروحة، إذ قصور البعض عن تخطي العقبات المجسمة، لم يكن من نقص في تعاليم الإسلام، ولكنه قصور في المعرفة، وضعف في التطبيق. ذلك أن هدف الإسلام النزوع إلى الحق، والإرشاد إلى الطرق المؤدية إليه.
ولو مثلنا لذلك بالحالة الاقتصادية، المبنية في المجتمع الغربي على الربا، والأرباح المركبة. فإن المسلم يستطيع أن يرد عليهم عن سبب تحريمه، واعتباره محاربة لله ، ورسوله المصطفى ﷺ ، لما فيه احتكار للمال، وإضرار بالمجتمع، وتضييق على الفقير، وزيادة فقره فقرا، وبطر للغني وزيادة غناه غنى.
ذلك أن المال الذي ينتشر في المجتمع، ويوسع فيه على المحتاج: إحسانا
стр. 11489
وصدقة، وإنظارا لمن أعسر، وتشغيلا بالأجرة والعوض وغير هذا من الأمور التي شرعها الإسلام في التعامل، لما يجعل في المجتمع حركة، ويزيد فرص العمل، ويدخل السعادة على أسر هي في أمس الحاجة إلى التماس الطريق الشريف لكسب لقمة العيش.
وهذا ما ينظر إليه الإسلام ويهتم به لأنه من التعاون والترابط الاجتماعي، ومن عدم نقمة الفقير على الغني، كما قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (١).
فالمال مال الله، والبشر مؤتمنون عليه، وجاءت شريعة الإسلام لترسم للنفس طريقة الأمانة للتصرف في هذا المال، أخذا وعطاء، ورأفة بالعباد، وأداء لحق الله فيه.
ولأن المال هو عصب الحياة، وشريانها النابض، كما يقول المختصون في هذا المجال، فإنه يجب أن يرسخ في أذهان الشباب، ركائز الإسلام في تمكين قواعد التوجيه فيه، واختلاف منهجه عن نظرة الماديين، وأصحاب المبادئ الأخرى والإبانة عن وسطية الإسلام في تسيير المال لشئون الحياة بين المذهبين المتحكمين عالميا اليوم: الرأسمالية والاشتراكية. وأن تسخير المال، وتوزيعه في البيئة الإسلامية، لم يكن خاضعا لأنظمة بشرية، تخطئ أكثر مما تصيب، ولكنه توجيه من رب العالمين، الذي يعلم ما يصلح أحوال الناس وما يتلاءم مع متطلبات حياتهم، أو تنتظم به معيشتهم.
وما يقال عن المال، يقال مثله عن حاجة المجتمعات إلى الأمن، وعقوبة الإسلام الشديدة والرادعة، لمن يزعزع راحة المجتمعات، أو يتعدى على الممتلكات والحرمات، إذ الرخاء والاستقرار، واتساع الحضارة، وانتظام المعيشة وغير هذا من شئون الحياة المتعددة، لا يهدأ وضعها، ولا يفسح
стр. 11490
المجال أمامها للنمو بدون الأمن. والموجهون للشباب في المجتمع الإسلامي، عليهم دور كبير في تلقيح أذهانهم بما يضاد تلك السموم الموجهة، وتعبئة الأوعية المتهيئة، بما يكفيها عن استقبال كل وافد، ليكون في المجتمع سد منيع، ضد التيارات الموجهة، وإيقاف زخرف نشرها، أو تمجيدها، بفكر أقوى، وإدراك أشمل وأصلح، والبقاء كما يقال للأصلح. وحتى يدرك الشباب بأن فكر الإسلام هو الأصلح، فلا بد من مخاطبة عقولهم من منطوق الشبهات المطروحة، وتوضيح نظرة الإسلام الحقيقية للأمور مقرونة بالنتائج والأسباب والمسببات، وموثقة بالبراهين والأرقام، حتى تكبر تعاليم الإسلام في نفوسهم ويجدون ما يعينهم في دحض الفكر الوافد، المرتكز على عناصر مادية وإلحادية بحتة، كإنكار ما وراء الطبيعة من العوالم، أو الفكر المنقول مع التقنية، المصحوبة بمناهجها، وأصولها المادية.
إذ أخطر ما يواجه الشباب المسلم، وخاصة الذي يدرس في بلاد لا تدين بالإسلام، بل تحاربه، وتحارب أفكاره، ما يجده من أفكار ونظريات علمية، تغاير الفكر الإسلامي وحقائقه، فالطالب على مقاعد الدراسة، يتشوق لدراسة العلوم المختلفة، ويرغب في نقل التكنولوجيا إلى بلاده، لكنه يتعرض لنظريات وقوانين، قد صيغت بأسلوب إلحادي يشككه في دينه.
ولذا فإن على علماء المسلمين مسئولية كبيرة في تغيير الصياغة العلمية، بمختلف الفنون بما يتمشى مع الإيمان الصحيح، الذي بموجبه يتنقى فكر الشباب المسلم وتتركز مصادر الأخذ بما يطمئن على سلامة العقيدة. وهذا ما يدعو إليه المخلصون باسم أسلحة المعرفة.
стр. 11491
١١ - أما تبني التيارات الأدبية بمذاهبها وأهدافها: فإن هذا من أخطر ما يواجه الشباب اليوم، عندما قلدوا كل وافد، إذ التأثير العلمي قد يكون أخف، فهو مصحوب بأمور مادية ونتائج تجريبية، لكن الأدب
стр. 11492
فكر وثقافة، ولذا نلمس في الحداثة قدحا للتراث الإسلامي ونعوتا لمصادر الشريعة الإسلامية، وإبرازا لشخصيات عرفت من قبل بجنوحها العقدي كالحلاج والأسود العنسي ومهيار الديلمي، وميمون القداح وغيرهم حيث يرفعون من قدرهم ويعلون مكانتهم. وكل واحد من هؤلاء وغيرهم له في التاريخ الإسلامي سجل أسود.
حيث أطلق عليهم علماؤنا القدامى الكفر، ووصموهم بالمروق من الدين، وبانت أفكارهم الجدلية وعلاقاتهم بأديان ومعتقدات الأمم التي غلبتها الجيوش الإسلامية، وانطوت تحت لواء الدولة التي يحكمها كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، من باب محاولة إفساد الإسلام من داخله.
وإذا كان المنتمون لهذا الخطر منذ الدولة العباسية، هم أصحاب النزعات البعيدة عن الوفاق مع تعاليم الإسلام، ليعبروا في أدبهم عن مكنون نفوسهم، وارتباطهم بمن خلفهم، كما يلمس مثل ذلك في شعر بشار بن برد، ومحاولته الرفع من المانوية، وهي عقيدة وثنية، تمثل إله النور والظلام، وتعمده السخرية من النسب العربي، فإن مثل هذه الحركة قد كثرت في عهد المنصور وابنه المهدي، وحاربوهم باسم الزندقة، وكثر المنتمون إليها، وممن قتل من الأدباء لأفكاره: بشار بن برد، وابن المقفع وصالح بن عبد القدوس، وغيرهم.
ولذا كان مثل هذا المنهج مطية في بلاد الشرق والغرب، يعبر بها الأدباء المنفلتون من قيود الدين والأمانة عن خلجات نفوسهم، ورغباتهم الذاتية، وانتقاداتهم الاجتماعية، وانتماءاتهم الفكرية والعقدية.
ولأن عذر هؤلاء في الالتزام بمثل هذه الشهوات، فإن من سايرهم من أبناء المسلمين في اتجاهاتهم فإنهم غير معذورين، لأن لهم فكرا غير فكرهم، ومنطلقا غير منطلقهم، وثقافة غير ثقافتهم.
واتباع بعض الشباب في ديار الإسلام لما سار عليه أولئك، من تسخير
стр. 11493
الأدب: فكرا وأسلوبا وألفاظا. للتعبير والدعوة عما يختلف عن منهج الإسلام، وحرص تعاليمه على حماية الفرد، وسلامة المجتمع، لما يضر بهما، أو يخلخل كيانهما، وهو قصور في الفهم، ونقص في الإدراك، وتقليد جاء من غير روية، ومركب نقص، يعبر عنه صاحبه بشيء قد لا يدرك أبعاده. ومن هنا يلمس المتتبع لمسيرة بعض الشباب الأدبية؛ أفكارا تطرح، وألفاظا يؤتى بها، تخدم مذاهب وأهدافا تأباها تعاليم الإسلام، وينهى عنا شرع الله، وتتنافر مع صحيح اللغة وقواعدها.
ذلك أن من منهج شرع الله الذي شرع لعباده، ما قاله رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁ ضمن وصية يجب أن يأخذ بها كل مسلم، ومنها قوله ﷺ : «كف عليك هذا. وأشار إلى لسانه. فقال معاذ: أنحن مؤاخذون بما نقول يا رسول الله؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ. وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو قال على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم (١)». وما يرصده القلم هو جزء من حصاد اللسان.
والذي يجب أن ينمى عند شباب المسلمين، أن الفكر يجب أن يكون مأخذه إسلاميا، ومستمدا مما يدعو إليه الدين بمصدري التشريع فيه كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، ثم بما فهمه وسار عليه سلف الأمة. وأن تكون الحصيلة الأدبية، أداة تخدم هذا الفكر، سواء كانت شعرا أو نثرا، وسواء كانت خطابة أو مشاركة كتابية.
وأن تعالج القضايا التي تمر بالفرد والجماعة، من زاوية الامتثال لذلك الشرع، وتثبت دعائمه في النفوس. لأن القرآن الكريم، لم يكن بمعزل عن الحياة، مهما جد في كل عصر ومهما تغيرت أساليب وأنماط العيش فيها، لأن الله جل وعلا يقول وقوله الحق: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢)
стр. 11494
وعمل الأديب في المجتمع الإسلامي، يجب أن يكون متشبعا بفكره، منطلقا من أسلوب دعوته، مدافعا عن كل دخيل على هذا المجتمع، لأن أعداء الإسلام يحرصون على تغيير شخصية والتزام أبناء المسلمين، ويرون الأدب وسيلة من تلك الوسائل، وأقصرها منفذا.
وإيقاف الزحف الفكري، الموجه للشباب عن طريق مسارب الأدب، يحتاج إلى تنمية الأصالة في الشباب، وربطهم بجذور لغتهم، ومكانة دينهم، وسمو تعاليمه، وشمولية فوائده، وإثبات ذلك بالوقائع والبراهين، وتعميق الجذور التراثية من نفوسهم، ذلك الوتر الذي يضرب عليه أعداؤهم ليباعدوا بينهم وبينه، وليجعلوا نفوسهم في شك من الماضي، وقدرة على تحمل الواقع بدون استناد على هذا الفكر والثقافة الوافدين إليهم من بلاد توسم بالرقي والحضارة والتقدم.
وإذا أدرك الموجهون للشباب، ثم بثوه بينهم عقيدة ومنهجا مثل هذا النص الكريم: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (١).
فإنه سيكون منهم من يدرك الحجاب الذي يجب الاحتماء به، والشخصية المستقلة التي تحسن مجابهة تلك التيارات سواء كانت من هاتين الملتين، أم من غيرها. وأول ذلك عدم القدوة بغيرهم مظهرا وسلوكا، وفكرا وسيرة عمل.
стр. 11495
١٢ - ويأتي دور: تثبيط همم الشباب، وتشكيكهم في قدرة أمتهم الإسلامية في مسايرة الأمم الأخرى حضاريا وعلميا: إذ هذا التثبيط مبعثه قصور المعرفة لدى الشباب، فمن يناقش الجاهل يغلبه، ومن يطرح شبهات على من هو خالي الوفاض، يشككه في أمره.
وشباب المسلمين الذين بهرتهم الحضارات الحديثة، وأساليب الصناعة والمخترعات، ثم بما يحجزه عنهم الغربيون والشرقيون على السواء، من أسرار
стр. 11496
العلوم والتكنولوجيا، كل هذا وأكثر منه، يدفع شباب المسلمين إلى التعلق بأولئك وفكرهم، وتبني انتقاداتهم وتشكيكهم في قدرة الأمة المسلمة، على مسايرة هذه الأمم حضاريا وعلميا، وذلك بوصم الإسلام وتعاليمه بنعوت كثيرة، وبقصوره في الميدان: الاقتصادي، والقانوني، والتنظيمي، والإعلامي وغير هذا من سبل الحياة الحاضرة.
وهذه النغمة لم تكن جديدة، بل بدأها اليهود في المدينة في حياة رسول الله ﷺ يبثونها فكرا بين المشركين المعاندين للرسالة، وتشكيكا مع بعض الصحابة في النقاش والشبهات التي تطرح. ثم كبرت واتسع نطاقها مع الحملات الصليبية. ولما بدأ الاستشراق يأخذ سمة الثقافة والإفادة مع النهضة الأوروبية، ساق الحقد وسوء الفهم كثيرا من المستشرقين لينفثوا سموما، وينشروا شبهات حول رسول الله ﷺ والقرآن الكريم، وعدم صدق دلالة ما جاءا به، والأساليب التي نظمت ذلك من حدود وزواجر. فطرحت المسائل الكثيرة على أنها شبهات تصم الإسلام بعدم القدرة، ورجاله القائمين عليه، وفي مقدمتهم رسول الله ﷺ ، بنعوت تقلل من قدرهم، وتضعف من مكانة الاتجاه الذي ساروا إليه، والهدف الذي قصدوه. وذلك بإطلاق المطامع الدنيوية، والرغبات الشخصية على أعمالهم، ووصمهم بالعنف والشدة، ونعت تعليم دينهم وحدوده الشرعية بالقسوة، وعدم ملاءمة العصر الذي نعيش فيه لتلك الأحكام. ثم وضع مقاييس ومعايير تخدم هدفا ثانويا وقام بها رجال في مجتمعاتهم عرفوا بالظلم والشدة، كنماذج لرجال الإسلام وتعاليمه، مع أن البون شاسع، والهدف متغاير.
فرجال الإسلام يريدون ما عند الله، والجزاء الأوفى في الآخرة، وهؤلاء يريدون التسلط والتشفي والمتعة، والانتقام.
وفي العصر الحاضر، الذي أخذ سمة التقنين لكل نظام، والتخصص
стр. 11497
لكل فن، والتعقيد لكل أمر، يوضع أمام شباب المسلمين وجهات نظر مجسمة عن قصور الشريعة الإسلامية، في التكيف مع تلك النظم، وقدرتها في الصمود لتسيير الأحوال، لأنها - حسب مفهومهم - شريعة تقتصر على العبادة.
والحياة الصناعية والعلمية، وأساليب التعامل في الحضارة الراهنة، تتطلب مرونة واتساع أفق، لا يتيسر وفق تعاليم الإسلام المحصورة في نطاق ضيق لا يستوعب شئون الحياة الحاضرة. ولكي يجدوا لأقاويلهم مدخلا في أذهان بعض الشباب الفارغة، فإنهم يضربون لهم الأمثال بتمرد رجال العلم والتكنولوجيا في الغرب، على الكنيسة، التي حصرتهم في نطاق ضيق، وشددت على العلم والعلماء في محاكم التفتيش إبان النهضة الأوروبية الحديثة، حتى ظهر عندهم شعار التمرد على الكنيسة ورجالها باسم: دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله.
وغير هذا من نماذج وشبهات، يجدر بالموجهين للشباب الإسلامي، أن يحصنوهم ضدها، ليدركوا أن الدولة الإسلامية صلحت وأصلحت المجتمعات منذ عهد رسول الله ﷺ وحتى قرون متطاولة. استوعبت خلالها العلم والتقدم والحضارة، بشتى مناحيها، وسعدت المجتمعات، واستقامت أحوال الناس في معاشهم وتنظيم حياتهم، بل سعد الغرب بما أخذ من المسلمين من علوم ومعارف، وبما استفاده من تنظيم وتقنين لنواحي أعمال الحياة. ولم تقف حضارة الغرب، إلا على أسس متينة مما أرساه الإسلام والمسلمون وما عرفت الإنسانية منهجا سليما في العدالة وحسن الاستقامة، إلا تحت ظل الشريعة الإسلامية، وقد شهد جم غفير من مفكري الغرب والشرق بمكانة الإسلام، ودوره في إسعاد البشرية، ومنهم أديسون الذي قال: إن الإسلام لم يكن دينا للعرب، وإنما هو دين الإنسانية من أقصى الأرض إلى أقصاها، ولا هو مختص بجيل دون جيل،
стр. 11498
بل هو لعامة الأجيال إلى منتهى الدهر.
ذلك أن الدين الإسلامي يحث على العلم بجميع فروعه، وليس علم الحديث والفقه والمنطق والشرع فقط، وإنما كل ما تناله الكلمة من علم الطب والهندسة والفيزياء والكيمياء وجميع العلوم، والدين الإسلامي لا يختلف هو والعلم، ولا يمكن أن يختلفا، بل الذي نعلم أن أكبر العلماء وأرسخهم علما هو أقربهم إيمانا وخشية لله سبحانه - كما قال بذلك قبيسي -.
ويقول ماركوس دودز: ليس في الدين نفسه ما يتعارض مع التقدم العقلي، فالعقيدة التي يتمسك أتباعها بالمبدأ القائل: أوصى الله إلى رسله، تترك أوسع مجال للتفكير والتأمل، والدين الذي يخص كل جندي يقع في ميدان القتال في سبيل الله بتاج الاستشهاد، ويعلن في الوقت نفسه أن مداد العالم أغلى من دم الشهيد، ليس من العدل في شيء أن يوصم بأنه دين ظلام.
ولذا فإن الشباب في المجتمع الإسلامي في حاجة إلى أن ينور ذهنه، وتوسع مداركه بمثل هذه الأقوال، وبما صدره كثير من مفكري الغرب، اعترافا للحق على أنه الحق، حيث إن أمثال كتاب: شمس العرب تسطع على الغرب للكاتبة الألمانية زيغريد هونكه، والقرآن والتوراة والإنجيل والعلم للدكتور الفرنساوي موريس بوكاي، وروح الإسلام للمسلم المؤرخ الهندي سيد أمير علي، والطريق إلى مكة للمسلم المجري محمد أسد، وغيرها من الكتب التي اقترن فيها الفكر بالعلم، وهذا من باب مخاطبة الناس بما يعرفون، وإلا فإن في كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، وفهم رجال السلف من هذه الأمة ما يغني ويثري: ثقافة وعلما، وردودا وتوضيحا، كما كان الإمام مالك يقول: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وفهم الشباب للإسلام هو الذي سيصلح
стр. 11499
أحوالهم ونظراتهم للأمور، لأن بذلك العزة والارتقاء، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومتى ابتغينا العز بغيره أذلنا الله.
وإن أهم ما يقف أمام الشباب البلبلة الفكرية، ونقل الفكر إليهم مع التقنية مصحوبة بمناهجها وأصولها المادية، ذلك أن الفكر في النظريات العلمية والفيزياء، ينكر ما وراء الطبيعة، ويرتكز على عناصر مادية إلحادية بحتة، حسب صياغاتها، وذلك لقلة المؤمنين في الميدان العلمي.
ويمكن للعالم المسلم تغيير تلك الصياغات بما يتمشى مع الإيمان الحقيقي، وتقديمها للشباب كمادة محببة، مرتبطة بالجذور العقدية، والأصل الإيماني في التفكر الذي أمر الله به الفئة المؤمنة، ومتأصلة في العلماء خشية لله، واعتقادا في كمال قدرته، وإحاطته بكل شيء، وأن ما علمه البشر ما هو إلا قليل في علم الله جل وعلا، الذي وسع كل شيء علما.
стр. 11500
ما انفرد به القراء الثمانية
من
الياءات والنونات والتاءات والباءات
لأبي الطيب عبد المنعم بن عبيد الله غلبون
المتوفى سنة ٣٨٩ هـ
تحقيق / د. علي حسين البواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وبعد:
فقد وردت قراءات متواترة لكتاب الله العزيز، عني العلماء بجمعها وتصنيفها، وتنوعت أساليب التأليف فيها.
ولما كان مما وردت فيه الروايات عن القراء اختلافهم في حروف متشابهة في الرسم مختلفة في الوسم، كالباء والتاء والياء والنون، فقد تنبه أبو الطيب ابن غلبون أحد أعلام القرن الرابع الهجري إليها، وخصها بالتأليف في هذه الرسالة التي نقدم لها، والتي تظهر مدى عناية العلماء بكتاب الله تعالى.
جمع ابن غلبون في هذه الرسالة ما انفرد به كل قارئ من القراء السبعة - أو أحد الرواة - في حرف من الحروف الأربعة: الباء والتاء والياء والنون: فقارئ يقرأ (يعملون) بالياء وسائر القراء السبعة بالتاء، وآخر يقرأ (أولا ترون) بالتاء وغيره بالياء، وقارئ ينفرد بقراءة (حيث نشاء) بالنون، ويتفق القراء على قراءتها بالياء، وأحد القراء يتفرد
стр. 11501
بقراءة (بشرا) والقراء (نشرا). وهكذا.
وقد يتعدى الخلاف ذلك إلى اختلاف ضبط الكلمة كلها، فقارئ ينفرد بقراءة (يجزى) بالياء والبناء للمجهول وسائر السبعة (نجزي)، وقارئ يقرأ (نقضي إليك وحيه) وغيره (يقضى إليك وحيه). وقد يكون الخلاف بفك أحد هذه الحروف كقراءة (ما مكنني). والآخرون بالإدغام أو غير ذلك مما يتعلق بهذه الحروف.
والقراء السبعة الذين يتناول المؤلف ما انفرد كل واحد منهم، هم على ترتيب المؤلف:
١ - عبد الله بن كثير الداري المكي، المتوفى سنة ١١٠ هـ (١)، وقد انفرد بتسع كلمات من الأنواع الأربعة. كما انفرد بكلمة واحدة راويه قنبل، محمد بن عبد الرحمن المتوفى سنة ٢٩١ هـ (٢).
٢ - نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني، المتوفى سنة ١٧٠ هـ (٣)، وانفرد بسبعة حروف.
٣ - عاصم ابن بهدلة بن أبي النجود الكوفي، المتوفى سنة ١٢٩ هـ (٤)، وله سبعة حروف انفرد بها.
وقد كان لكل من راويي عاصم انفرادات: فأبو بكر، شعبة بن عياش المتوفى سنة ١٩٣ هـ (٥)، ينفرد بإحدى عشرة كلمة، وحفص بن سليمان المتوفى حوالي سنة ١٨٠ هـ (٦) ينفرد بثلاث عشرة.
٤ - عبد الله بن عامر اليحصبي الشامي المتوفى سنة ١١٨ هـ (٧)، انفرد
стр. 11502
بخمس عشرة كلمة.
كما اختلف راوياه أيضا: فانفرد عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان المتوفى سنة ٢٤٢ هـ (١) بحرفين، وانفرد هشام بن عمار المتوفى سنة ٢٤٥ هـ (٢) بثلاثة.
٥ - أبو عمرو بن العلاء زبان، الإمام اللغوي البصري، المتوفى حوالي سنة ١٥٠ هـ (٣)، روي عنه واحد وعشرون حرفا انفرد بها.
٦ - حمزة بن حبيب الزيات الكوفي، المتوفى سنة ١٥٦ هـ (٤)، انفرد بستة عشر حرفا.
٧ - علي بن حمزة الكسائي المتوفى سنة ١٨٩ هـ (٥)، وله أربعة حروف.
فيكون مجموع الحروف للقراء السبعة تسعة ومائة حرف.
وبعد أن فرغ المؤلف أضاف للقراء السبعة يعقوب بن أبي إسحاق الحضرمي البصري المتوفى سنة ٢٠٥ هـ (٦) وهو الذي عده كثير من مؤلفي القراءات ثامن القراء، وأدرجه من جمع من القراء أكثر من سبعة. وقد نقل عنه المؤلف ثمانية عشر حرفا انفرد بها. كما أن لراوييه انفرادات: فرويس، محمد بن المتوكل، أبو عبد الله اللؤلؤي البصري المتوفى سنة ٢٣٨ هـ (٧) انفرد بثمانية حروف، وروح بن عبد المؤمن الهذلي البصري المتوفى سنة ٢٣٤ هـ (٨) انفرد بحرفين فصار مجموع ما انفرد به يعقوب وراوياه ثمانية وعشرين حرفا.
стр. 11503
ولو جعل المؤلف غرضه أصلا أن يضيف يعقوب إلى السبعة لاختلف الأمر، فمن الانفرادات لبعض السبعة ما وافقهم عليها يعقوب، وعليه لا تعد مما انفرد به قارئ واحد.
أما مؤلف الرسالة (١): فهو الإمام الحافظ الماهر عبد المنعم بن عبيد الله بن غلبون، أبو الطيب الحلبي، ولد بحلب سنة ٣٠٩ هـ، وتلقى علومه على أكابر علماء العصر في القراءات والحديث، وانتقل إلى مصر، واستقر بها وتوفي فيها سنة ٣٨٩ هـ. وقد تلمذ له عدد من علماء العصر، في مقدمتهم ولده أبو الحسن طاهر، ومكي بن أبي طالب، وأبو عمر الطلمنكي. وكان أبو الطيب ذا عفاف ونسك، خيرا صالحا.
ألف ابن غلبون عددا من الكتب في القراءات منها:
الإرشاد في معرفة مذهب القراء السبعة.
إكمال الفائدة في القراءات السبعة.
استكمال الفائدة - في الإمالة.
المرشد في القراءات السبعة.
التهذيب لاختلاف قراءة نافع (٢).
أما الرسالة التي بين أيدينا، فمخطوطاتها تحتفظ بها مكتبة شستربتي بإيرلندا تحت رقم ٣٦٠٣، وفي جامعة الإمام صورة لها تحمل الرقم نفسه، وهي ثلاث لقطات (ست صفحات) في آخر المجموع الذي يحوي كتاب " الوجيز في أداء القراء الثمانية " للأهوازي، من ورقة (١١٠ ب - ١١٣ أ) وقد كتبت سنة ٦٥٧ هـ بخط نسخي واضح، وقوبلت على الأصل، وعليها بعض التصحيحات، وعدد أسطر كل صفحة ثلاثة وعشرون سطرا. وقد وقع في المخطوطة بعض الأخطاء.
стр. 11504
وقد كان من عملي في النص الإشارة إلى أرقام الآيات في السور، ثم مراجعة القراءات على بعض المصادر وهي: السبعة لابن مجاهد، والتيسير للداني، والكشف لمكي، والإقناع لابن الباذش، والنشر لابن الجزري. وفي قراءة يعقوب التي لا توجد - فيما ذكرت - إلا في النشر أضفت إليه إتحاف فضلاء البشر وبعض كتب التفسير التي تعنى بالقراءات.
وقد أشرت إلى ما وقع في المخطوطة من أخطاء صوبتها، وإلى ما أورد المؤلف من قراءات تخالف المصادر التي نعرفها.
وبعد
فهذه رسالة صغيرة نافعة، وهذا عمل متواضع في تقديمها وتحقيقها، نسأل الله تعالى أن يكتب لنا أجر هذا العمل، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ما انفرد به القراء الثمانية من
الياءات والنونات والتاءات والباءات
لأبي الطيب ابن غلبون
قال أبو الطيب، عبد المنعم بن عبيد الله بن غلبون المقرئ ﵁:
اعلم - نفعنا الله وإياك - أن المختصين بحفظ القرآن، والمعتمدين على ذكر اختلاف القراء في الروايات، والتالين بالحروف التي صح نقلها في الروايات المذكورات، يحبون أن يعرفوا كل ما انفرد به كل واحد
стр. 11505
من القراء مجملا، من الياءات والنونات والتاءات والباءات، فأفردته ليحفظ بكماله، ولا يغيب عن الطالب له منه شيء إن شاء الله.
وجملة دور هذا الباب في القرآن للقراء السبعة المشهورين دون غيرهم مائة وتسعة (١) مواضع، فأول ما أذكر منه:
стр. 11506
ما انفرد به عبد الله بن كثير في روايتيه
وجملته عشرة مواضع:
تفرد بخمس نونات:
أولها في سورة " يوسف ": (حيث نشاء) بالنون.
وفي " الكهف ": (ما مكنني فيه ربي) بزيادة نون (١).
وفي " الفرقان ": (وننزل الملائكة) بضم النون الأولى وإسكان الثانية وكسر الزاي.
وفي " النمل ": (أو ليأتينني بسلطان مبين) بنونين ظاهرتين.
وفي " الروم ": (لنذيقهم) (٢) في رواية قنبل فقط.
وتفرد بخمس ياءات أيضا:
- في سورة " البقرة ": (وما الله بغافل عما يعملون) بعده (أفتطمعون)
стр. 11507
وفي سورة " النمل " (ولا يسمع الصم) بالياء وفتح الميم ومثله في " الروم ".
وفي آخر " الحجرات ": (والله بصير بما يعملون) بالياء.
وفي سورة " ق ": (هذا ما يوعدون) بالياء (١). فهذا جميع ما انفرد به.
стр. 11508
ذكر انفراد نافع في روايتيه
وجملته سبعة (١) مواضع:
تفرد بالتاء في أربعة مواضع:
أولها في " آل عمران ": (ترونهم مثليهم) بالتاء.
وفي " القصص ": (تجبى إليه).
وفي سورة " الروم ": (لتربو) بالتاء وهي مضمومة.
وفي سورة " المدثر ": (وما تذكرون).
وتفرد بالنون في موضعين:
стр. 11509
في " آل عمران ": (لما آتيناكم).
وفي " حم السجدة ": (ويوم نحشر أعداء الله).
وتفرد بالياء في موضع واحد:
وهو قوله تعالى في سورة " البقرة ": (يغفر لكم) بالياء.
стр. 11510
ذكر انفراد عاصم في روايتيه
تفرد بسبعة مواضع:
تفرد بالباء في أربعة مواضع:
في " الأعراف " و " الفرقان " و " النمل ": بشرا بين يدي رحمته بالباء وهي مضمومة وإسكان الشين والتنوين.
وفي " الأحزاب ": (لعنا كبيرا) بالباء.
وتفرد بالنون في موضعين:
- في " التوبة ": إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بالنون فيهما.
وتفرد بالياء في موضع واحد:
- في " النحل ": والذين يدعون من دون الله بالياء.
стр. 11511
ذكر انفراد أبي بكر بن عياش عنه
تفرد بأحد عشر موضعا:
تفرد بتاء واحدة:
- في " النحل ": (أفبنعمة الله تجحدون).
وتفرد بثلاث نونات:
قي " يونس ": (ونجعل الرجس) بالنون.
وفي " النحل ": (ننبت لكم).
وفي " الأنبياء ": (لنحصنكم من بأسكم).
وتفرد بسبع ياءات:
أولاهن في " الأنعام ": (ولينذر أم القرى).
وفي " الأعراف ": (ولكن لا يعلمون).
وفي " العنكبوت ": (ثم إلينا يرجعون).
وفي سورة " محمد " ﷺ : (وليبلونكم حتى يعلم المجاهدين)، (ويبلو أخباركم) بالياء في الثلاثة.
وآخر سورة " المنافقين ": (والله خبير بما يعملون).
стр. 11512
ذكر انفراد حفص عنه
تفرد بثلاثة عشر موضعا:
تفرد بتاء واحدة:
- في سورة " الفرقان ": فما تستطيعون صرفا بالتاء.
وتفرد بثلاث نونات:
أولاهن في سورة " يوسف ": إلا رجالا نوحي إليهم.
وكذلك في " النحل "، والأول من سورة " الأنبياء ": إلا رجالا نوحي إليهم.
وتفرد بتسع ياءات:
أولاهن في سورة " آل عمران ": فيوفيهم أجورهم.
وفيها: وإليه يرجعون بالياء.
وفيها: خير مما يجمعون (١).
وفي سورة " النساء ": سوف يؤتيهم أجورهم بالياء.
وفي الموضع الثاني من " الأنعام ": ويوم يحشرهم.
وكذلك الموضع الثاني من " يونس " بالياء فيهما.
стр. 11513
وفي " سبأ ": ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول بالياء فيهما (١).
وفي سورة " القيامة ": من مني يمنى بالياء.
فهذه تسعة مواضع بالياء، الجميع ثلاثة عشر موضعا.
стр. 11514
ذكر انفراد ابن عامر في روايتيه
تفرد بخمسة عشر موضعا:
تفرد بالتاء في تسعة مواضع:
أولاهن في سورة " البقرة ": (تغفر لكم) بالتاء.
وفي " المائدة ": (أفحكم الجاهلية تبغون).
وفي " الأنعام ": (وما ربك بغافل عما تعملون).
وفي " الأنفال ": (إذ تتوفى).
وفي " يونس ": (خير مما تجمعون).
وفي " الكهف ": (ولا تشرك في حكمه أحدا).
стр. 11515
وفي " الأنبياء ": ولا تسمع الصم.
وفي " الشعراء ": (أو لم تكن لهم آية).
وفي " الحديد ": (فاليوم لا تؤخذ منكم) بالتاء.
فهذه تسع تاءات.
وتفرد بالنون في ثلاثة مواضع:
أولها في " يونس ": (هو الذي ينشركم) من النشر.
وفي " الفرقان ": (فنقول أأنتم أضللتم) بالنون.
وفي " الزمر ": (تأمرونني أعبد).
وتفرد بالياء في موضع واحد:
في " الأعراف ": (قليلا ما يتذكرون) بالياء والتاء.
وتفرد بموضعين:
أحدهما يبدل من الياء ألفا وهو قوله تعالى: (هو مولاها) (١) بفتح اللام وألف (٢) على وزن " مفعل ".
стр. 11516
والحرف الآخر يحذف منه ياء ونونا، وهو قوله تعالى في سورة " الأعراف ": (وإذ أنجاكم).
ذكر انفراد ابن ذكوان عنه
تفرد بزيادة باء في " آل عمران "، في قوله تعالى: (جاءوا بالبينات وبالزبر) بزيادة الباء في (الزبر) فقط.
وتفرد بتاء واحدة في سورة " طه " وهي قوله تعالى: (تخيل إليه من سحرهم) (١) بالتاء، فهذا جميع ما انفرد به.
ذكر انفراد هشام (٢) عنه
تفرد بزيادة باء أخرى على زيادة ابن ذكوان، فقرأ في " آل عمران ": (جاءوا بالبينات وبالزبر وبالكتاب) والزيادة في (الكتاب)، ووافق ابن ذكوان على زيادة الباء في (والزبر) (٣).
وقرأ في " الحشر ": (كي لا تكون) بالتاء (دولة) بالرفع.
وقرأ في " الأحقاف ": (أتعداني) بنون مشددة مع إسكان الياء. فجميع ما تفرد به ثلاثة مواضع.
стр. 11517
ذكر انفراد أبي عمرو بن العلاء البصري
وجملة انفراده واحد (١) وعشرون موضعا.
انفرد من التاء بأربعة مواضع:
- أولها في " الأنفال ": (أن تكون له أسرى).
- وفي " النحل ": (تتفيؤ ظلاله).
- وفي " الحج ": (أهلكتها).
- وفي " الأحزاب ": (لا تحل لك النساء).
وتفرد من النونات بنونين:
أولها في سورة " طه ": (يوم ننفخ في الصور) بالنون مفتوحة.
وفي " الطور ": (وأتبعناهم) بالنون والألف.
وتفرد بخمس عشرة ياء:
أولاهن رأس تسع وأربعين ومائة من سورة " البقرة ": (وما الله بغافل عما يعملون) بالياء (٢).
وفي " الأعراف ": (أن يقولوا) و (أو يقولوا) بالياء فيهما.
стр. 11518
وفي " بني إسرائيل ": (ألا يتخذوا).
وفي " طه ": (إن هذين لساحران).
وفي " القصص ": (أفلا يعقلون).
وفي " الأحزاب ": (إن الله كان بما يعملون خبيرا) وفيها (وكان الله بما يعملون بصيرا) بالياء فيهما.
وفي " فاطر ": (كذلك يجزى كل كفور) بالياء.
وفي " الفتح ": (وكان الله بما يعملون بصيرا).
وفي سورة " الأعلى " : (بل يؤثرون).
وفي " الفجر " أربع ياءات: (كلا بل لا يكرمون)، (ولا يحضون)، (ويأكلون)، (ويحبون)، وبالياء في الأربعة.
стр. 11519
ذكر انفراد حمزة في روايتيه
وجملة ذلك ستة عشر موضعا.
стр. 11520
تفرد من التاء بخمسة مواضع (١):
في " آل عمران ": (ولا تحسبن الذين كفروا)، (ولا تحسبن الذين يبخلون)، بالتاء فيهما.
وفي " التوبة ": (أو لا ترون أنهم يفتنون) بالتاء.
وفي " النمل " و " الروم ": (وما أنت تهدي) بالتاء فيهما (العمي) بالنصب.
وتفرد بسبع ياءات:
أولاهن في " آل عمران ": (سيكتب ما قالوا)، (ويقول) بالياء فيهما.
وفي " النساء " رأس اثنتين وستين ومائة (سيؤتيهم أجرا عظيما).
وفي " الأنعام ": (توفاه رسلنا). وفيها (استهواه الشياطين) بالياء فيهما.
وفي سورة " النحل " (الذين يتوفاهم الملائكة) في الموضعين جميعا.
وتفرد من النونات بأربعة مواضع: