٢٥ - وروى البيهقي بسنده إلى زيد بن وهب قال: كان عمر بن الخطاب يروحنا في رمضان، - يعني بين الترويحتين - قدر ما يذهب الرجل من المسجد إلى سلع (١).
وسلع جبل معروف بالمدينة، قريب من المسجد النبوي، حوالي ربع ساعة، للمشي على الأقدام.
وفي نظري أنه لا داعي للتأويل، إذ لا يستبعد أن يكون عمر ﵁ هو إمامهم في تلك الليلة بناء على ظاهر الرواية، وقد نقل ابن قدامة عن الإمام أحمد، ما يشير على أن عمر كان يصلي بهم التراويح في بعض الأحيان.
قال ابن قدامة: وقال الإمام أحمد: وقد جاء عن النبي ﷺ «اقتدوا بالخلفاء»، وقد جاء عن عمر أنه كان يصلي في الجماعة (٢).
إذن عمر ﵁ خالف عادته حين أمر المسلمين بأن يصلوا صلاة التراويح جماعة في أول الليل فكان يصلي معهم وذلك دليل على أنه كان يرى ذلك أفضل وبخاصة حين قال في ذلك: نعم هذه البدعة على ما سيأتي.
المسألة السادسة:
فهي أن رواية البخاري التي أشار إليها البهوتي ﵀، جاء فيها قول عمر ﵁ حين أمر بأن تقام صلاة التراويح جماعة في أول الليل ورأى المسلمين قد فعلوا ذلك، قال: نعم البدعة.
стр. 11552
والبدعة لها عند أهل العلم معنى لغوي ومعنى شرعي اصطلاحي. فالمعنى اللغوي: هو أن يبدع الإنسان وينشئ أمرا لم يكن معهودا له. والبدع كما يقول صاحب اللسان: الشيء الذي يكون أولا (١).
وعليه فلو أن الإنسان كان من عادته ألا يأكل اللحم مثلا، وأكله أخيرا فإنه يعد مبتدعا في اللغة، لأنه عمل عملا وأنشأه على غير عادته، والظاهر أن عمر ﵁ عنى بقوله في صلاة التراويح أو الليل: نعمت البدعة المعنى اللغوي، وذلك لأنه رضي الله تعالى عنه كان من عادته وديدنه أنه يصلي صلاة الليل ومنها التراويح والوتر آخر الليل لا أوله، فلما أمر المسلمين أن يصلوا تلك الصلاة في أول الليل وصلى معهم على خلاف عادته قال: نعمت البدعة يعني في حق نفسه لا أنه عنى البدعة الشرعية، التي قال الشاطبي معناها: أن يحدث أمرا في الشرع على غير مثال (٢). فهي أخص من البدعة اللغوية ومن ظن: أن قول عمر ﵁ من ذلك القبيل فقد أخطأ الصواب ويعجبني ما قاله الشاطبي في قول عمر ﵁، فهو يقول: فالعلوم الخادمة للشريعة وما كان له أصل في الشرع ليس ببدعة شرعية، ومن سمى ذلك بدعة، فإما على المجاز، كما سمى عمر بن الخطاب ﵁ قيام الناس في ليالي رمضان بدعة، وإما جهلا بجوامع السنة والبدعة، فلا يكون قول من قال ذلك معتدا به ولا معتمدا عليه (٣).
وهذا الذي قاله الشاطبي ﵀ حق، ولكنني لست معه، في أن عمر ﵁ سمى قيام الناس في ليالي رمضان بدعة.
وإنما كان يعني بقوله هذا نفسه لأنه كان قد خالف عادته وديدنه في أنه يصلي صلاة الليل ومنها الوتر في آخر الليل، وأقره رسول الله
стр. 11553
( ﷺ على ذلك كما هو ثابت.
فهي إذن بدعة لغوية وليست شرعية، ولو كانت شرعية، فإن عمر قطعا لا يريدها بل هي مجاز كما قال الشاطبي ﵀.
والدليل على أن عمر ﵁ ما كان يقصد بقوله: البدعة الشرعية التي هي إحداث أمر في الشرع على غير مثال، ما يأتي:
١ - أن الرسول ﷺ صلى التراويح جماعة في رمضان.
فقد روى البخاري في صحيحه بسنده إلى عروة بن الزبير: أن عائشة ﵂ أخبرته «أن رسول الله ﷺ خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته فأصبح الناس فتحدثوا فاجتمع أكثر منهم، فصلوا معه، فأصبح الناس، فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة فخرج رسول الله ﷺ فصلى فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح فلما قضى الفجر، أقبل على الناس فتشهد ثم قال: أما بعد: فإنه لم يخف علي مكانكم، ولكني خشيت أن تفرض عليكم، فتعجزوا عنها، فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك (١)».
أفترى أن عمر يسمي صلاة التراويح جماعة بدعة وقد فعلها رسول الله ﷺ ؟ وهل فعل عمر ﵁ بعد ذلك على غير مثال سابق؟ كلا.
٢ - وروى الطحاوي بسنده إلى أبي هريرة ﵁: «أن النبي ﷺ شاهد أناسا يصلون بصلاة أبي فقال: نعم ما صنعوا (٢)».
قال ابن حجر معقبا على هذا الحديث: هو ضعيف، والمحفوظ:
стр. 11554
أن عمر هو الذي جمع الناس على أبي بن كعب، يعني على إمام واحد (١).
لكن هذا المحفوظ عن عمر ﵁، لا يمنع أن يكون الرسول ﷺ رأى بعض الناس فعل ذلك تطوعا فلم يمنعهم، وما كل الناس اجتمعوا على إمام واحد في عهده ﷺ ، وإنما كان ذلك في عهد عمر ﵁.
٣ - ونقل ابن حجر عن ابن التين: من أن عمر استنبط ذلك من تقرير النبي ﷺ تلك الليالي وإن كان كره النبي ﷺ ذلك، فإنما كرهه خشية أن تفرض عليه، وترجح هذا عند عمر ﵁ لما في الاختلاف من افتراق الكلمة (٢) وهذا مؤيد لهذا الحديث الذي قال فيه ابن حجر أنه ضعيف.
وأهل العلم المعتد بهم يعرفون أن ما سنه عمر سواء كان عن توقيف أو عن اجتهاد منه لا يقال فيه أنه بدعة شرعية في الدين.
ولما ذكر ابن قدامة مشروعية صلاة الجماعة في التراويح قال: ولنا إجماع الصحابة على ذلك - يعني في عهد عمر - وجمع النبي ﷺ أصحابه وأهله في حديث أبي ذر (٣).
أفترى أن الصحابة يجمعون على بدعة في الدين ولا يعارضون عمر في ذلك لو كانت كذلك، بل إن بعض الصحابة امتدح عمر ﵁ في صنيعه ذلك بعد وفاته.
٤ - فقد ذكر صاحب كنز العمال: أن ابن شاهين روى عن أبي إسحاق الهمداني قال: خرج علي بن أبي طالب في أول ليلة من
стр. 11555
رمضان والقناديل تزهر - أي تضاء - وكتاب الله يتلى فقال: نور الله لك يا ابن الخطاب في قبرك كما نورت مساجد الله تعالى بالقرآن.
فهل يدعو علي ﵁ لعمر بن الخطاب بالمغفرة والرحمة لو كان عمله بدعة شرعية أحدثت على غير مثال في الشرع، أو كان ذلك العمل في مقابل السنة، لو كان الأمر كذلك لكانت مذمومة ولما وافقه الصحابة ولما دعا له علي بن أبي طالب بعد وفاته.
ثم لو لم يشهد لعمر ﵁ فعل رسول الله ﷺ ، وإجماع الصحابة ﵃ في عهده على جواز اجتماع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح بخصوصها لكان في أصول الشرع ما يشهد لعمله لأن الرسول ﷺ أقام صلاة الجماعة في كثير من النوافل كصلاة العيدين والاستسقاء والكسوف، وأوضح من ذلك.
٥ - ما رواه البخاري في باب - صلاة النوافل جماعة - بسنده إلى ابن شهاب قال: أخبرني محمود بن الربيع الأنصاري: «أنه عقل رسول الله ﷺ ، وعقل مجة مجها في وجهه من بئر كانت في دارهم فزعم محمود: أنه سمع عتبان بن مالك الأنصاري ﵁ وكان ممن شهد بدرا مع رسول الله ﷺ يقول: كنت أصلي لقوم ببني سالم، وكان يحول بيني وبينهم واد إذا جاءت الأمطار فيشق علي اجتيازه قبل مسجدهم، فجئت رسول الله ﷺ ، فقلت له: إني أنكرت بصري، وإن الوادي الذي بيني
стр. 11556
وبين قومي يسيل إذا جاءت الأمطار فيشق علي اجتيازه، فوددت أنك تأتيني فتصلي من بيتي مكانا أتخذه مصلى، فقال رسول الله ﷺ : سأفعل، فغدا على رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ بعدما اشتد النهار، فاستأذن رسول الله ﷺ ، فأذنت له، فلم يجلس حتى قال: أين تريد أن أصلي من بيتك؟ فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن أصلي فيه، فقام رسول الله ﷺ فكبر وصففنا وراءه، فصلى ركعتين ثم سلم وسلمنا حين سلم (١)».
أليس في ذلك دليل لما صنعه عمر ﵁ حين أمر بأن يجتمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح لأن الرسول ﷺ صلى تلك الركعتين بمن كان خلفه جماعة ولم ينكر ذلك.
وحاشا عمر ﵁ أن يبتدع في الدين أمرا لا يريده الشرع أو لا يقره، وهذا من مسوغات تأويل قوله: نعمت البدعة وإنه لم يرد البدعة الشرعية في الدين.
ولو فرض أن عمر ﵁، كان يقصد بالبدعة في الدين، فإن مراده متجه على حد قوله ﷺ : «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم الدين (٢)»، أو كما قال ﷺ .
ويعجبني ما قاله ابن حجر ﵀: حين قال: والتحقيق أن البدعة: إن كانت مما يندرج تحت مستحسن فهي حسنة، وإن كانت مما يندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة، وإلا فهي من قسم المباح وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة (٣).
فإن قيل: إن ترك رسول الله ﷺ صلاة التراويح جماعة هو السنة
стр. 11557
وصلاتها جماعة هو البدعة، لأن الفعل في مقابلة الترك كما ذكره في مواهب الجليل: فإنه قال: يعني البدعة جمعهم على قارئ واحد، لأنهم كانوا قبل ذلك يصلون أوزاعا فجمعهم ﵁ على قارئ واحد، فهذا الجمع هو البدعة، فإن قيل قد صلى بهم ﷺ ثم ترك، فكيف يجعل جمعهم بدعة، فيقال: لما فعله ﵊ ثم تركه فتركه السنة، وصار جمعهم بعد ذلك بدعة حسنة (١).
وقد ثبت بأن رسول الله ﷺ ترك صلاة التراويح جماعة وتوفي على ذلك.
فقد روى البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقد من ذنبه (٢)»، قال ابن شهاب - أحد رواة السند - فتوفي رسول الله ﷺ ، والأمر على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر ﵄ (٣).
قال ابن حجر في فتح الباري: يعني على ترك الجماعة (٤).
وفي نظري أن هذا ليس فيه دليل على أن عمر أراد بدعة شرعية، لأن ترك الرسول ﷺ إنما كان شفقة وخشية أن تفرض، فليس جمع الناس بعد وفاته ﷺ بدعة شرعية، وعمر ﵁ هو أولى من غيره بمعرفة ذلك، ولو كانت بدعة شرعية لما عملها ولما حث عليها ﵁. وأما ما أراده عمر ﵁ بقوله: نعمت البدعة، فإن صاحب مواهب الجليل بعد أن ذكر أقوال بعض أهل العلم في معنى المراد من قول عمر قال: وأجاب سند - من علماء المالكية - بأنه أراد بالبدعة جمعهم مواظبة في المسجد في أول الليل على قارئ واحد،
стр. 11558
لا أصل الصلاة، أما قيام رمضان فكان مشروعا كما بينا بأن قيام الليل بينهم معتاد فضلا عن رمضان، ألا ترى إلى قول عمر: والتي تنامون عنها أفضل؟ فخير قيام صلاة الليل آخر الليل فلم تستحق البدعة في ذلك من كل وجه (١).
وأخيرا أنقل كلام ابن الأثير ﵀ في النهاية فإنه قال: وفي حديث عمر ﵁ في قيام رمضان "ونعمت البدعة هذه "البدعة بدعتان: بدعة هدى، وبدعة ضلالة، فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله ﷺ فهو في حيز الذم والإنكار، وما كان واقعا تحت عموم ما ندب الله إليه، وحض عليه الله ورسوله، فهو في حيز المدح، وما لم يكن له مثال موجود كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف فهو من الأفعال المحمودة، ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به، لأن النبي ﷺ قد جعل له في ذلك ثوابا «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها (٢)» وقال في ضده: «ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها (٣)» وذلك إذا كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله ﷺ ، ومن هذا النوع قول عمر ﵁: "نعمت البدعة هذه "لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح سماها بدعة مدحها، لأن النبي ﷺ لم يسنها لهم، وإنما صلاها ليالي ثم تركها ولم يحافظ عليها ولا جمع الناس ولا كانت في زمن أبي بكر، وإنما عمر ﵁ جمع الناس عليها وندبهم إليها، فبهذا سماها بدعة وهي على الحقيقة سنة لقوله ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي (٤)»، وقوله: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر (٥)» (٦).
стр. 11559
وأنا قلت فيما مضى بأن عمر قصد البدعة في حق نفسه لأنه من عادته أن يؤخر صلاة الليل فلما صلاها مع المسلمين حين أمر بها أن تصلى جماعة، قال ما قال: وقصد البدعة اللغوية، إن شاء الله ولم أر من قال ذلك.
وأخيرا أختتم حديثي عن صلاة التراويح جماعة في رمضان في فقه عمر ﵁ وأهل العلم بعده بأثر رواه البيهقي في القراءة في التراويح فقد روى البيهقي وغيره بسندهم إلى أبي عثمان النهدي قال: دعا عمر ﵁ بثلاثة قراء، فاستقرأهم، فأمر أسرعهم: أن يقرأ للناس في رمضان ثلاثين آية، وأمر أوسطهم أن يقرأ خمسا وعشرين آية وأمر أبطأهم أن يقرأ عشرين آية.
стр. 11560
صفحة فارغة
стр. 11561
مسألة
دفع الخصومة
للشيخ مسفر بن حسين القطحاني
تمهيد:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه أجمعين. أما بعد: -
فإن جواب المدعى عليه - في مجلس القضاء - من المسائل التي حرر فقهاؤنا ﵏ أحكامها في مواضع مجتمعة أو متفرقة من مصفاتهم الفقهية. وذكروا - رحمهم الله تعالى - أن جواب المدعى عليه على دعوى المدعي قد يكون إقرارا. وقد يكون إنكارا. وقد يمتنع المدعى عليه عن الجواب، كما قد يجيب المدعى عليه بدفع الخصومة عن نفسه إلى غيره، أو يجيب بدفع الدعوى ذاتها. ومحل بحثنا - في هذا المقام - هو ما إذا أجاب المدعى عليه بما يدفع الخصومة عن نفسه إلى غيره. فنقول وبالله العون والتوفيق.
معنى دفع الخصومة
ذكر فقهاء الحنفية - رحمهم الله تعالى - ضوابط لمعنى دفع
стр. 11562
الخصومة، فقال الفقيه الكاساني - في كتابه بدائع الصنائع - " المدعى عليه يخرج عن كونه خصما للمدعي بكون يده غير يد المالك " (١). وقال القاضي أحمد بن علي الرازي المعروف بالجصاص " الأصل في هذا الباب - أي مسألة دفع الخصومة - أن المدعى عليه متى أحال الخصومة على خصم معروف بوجهه، ببينة أقامها، لم يكن بينه وبين المدعي خصومة " (٢). وقال صاحب درر الحكام شرح مجلة الأحكام: " في الخصم ضابطان: الأول: إذا ادعى أحد شيئا، وكان يترتب على إقراره حكم إذا أقر يكون بإنكاره خصما في الدعوى وإقامة البينة في بعض الأحوال.
الضابط الثاني: وإذا كان لا يصح إقرار المدعى عليه، أي أنه في حالة إقراره لا يترتب حكم على إقراراه، فبإنكاره لا يكون خصما في الدعوى وإقامة البينة؛ لأن البينة تقام على الخصم المنكر (٣).
أما فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة فإن ذكر مسألة دفع الخصومة ترد عند ذكرهم مسألة إقرار المدعى عليه لثالث.
صور دفع الخصومة:
ذكر الفقهاء - رحمهم الله تعالى - من صور دفع الخصومة ما يلي:
١ - أن يجيب المدعى عليه الحائز للعين محل النزاع بقوله: هذه العين التي يدعيها المدعي ليست لي.
стр. 11563
٢ - أو يقول: هذه العين التي يدعيها المدعي هي لفلان ابن فلان الغائب.
٣ - أو يقول: هذه العين التي يدعيها المدعي هي لفلان ابن فلان الغائب استأجرتها أو استعرتها منه ونحو ذلك من الأسباب.
٤ - أو يجيب بقوله: هذه العين التي يدعيها المدعي هي لفلان الحاضر.
٥ - أو يقول: هذه العين التي يدعيها المدعي لرجل لا أعرفه أو لرجل لا أسميه.
قلت: الحكم في الصورة الأولى: هل جواب المدعى عليه إقرار فتسلم العين إلى المدعي أم ليس بإقرار لعدم صراحته، فيطلب منه الجواب الصريح بالإقرار أو الإنكار أو ليس بإقرار ولا إنكار ولكن تسليم العين إلى مدعيها لعدم المنازع، وإذا سلمت إلى المدعي، فكيف يضيفها إلى ملكه بلا سبب، وهل يتعين حينئذ أن يطالب بإثبات دعواه. ثم هل تبقى العين في يد صاحب اليد إلى حيث الإثبات، أم تحفظ لدى القاضي. وكذلك الأمر في الصورة الثانية: هل تجري المحاكمة مع صاحب اليد، ولا يلتفت لجوابه أن العين لفلان الغائب؟ أو تنتقل الخصومة إلى فلان الغائب بمجرد الإقرار بالملكية؟ وإذا قلنا بانتقال الخصومة: فهل كان قصد صاحب اليد صحيحا؟ أم كان يقصد الاحتيال لدفع الخصومة عن نفسه، ويلزمه حينئذ إثبات ملكية الغائب للعين محل الدعوى، ثم إن ألزمناه بإثبات ملكية للغائب فكيف نثبت الملكية للغائب ولم يكن حاضرا، ولم يوكل صاحب اليد بالإثبات والمخاصمة عنه، ثم إن عجز صاحب اليد عن إثبات الملكية للغائب، فهل يحلف المدعي لنفي دعوى دفع الخصومة؟ فإن نكل اندفعت الخصومة وإن حلف سار القاضي في الدعوى الأصلية.
стр. 11564
ولك أن تسأل نحو هذا في الصور الأخرى.
وإذا كان الأمر كذلك، فإننا لا نكاد نعدم لكل سؤال من جواب في أقوال الفقهاء - رحمهم الله تعالى.
وحيث يتعذر حصر أقوال الفقهاء في مسألة دفع الخصومة، لكثرة اختلافهم فيها، فإن من المتعين أن نطلع على ما نص عليه فقهاء كل مذهب في هذه المسألة.
حكم دفع الخصومة:
أولا: المذهب الحنفي:
يقول الفقيه الكاساني صاحب كتاب "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ": " وأما بيان ما تندفع به الخصومة عن المدعى عليه ويخرج عن كونه خصما للمدعي، فنقول وبالله التوفيق: إنه يخرج عن كونه خصما للمدعي بكون يده غير يد المالك وذلك يعرف بالبينة أو بالإقرار أو بعلم القاضي نحو ما إذا ادعى على رجل دارا أو ثوبا أو دابة فقال الذي في يده: هو ملك فلان الغائب أودعنيه.
وجملة الكلام فيه: أن المدعي لا يخلو: إما أن يدعي عليه ملكا مطلقا ولم يدع عليه فعلا أو يدعي عليه فعلا، فإن ادعى ملكا مطلقا ولم يدع عليه فعلا، فقال الذي في يده: أودعنيها فلان الغائب أو رهنها، أو آجرها أو أعارها، أو غصبتها أو سرقتها، أو أخذتها أو انتزعتها، أو ضلت منه فوجدتها، وأقام البينة على ذلك تندفع عنه الخصومة عند عامة العلماء " (١). ثم قال: " هذا إذا لم يكن الرجل معروفا بالافتعال والاحتيال، فإن كان، تندفع عنه الخصومة عند أبي حنيفة ومحمد أيضا، وعند أبي يوسف: لا تندفع، وهي المسألة المعروفة بالمخمسة ".
ثم قال: " وكذلك لو ادعى لنفسه والفعل على غير ذي اليد، بأن قال
стр. 11565
هذا ملكي غصبه مني فلان: لأنه لم يدع على ذي اليد فعلا، فصار في حق ذي اليد دعوى مطلقة؛ فكان على الخلاف الذي ذكرنا. فأما إذا ادعى فعلا على ذي اليد؛ بأن قال: هذه داري، أو دابتي، أودعتكها، أو غصبتنيها أو سرقتها، أو استأجرتها، أو ارتهنتها مني، وقال الذي في يديه: إنها لفلان الغائب أودعنيها، أو غصبتها منه، ونحو ذلك، وأقام البينة على ذلك لا تندفع عنه الخصومة، ووجه الفرق: أن ذا اليد في دعوى الملك المطلق إنما يكون خصما بيده، ألا ترى أنه لو لم يكن المدعى في يده لم يكن خصما.
فإذا أقام البينة على أن اليد لغيره، كان الخصم ذلك الغير وهو غائب فأما في دعوى الفعل فإنما يكون خصما بفعله، لا بيده، ألا ترى أن الخصومة متوجهة عليه بدون يده، وإذا كان خصما بفعله بالبينة لا يتبين أن الفعل منه لم يكن، فبقي خصما.
ولو ادعى فعلا لم يسم فاعله، بأن قال: غصبت مني أو أخذت مني، فأقام ذو اليد البينة على الإيداع، تندفع عنه الخصومة؛ لأنه ادعى الفعل على مجهول، وأنه باطل فالتحق بالعدم، فبقي دعوى ملك مطلق. فتندفع الخصومة. ولو قال: سرق مني، فالقياس أن تندفع عنه الخصومة، كما في الغصب والأخذ، وهو قول محمد وزفر، وفي الاستحسان لا تندفع، فرقا بين الغصب والأخذ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - ووجه الفرق يعرف في الجامع. ولو قال المدعي: هذه الدار كانت لفلان فاشتريتها منه، وقال الذي في يده: أودعني فلان الذي ادعيت الشراء من جهته، أو سرقتها منه أو غصبتها، تندفع الخصومة من غير إقامة البينة على ذلك؛ لأنه ثبت كون يده يد غيره بتصادقهما، أما المدعى عليه فظاهر، أما المدعي فبدعواه الشراء منه؛ لأن الشراء منه
стр. 11566
لا يصح بدون اليد " (١).
ثم قال ﵀ " ولو قال الذي في يديه: ابتعته من فلان الغائب لا تندفع الخصومة، لأنه ادعى الملك واليد لنفسه، وهذا مقر بكونه خصما فكيف تندفع الخصومة؟ ولو أقام المدعي البينة أنه ابتاعه من عبد الله وقال الذي في يديه: أودعني عبد الله ذلك، تندفع الخصومة من غير بينة، لأنهما تصادقا على الوصول إليه من يد عبد الله فأثبتا اليد له وهو غائب (٢).
ثانيا: المذهب المالكي:
يقول الفقيه ابن فرحون المالكي ﵀ في كتابه الذي أسماه "تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام "، يقول: " فصل: لو ادعى رجل بملك، فكان إنكاره بإقراره به لغيره، كقوله: ليس لي فيه شيء. وإنما هو وقف على الفقراء، أو على ولدي، أو هو لطفل سماه، فيقال للمدعي: أثبت أنه لك، فإن هذا لا ينازعك فيه، إلا أن يثبت المدعى عليه ما ذكره من ذلك، فتقف المخاصمة على حضور من ثبت له عليه الولاية. ولو قال: ليس هو لي أو هو لمن لا أسميه لم يمنع المدعي ذلك من تمام المحاكمة. ولو قال: هو لفلان، وفلان حاضر في البلد، فحضر وادعى به، فللمدعي أن يحلف المقر له، فإن نكل حلف المدعي وأخذه، وإن حلف المقر له فللمدعي أن يحلف المقر؛ لأنه أتلف عليه بإقراره، فإن نكل حلف المدعي وأخذ ثمن المقر به.
أما لو أضافه إلى ملك غائب، فإن أثبت ذلك ببينة انصرفت الخصومة عنه إلى الغائب، وإن لم يثبت ذلك لم يصدق، وحلف المقر له، فإن نكل أخذه المدعي بغير يمين، فإن جاء المقر له فصدق المقر أخذه؛ لأن
стр. 11567
من هو بيده يتهم أن يكون أراد صرف الخصومة عن نفسه " (١).
ثالثا: المذهب الشافعي:
يقول القاضي أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله المعروف بابن أبي الدم الحموي الشافعي في كتابه "آداب القضاء وهو الدرر المنظومات في الأقضية والحكومات ": المسألة الخامسة: الإقرار لثالث، إذا ادعى ملكا في يد إنسان، فقال: ليس هو لي، ولا لك، فيه أحوال خمس:
الأولى:
أن يضيفها إلى حاضر ثالث، فيحضر، فإن صدقه، سلمت العين إلى الحاضر، وانصرفت الخصومة إليه، وإن كذبه، فيه ثلاثة أوجه، أصحها أن القاضي يحفظها إلى حين حجة لمدعيها، وأضعفها أنها تسلم إلى المدعي، ووجه ثالث: أنها تترك في يد ذي اليد، فلو رجع المقر بعد تكذيب المقر له، وقال: غلطت، هل يقبل؟ فيه وجهان قبل إزالة يده، ولا يقبل قوله بعد إزالة سلطته.
ولو رجع أيضا المقر له بعد أن كذب: فيه وجهان، ثم إذا سلمت العين المقر بها إلى الحاضر المقر له، هل للمدعي تحليف المقر؟ إن قلنا: إنه لو أقر لغرم للحيلولة القولية بالإقرار للثالث فله تحليفه، وإن قلنا: لا يغرم لم يحلفه.
فإذا قلنا يحلفه، فلو أحلفه فنكل، وردت اليمين على المدعي، فحلف، وقلنا: إن يمين الرد بمنزلة البينة، قال بعض الأصحاب: تؤخذ العين من يد المقر له الثالث، وتسلم إلى المدعى الحالف، لأن يمين الرد بمنزلة البينة.
والصحيح أنا لا نأخذ من يد هذا المقر له، ولا نسلمها إلى المدعي
стр. 11568
الحالف، بل نقتصر على وجوب القيمة، لأن يمين الرد، وإن جعلت كالبينة، لكن في حق المتداعين، ولا تتعدى إلى ثالث.
ثم قال الإمام بعد ذكر هذا: فرع: بعض المتكلفين على الوجه الضعيف القائل بانتزاع العين من يد المقر له، وتسلميها إلى المدعي الحالف، فقال: إذا أخذت منه، فهل له أن يغرم المدعى عليه الذي أقر له بها، ونكل عن اليمين، قيمة العين، لأنه يقول له: لو حلفت يمينا صادقة ما استردها مني هذا المدعي، فصار نكولك سببا لإزالة يدي؟ فيه وجهان، أصحهما لا يغرم له شيئا.
الحالة الثانية:
الإقرار بها لغائب: إذا أضاف العين إلى غائب فتصرف الخصومة إلى الغائب. وقال العراقيون لا نحلفه لأجل الغرم، وإن قلنا يغرم للحيلولة لو أقر الثاني. وقال الشيخ أبو محمد والغوراني: بل يحلف لينتزع العين من يده باليمين المردودة إن نكل؛ إذ لو فتح هذا الباب صار ذريعة إلى إسقاط الدعوى بالإضافة إلى الغائب الذي يتعذر رجوعه، ثم متى رجع الغائب ردت العين إليه، وعلى المدعي استئناف الخصومة معه.
ويتفرع على هذه المسألة: أن المدعي في هذه الحالة، إن أقام البينة على أن العين ملكه سلمت إليه قولا واحدا، ولكن: هل هو قضاء على الغائب فيحتاج إلى يمين أم هو قضاء على الحاضر المضيف العين إلى الغائب، فلا يحتاج إلى يمين المدعي؟ قال العراقيون: هو قضاء على الغائب، فلا بد من يمين، وعند الشيخ أبي محمد والغوراني هو قضاء على الحاضر، فلا يحتاج إلى يمين، هذا نقل الإمام. وقال القاضي أبو الطيب والشيخ أبو نصر: هل يحلف المدعي - والحالة هذه - إذا أقام بينة؟ اختلف أصحابنا فيه؛ فمنهم من قال: نعم؛ لأنه قضاء على الغائب ومنهم من قال: لا يحلف - وهو أبو إسحاق - لأنه قضاء على حاضر. ثم قال القاضي
стр. 11569
أبو الطيب والشيخ أبو نصر: وإن كان للمقر بينة أنها للغائب، سمعت بينته، فإذا أقام المدعي بينة أنها له قدمت بينته على بينة المقر، ويكون قضاء على الغائب قولا واحدا.
قال: فإن قيل: فلم سمعتم بينة المقر؟ قلنا: الفائدة زوال التهمة عنه، وإسقاط اليمين عنه، إذا ادعى المدعي أنه يعلم أنها له.
هذا ما قاله هؤلاء الأئمة.
وقال الإمام: إذا كان لصاحب اليد بينة أنها للغائب، فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا تسمع، إلا أن يثبت كونه وكيلا عنه.
والثاني: تسمع، لا لإثبات ملك الغائب، بل لقطع التحليف والخصومة عنه.
والثالث: اختاره القاضي حسين، إن ادعى لنفسه علقة من وديعة أو عارية سمعت، وإلا فلا. ثم إن سمعت بينة المقر للغائب بعد ثبوت وكالته وأقام المدعي بينة بالملك له، قدمت بينة الوكيل، لأجل اليد. وإن سمعت بينته دون الوكالة، لصرف اليمين عنه، قدمت بينة المدعي. وقال القاضي أبو الطيب والشيخ أبو نصر: إذا ادعى المقر أن العين للغائب، وأنها في يده بإعارة أو إجارة، وأقام بذلك بينة، هل يقضي بهذه البينة؟ فيه وجهان. ومهما سلمت العين إلى المدعي ببينته المترجمة على بينة المقر الحاضر، كتب في سجل أن الغائب على حجته ويده مهما عاد. ثم متى عاد الغائب وادعى، وجب عليه إعادة البينة، ولا يغنيه ما أقامه صاحب اليد، ولكن متى رجع جعلناه صاحب اليد، حتى إذا أقام بينة قدمت على بينة المدعي، وانتزعت من يده، وإن كان قد تسلمها قبل حضور الغائب. وفرع المراوزة على هذه الحالة، ما لو ادعى الحاضر المقر رهنا أو إجارة لنفسه، هل تسمع بينته؟ فيه وجهان، فإن قلنا: تسمع، هل تقدم على بينة المدعي؟ فيه وجهان.
стр. 11570
قال الإمام: الأظهر لا تقدم؛ لأنه إنما تثبت إجارته ورهنه بعد ثبوت ملك الغائب، فإذن لم تؤثر بينته إلا صرف الحلف عنه.
الحالة الثالثة:
الإقرار لرجل مبهم:
إذا قال: هذه العين لرجل لا أسميه، المذهب أن الخصومة لا تنصرف عنه بذلك، بل يحلف، فإن نكل حلف المدعي وأخذ، وقيل: يأخذ القاضي العين، ويودعها إلى أن تظهر حجته.
الحالة الرابعة:
الإقرار لصبي أو مجنون:
أن يضيفها على صبي أو مجنون انصرفت الخصومة إلى الولي، ولا يحلف الولي أصلا، بل تؤخر اليمين إلى وقت الأهلية.
الحالة الخامسة:
الإقرار بها وقفا:
أن يقول: هي وقف على ولدي، أو على الفقراء، انصرفت الخصومة عنه إليهم، ولم يبق على المقر إلا التحليف للتغريم " (١).
رابعا: المذهب الحنبلي:
يقول أبو محمد، عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة صاحب كتاب المغني شرح مختصر الخرقي (٢): " مسألة ولو كان في يده دار، فادعاها رجل فأقر بها لغيره، فإن كان المقر له بها حاضرا جعل الخصم فيها، وإن كان غائبا - وكانت للمدعي بينة - حكم بها للمدعي ببينته، وكان الغائب على خصومته متى حضر.
стр. 11571
وجملته: أن الإنسان إذا ادعى دارا في يد غيره، فقال الذي هي في يده: ليست لي، إنما هي لفلان، وكان المقر له بها حاضرا سئل عن ذلك، فإن صدقه صار الخصم فيها مكان صاحب اليد؛ لأن من هي في يده اعترف أن يده نائبة عن يده، وإقرار الإنسان بما في يده إقرار صحيح؛ فيصير خصما للمدعي، فمن كانت للمدعي بينة حكم له بها، وإن لم تكن له بينة فالقول قول المدعى عليه مع يمينه، وإن قال المدعي أحلفوا لي المقر الذي كانت العين في يده أنه لا يعلم أنها لي فعليه اليمين، لأنه لو أقر له بها بعد اعترافه لزمه الغرم، كما لو قال هذه العين لزيد ثم قال هي لعمرو فإنها تدفع لزيد ويدفع فقيمتها لعمرو، ومن لزمه الغرم مع الإقرار لزمته اليمين مع الإنكار، فإن رد المقر له الإقرار، وقال: ليست لي وإنما هي للمدعي حكم له بها، وإن لم يقل: هي للمدعي، ولكن قال: ليست لي، فإن كانت للمدعي بينة حكم به بها، وإن لم تكن له بينة ففيه وجهان:
أحدهما: تدفع إلى المدعي؛ لأنه يدعيها ولا منازع له فيها؛ ولأن من هي في يده لو ادعاها ثم نكل قضينا بها للمدعي فمع عدم ادعائه لها أولى.
والثاني: لا تدفع إليه؛ لأنه لم يثبت لها مستحق؛ لأن المدعي لا يد له ولا بينة وصاحب اليد معترف أنها ليست له؛ فيأخذها الإمام، فيحفظها لصاحبها، وهذا الوجه الثاني ذكره القاضي والأول أولى؛ لما ذكرنا من دليله. ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين، ووجه ثالث: أن المدعي يحلف أنها له وتسلم إليه، ويتخرج لنا مثله بناء على القول برد اليمين إذا نكل المدعى عليه.
وإن قال المقر له: هي لثالث، انتقلت الخصومة إليه، وصار بمنزلة
стр. 11572
صاحب اليد؛ لأنه أقر له بها من اليد له حكما. وأما إن أقر بها المدعى عليه لمجهول: قيل ليس هذا بجواب؛ فإن أقررت بها لمعروف، وإلا جعلناك ناكلا وقضينا عليك، فإن أصر قضى عليه بالنكول. وإن أقر لغائب أو لغير مكلف، معين كالصبي والمجنون صارت الدعوى عليه، فإن لم تكن للمدعي بينة لم يقض له بها؛ لأن الحاضر يعترف أنها ليست له، ولا يقضى على الغائب بمجرد الدعوى، ويقف الأمر حتى يقدم الغائب ويصير غير المكلف مكلفا. فتكون الخصومة معه. فإن قال المدعي: أحلفوا لي المدعى عليه أحلفناه لما تقدم.
وإن أقر بها للمدعي لم تسلم إليه. لأنه اعترف أنها لغيره، ويلزمه أن يغرم له قيمتها، لأنه فوتها عليه بإقراره بها لغيره. وإن كان مع المدعي بينة سمعها الحاكم، وقضى بها، وكان الغائب على خصومته متى حضر له أن يقدح في بينة المدعي وأن يقيم بينة تشهد بانتقال الملك إليه من المدعي، وإن أقام بينة أنها ملكه فهل يقضي بها؟ على وجهين بناء على تقديم بينة الداخل والخارج. فإن قلنا: تقدم بينة الخارج فأقام الغائب بينة تشهد له بالملك والنتاج. أو سبب من أسباب الملك؟ فهل تسمع بينته ويقضى بها؟ على وجهين، وإن كان مع المقر بينة تشهد بها للغائب سمعها الحاكم ولم يقض بها، لأن البينة للغائب والغائب لم يدعها هو ولا وكيله، وإنما سمعها الحاكم لما فيها من الفائدة، وهو: زوال التهمة عن الحاضر، وسقوط اليمين عنه إذا ادعى أنك تعلم أنها لي. ويتخرج أن يقضي بها إذا قلنا بتقديم بينة الداخل، وأن للمودع المخاصمة في الوديعة إذا غصبت؛ ولأنها بينة مسموعة فيقضي بها، كبينة المدعي إذا لم تعارضها بينة أخرى. فإن ادعى من هي في
стр. 11573
يده أنها معه بإجارة أو إعارة، وأقام بينة بالملك للغائب لم يقض بها لوجهين:
أحدهما: أن ثبوت الإجارة والإعارة يترتب على الملك للمؤجر بهذه البينة؛ فلا تثبت الإجارة المترتبة عليها.
والثاني: أن بينة الخارج مقدمة على بينة الداخل، ويخرج القضاء بها على تقديم بينة الداخل، وكون الحاضر له فيها حق؛ فإنه يقضي بها وجها واحدا، ومتى عاد المقر بها لغيره، وادعاها لنفسه لم تسمع دعواه؛ لأنه أقر بأنه لا يملكها فلا يسمع منه الرجوع عن إقراره، والحكم في غير المكلف كالحكم في الغائب على ما ذكرنا ".
خامسا:
رأي القاضي ابن شبرمة: لا يرى القاضي ابن شبرمة ﵀ القول بدفع الخصومة مطلقا، سواء أقام صاحب اليد البينة على دفعه الخصومة عن نفسه أو لم يقم البينة، وفي ذلك يقول محمد بن محمود البابرتي من فقهاء الحنفية في كتابه: العناية على الهداية "وقال ابن شبرمة: لا تندفع وإن أقامها، ووجه قوله: أنه أثبت ببينته الملك للغائب، وإثبات الملك للغائب بدون خصم متعذر، إذ ليس لأحد ولاية إدخال شيء في ملك غيره بغير رضاه، ودفع الخصومة بناء على إثبات الملك والبناء على المتعذر متعذر. والجواب: أن مقتضى هذه البينة شيئان: ثبوت الملك للغائب ولا خصم فيه، فلا يثبت، ودفع الخصومة عن نفسه وهو خصم فيه، وبناء الثاني على الأول ممنوع؛ لانفكاكه عنه، كالوكيل بنقل المرأة إلى زوجها إذا أقامت البينة على الطلاق، فإنها تقبل لقصر يد الوكيل عنها. ولم يحكم بوقوع الطلاق ما لم يحضر الغائب كما مر. ولئن سلمنا
стр. 11574
البناء، لكن مقصود المدعى عليه بإقامة البينة ليس إثبات الملك للغائب، إنما مقصود إثبات أن يده يد حفظ، لا يد خصومة؛ فيكون ذلك ضمنيا ولا معتبر به (١).
سادسا:
رأي القاضي ابن أبي ليلى: يرى القاضي ابن أبي ليلى ﵀ عكس ما يراه القاضي ابن شبرمة. أي أن صاحب اليد المدعى عليه إذا أقر بالملكية لغيره فإن الخصومة تندفع عنه مطلقا، سواء أقام البينة أو لم يقم البينة، بل لا حاجة - عنده - إلى إثبات الدفع بالبينة إذ يكفي مجرد الإقرار بالملكية للغير. وفي ذلك يقول صاحب العناية على الهداية " وقال ابن أبي ليلى: تندفع بمجرد الإقرار، ووجه قوله: أن ذا اليد أقر بالملك لغيره، والإقرار يوجب الحق لنفسه فتبين أن يده يد حفظ فلا حاجة إلى البينة. والجواب (٢): أنه صار خصما بظاهر يده وبإقراره، يريد أن يحول حقا مستحقا على نفسه؛ فهو متهم في إقراره، فلا يصدق إلا بحجة، كما إذا ادعى تحول الدين من ذمته إلى ذمة غيره بالحوالة فإنه لا يصدق إلا بحجة. لا يقال: يلزم إثبات إقرار نفسه ببينة، وهو غير معهود في الشرع؛ لأنها لإثبات اليد الحافظة التي أنكرها المدعي، لا لإثبات الإقرار (٣).
الترجيح:
إذا أمعنا النظر في صور دفع الخصومة، وإلى ما استدل به كل فريق
стр. 11575
من فرق العلماء - رحمهم الله تعالى - فإننا نجد أن تلك الصور هي وقائع لا دليل عليها من نص ولا إجماع ولا قياس جلي، وإنما دليلها المصلحة المرسلة. ولذا فإن ما نقعده: هو أن على المجتهد أن يميز بين كون النظر في هذه الوقائع نظرا سياسيا شرعيا سنده المصلحة، وبين كون النظر فيها قضائيا يلتزم طريق الحكم القضائي وصفته. أي أن النظر في صور دفع الخصومة، إنما يعود إلى تصرفات القاضي باعتباره إماما لا باعتباره قاضيا، وهناك فرق بين التصرفين ليس هذا مكانه، وممن حرر الفرق بين التصرفين القاضيان: الماوردي وأبو يعلى الفراء في كتاب كل منهما المسمى بالأحكام السلطانية. فإذا اتضحت للقاضي هذه القاعدة، فإن له أن يجتهد في صور دفع الخصومة بما تقضى به المصلحة، ويؤيد ضرورة التفريق بين التصرفين - في هذه المسألة - ما يلي:
١ - صرح الفقهاء - أنفسهم -: أن سماع بينة دافع الخصومة إنما كان للمصلحة ولم تسمع بدليل شرعي معين، وكل حكم سنده المصلحة فهو حكم سياسي لا قضائي وعليه: فإن بينة دافع الخصومة هي بينة سياسية لا قضائية.
٢ - أن سماع بينة دافع الخصومة المدعى عليه - باعتبارها بينة قضائية - مخالف لنص: «البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه (١)» وقاعدة "بينة الخارج مقدمة على بينة الداخل "فإن دافع الخصومة مدعى عليه بقرينة وضع اليد، وبينته بينة الداخل باعتبار
стр. 11576
وضع اليد أيضا، ولا مخرج من هذه المخالفة إلا باعتبار بينته بينة سياسية لا قضائية.
٣ - أنه على التسليم باعتبار بينة دافع الخصومة بينة قضائية فإن هذا القول يكون ذريعة إلى الخروج عن طريق الحكم وصفته؛ وذلك لأن تعليل الأحكام القضائية بالمصلحة يقضي إلى الحكم بالرأي والهوى - أعاذنا الله من ذلك - لأن المصالح تتفاوت في إدراكها العقول السليمة، هذا إذا لم تخالف نصا شرعيا، فكيف إذا خالفت نصا شرعيا، ثم خول إدراكها إلى عقول غلبتها الأهواء. فلا مخرج من هذا إلا أن يكون سماع بينة دافع الخصومة حكما سياسيا لا حكما قضائيا.
٤ - أننا إذا اعتبرنا بينة دافع الخصومة بينة سياسية سندها المصلحة فلا يرد القول: بأن سماعها قضاء بالملكية للغائب، الذي لم يحضر ولم يوكل؛ وذلك لأن هذه البينة ليست قضائية، والأحكام القضائية إنما تبنى على البينات القضائية.
هذا، ولا يعني أن فيما ذكرناه تعطيلا للأخذ بأقوال الفقهاء - رحمهم الله تعالى - بل إن ما بينوه فيه ما يغني عما سواه، ولكن ما ذكرناه يتضح فيه المخرج من جميع المحاذير والإيرادات التي أشرنا إليها فيما تقدم.
بعد هذا، فإن الترجيح بين أقوال الفقهاء - في هذه المسألة، من جهة أن تلك الأحكام التي أوردوها إنما هي أحكام سلطانية سندها المصلحة، وليست أحكاما قضائية فإننا نقول وبالله التوفيق: -
إذا أعدنا النظر في أقوال الفقهاء - رحمهم الله تعالى - فإن جملة ما صوروه في هذه المسألة - ينحصر في ثلاث صور، هي:
١ - أن يدفع صاحب اليد الخصومة عن نفسه بعدم المنازعة.
стр. 11577
٢ - أن يدفع صاحب اليد الخصومة عن نفسه إلى خصم معين.
٣ - أن يدفع صاحب اليد الخصومة عن نفسه إلى خصم غير معين.
وإذا أعدنا النظر في أقوال الفقهاء في حكم كل صورة من هذه الصور الثلاث فإن ما نرجحه من تلك الأقوال هو ما يلي:
أولا: الترجيح في حكم الصورة الأولى، ومثالها في أقوال الفقهاء:
أن يجيب صاحب اليد بقوله: إن هذه العين ليست لي، وقد تقدم القول أن في هذه الصور ثلاثة أوجه في المذهب الشافعي، وهي ذاتها وجهان وتخريج في المذهب الحنبلي أحدها: تسليم العين للمدعي، والثاني: حفظها لدى القاضي حتى يأتي المدعي بحجة، والثالث: إبقاؤها في يد المدعى عليه. وقد سبق الكلام على أدلة كل وجه من الأوجه الثلاثة، والذي يترجح من هذه الأوجه هو القول بحفظها لدى القاضي حتى يأتي المدعي ببينة وذلك لما يلي:
١ - أنه يلزم من الوجه القائل بتسليم العين إلى المدعي تمكين المتخاصمين من الاحتيال لتملك العين بطريق القضاء. وقد يجاب على هذا: بأن صاحب اليد لو أقر للمدعي لورد إمكان الاحتيال كذلك. قلنا: هذا قياس مع الفارق لأن المقر يضمن العين المقر بها في حال ظهور من يدعيها وصحة دعواه، وذلك عكس ما لو لم يقر بها لأحد.
٢ - أنه يلزم من الوجه القائل بإبقاء العين في يد صاحب اليد، ضياع العين أو تلفها؛ لأن صاحب اليد لم يذكر أن يده على العين يد أمانة أو يد حفظ، فتعين القول بحفظها لدى القاضي حتى ظهور
стр. 11578
حجة للمدعي.
قلت: لم يبين القائلون بحفظ العين لدى القاضي حتى ظهور حجة للمدعي ما هي قوة تلك الحجة؟ والظاهر أن قوتها لديهم هي قوة البينات الشرعية في حال المنازعة. ولكن الفقيه ابن رجب الحنبلي يرى أن العين تسلم إلى المدعي بأقرب البينات. يقول ﵀ في كتابه جامع العلوم والحكم (١):
" أما من ادعى ما ليس له مدع لنفسه، منكر لدعواه، فهذا أسهل من الأول ولا بد للمدعي - هنا - من بينة، ولكن يكتفى من البينة - هنا - بما لا يكتفى بها في الدعوى على المدعي لنفسه المنكر، ويشهد لذلك مسائل:
١ - منها اللقطة إذا جاء من وصفها، فإنها تدفع إليه من غير بينة بالاتفاق، لكن منهم من يقول: يجوز الدفع إذا غلب على الظن صدقه، ولا يجب، كقول الشافعي وأبي حنيفة. ومنهم من يقول: يجب دفعها بذكر الوصف المطابق كقول مالك وأحمد.
٢ - ومنها الغنيمة إذا جاء من يدعي منها شيئا، وأنه كان له واستولى عليه الكفار، وأقام على ذلك ما يبين أنه له اكتفى به، وسئل عن ذلك أحمد وقيل له: فتريد على ذلك بينة؟ قال: لا بد من بيان يدل على أنه له، وإن علم ذلك دفعه إلى الأمير.
٣ - وروى الخلال بإسناده عن الركين بن الربيع عن أبيه قال: أحمس (أي شرد) لأخي فرس بعين القمر، فرآه في مربط سعد فقال فرسي، قال سعد: ألك بينة؟ قال: لا، ولكن أدعوه فيحمحم، فدعاه سعد فحمحم، فأعطاه إياه، وهذا يحتمل أنه كان لحق بالعدو ثم ظهر عليه المسلمون ويحتمل أنه عرف أنه ضال، فوضع
стр. 11579
بين الدواب الضالة، فيكون كاللقطة.
٤ - ومنها: الغصوب إذا علم ظلم الولاة فطلب ردها من بيت المال، قال أبو الزناد: كان عمر بن عبد العزيز يرد المظالم إلى أهلها بغير البينة القاطعة، كان يكتفي باليسير. إذا عرف صدق مظلمة الرجل ردها عليه، ولم يكلفه تحقيق البينة لما يعرف من غشم الولاة قبله على الناس، ولقد انقضت أموال العراق في رد المظالم حتى حمل إليها من الشام.
٥ - وذكر أصحابنا: أن الأموال المغصوبة مع قطاع الطريق واللصوص يكتفى من مدعيها بالصفة كاللقطة، ذكره القاضي في خلافه وأنه ظاهر كلام أحمد والله أعلم "انتهى كلام ابن رجب ﵀.
ثانيا: الترجيح في حكم الصورة الثانية:
وهي ما إذا دفع المدعى عليه الخصومة إلى معين. وقد فرق جمهور فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة بين ما إذا كان هذا المعين المدفوع إليه الخصومة حاضرا في البلد أم غائبا عنها: فإن كان حاضرا في البلد اندفعت إليه الخصومة بلا بينة. أما أكثر فقهاء الحنفية فإن الخصومة - عندهم - لا تندفع إلا ببينة كما لو كان المدفوع إليه الخصومة غائبا عن البلد. والراجح ما ذهب إليه جمهور فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة؛ وذلك لأن تكليف المدعى عليه بالبينة على دفع الخصومة لا ثمرة له مع وجود المدفوع إليه الخصومة وحضوره.
أما إن كان المدفوع إليه الخصومة غائبا عن البلد، فقد اتفق عامة الفقهاء على أن الخصومة لا تندفع عن المدعى عليه إلا ببينة.
ثالثا: الترجيح في حكم الصورة الثالثة:
стр. 11580
وهي ما إذا دفع المدعى عليه الخصومة عن نفسه إلى غير معين. وقد اتفق الفقهاء على أن الخصومة - في هذه الصورة - لا تندفع بحال عن نفس المدعى عليه.
استنتاج
لا تنحصر صور دفع الخصومة فيما ذكره الفقهاء - رحمهم الله تعالى - من صور دفع الخصومة، فإن دفع الخصومة - سواء كان دفعا مطلقا أو مقيدا - يأتي في صور أخرى سوى ما ذكره الفقهاء. فمثال دفع الخصومة دفعا مطلقا: أن يقول المدعى عليه: إن هذه الدعوى سبق الفصل فيها بحكم شرعي. فإذا ثبتت صحة هذا القول، فإن القاضي لا يعيد النظر في الخصومة، وبذلك يدفع المدعى عليه الخصومة عن نفسه في هذه الصورة.
وقد قال أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة - في حكم هذه الصور - " فصل: فإن ادعى رجل على الحاكم أنك حكمت لي بهذا الحق على خصمي، فذكر الحاكم حكمه أمضاه وألزم خصمه ما حكم به عليه، وليس هذا حكما بالعلم، إنما هو إمضاء لحكمه السابق. وإن لم يذكره القاضي فشهد عنده شاهدان على حكمه لزمه قبولها وإمضاء القضاء. وبه قال ابن أبي ليلى ومحمد بن الحسن. قال القاضي: هذا قياس قول أحمد؛ لأنه قال: يرجع الإمام إلى قول اثنين فصاعدا من المأمومين " (١).
ومثال: دفع الخصومة دفعا مقيدا: أن يقول المدعى عليه للقاضي المرفوع إليه الشكوى: إن نظره لدعوى المدعي لا يدخل فيما هو مختص
стр. 11581
بالنظر فيه. فإذا ثبت قول المدعى عليه هذا فإن الخصومة تندفع عن المدعى عليه - مؤقتا - حتى ترفع الشكوى إلى القاضي المختص بنظرها.
ومثال: دفع الخصومة دفعا مقيدا - أيضا - أن يذكر المدعى عليه أن للمدعي مع القاضي الذي رفعت إليه الشكوى صلة قرابة بنوة أو أبوة، فإذا ثبت ذلك، فإن الخصومة تندفع عن المدعى عليه حتى ترفع الشكوى لقاض آخر.
وقاعدة القول في ذلك كله - كما نراه - أن المدعى عليه متى ادعى اختلال ركن من أركان القضاء أو شرط من شروطه، أو ادعى وجود مانع من موانع القضاء المتفق على حكمها، فإن الخصومة تندفع حتى يستقيم الركن أو الشرط أو ينتفي المانع.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 11582
صفحة فارغة
стр. 11583
من قرارات المجمع الفقهي
القرار الثالث
حكم القاديانية
والانتماء إليها
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. وبعد:
فقد استعرض مجلس المجمع الفقهي موضوع الفئة القاديانية التي ظهرت في الهند في القرن الماضي (التاسع عشر الميلادي) والتي تسمى أيضا (الأحمدية) ودرس المجلس نحلتهم التي قام بالدعوة إليها مؤسس النحلة ميرزا غلام أحمد القادياني ١٨٧٦ م مدعيا أنه نبي يوحى إليه، وأنه المسيح الموعود، وأن النبوة لم تختم بسيدنا محمد بن عبد الله رسول الإسلام ﷺ (كما هي عليه عقيدة المسلمين بصريح القرآن العظيم والسنة)، وزعم أنه قد نزل عليه، وأوحي إليه أكثر من عشرة آلاف آية، وأن من يكذبه كافر، وأن المسلمين يجب عليهم الحج إلى قاديان، لأنها البلدة المقدسة كمكة والمدينة، وأنها هي المسماة في القرآن بالمسجد الأقصى كل ذلك مصرح به في كتابه الذي نشره بعنوان (براهين أحمدية) وفي رسالته التي نشرها بعنوان (التبليغ).
واستعرض مجلس المجمع أيضا أقوال وتصريحات ميرزا بشير الدين بن
стр. 11584
غلام أحمد القادياني وخليفته، ومنها ما جاء في كتابه المسمى (آينة صداقت) من قوله "أن كل مسلم لم يدخل في بيعة المسيح الموعود (أي والده ميرزا غلام أحمد) سواء سمع باسمه أو لم يسمع هو كافر وخارج عن الإسلام " (الكتاب المذكور صفحة ٣٥) وقوله أيضا في صحيفتهم القاديانية (الفضل) فيما يحكيه هو عن والده غلام أحمد نفسه إنه قال: "إننا نخالف المسلمين في كل شيء: في الله، في الرسول، في القرآن، في الصلاة، في الصوم، في الحج، في الزكاة، وبيننا وبينهم خلاف جوهري في كل ذلك "صحيفة (الفضل) في ٣٠ من تموز (يوليو) ١٩٣١ م.
وجاء أيضا في الصحيفة نفسها (المجلد الثالث) ي ما نصه "إن ميرزا هو النبي محمد ﷺ "زاعما أنه هو مصداق قول القرآن حكاية عن سيدنا عيسى ﵇ ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (١) كتاب إنذار الخلافة ص ٢١ "واستعرض المجلس أيضا ما كتبه ونشره العلماء والكتاب الإسلاميون الثقات عن هذه الفئة القاديانية الأحمدية لبيان خروجهم عن الإسلام خروجا كليا.
وبناء على ذلك اتخذ المجلس النيابي الإقليمي لمقاطعة الحدود الشمالية في دولة باكستان قرارا في عام ١٩٧٤ م بإجماع أعضائه يعتبر فيه الفئة القاديانية بين مواطني باكستان أقلية غير مسلمة. ثم في الجمعية الوطنية (مجلس الأمة الباكستاني العام لجميع المقاطعات وافق أعضاؤها بالإجماع أيضا على اعتبار فئة القاديانية أقلية غير مسلمة).
يضاف إلى عقيدتهم هذه ما ثبت بالنصوص الصريحة من كتب ميرزا غلام أحمد نفسه ومن رسائله الموجهة إلى الحكومة الإنكليزية في الهند التي يستدرها ويستديم تأييدها وعطفها من إعلانه تحريم الجهاد، وأنه ينفي فكرة الجهاد ليصرف قلوب المسلمين إلى الإخلاص للحكومة الإنجليزية المستعمرة في الهند لأن فكرة الجهاد التي يدين بها بعض جهال
стр. 11585
المسلمين تمنعهم من الإخلاص للإنكليز. ويقول في هذا الصدد في ملحق كتابه (شهادة القرآن) الطبعة السادسة ص ١٧ ما نصه (أنا مؤمن بأنه كلما ازداد أتباعي وكثر عددهم قل المؤمنون بالجهاد لأنه يلزم من الإيمان بأني المسيح أو المهدي إنكار الجهاد) تنظر رسالة الأستاذ الندوي نشر الرابطة ص ٢٥.
وبعد أن تداول مجلس المجمع الفقهي في هذه المستندات وسواها من الوثائق الكثيرة المفصحة عن عقيدة القاديانيين ومنشئها وأسسها وأهدافها الخطيرة في تهديم العقيدة الإسلامية الصحيحة وتحويل المسلمين عنها تحويلا وتضليلا، قرر المجلس بالإجماع اعتبار العقيدة القاديانية المسماة أيضا بالأحمدية عقيدة خارجة عن الإسلام خروجا كاملا، وأن معتنقيها كفار مرتدون عن الإسلام، وأن تظاهر أهلها بالإسلام إنما هو للتضليل والخداع، ويعلن مجلس المجمع الفقهي أنه يجب على المسلمين حكومات وعلماء وكتابا ومفكرين ودعاة وغيرهم مكافحة هذه النحلة الضالة وأهلها في كل مكان في العالم. . وبالله التوفيق.
نائب الرئيس ... الرئيس
محمد علي الحركان الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي ... عبد الله بن حميد رئيس مجلس القضاء الأعلى في المملكة العربية السعودية
الأعضاء
عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية ... محمد محمود الصواف ... محمد بن صالح بن عثيمين
... محمد بن عبد الله السبيل ... محمد رشيد قباني
مصطفى الزرقاء ... محمد رشيدي ... عبد القدوس الهاشمي الندوي
... أبو بكر جومي ...
стр. 11586
القرار الخامس
التأمين
بشتى صوره وأشكاله
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد:
فإن مجمع الفقه الإسلامي قد نظر في موضوع التأمين بأنواعه المختلفة بعد ما اطلع على كثير مما كتبه العلماء في ذلك وبعد ما اطلع أيضا على ما قرره مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في دورته العاشرة المنعقدة بمدينة الرياض بتاريخ ٤/ ٤ / ١٣٩٧ هـ من التحريم للتأمين بأنواعه.
وبعد الدراسة الوافية وتداول الرأي في ذلك قرر المجلس بالأكثرية تحريم التأمين بجميع أنواعه سواء كان على النفس أو البضائع التجارية أو غير ذلك من الأموال.
كما قرر مجلس المجمع بالإجماع الموافقة على قرار مجلس هيئة كبار العلماء من جواز التأمين التعاوني بدلا من التأمين التجاري المحرم والمنوه عنه آنفا وعهد بصياغة القرار إلى لجنة خاصة.
تقرير اللجنة المكلفة بإعداد قرار مجلس المجمع حول التأمين:
بناء على قرار مجلس المجمع المتخذ بجلسة الأربعاء ١٤ شعبان ١٣٩٨ هـ المتضمن تكليف كل من أصحاب الفضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز والشيخ محمد محمود الصواف والشيخ محمد بن عبد الله السبيل
стр. 11587
بصياغة قرار مجلس المجمع حول التأمين بشتى أنواعه وأشكاله.
وعليه فقد حضرت اللجنة المشار إليها وبعد المداولة أقرت ما يلي:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد:
فإن المجمع الفقهي الإسلامي في دورته الأولى المنعقدة في ١٠ شعبان ١٣٩٨ هـ بمكة المكرمة بمقر رابطة العالم الإسلامي نظر في موضوع التأمين بأنواعه بعد ما اطلع على كثير مما كتبه العلماء في المملكة العربية السعودية في دورته العاشرة بمدينة الرياض بتاريخ ٤/ ٤ / ١٣٩٧ هـ بقراره رقم (٥٥) من التحريم للتأمين التجاري بأنواعه.
وبعد الدراسة الوافية وتداول الرأي في ذلك قرر مجلس المجمع الفقهي بالإجماع عدا فضيلة الشيخ مصطفى الزرقا تحريم التأمين التجاري بجميع أنواعه سواء كان على النفس أو البضائع التجارية أو غير ذلك للأدلة الآتية:
الأول: عقد التأمين التجاري من عقود المعاوضات المالية الاحتمالية المشتملة على الغرر الفاحش، لأن المستأمن لا يستطيع أن يعرف وقت العقد مقدار ما يعطي أو يأخذ فقد يدفع قسطا أو قسطين ثم تقع الكارثة فيستحق ما التزم به المؤمن، وقد لا تقع الكارثة أصلا فيدفع جميع الأقساط ولا يأخذ شيئا وكذلك المؤمن لا يستطيع أن يحدد ما يعطي ويأخذ بالنسبة لكل عقد بمفرده، وقد ورد في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ النهي عن بيع الغرر.
الثاني: عقد التأمين التجاري ضرب من ضروب المقامرة لما فيه من المخاطرة في معاوضات مالية ومن الغرم بلا جنابة أو تسبب
стр. 11588
فيها ومن الغنم بلا مقابل أو مقابل غير مكافئ، فإن المستأمن قد يدفع قسطا من التأمين ثم يقع الحادث فيغرم المؤمن كل مبلغ التأمين وقد لا يقع الخطر ومع ذلك يغنم المؤمن أقساط التأمين بلا مقابل وإذا استحكمت فيه الجهالة كان قمارا ودخل في عموم النهي عن الميسر في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١)
والآية بعدها.
الثالث: عقد التأمين التجاري يشتمل على ربا الفضل والنسأ فإن الشركة إذا دفعت للمستأمن أو لورثته أو للمستفيد أكثر مما دفعه من النقود لها فهو ربا فضل والمؤمن يدفع ذلك للمستأمن بعد مدة فيكون ربا نسأ وإذا دفعت الشركة للمستأمن مثل ما دفعه لها يكون ربا نسأ فقط وكلاهما محرم بالنص والإجماع.
الرابع: عقد التأمين التجاري من الرهان المحرم لأن كلا منهما فيه جهالة وغرر ومقامرة ولم يبح الشرع من الرهان إلا ما فيه نصرة للإسلام وظهور لإعلامه بالحجة والسنان وقد حصر النبي ﷺ رخصة الرهان بعوض في ثلاثة بقوله ﷺ «لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل (٢)» وليس التأمين من ذلك ولا شبيها به فكان محرما.
الخامس: عقد التأمين التجاري فيه أخذ مال الغير بلا مقابل، وأخذ بلا مقابل في عقود المعاوضات التجارية محرم لدخوله في عموم النهي في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣)
стр. 11589
السادس: في عقد التأمين التجاري الإلزام بما لا يلزم شرعا فإن المؤمن لم يحدث الخطر منه ولم يتسبب في حدوثه وإنما كان منه مجرد التعاقد مع المستأمن على ضمان الخطر على تقدير وقوعه مقابل مبلغ يدفعه المستأمن له والمؤمن لم يبذل عملا للمستأمن فكان حراما.
وأما ما استدل به المبيحون للتأمين التجاري مطلقا أو في بعض أنواعه فالجواب عنه ما يلي:
(أ) الاستدلال بالاستصلاح غير صحيح فإن المصالح في الشريعة الإسلامية ثلاثة أقسام: قسم شهد الشرع باعتباره فهو حجة، وقسم سكت عنه الشرع فلم يشهد له بإلغاء ولا اعتبار فهو مصلحة مرسلة وهذا محل اجتهاد المجتهدين، والقسم الثالث ما شهد الشرع بإلغائه وعقود التأمين التجاري فيها جهالة وغرر وقمار وربا فكانت مما شهدت الشريعة بإلغائه لغلبة جانب المفسدة فيه على جانب المصلحة.
(ب) الإباحة الأصلية لا تصلح دليلا هنا لأن عقود التأمين التجاري قامت الأدلة على مناقضتها لأدلة الكتاب والسنة. والعمل بالإباحة الأصلية مشروط بعدم المناقل عنها وقد وجد فبطل الاستدلال بها.
(ج) الضرورات تبيح المحظورات لا يصح الاستدلال به هنا، فإن ما أباحه الله من طرق كسب الطيبات أكثر أضعافا مضاعفة مما حرمه عليهم فليس هناك ضرورة معتبرة شرعا تلجئ إلى ما حرمته الشريعة من التأمين.
(د) لا يصح الاستدلال بالعرف فإن العرف ليس من أدلة تشريع الأحكام وإنما يبنى عليه في تطبيق الأحكام وفهم المراد من ألفاظ النصوص ومن عبارات الناس في أيمانهم وتداعيهم وأخبارهم وسائر
стр. 11590
ما يحتاج إلى تحديد المقصود منه من الأفعال والأقوال فلا تأثير له فيما تبين أمره وتعين المقصود منه وقد دلت الأدلة دلالة واضحة على منع التأمين فلا اعتبار به معها.
(هـ) الاستدلال بأن عقود التأمين التجاري من عقود المضاربة أو في معناه غير صحيح. فإن رأس المال لم يخرج عن ملك صاحبه وما يدفعه المستأمن يخرج بعقد التأمين من ملكه إلى ملك الشركة حسبما يقضي به نظام التأمين، وأن رأس مال المضاربة يستحقه ورثة مالكه عند موته، وفي التأمين قد يستحق الورثة نظاما مبلغ التأمين ولو لم يدفع مورثهم إلا قسطا واحدا، وقد لا يستحقون شيئا إذا جعل المستفيد سوى المستأمن وورثته، وأن الربح في المضاربة يكون بين الشريكين نسبا مئوية مثلا بخلاف التأمين فربح رأس المال وخسارته للشركة وليس للمستأمن إلا مبلغ التأمين أو مبلغ غير محدد.
(و) قياس عقود التأمين على ولاء الموالاة عند من يقول به غير صحيح، فإنه قياس مع الفارق ومن الفروق بينهما أن عقود التأمين هدفها الربح المادي المشوب بالغرر والقمار وفاحش الجهالة بخلاف عقد ولاء الموالاة فالقصد الأول فيه التآخي في الإسلام والتناصر والتعاون في الشدة والرخاء وسائر الأحوال وما يكون من كسب مادي فالقصد إليه بالتبع.
(ز) قياس عقد التأمين التجاري على الوعد الملزم عند من يقول به لا يصح لأنه قياس مع الفارق ومن الفروق أو الوعد بقرض أو إعارة أو تحمل خسارة مثلا من باب المعروف المحض فكان الوفاء به واجبا أو من مكارم الأخلاق بخلاف عقود التأمين فإنها معاوضة تجارية باعثها الربح المادي فلا يغتفر فيها ما يغتفر في التبرعات من