← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 11726–11765 · переход к 11731.

стр. 11726

شكل تعليقات على المقال وأن لا أشك أن كتابات من كتبوا إنما كان باعثها حب جمع المسلمين ولم شتاتهم ظنا منهم أن ذلك يجمعهم ومثل ذلك لا يجمع في الحقيقة وإنما يجمع الأمة اتحاد المسيرة في ظل القرآن الكريم والسنة المطهرة وما قامت عليه الدولة الإسلامية الأولى من صفاء العقيدة وصدق الانقياد لأمر الله وأمر رسوله والرجوع إلى ما قال الله ورسوله في كل الأحوال والرغبات والمقاصد وإليك أيها القارئ الكريم نص الكلمة السابقة مدخلا فيها ما ذكرته من التصرف الذي لا يخرجها عن مبناها ولا يخل بمعناها إن شاء الله: الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام دينا، وبعث إلينا رسوله محمدا هاديا ومعلما. فأقام الحجة وأوضح المحجة وبين للناس ما نزل إليهم من ربهم أكمل بيان وأتمه، ولم يمت ﵊ حتى بين لنا فروع الدين وأصوله فلا يضل عن هديه بعد ذلك إلا هالك، وربنا لم يجعل علينا في ديننا أي حرج بل جعل أموره سهلة مبسطة ميسرة، وأقام لأوقات العبادة دلائل واضحة لا يختص بمعرفتها فئة خاصة من الناس وإنما يشترك في معرفتها الخاصة والعامة ولم يقيدها بعلم دقيق غامض، بل أناط معرفتها بأمور محسوسة وكواكب سيارة يعرفها المتعلم والعامي ويهتدي بطلوعها وغروبها المكلفون جميعا وهذا من رحمة الله بعباده وإحسانه إليهم وجميل لطفه بهم فله الحمد والشكر على نعمه التي لا تعد ولا تحصى؛ إذ لم يجعل أمور عباداتنا معلقة على علوم دقيقة تفتقر إلى حساب وحدس وتخمين لما في ذلك من الحرج والعناء وحدوث الغلط والاضطراب وحصول الشك والقلق. . وبعد. . فيا أخي المسلم. . إن الباعث لي على كتابة هذا الحديث هو ما تكرر من كتابات صحفية عند قرب مواسم العبادة الدورية أو قرب

стр. 11727

خروجها كالصيام والعيد والحج مما أوجد بلبلة وتساؤلات كثيرة وما كنت أرغب الكتابة في ذلك قبل الآن لعلمي أن ما حوته الكتب من علوم القرآن والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة فيه مقنع لطالب الحق، وأن العبرة بما جاء عن المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، ولكن الأمر في الآونة الأخيرة بدأ يتسع خرقه ويتفاقم خطبه. وصار الناس يجدون كتابات جازمة بأحكام صادرة عن غير ذوي الشأن المعنيين بالأمر وفيها تحد سافر وتشكيك في العبادة، وإعطاء الحساب المبني على الظن حكم القرآن ومتواتر السنة من قطعية الدلالة ووجوب رد الشهادة إذا خالفته رغم أن حذاق الحساب يجزمون بأنه لا يمكن أن يتوصل بالحساب إلى أمر قاطع ولا إلى دليل حاسم ومن يطالع أكثر ما كتب باعتناء وتجرد يجد ذلك ظاهرا لا لبس فيه، وقد كثر القول والتذمر من العامة والخاصة كما كثر ترديد عبارات قوية مثل: أما يوضع لهذا الاندفاع حد؟ أما يوقف الخوض فيما يربك العامة ويؤثر على نفوسهم؟ وقد يوجد بسبب أمثال هذه الكتابات من الاختلاف والفرقة ما يعم ضرره ويعظم خطره، مما أوجب الكتابة فيه مع أن أهل العلم قد تكرر منهم البيان وإيضاح الحكم الشرعي. وتوالت كتابات شيخنا سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز وغيره ثم إنه قد اتصل بي بعض من أرى رأيهم محل تقدير واهتمام ورغب إلي أن أقول شيئا في هذا الأمر وأكتب كتابة موسعة لعل الله أن ينفع بها، وكنت مترددا في ذلك وأخيرا انشرح صدري للكتابة وفضلت الاستجابة لرأيه وعزمه، وبما أن الأمر يتعلق بركن من أركان الإسلام بل بركنين هما: الصيام والحج فلا بد من الاهتداء بقول المبلغ عن الله رسالاته الذي لا ينطق عن الهوى، بل الكلام هو وحي يوحى وهو ﵊ قد أوتي الكتاب ومثله معه، وكان أنصح الخلق وأبرهم فلم يتركنا

стр. 11728

نتخبط في ظلم الجهل ونتقارع بحجج الهوى بل أعطانا مصابيح كاشفة وهاجة لا يبقى معها شك أو ريبة لمنصف ينشد الحق ويسعى في طلبه. وإليك أيها القارئ جملة منها وسأقتصر على ما في الصحيح؛ إذ القصد إعطاء القارئ الذي قد تكون أثرت عليه بعض تلك المقالات ما يبدد عنه غيومها ويزيل عنه آثارها لا سيما وقد اقترنت بذكر بعض أقطاب العلم ممن لهم في النفوس منزلة عالية، ولكن على فرض أن في بعض كلام أهل العلم ما يؤيد ما نشر فإن مما لا شك فيه أن العبرة والعمدة على ما قاله الله ورسوله وما عدا ذلك فيرد إليهما ويعرض على دلالتهما. قال الله : ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١). والمراد بالشهود رؤية الهلال كما هو المتبادر، وبه فسره أهل العلم العارفون بمدلول لغة القرآن وهم القدوة في ذلك لا من خالف إجماع السلف كما سوف يمر بك إن شاء الله. ثم تأمل كلام الصادق المصدوق تجده فصلا في الموضوع واقعا على المحز ينجلي به عن القلب كل غمة وهاك ما وعدتك به: قال الإمام البخاري (٢) في صحيحه باب قول النبي ﷺ : «إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا (٣)» حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن نافع عن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فقال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له (٤)». حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين (٥)». حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا محمد بن زياد قال سمعت أبا هريرة

стр. 11729

- ﵁ يقول: قال النبي ﷺ أو قال أبو القاسم ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غبي عليكم فأكلموا عدة شعبان ثلاثين (١)». حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا الأسود بن قيس حدثنا سعيد بن عمرو أنه سمع ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين (٢)» أهـ. قال الحافظ في الفتح بعد كلام له على معنى الحديث. فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك - يعني الحساب- بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلا يوضحه قوله في الحديث الماضي فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ولم يقل فاسألوا أهل الحساب. والحكمة في كون العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلفون فيرتفع الخلاف والنزاع. وقال (٣): ونقل ابن العربي عن ابن سريج أن قوله: فاقدروا له خطاب لمن خصه الله بهذا العلم وأن قوله فأكملوا العدة خطاب للعامة قال ابن العربي: فصار وجوب رمضان عنده مختلف الحال يجب على قوم بحساب الشمس والقمر وعلى آخرين بحساب العدد قال: وهذا بعيد عن النبلاء، يعني فكيف برسول رب العالمين. وقال ابن الصلاح: معرفة منازل القمر هي معرفة سير الأهلة، وأما معرفة الحساب فأمر دقيق يختص بمعرفته الآحاد قال فمعرفة منازل القمر تدرك بأمر محسوس يدركه من يراقب النجوم وهذا هو الذي أراده ابن سريج وقال به في حق العارف بها في خاصة نفسه ونقل الروياني عنه أنه لم يقل بوجوب ذلك عليه وإنما قال بجوازه. . الخ. وقال (٤) عن اعتبار الحساب: وقال ابن بزيزة: وهو مذهب باطل

стр. 11730

فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم لأنها حدس وتخمين ليس فيها قطع ولا ظن غالب وقال ﵀: وقال ابن بطال: في الحديث يعني حديث إنا أمة أمية- رفع لمراعاة النجوم بقوانين التعديل وإنما المعول الرؤية وقد نهينا عن التكلف ولا شك أن في مراعاة ما غمض حتى لا يدرك إلا بالظنون غاية التكلف أهـ. (بعض روايات الحديث في صحيح مسلم). وقال الإمام مسلم (١): حدثني يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه ذكر رمضان فقال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن أغمي عليكم فاقدروا له (٢)». حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ «ذكر رمضان فضرب بيديه فقال: الشهر هكذا وهكذا ثم عقد إبهامه في الثالثة، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن أغمي عليكم فاقدروا له ثلاثين (٣)» وساق أحاديث في هذا المعنى إلى أن قال- ﵀: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا غندر عن شعبة وساق السند إلى ابن عمر ﵄ أنه سمع النبي ﷺ قال: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا (٤)» وعقد الإبهام في الثالثة، "والشهر هكذا وهكذا وهكذا" يعني تمام الثلاثين. وقال- ﵀ حدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا إبراهيم بن سعد عن سعد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوما (٥)» وساق- ﵀ روايات عدة في هذا المعنى.

стр. 11731

قال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم: باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر لرؤية الهلال وأنه إذا غم في أوله أو آخره أكملت عدة الشهر ثلاثين يوما. قوله ﷺ : «لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن أغمي عليكم فاقدروا له (١)» وفي رواية: «فاقدروا له ثلاثين (٢)» وفي رواية: «إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فاقدروا له (٣)» وفي رواية: «فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوما (٤)» وفي رواية: «فإن غمي عليكم فأكملوا العدد (٥)» وفي رواية: «فإن غمي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين (٦)» وفي رواية: «فإن أغمي عليكم فعدوا ثلاثين (٧)». هذه الروايات كلها في الكتاب على هذا الترتيب. وفي رواية للبخاري: «فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين (٨)». واختلف العلماء في معنى «فاقدروا له (٩)» فقالت طائفة من العلماء: معناه ضيقوا له وقدروه تحت السحاب وممن قال بهذا أحمد بن حنبل وغيره ممن يجوز صوم يوم ليلة الغيم عن رمضان كما سنذكره إن شاء الله تعالى. وقال ابن سريج وجماعة منهم مطرف بن عبد الله وابن قتيبة وآخرون معناه قدروه بحساب المنازل وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور السلف والخلف إلى أن معناه قدروا له تمام العدد ثلاثين يوما؟ قال أهل اللغة يقال قدرت الشيء أقدره وقدرته وأقدرته بمعنى واحد وهو من التقدير. قال الخطابي ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ (١٠). واحتج الجمهور بالروايات المذكورة: فأكملوا العدة ثلاثين وهو تفسير لقوله قدروا له ولهذا لم يجتمعا في رواية بل تارة يذكر هذا، وتارة يذكر هذا ويؤكده الرواية السابقة فاقدروا له ثلاثين. قال المازري: حمل

стр. 11732

جمهور الفقهاء قوله ﷺ «فاقدروا له (١)» على أن المراد كمال العدة ثلاثين كما فسره في حديث آخر. قالوا ولا يجوز أن يكون المرالصحابةد به كلام المنجمين لأن الناس لو كلفوا به ضاق عليهم لأنه لا يعرفه إلا أفراد، والشرع إنما يعرف الناس بما يعرفه جماهيرهم والله أعلم. وأما قوله ﷺ «فإن غم عليكم (٢)» فمعناه حال بينكم وبينه غيم يقال غم وأغمي وغمي بتشديد الميم وتخفيفها والغين مضمومة فيهما ويقال غبي. . إلخ، انتهى من شرح النووي على صحيح مسلم وبهذا اكتفى بالنقل من أحاديث رسول الله ﷺ وخلاصته من شرح الحافظ في الفتح على البخاري وما أتبعته من أحاديث مسلم ومن شرح الإمام النووي الذي قال فيه السبكي صاحب المقولة الشاذة في رد الشهادة إذا خالفها الحساب أنه أي النووي محرر المذهب الشافعي وحسبه أنه صاحب المجموع والروضة وشرح صحيح مسلم وتهذيب الأسماء وغيرها. وقال الحافظ (٣) أيضا بعد نقل الخلاف في خصوص النظر في الحساب والمنازل فقال: وقال ابن الصباغ: أما بالحساب فلا يلزمه يعني الحاسب بلا خلاف بين أصحابنا قلت: ونقل ابن المنذر قبله الإجماع على ذلك فقال في الإشراف: صوم يوم الثلاثين من شعبان إذ لم ير الهلال مع الصحو لا يجب بإجماع الأمة وقد صح عن أكثر الصحابة والتابعين كراهته هكذا أطلق ولم يفرق بين حاسب وغيره فمن فرق بينهما كان محجوجا بالإجماع قبله. أهـ.

стр. 11733

أخي القارئ. . بعد هذه المقدمة النفيسة من كلام المعصوم ﷺ يحسن بنا أن نفكر متجردين عن الهوى: ما الذي نجنيه من الكتابة عن الصيام وتكذيب شهود رؤية الهلال لأن الحساب قد دلنا على أن الشهر لن يهل أو أنه

стр. 11734

لم يولد؟ هل عندنا ذلك أثارة من علم ممن لا يرد قوله؟ أو أننا صدقنا نتيجة حسابنا إن كنا نحسن الحساب أو أننا وثقنا بخبر حاسب قال لنا ذلك مع افتقار خبره إلى مقومات قبول الخبر من الثقة والأمانة والخبرة الطويلة وتجربة صوابه دائما. . الخ. وعدم الاستغناء عنه بخبر من أمرنا الله بتصديقه وقبول أمره والوقوف عند نهيه والرضى بحكمه بدون أي تردد لأن الله عصمه وأيده. أما غيره من أهل الحساب فإن قدماءهم ومحدثيهم لا يدعون لأنفسهم العصمة ولم يسجلوا هذا في كتبهم ولو سجلوه لرد العلماء عليهم فكيف نسبغها عليهم بكل بساطة ودون مراعاة لما كان عليه سلفنا الصالح الذين هم أحرص على جمع الكلمة وتوحيد الأمة وكانوا أتقى لله وأبر وأفقه في العلم من غيرهم؛ والاقتداء بهم خير وفلاح وبر، وإن ترك قولهم لقول أهل الحساب ضلال وعقوق وإزراء بهم وما كانوا لذلك أهلا. أخي القارئ: إننا قد كفينا الأمر وإن هدي نبينا ﷺ أمامنا فعلينا أن نوليه ما يستحقه من الاحترام والتقدير على كل قول أو رأي، إن علماء الأمة يقولون إن تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز فهل يليق بنا أن ننسب لرسول الله ﷺ إخفاء شيء من شرع الله أو أنه جهل بالرد إلى أمر نحن اهتدينا له، إن أمرا وسع رسول الله ﷺ وأصحابه يجب أن يسعنا وسوف ترى أيها القارئ الكريم تفصيل القول في معنى وصف أمتنا بالأمية إن شاء الله تعالى. إنني أعلم أن من كتب في صحفنا عن الرؤية وعدم صحتها لا ينسب لنفسه أنه اهتدى لما لم يهتد إليه محمد ﷺ لأني أحسن الظن بهم من عرفته منهم ومن لم أعرفه. لكني أرى أنهم كلفوا أنفسهم تحمل حمل ثقيل ووقفوا بما كتبوه رادين لسنة رسول الله ﷺ بدون قصد إذ

стр. 11735

لا يعقل أن مسلما يدين بالإسلام حقا يرضى أن يرد سنة رسول الله بحساب سوف نقرأ قول أصحابه عنه فيما يأتي إن شاء الله ونعرف بذلك ما تجشمه هؤلاء الكتاب هداهم الله وإيانا وبصرنا وإياهم بديننا إذ أن البصيرة في الدين من هدي سيد المرسلين. إن أمة الإسلام مضى لها أكثر من أربعة عشر قرنا وأجمعت على عدم اعتبار الحساب في إثبات عبادة الصوم والحج وإذا وجد فرد قد شذ ردوا قوله ولم تقل بالحساب إلا طائفة الإسماعيلية الطائفة المعروفة ومن كان قريبا منها من الطوائف كما ذكر ذلك حفاظ الإسلام من القرون الأولى إلى من جاء بعدهم من الحفاظ وللفائدة وإزاحة لما قد يكون قد علق بالأذهان من جراء النقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم في بعض كتابات من كتبوا مدعين في كتاباتهم بلا دليل شرعي خطأ الشهود الذين شهدوا بالرؤية وعن الكسوف ونعذر ظهور الهلال إذا وجد كسوف أقول: لقد أرشدنا سيد الرسل وخاتمهم إلى ما نعتبره من الكسوف فقال إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة وقد رواه وغيره من أحاديث الكسوف عامة مخرجي السنة في كتاب الكسوف. وسكت عن الاقتران والافتراق، وسبب الكسوف والتجلي فلم يرتب على ذلك حكما سوى الصلاة حتى يكشف عنا. أيليق بنا أن نزيد ونقول ترد بذلك الشهادة ويحكم بكذب الشهود العدول الذين لا غرض لهم في ظاهر الأمر بل عليهم من المشقة والتعرض للمتاعب ما يعلمه من يتولى أخذ شهادتهم ومطالبتهم بإحضار من يشهد بعدالتهم وأمانتهم. ألم يقل ربنا جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ (١).

стр. 11736

ومع ذلك أيترك الله أمرا في منتهى الخطورة فلا يرشدنا إليه بكتاب ولا سنة إن هذا الظن بالله وبرسوله غير لائق ومن كتب عن الهلال لا شك أنه لم يرد لذهنه هذا الظن لكن كتابته تؤدي إليه فهل يرضى لنفسه ذلك؟ ثم تعال معي لنقرأ بعض كلام أهل العلم حول هذا الموضوع لتزداد طمأنينة بأن علماءنا الأجلاء بحثوا هذا الأمر بعلم وتقعيد وأرسوا لنا فيه قواعد متينة وليس ذلك قول طائفة واحدة منهم بل هو قول عامة علماء الأمة خلفا عن سلف.

стр. 11737

بعض أقوال أهل العلم: ونبدأ بشيخ الإسلام ابن تيمية لأن بعض من كتب عن الهلال ورد الشهادة لمخالفة الحساب قد شوش على الناس بالنقل عنه فأحببت البدء به ولو كان من سبقه من أئمة الإسلام ردوا على من قال بالحساب وسفهوا رأيه وعدوه خالف الإجماع، قال- ﵀ بعد مقدمة عظيمة في كمال الدين ووجوب اتباع صراط الله المستقيم وأن الله أمرنا أن لا نكون كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات وأن الله أمرنا بالاعتصام بالدين وأنه يقع المتنازع في تفصيله، فتارة يكون بين العلماء المعتبرين في مسائل الاجتهاد، وتارة يتنازع فيه قوم جهال بالدين أو منافقون أو سماعون للمنافقين يقبلون منهم. . إلخ. وبسط الكلام في ذلك بمعان رائعة وألفاظ شائقة. ثم قال وكان مقتضى تقدم هذه المقدمة أني رأيت الناس في صومهم وفي غيره أيضا منهم من يصغي إلى ما يقوله بعض جهال أهل الحساب من أن الهلال يرى أو لا يرى ويبني على ذلك إما في باطنه وإما في باطنه وظاهره حتى بلغني أن من القضاة من كان يرد شهادة العدد من العدول لقول الحاسب الجاهل الكاذب أنه يرى

стр. 11738

أو لا يرى فيكون ممن كذب بالحق لما جاءه. ثم قال وفيهم يعني القضاة من لا يقبل قول المنجم لا في الباطن ولا في الظاهر لكن في قلبه حسيكة من ذلك وشبهة قوية من جهة أن الشريعة لم تلتفت إلى ذلك لا سيما إن كان قد عرف شيئا من حساب النيرين واجتماع القرصين ومفارقة أحدهما الآخر بعدد درجات وسبب الإهلال والإبدار والاستسرار والكسوف والخسوف. ثم قال: فإنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العدة أو الإيلاء أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال بخبر الحاسب أنه يرى أو لا يرى لا يجوز والنصوص المستفيضة عن النبي ﷺ بذلك كثيرة وقد أجمع المسلمون عليه ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلا ولا خلاف حديث إلا أن بعض المتأخرين من المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنه إذا غم الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حق نفسه بالحساب. . وهذا القول وإن كان مقيدا بالإغمام ومختصا بالحاسب فهو شاذ مسبوق بالإجماع على خلافه، فأما اتباع ذلك في الصحو أو تعليق عموم الحكم العام به فما قاله مسلم وقد يقارب هذا قول من يقول من الإسماعيلية بالعدد دون الهلال وبعضهم يروي عن جعفر الصادق جدولا يعمل عليه وهو الذي افتراه عليه عبد الله بن معاوية وهذه الأقوال خارجة عن دين الإسلام وقد برأ الله جعفرا منها ثم قال: وأنا إن شاء الله أبين ذلك وأوضح ما جاءت به الشريعة دليلا وتعليلا شرعا وعقلا. ثم سرد- ﵀ أحاديث كثيرة وقال: فهذه الأحاديث المستفيضة المتلقاة بالقبول دلت على أمور: أحدها أن قوله ﷺ «إنا أمة

стр. 11739

أمية لا نكتب ولا نحسب (١)» هو خبر تضمن نهيا فإنه أخبر أن الأمة التي اتبعته هي الأمة الوسط أمة لا تكتب ولا تحسب فمن كتب أو حسب لم يكن من هذه الأمة في هذا الحكم بل يكون قد اتبع غير سبيل المؤمنين الذين هم هذه الأمة فيكون قد فعل ما ليس من دينها والخروج عنها محرم منهي عنه فيكون الكتاب والحساب المذكوران منهيا عنهما. وقال ﵀: فبين النبي ﷺ أنا أيتها الأمة الأمية لا نكتب هذا الكتاب ولا نحسب هذا الحساب فعاد كلامه ﵇ إلى نفي الحساب والكتاب فيما يتعلق بأيام الشهر الذي يستدل به على استسرار الهلال أو طلوعه ثم قال: لا نحتاج في أمر الهلال إلى كتاب ولا حساب إذ هو تارة كذلك وتارة كذلك - يعني تسعة وعشرين وثلاثين- والفارق بينهما الرؤية فقط ليس بينهما فرق آخر من كتاب ولا حساب كما سنبينه فإن أرباب الكتاب والحساب لا يقدرون على أن يضبطوا الرؤية بضبط مستمر وإنما يقربون ذلك فيصيبون تارة ويخطئون أخرى. وظهر بذلك أن الأمية المذكورة صفة مدح وكمال من وجوه: فمن جهة الاستغناء عن الكتاب والحساب بما هو أبين منه وأظهر وهو الهلال ومن جهة أن الكتاب والحساب هنا يدخلهما الغلط، وبعد كلام حول الحساب والجداول والتقويم والتعديل قال: ولهذا ما زال العلماء يعدون من خرج إلى ذلك قد أدخل في دين الإسلام ما ليس منه، إلى أن قال وما جاءت به الشريعة هو أكمل الأمور وأحسنها وأبينها وأصحها وأبعدها عن الاضطراب وذلك أن الهلال أمر مشهود مرئي بالإبصار. . ومن أصح المعلومات ما شوهد بالإبصار. . ثم ذكر أن الطريق لمعرفة الهلال الذي تتعلق به الأحكام مثل صيام رمضان الرؤية فقط بالسمع والعقل وسرد الأدلة على ذلك. أما أهل الحساب فقال عنهم- ﵀ بأن العقل يؤكد عدم انضباط حسابهم فذكر ما نصه: وأما العقل فاعلم أن المحققين من

стр. 11740

أهل الحساب كلهم متفقون على أنه لا يمكن ضبط الرؤية بحساب بحيث يحكم بأنه يرى لا محالة أو لا يرى البتة على وجه مطرد وإنما قد يتفق ذلك. قال ولهذا كان المعنيون بهذا الفن من الأمم الروم والهند والفرس إلى أن قال: ومثل بطليموس الذي هو مقدم هؤلاء ومن بعدهم قبل الإسلام وبعده لم ينسبوا إليه في الرؤية حرفا واحدا. ثم قال فتبين أن قولهم في رؤية الهلال وفي الأحكام من باب واحد ويعلم بأدلة العقل امتناع ضبط ذلك. ويعلم بأدلة الشريعة تحريم ذلك والاستغناء عما نظن منفعته بما بعث الله به محمدا ﷺ من الكتاب والحكمة وقال: والمعتمد على الحساب في الهلال كما أنه ضال في الشريعة مبتدع في الدين، فهو مخطئ في العقل وعلم الحساب، إلى أن قال عن الهلال: وقد يراه بعض الناس لثمان درجات وآخر لا يراه لاثنتي عشرة درجة. ولهذا تنازع أهل الحساب في قوس الرؤية تنازعا مضطربا وأئمتهم كبطليموس لم يتكلموا بذلك بحرف لأن ذلك لا يقوم عليه دليل حسابي. أ. هـ.

стр. 11741

أخي القارئ الكريم. . لقد لخصت لك ونقلت من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما بسطه في أكثر من مائة صفحة من كتاب الصيام (١) لنفاسته وليكف اندفاع بعض الكتاب الذين ذكروا أنهم اعتمدوا على بعض كلام شيخ الإسلام ﵀ ومع تكريري إحسان الظن بهم إلا أني أقول لهم "ما هكذا يا سعد تورد الإبل" احرصوا على الانكفاف عما يثير ويشوش على الناس في عباداتهم وحسبكم سنة نبيكم المعصوم وهبوا أن شيخ الإسلام أو تلميذه ابن القيم أو خلافهما قال: إذا أكد الحساب عدم الرؤية

стр. 11742

أو حصل كسوف ترد الشهادة لذلك فهل قال ذلك من لا يرد قوله المسدد بالوحي النازل عليه من السماء صباح مساء ومع ذلك فإن الشيخين- رحمهما الله- لم يقولا ترد الشهادة لذلك وقد برأهما الله من الإقدام على رد الشهادة الصحيحة لمجرد الحساب الذي حكى عنه الإمام شيخ الإسلام ما قربت لك بعضه ونقلت لك خلاصته وقد بين أن القول بالحساب قول الطائفة الإسماعيلية ومن نحا نحوها من الفرق التي هي على شاكلتها وإليك بعض كلام الأئمة الأعلام من سائر المذاهب وسوف ألحق ذلك ببعض كلام علماء الفلك المعاصرين إن شاء الله ليعلم أن قدماء الفلكيين ومتأخريهم لم يدعوا قطعية حسابهم فكانوا بذلك منصفين. قال الحافظ العراقي (١) على حديث فإن غم عليكم فاقدروا له وذهبت فرقة ثالثة إلى أن معنى الحديث قدروه بحساب المنازل ونسب ذلك لمطرف بن عبد الله بن الشخير وابن سريج ورد ذلك الحافظ بن عبد البر وأنه لا يصح عن مطرف وأن من حكاه عن الشافعي فقد غلط، ونفى نسبته إليه وقال البغوي (٢) على قوله ﷺ : «فإن غم عليكم فاقدروا له (٣)» معناه التقدير بإكمال العدد ثلاثين يقال قدرت الشيء أقدره قدرا بمعنى قدرته تقديرا ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ (٤). وذكر قول أهل الحساب ورده ثم قال وذهب عامة أهل العلم إلى أنه لا يصوم ولا يفطر إلا برؤية الهلال أو إكمال العدة ثلاثين. . ا. هـ. ومثل (٥) ذلك أي استنكار العمل بالحساب في عامة كتب فقه الشافعية والمالكية والأحناف والحنابلة قال ابن عابدين: لا عبرة بقول المؤقتين في وجوب الصوم ولا يعتبر قولهم بالإجماع ولا يجوز للمنجم

стр. 11743

أن يعمل بحساب نفسه ثم ذكر كلام السبكي في الحساب وهجنه وأن متأخري أصحابه ردوه عليه كابن حجر والرملي وغيرهم ونقل عن ابن دقيق العيد أن الحساب لا يجوز الاعتماد عليه. وفي شرح مسلم للأبي، والسنوسي على قوله ﷺ «فاقدروا له (١)» قال لا يصح أن يكون المراد حساب المنجمين لأنه حدس وتخمين. وروى (٢) ابن نافع عن مالك في الإمام الذي يعتمد الحساب أنه لا يقتدى به ولا يتابع ونقل في شرح المرشد عن القرافي أنه لو كان إمام يرى الحساب فأثبت به الهلال لم يتبع لإجماع السلف على خلافه ونقل عن ابن عرفة إنكاره وعن ابن العربي أيضا. وفي شرح رسالة ابن أبي زيد (٣) على قوله فإن غم الهلال فيعد ثلاثون يوما من غرة الشهر الذي قبله ثم يصام وكذلك في الفطر. ظاهر كلامه أنه لا يلتفت إلى كلام المنجمين وهو كذلك ثم قال: وقال ابن الحاجب ولا يلتفت إلى قول المنجمين اتفاقا وسئل عليش عن رجل في زمانه اعتمد على حسابه في ثبوت رمضان وشوال ولم يعتبر رؤية الهلال بالبصر أهو ضلال فقال- ﵀ نعم هو ضلال تحرم موافقتهم فيه ويجب إنكاره والنهي عنه حسب الإمكان إذ هو هدم للدين ومصادم لحديث سيد المرسلين ثم نقل الإجماع على أنه لا يجوز لأحد أن يعول في صومه وفطره على الحساب ونقل عن ابن رشد الجد الإجماع على ذلك. . اهـ (٤). وفي شرح الزرقاني والشرح الصغير أيضا أنه لا يثبت دخول الشهر بقول الحاسب وأن نفيه من باب أولى لا بحق نفسه ولا بحق غيره وقال قبله الأبي في شرح مسلم (٥) على قول النبي ﷺ : «إنا أمة أمية (٦)». . إلخ.

стр. 11744

لم يصنع ذلك لأجل أنهم لا يكتبون ولا يحسبون لأنهم لا يجهلون الثلاثين والتسع والعشرين وإنما وصفهم بذلك سدا لباب الاعتداد بحساب المنجمين الذي تعتمده العجم في صومها وفطرها وفصولها ومثل ذلك قال السنوسي في شرح مسلم أيضا. . ا. هـ. وقال العلامة سليمان الجمل (١) الشافعي عند قول زكريا: يجب صوم رمضان بإكمال شعبان ثلاثين يوما، فهم من كلامه عدم وجوبه بقول المنجم بل لا يجوز. قال ولو دل الحساب القطعي على عدم الرؤية ففيه اضطراب للمتأخرين، والراجح العمل بشهادة البينة، وقال لو دل الحساب على عدم الرؤية وانضم إلى ذلك أن القمر غاب الليلة الثالثة على مقتضى تلك الرؤية قبل دخول وقت العشاء- يعني لم يعمل بالحساب- لأن الشارع لم يعتمد الحساب بل ألغاه بالكلية وهو كذلك. . أ. هـ. وقال أيضا لأن الشارع إنما أوجب علينا الصيام بوجود الرؤية لا بوجود الشهر وقال (٢) على قول زكريا أو ثبوتها في حق من لم يره. . الخ. شمل كلامه ما لو دل الحساب على عدم إمكان الرؤية وانضم إلى ذلك أن القمر غاب الليلة الثالثة على مقتضى تلك الرؤية قبل دخول وقت العشاء لأن الشارع لم يعتمد الحساب بل ألغاه بالكلية وهو كذلك كما أفتى به الوالد ﵀. وقال أيضا: ولا يجوز اعتماد قول منجم وهو من يرى أن أول الشهر طلوع النجم الفلاني ولا قول حاسب وهو من يعتمد منازل القمر وتقدير سيره وفي فتاوى الرملي قريب من ذلك. وقال ابن مفلح الحنبلي في الفروع في كتاب الصوم ومن صام بنجوم أو حساب لم يجزئه وإن أصاب ولا يحكم بطلوع الهلال بهما ولو كثرت

стр. 11745

إصابتهما ومثله في غير هذا الكتاب من كتب المذهب وما بسطه شيخ الإسلام ابن تيمية فيه كفاية عن بقية كتب المذهب الحنبلي. ومن المتأخرين الإمام الصنعاني قال ﵀ (١): أما حديث: «الفطر يوم يفطر الناس (٢)» فما هو إلا إخبار بأنه يتحزب الناس أحزابا ويخالفون الهدي النبوي فطائفة تعمل بالحساب- يعني الباطنية - حتى دخل عالم من العلماء في ذلك. . إلخ. وقال (٣): إن النص اشترط في لزوم الصوم أحد أمرين: إما الرؤية أو إكمال العدة إلى أن قال على قول النبي ﷺ : «إنا أمة أمية (٤)». . إلخ. إنما وصفهم بذلك طرحا للاعتداد بالمنازل وطرق الحساب الذي تعول عليه الأعاجم في صومها وفطرها وفصلها. انتهى نقلا عن القاضي عياض ثم قال وأغرب ابن السبكي ثم نقل كلامه في الاعتداد بالحساب وأنه قطعي ورد عليه بقوله: قلت هذه القطعية المدعاة إن أراد أنها قطعية عند الحاسب وسلمنا له ذلك فهو رجوع إلى قول بعض أكابر الشافعية أنه يختص بالحاسب وإن أراد أنه قطعي عند الحاسب وغيره فهذا باطل: ثم قال وما هذا وأشباهه إلا من شؤم علم الهيئة والنجوم الذي لم يأت عن الشارع حرف بصحته. والشارع قد أوضح أوقات العبادة وأناطها بأظهر الواضحات أفترد الشهادة التي أمر الشارع بقبولها بقول الحاسب. . إلخ. أ. هـ. وقال أبو الطيب صديق خان (٥) على قوله ﷺ : «فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين (٦)» قال: ولم يقل فاسألوا أهل الحساب، والحكمة كون العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلفون وقد ذهب قوم إلى الرجوع

стр. 11746

إلى أهل التسيير وهم من الفرق الضالة. . إلخ. . أ. هـ. وقال صاحب مرعات المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (١) بعد أن ذكر أن المعول على الرؤية: وذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التسيير في ذلك. . الخ. فرد كلامهم قال: وقال الباجي وإجماع السلف الصالح حجة عليهم وقال ابن بزيزة: هو مذهب باطل فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم لأنه حدس وتخمين ليس فيه قطع ولا ظن غالب. . أ. هـ. أقول: لقد أوضحت بما فيه الكفاية إن شاء الله. ولو ذهبنا ننقل كلام فقهاء مذاهب علماء الأمصار في القديم لوجدنا أن القول برد الشهادة لقول الحاسب قول مردود كفانا السلف الصالح مؤنة معاناة رده وحكوا لنا الإجماع على ذلك وما وجد من شذوذ بعد الإجماع فهو مردود لا يعول عليه ويكفي أنه قول طائفة باطنية عدوة للإسلام والمسلمين وتسعى لهدم الملة الحنيفية فلا يليق بطالب علم أن يغتر بها أو بقول من انخدع بالحساب لمصادمة ذلك للسنة الصحيحة وإجماع السلف الصالح- ﵃ والواجب أن يسعنا ما وسعهم وأن لا نبتدع في ديننا ما لم يأذن به الله سبحانه ولا رسوله ﷺ ولم يؤثر عن الصحابة الكرام- ﵃.

стр. 11747

أخي القارئ الكريم. . هذه جمل من النقول أحببت تقريبها لك لتزداد اطمئنانا بهدي سلفك الصالح وأنهم ما كانوا غافلين ولكن منزلة سنة رسول الله ﷺ كانت عالية لا يمكن أن تزاحم في نفوسهم أو تعارض بأقوال أهل الحساب والتسيير والتعديل وثقتهم بها وبقائلها الذي لا يرد قوله ولا يزاحم بآراء الآخرين جعلت لهم ذلك الفهم وتلك المنزلة عند الله وعند عباده المؤمنين وقد حرصت أن أنقل لك خلاصة الموضوع وإلا فإن بسط ذلك

стр. 11748

يستدعي مني ومنك وقتا كثيرا ولكن حسبك من النور ما يضيء لك الطريق ويقيك العثار إن شاء الله. وإليك باختصار قول بعض الفلكيين المعاصرين وقد ألقيت نظرة على أكثر من عشرة مباحث في أكثر من عشرة كتب منها المترجم ومنها من ألفه عرب مسلمون ونحن بحمد الله مكتفون بما اكتفى به سلفنا الصالح من عهد النبي ﷺ إلى عهدنا الحاضر وفي ظل دولتنا السعودية الباقية ولله الحمد على منهج السلف ولكن ننقل لك من كلام المختصين بعلم الفلك المعاصرين ما يبين أن دعوى القطعية في الحساب كما لم تكن مسلما بها عند حساب الأولين. فكذلك الحال عند المتأخرين. يقول الأمين محمد أحمد كعورة (١): بعض العوامل المؤثرة في حركة القمر: ١ - التغيير في المدار الإهليجي للقمر دوريا أي حوالي ٣١. ٨ يوما. ٢ - التفاوت وهو تأثير يعجل بظهور الهلال والبدر قبل ميعادهم ويؤخر نصف القمر. ٣ - التغير في بعد الأرض عن الشمس وبالتالي في بعد القمر عن الشمس ولذا تتأثر قوة جاذبية الشمس المؤثرة على القمر. ٤ - التغير في تلاقي مدار القمر مع مدار الشمس. ٥ - التغير في زاوية ميل القمر. ونتيجة لهذه العوامل والتأثيرات تصبح حركة القمر والأرض والشمس معقدة للغاية لدرجة أن مواقع هذه الأجرام بالنسبة لبعضها البعض لا تتكرر أبدا. ولذا كان من المستحيل وضع تقويم مضبوط للسنة القمرية لأن الشهور القمرية تختلف من سنة لأخرى. إن متوسط مدة الشهر القمري هي تسعة وعشرون يوما ونصف اليوم ولكن نتيجة لما ذكرنا عن عوامل التأثيرات فإن زمن الدورة قد يزيد

стр. 11749

أو ينقص ١٣ ساعة. وبناء عليه يختلف مولد الأهلة من شهر لآخر فقد يظهر الهلال بعد ٢٩ يوما أو بعد ٣٠ يوما. وكما ذكرت فلا أعتقد أن هناك قاعدة يرتكز أو يعتمد عليها في معرفة عدد أيام الشهور القمرية وإن الاعتماد الأساسي لهو على الرؤية. إن الشهور القمرية تلعب دورا كبيرا في حياة المسلمين. فشهر رمضان المكرم والحج والأعياد تعتمد على مولد القمر وأعتقد أنه من واجب المسلمين أن يهتموا أكثر بدراسة حركة القمر ورصد الأهلة بالطرق الحديثة أي رؤيتها بالمنظار أو المجهر الحديث. رؤية الهلال: كثيرا ما اختلفت الدول الإسلامية في بداية ونهاية شهر رمضان بل إن رؤية هلال شهر رمضان أصبحت من المشاكل المزمنة التي لم يجد لها العالم الإسلامي حلا بعد، والسبب الأساسي في ذلك هو ما سبق أن ذكرت من أن حركة القمر معقدة للغاية ويكاد يكون في حكم المستحيل وضع تقويم مضبوط للشهور العربية لأن موقع الأرض والقمر والشمس لا يتكرر في فترات منتظمة. ثم قال: إن الحل في رأيي لهذه المشكلة التي أساء الاختلاف فيها إلى سمعة العالم الإسلامي هو كالآتي: أن يعتمد المسلمون على الرؤية وذلك يتمشى مع الدين كما جاء في الحديث الشريف. . إلخ. وهذا بعض كلام الكاتبين عن القمر وحالة إبداره وإسراره وإهلاله في العصر الحديث بعد تطور هذا العلم واختراع المراصد الدقيقة والأجهزة الفائقة والكواكب الدوارة في محيط الأرض أو خارج محيطها وهو يتوافق مع كلام حذاق الحساب المتقدمين. كما مر بك في ثنايا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره وبهذا وأمثاله من مواقف علماء الشريعة وعلماء الحساب تعلم أيها القارئ المصنف عظيم لطف الله بنا

стр. 11750

وسابغ فضله علينا إذ لم يجعل أمر ركنين من أركان ديننا مربوطا بحساب فيه لدى أهله من الاضطراب ما مر بك مع الجزم باستحالة وضع تقويم دقيق ثابت لحصول التغيرات الفلكية في أماكن القمر مما سبقت الإشارة إليه وما لم أذكره أكثر من ذلك.

стр. 11751

أخي القارئ الكريم إن الكتابات باستحالة الرؤية أو بحتميتها أو احتمالها للقطع بوجود القمر في الأفق بناء على نتائج الحساب أو عدم وجوده قد ظهر أنه أمر تخرص تخميني. وأما الوجود القطعي فهو ما أخبر به الشارع في كتابه أو على لسان رسوله أو شاهده الناس مشاهدة تنفي الشك. ولقد مررت على كلام كثيرين من أهل العلم فوجدته لا يشير إلى القطعية بحال إلا من شذ وقد رد عليه علماء مذهبه وغيرهم قديما وحديثا والله يعفو عنا وعنه ولقد اطلعت أيضا على نتائج مجالس فقهية في مؤتمرات وجامعات وكنت شاركت في بعضها ولم يكن لدي أحد من هذه المجالس أي اعتبار لقطعية الحساب وأن الشهادة ترد لأجله. وقد مر بك أسماء علماء وتركت كثيرين جدا وحسبك أن أعدادا من فحول أهل العلم كابن المنذر وابن عبد البر وابن رشد الجد والباجي وابن تيمية وسواهم حكوا الإجماع على عدم اعتبار الحساب في إثبات الأهلة وحكموا بشذوذ من خالف في ذلك. إن محاولة حمل السنة على الحساب محاولة تعسفية وجور في الشريعة وخروج عن هدي المسلمين كما أن العزم على عدم الأخذ بالشهادة إذا خالفها الحساب أمر له خطورته على دين الشخص فقد أمر النبي ﷺ بالاعتماد على الرؤية ونهى عن الاعتماد على غيرها بقوله: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته (١)». وقوله ﵇: «لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه (٢)» أيليق بنا أن نقول بلسان الحال أو المقال "لا" وقد قال ربنا محذرا من مخالفة أوامر رسوله ﷺ : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣).

стр. 11752

أليس الله أعلم بمصالح عباده؟ أليس رسوله ﵇ بين للناس ما نزل إليهم من ربهم أكمل بيان ولم يترك أمرا دون ذلك إلا وأعطى عنه علما حتى جعل الناس في جلية من أمرهم فكيف يعقل أن يترك أمرا يتعلق بركنين من أركان الدين ويجعله في حال غير ثابتة: تارة بالهلال، وتارة بالحساب إذا علموا. ثم إن قل علمهم عادوا لأمر الرؤية لأن هذا لازم هذا القول فيكون المسلمون في تخبط مستمر في دينهم. وشرع الله يتنزه عن مثل ذلك ويجب على حملته تنزيهه وأخيرا أوجه القول لمن كتبوا معترضين على إثبات الرؤية وقد بلغني ولم أتحقق أن بعضهم كان في عام مضى صائما يوم أفطرنا ومفطرا يوم صمنا بناء على ظنه أن القمر لن يطلع في الأفق والله أعلم بذلك لكنها إن صحت زلته وأي زلة لما فيها من المشاقة التي قال الله عنها: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ (١). إذ أن رفض الأخذ بسنة رسول الله ﷺ مشاقة ولو كان الشخص يرى أنه على حق إذ لو كان يشاق مع علمه بأنه على خطأ لكان ذلك كفرا والعياذ بالله وحاشاهم أن يكونوا فيما كتبوا كذلك. لكنها الثقة بأهل الحساب والاغترار بهم والانخداع ببعض ما يدركه أحدهم من علم الحساب وعدم الخبرة بمسالك البحث ومقاصد الشريعة أو لأمر آخر والله أعلم بالنيات ولكن سرعان ما تنكشف الأمور وتتجلي الحقائق ليبدو الشخص على حقيقته. ثم إني أقول عاتبا على الكاتبين والصحافة والمسؤولين عنها هلا إذا كان الحديث يتعلق بعامة المسلمين في الداخل والخارج هلا تفاهمتم مع أهل الشأن؟ هل صددتم عن ذلك؟ أو رفض طلبكم أو امتنع طالب العلم المسؤول عن الإيضاح عما كان أشكل؟

стр. 11753

أم تصورتم بعلمائكم أو بنا يا إخوانكم تبلدا وعدم غيرة على شعائر الدين؟ أظننتم أنكم بمثل هذه الكتابات أو بإفساح الصدور لها في صحفكم قد ساعدتم على التمسك بالشريعة والعقيدة وجمعتم قلوب الناس على أمر واحد وموالاة حميدة تدفع عن بلادكم كل دخيل وتجمع القلوب على التعاون على البر والتقوى وتجعل العمل في حدود منهج السلف. لقد كان الجدير بكم وبالمسؤولين عن الصحافة التروي قبل الولوج من باب فيه ضيق وحرج وبلبلة، وصراطه مزلة قدم، وكان من حق إخوانكم عليكم أن لا تنسبوهم إلى الجهل أو الاستهتار بشعائر الدين لأن هذا من لازم تلك الكتابات سواء منها ما كان هذا العام وما كان منها في أعوام مضت. إن طلبة العلم ما سكتوا عن الرد لعدم وجوده عندهم ولا لأن الموضوع ليس من الأهمية بمكان ولكن كان الظن أن يستدرك الكاتب على نفسه ويتراجع عن النزول إلى هوة سحيقة فيعدل إلى الاكتفاء بمن لهم في هذا الأمر مجال الاختصاص وإن رأى أن عنده ما ليس عندهم أرشدهم إليه وتعاون معهم على البر والإصلاح أو أن تتراجع الصحيفة نفسها وتمتنع من فتح صفحاتها للتشكيك وزرع الريبة في نفوس العامة. لأن لذلك آثاره الضارة على المجتمع كما كان الظن أن يتنبه لذلك من لهم النظر في أمر الصحافة. . أقول: إني أعتب على أولئك وهؤلاء قديما قيل- ويبقى الود ما بقي العتاب- إن الدخول في أمر عام يتعلق بالعبادة التي يخاطب بها عموم الأمة في كل مكان وعلى مختلف مستوياتهم في العلم بمثل ذلك التشكيك والإقدام على الجزم بخطأ الناس في عملهم يثير استفهامات كثيرة ويبدي في الأذهان ويعيد ويحمل على البحث عن المقاصد وما وراء هذه الكتابات ورحم الله امرأ أعان على خير أو كف نفسه عما لا يعنيها. إن الإثارة والتعلق ببعض العلوم والفرح بها يرتب أخطارا كبيرة وبلاء عظيما وربما

стр. 11754

أثر على نفس الإنسان وعلى موقفه من عبادته فلا بد من اتهام الرأي أو مراجعته والتشاور وسؤال من له علم أو عليه مسؤولية قبل تجشم الموضوع بما يثير توجسات نحو من أثار تلك الزوبعات وهل وراءه من يدفعه؟ إذ إن تلك المواقف تدعو لذلك وتحمل على التساؤل عن الكاتب وأفكاره والصحيفة ومنهجها ودوافعها. ومع ذلك فإننا نحسن بهم الظن ونتمنى لهم التبصر والبصيرة ولنا كذلك، إذ الفقه في الدين والبصيرة فيه أعظم حصيلة يدركها المرء في هذه الحياة لأن النبي ﷺ قال في الحديث المتفق عليه: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (١)»، ومن أراد الله به الخير فماذا يفوته بعد ذلك إذ الفقه في الدين كنز عظيم ونور يهتدي به المرء عند اختلاط الآراء واختلاف الأفهام نسأل الله أن يجعلنا وإخواننا من هؤلاء. بقي أن أشير إلى أن العلماء لا يرون أي مانع من الأخذ بالرؤية عن طريق المرصد أو بالآلات الخاصة مع الأفراد أو الجماعات وبأي طريقة وإنما المهم أن تتحقق هذه الرؤية البصرية ومع ذلك فلا يجب التكلف والتمحل مادام أن رسولنا ﷺ ندبنا إلى التيسير وحذرنا من التعسير والتنفير فقال في الحديث الصحيح: «إنما بعثتم ميسرين (٢)» وقال لمعاذ وأبي موسى ﵄: «يسرا ولا تعسرا (٣)» وحذر من الاختلاف وبين أن الفطر يوم يفطر الناس والصوم يوم يصومون والأضحى يوم يضحون ومن هذا التوجيه العظيم أخذ أهل العلم- ﵏ كثيرا من أحكام التيسر وفرعوا على ذلك صورا عديدة ليس المقام مقام ذكرها ولاشك أنه قد لا يرضى هذا الموقف من أهل العلم- ﵃ بعض المتعالين ولكن عذرهم قائم كما قال الخليل: جهلت مقالتي فعذلتني ... وعلمت أنك جاهل فعذرتك أو ما في معناه.

стр. 11755

وأخيرا. . أرجو أن أكون قدمت للقارئ الكريم نبذا مفيدة ونصبت له منارا وعلامات يهتدي بها وأرجو من الله أن نكون جميعا من أهل الحق والإنصاف الذين يفرحون إذا أرشدوا لطريق الصواب: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ (١). وفي الختام. . فإن اتخاذ نتائج الحاسبين وحصول الكسوف والخسوف مفيدا علما قطعيا في إثبات الأهلة أو نفيها وبناء الأحكام الشرعية عليها تقول على الله وعلى رسوله والمؤمنين بغير علم وما هو إلا محاولة الظهور بمظهر التنور وعدم الجمود على ما قاله الأسلاف فهلا كان الظهور بما يقدم للأمة من حلول المشاكل الاقتصادية أو التقدم في ميادين طبية أو في مخترعات ترفع من شأن الأمة علميا كالذي فعل الغرب والشرق المتقدمان في هذا المجال مما يعود على أمتنا بالعز والسؤدد ويغنيها في مجال التصنيع عن الأمم الغربية والشرقية فهذا أجدى. . والله المستعان وهو الهادي إلى سواء السبيل. . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 11756

مصادر النظم الإسلامية إعداد الدكتور / حسين مطاوع الترتوري بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الهادي الأمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: فهذا بحث في التعريف بمصادر النظم الإسلامية: الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدولية والقضائية والإدارية. وهذه المصادر هي القرآن الكريم والسنة النبوية والاجتهاد. أولا: القرآن الكريم وفيه المباحث التالية: الأول: تعريفه وجمعه. الثاني: أنواع الأحكام التي اشتمل عليها. الثالث: دلالة آياته. الرابع: خصائص أحكامه. تعريف القرآن وجمعه: القرآن مصدر للفعل (قرأ) بمعنى جمع (١). ويأتي القرآن بمعنى القراءة

стр. 11757

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ (١) ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (٢) ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (٣). ويمكن أن نعرف القرآن بما يمتاز به ويبين خصائصه فنقول هو: كلام الله المعجز المنزل على محمد ﷺ بلسان عربي مبين، المتعبد بتلاوته، المكتوب في المصاحف من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، المنقول إلينا بالتواتر. وقد نزل القرآن على رسول الله ﷺ منجما في ثلاث وعشرين سنة، ثلاث عشرة سنة بمكة وعشر سنين بالمدينة، قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (٤). وكان ﷺ إذا نزل عليه القرآن حفظه وعلمه أصحابه ليحفظوه في صدورهم وليكتبوه بحسب طرق الكتابة المعروفة لديهم. فكان القرآن محفوظا في الصدور وفي السطور معا والأساس في حفظه في ذلك الوقت حفظه في الصدور لأن النبي ﷺ وأمته أميون قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ (٥). ولعدم تيسر أدوات الكتابة في زمانهم، وهذه من مزايا أمة محمد ﷺ (٦). ومن هنا كثر الصحابة الذين كانوا يحفظون القرآن ولا أدل على ذلك من أن قتلى معركة اليمامة من حفظة القرآن كانوا سبعين وقتلى بئر معونة كانوا مثلهم (٧). واتخذ الرسول ﷺ كتبة للوحي يكتبونه فيما تيسر لديهم من العسب

стр. 11758

واللخاف والرقاع وقطع الأديم وعظام الأكتاف والأضلاع، ويضعون ما يكتبون عند النبي ﷺ مرتبا في موضعه كما يأمرهم بذلك ﷺ . وفي الحديث عن ابن عباس أنه قال: «كان رسول الله ﷺ إذا نزلت عليه سورة دعا بعض من يكتب فقال: ضعوا هذه السورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا (١)». وكان ممن اتخذهم الرسول ﷺ لكتابة القرآن أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبان بن سعيد، وخالد بن الوليد، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت (٢). وتوفي رسول الله ﷺ والقرآن محفوظ في صدور عدد كبير من الصحابة ومكتوب عند بعضهم. وفي خلافة أبي بكر الصديق حصلت معركة اليمامة سنة اثنتي عشرة للهجرة بين المسلمين والمرتدين من أتباع مسيلمة الكذاب، واستشهد في هذه المعركة كثير من قراء الصحابة وحفظة القرآن، فهال ذلك عمر بن الخطاب ﵁ وأقنع أبا بكر بضرورة جمع القرآن، وعهد أبو بكر بهذه المهمة لزيد بن ثابت ﵃ أجمعين (٣). وما فعله أبو بكر ليس استحداثا في الدين بل عمل بمصلحة وهي

стр. 11759

حفظ الدين، وجمع القرآن وإن لم يرد به دليل جزئي يشهد له إلا أن هناك جملة نصوص وعدة أدلة شهدت لجنس هذه المصلحة، وهي حفظ الدين. وحفظ القرآن الذي جمعه زيد بن ثابت في بيت أبي بكر الصديق إلى أن توفي سنة ١٣هجرية، وصارت الصحف بعده إلى أمير المؤمنين عمر إلى أن توفي سنة ٢٣هجرية، ثم انتقلت الصحف إلى بيت حفصة بنت عمر أم المؤمنين ثم إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁. وفي زمن عثمان ﵁ انتشر الصحابة - رضوان الله عليهم - في الأمصار ينشرون دعوة الله ويعلمون الناس القرآن وأحكام الدين الإسلامي. وتأثر كل بلد بالصحابي أو الصحابة الذين وصلوه. فأهل العراق مثلا تأثروا بابن مسعود وعلي بن أبي طالب فأكثروا من الرأي والقياس عند عدم وجود النص. وكذا في قراءة القرآن تعلم كل أهل بلد القرآن من الصحابة الذين كانوا بينهم فأخذ أهل دمشق وحمص عن المقداد بن الأسود وأهل الكوفة عن ابن مسعود، وأهل البصرة عن أبي موسى الأشعري، وقرأ كثير من أهل الشام بقراءة أبي بن كعب. وكان الصحابة الذين ذكروا أخذوا عن النبي ﷺ إلا أنه كان بينهم اختلاف في حروف الأداء ووجوه القراءة وكلهم يقرأ ما أنزل على محمد ﷺ ، فإن اختلافهم هذا كان ضمن الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن. لكن أهل البلاد المفتوحة ما كانوا يعرفون هذه الأحرف السبعة حتى يتحاكموا إليها. وكان يتجمع في بعض الغزوات كثير من المسلمين بعضهم يقرأ قراءة لم يتعلمها الآخر وظهر هذا جليا في غزوة أرمينية وخشي حذيفة بن اليمان أن يختلف المسلمون ففزع إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ واقترح عليه جمع القرآن وشرح الله صدر عثمان لاقتراح

стр. 11760

حذيفة (١). وعهد أمير المؤمنين عثمان ﵁ في نسخ المصاحف وجمعها إلى زيد بن ثابت من الأنصار وإلى عبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام (٢) من قريش، وكان الأربعة من خيرة الصحابة وثقات الحفاظ وكان زيد أيضا ممن شهد عرضة القرآن الأخيرة. وما كان هؤلاء الصحابة الأربعة رضوان الله عليهم يكتبون شيئا حتى يعرضوه على الصحابة فيقروه على أنه أنزل على رسول الله ﷺ . وهكذا جمع القرآن في زمن عثمان وأرسل- ﵁ منه نسخا للأمصار وبقي القرآن محفوظا في السطور وفي الصدور إلى يومنا هذا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وصدق الله القائل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٣).

стр. 11761

أنواع الأحكام التي اشتمل عليها القرآن: اشتمل القرآن على جملة من الأحكام التشريعية تنظم كافة مناحي الحياة، فهي تنظم علاقة الإنسان مع ربه ومع نفسه ومع الآخرين وتبين سر الوجود وحقيقة الكون ووظيفة الإنسان في الحياة. والأحكام التي اشتمل عليها القرآن الكريم ثلاثة أنواع: ١ - الأحكام العقدية: وهي الإلهيات (١) والنبوات (٢) والسمعيات. ٢ - الأحكام الخلقية: وهي الأحكام التي تتعلق بما يجب على المكلف

стр. 11762

التحلي به من الفضائل والإحسان وما يجب أن يتخلى عنه من الرذائل والشرور. ٣ - الأحكام العملية: وتتعلق بما يصدر من المكلف من أقوال أو أفعال بحيث يكون لكل قول أو فعل يقوم به المكلف حكم شرعي. والهدف من دراسة علم الفقه هو الوصول إلى تلك الأحكام الشرعية العملية وهي التي اصطلح عليها مؤخرا بالأحكام الفقهية: وهذه الأحكام الفقهية تنقسم إلى سبع (١) زمر: ١ - أحكام العبادات من صلاة وصوم وزكاة وحج ونحوها من العبادات التي بها تنظيم علاقة الإنسان بربه. ٢ - أحكام الأحوال الشخصية وهي التي تتعلق بالأسرة من خطبة ونكاح وحقوق زوجين ونسب ونفقة وطلاق وعدة. ٣ - أحكام المعاملات وهي الأحكام التي تتعلق بالبيع والشراء والرهن والإجارة والوكالة والشفعة وما يترتب عليها من حقوق مالية. ٤ - أحكام العقوبات وتتعلق بما يصدر عن المكلف من جرائم وما يستحق عليها من عقوبة وهي التي تقصد ضبط النظام الداخلي وحفظ حياة الناس وأموالهم وأعراضهم. ٥ - أحكام السير- بكسر السين وفتح الياء- وهي الأحكام التي تنظم علاقة الدول الإسلامية بغيرها من الدول ومعاملة غير المسلمين في الدولة الإسلامية وتسمى هذه الأحكام في الاصطلاح القانوني: الأحكام الدولية.

стр. 11763

٦ - الأحكام السلطانية أو أحكام السياسة الشرعية وهي التي تتعلق بنظام الحكم وأصوله وسلطان الحاكم على الرعية وحقوق وواجبات كل فريق، وتسمى هذه الأحكام في الاصطلاح القانوني: الأحكام الدستورية. ٧ - الأحكام التي تتعلق بالقضاء والدعوى والبينة وتسمى في الاصطلاح القانوني: أحكام المرافعات. وأود أن أشير هنا إلى أن هذه القسمة لم تظهر إلا متأخرة ولم يكن الهدف منها إلا التنظيم وتسهيل الدراسة على الباحثين وإلا فإنه ليس في التصور الإسلامي نشاط إنساني لا ينطبق عليه معنى العبادة بل إن غاية الوجود الإنساني في الحياة هي تحقيق العبودية لله سبحانه امتثالا لقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١). كما أن الأحكام الخلقية تتداخل مع الأحكام العملية فإن الأمانة والوفاء بالوعد والصدق أخلاق يجب على المسلم التحلي بها والخيانة والغدر والكذب أخلاق يجب على المسلم الإقلاع عنها.

стр. 11764

دلالة آيات القرآن: قد تكون آيات القرآن الكريم قطعية الدلالة وقد تكون ظنية الدلالة. فإذا كانت الآية تدل على معنى ولا تحتمل غيره كانت قطعية الدلالة وإذا كانت تدل على معنيين أو أكثر كانت ظنية الدلالة. ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ (١). لفظ (اثنا عشر) قطعي الدلالة لا يفهم منه أقل أو أكثر من ذلك، وكذلك لفظ (أربعة).

стр. 11765

وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١). ظني الدلالة من وجهين: الأول: يحتمل أن يراد بها سارق القليل أو الكثير وهذا ما ذهب إليه ابن حزم الظاهري (٢). ويحتمل أن يراد بها سارق النصاب فلا تقطع يد من سرق دون النصاب وهذا مذهب الأئمة الأربعة وهو الصحيح لقول النبي ﷺ «تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا (٣)». الثاني: الآية تحتمل أن يراد بها قطع يد السارق من الكتف أو المرفق أو مفصل الكف، والصحيح الاحتمال الأخير لدلالة فعل الرسول ﷺ (٤). وقد تكون الآية الواحدة قطعية الدلالة من وجه وظنية الدلالة من وجه آخر مثال ذلك قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٥). فالآية قطعية في دلالتها على عدد الجلدات (المائة) وظنية الدلالة من جهة أخرى فإن لفظ (الزانية) عام يشمل المحصنة وغير المحصنة وكذا لفظ (الزاني) عام يشمل المحصن وغير المحصن وثبت بالدليل أن الآية خاصة بغير المحصنين. أما من أحصن أو أحصنت فعقوبتهما الرجم لقول الرسول ﵊: «والثيب بالثيب جلد مائة والرجم (٦)».
следующие страницы →