أنواع الأحكام التي اشتمل عليها القرآن:
اشتمل القرآن على جملة من الأحكام التشريعية تنظم كافة مناحي الحياة، فهي تنظم علاقة الإنسان مع ربه ومع نفسه ومع الآخرين وتبين سر الوجود وحقيقة الكون ووظيفة الإنسان في الحياة.
والأحكام التي اشتمل عليها القرآن الكريم ثلاثة أنواع:
١ - الأحكام العقدية: وهي الإلهيات (١) والنبوات (٢) والسمعيات.
٢ - الأحكام الخلقية: وهي الأحكام التي تتعلق بما يجب على المكلف
стр. 11762
التحلي به من الفضائل والإحسان وما يجب أن يتخلى عنه من الرذائل والشرور.
٣ - الأحكام العملية: وتتعلق بما يصدر من المكلف من أقوال أو أفعال بحيث يكون لكل قول أو فعل يقوم به المكلف حكم شرعي.
والهدف من دراسة علم الفقه هو الوصول إلى تلك الأحكام الشرعية العملية وهي التي اصطلح عليها مؤخرا بالأحكام الفقهية:
وهذه الأحكام الفقهية تنقسم إلى سبع (١) زمر:
١ - أحكام العبادات من صلاة وصوم وزكاة وحج ونحوها من العبادات التي بها تنظيم علاقة الإنسان بربه.
٢ - أحكام الأحوال الشخصية وهي التي تتعلق بالأسرة من خطبة ونكاح وحقوق زوجين ونسب ونفقة وطلاق وعدة.
٣ - أحكام المعاملات وهي الأحكام التي تتعلق بالبيع والشراء والرهن والإجارة والوكالة والشفعة وما يترتب عليها من حقوق مالية.
٤ - أحكام العقوبات وتتعلق بما يصدر عن المكلف من جرائم وما يستحق عليها من عقوبة وهي التي تقصد ضبط النظام الداخلي وحفظ حياة الناس وأموالهم وأعراضهم.
٥ - أحكام السير- بكسر السين وفتح الياء- وهي الأحكام التي تنظم علاقة الدول الإسلامية بغيرها من الدول ومعاملة غير المسلمين في الدولة الإسلامية وتسمى هذه الأحكام في الاصطلاح القانوني: الأحكام الدولية.
стр. 11763
٦ - الأحكام السلطانية أو أحكام السياسة الشرعية وهي التي تتعلق بنظام الحكم وأصوله وسلطان الحاكم على الرعية وحقوق وواجبات كل فريق، وتسمى هذه الأحكام في الاصطلاح القانوني: الأحكام الدستورية.
٧ - الأحكام التي تتعلق بالقضاء والدعوى والبينة وتسمى في الاصطلاح القانوني: أحكام المرافعات.
وأود أن أشير هنا إلى أن هذه القسمة لم تظهر إلا متأخرة ولم يكن الهدف منها إلا التنظيم وتسهيل الدراسة على الباحثين وإلا فإنه ليس في التصور الإسلامي نشاط إنساني لا ينطبق عليه معنى العبادة بل إن غاية الوجود الإنساني في الحياة هي تحقيق العبودية لله سبحانه امتثالا لقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١).
كما أن الأحكام الخلقية تتداخل مع الأحكام العملية فإن الأمانة والوفاء بالوعد والصدق أخلاق يجب على المسلم التحلي بها والخيانة والغدر والكذب أخلاق يجب على المسلم الإقلاع عنها.
стр. 11764
دلالة آيات القرآن:
قد تكون آيات القرآن الكريم قطعية الدلالة وقد تكون ظنية الدلالة. فإذا كانت الآية تدل على معنى ولا تحتمل غيره كانت قطعية الدلالة وإذا كانت تدل على معنيين أو أكثر كانت ظنية الدلالة.
ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ (١).
لفظ (اثنا عشر) قطعي الدلالة لا يفهم منه أقل أو أكثر من ذلك، وكذلك لفظ (أربعة).
стр. 11765
وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١). ظني الدلالة من وجهين:
الأول: يحتمل أن يراد بها سارق القليل أو الكثير وهذا ما ذهب إليه ابن حزم الظاهري (٢).
ويحتمل أن يراد بها سارق النصاب فلا تقطع يد من سرق دون النصاب وهذا مذهب الأئمة الأربعة وهو الصحيح لقول النبي ﷺ «تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا (٣)».
الثاني: الآية تحتمل أن يراد بها قطع يد السارق من الكتف أو المرفق أو مفصل الكف، والصحيح الاحتمال الأخير لدلالة فعل الرسول ﷺ (٤).
وقد تكون الآية الواحدة قطعية الدلالة من وجه وظنية الدلالة من وجه آخر مثال ذلك قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٥).
فالآية قطعية في دلالتها على عدد الجلدات (المائة) وظنية الدلالة من جهة أخرى فإن لفظ (الزانية) عام يشمل المحصنة وغير المحصنة وكذا لفظ (الزاني) عام يشمل المحصن وغير المحصن وثبت بالدليل أن الآية خاصة بغير المحصنين. أما من أحصن أو أحصنت فعقوبتهما الرجم لقول الرسول ﵊: «والثيب بالثيب جلد مائة والرجم (٦)».
стр. 11766
خصائص أحكام القرآن الكريم:
لأحكام القرآن خصائص كثيرة سأقتصر على ذكر خاصيتين منها:
الأولى: المرونة والصلاحية لكل زمان ومكان .
الثانية: اليسر ورفع الحرج.
المرونة والصلاحية لكل زمان ومكان:
وأعني بالمرونة هنا المقدرة على إعطاء الحلول لكل مشكلة تطرأ في حياة الناس في كل بيئة وعصر وبيان حكم الشرع في كل نازلة تستجد.
والسر في مرونة الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان أن الإسلام جاء بقواعد كلية وقيم ومبادئ ثابتة لا تتغير ولا تتبدل ثم وجه العلماء للنظر والاجتهاد في المسائل والحوادث الجزئية التي تستجد في إطار هذه القواعد والمبادئ ومن هنا لا تستجد مسألة إلا ولها حكم في الشريعة (١).
وقد يظن إنسان أن أحكام الإسلام تتغير وتتبدل بتبدل الأزمان والبيئات ويؤيد ظنه هذا بالقاعدة الفقهية: (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان) (٢).
وهذه القاعدة ليست على عمومها وإطلاقها فالأحكام التي تتغير بتغير الأزمان هي الأحكام الاجتهادية التي لا نص فيها بل دليلها القياس أو المصلحة. أما القواعد الكلية والمبادئ العامة والأحكام الجزئية التي ورد فيها نص فإنها لا تتغير ولا تتبدل كوجوب أداء الأمانات إلى أهلها ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووجوب رد المظالم إلى أهلها وحرمة السرقة والغش والربا وحرمة بيع المسلم على بيع أخيه فإن هذا كله لا يدخله التغيير أو التبديل لكن قد تتغير الوسائل وأساليب التطبيق.
стр. 11767
فوسيلة حماية الحقوق هي القضاء وهذا لا يتغير ولا يتبدل لكن هل يتولى الأمر قاض واحد أو أكثر فهذا مما يمكن أن يندرج تحت القاعدة المذكورة فيتغير بتغير الأزمان فيجعل ثلاثة قضاة بدلا من واحد لفساد ذمم الناس.
ومن أمثلة ذلك أيضا أن الإسلام جاء بمبدأ عام في الشورى فقال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (١). وقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (٢).
فهاتان الآيتان قررتا حكما وهو مشروعية الشورى ووجوبها، لكن جاءت بأسلوب مرن بحيث يمكن أن يتغير أسلوب الشورى من عصر إلى عصر فلم يكن في زمن النبي ﷺ أناس متفرغون لهذا الأمر ويمكن في عصرنا أن يخصص ولي الأمر عددا من العلماء ويفرغهم للمشورة وهذا لا يعني تغيير الحكم وإنما الذي تغير وسيلة التطبيق وهذا كله انطلاقا من اختيار الوسيلة التي تحقق المقصد الشرعي للحكم وهو جلب مصلحة أو تكميلها أو دفع مفسدة أو تقليلها (٣).
ومن أمثلة الأحكام التي يمكن أن تتغير تبعا لتغير عرف الناس لاختلاف الأزمان والبيئات: (٤):
١ - تقسيم مهر المرأة إلى معجل ومؤجل في الزواج ومقدار كل قسم إذا لم ينص عليه في عقد الزواج يحكم فيه العرف. وهذا قد يتغير من زمان لآخر ومن مكان لآخر.
٢ - تضمين الوديع الوديعة بالتعدي أو التقصير وهذا الحكم لا يتغير ولا يتبدل. لكن يرجع إلى العرف لتحديد معنى التعدي أو
стр. 11768
التقصير في الحفظ وهذا يختلف باختلاف الأزمان والأماكن.
٣ - إعطاء البائع والمشتري خيار الرد للعيب وهذا حكم ثابت لا يتبدل أما ما يعد عيبا وما لا يعد فهذا يتغير بتغير الأزمان والأماكن.
стр. 11769
اليسر ورفع الحرج:
وهذا مبدأ عظيم في الشريعة شامل لجميع الأحكام الشرعية لا يقتصر على باب دون باب وهو وسيلة تعين على تحقيق الهدف الذي من أجله خلق الله الإنسان ألا وهو عبادة الله وذلك بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
وقد وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم قررت مبدأ اليسر ورفع الحرج منها:
١ - قال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١).
٢ - قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
٣ - قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣).
٤ - قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ (٤).
стр. 11770
٥ - قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (١) ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ (٢).
واليسر ورفع الحرج في الشريعة الإسلامية راجع إلى الوسطية والاعتدال في الدين الإسلامي الثابت بقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٣)
وكلما كان العمل بعيدا عن الإفراط والتفريط وافق أحكام الشرع.
والحرج الذي نصت الآيات المذكورة على رفعه هو كل أمر أدى إلى مشقة زائدة في البدن أو النفس أو المال حالا أو مآلا (٤). أما ما كان فيه مشقة معتادة فإنه لا حرج فيه لأنه لا يخلو حكم تكليفي من نوع مشقة لكنها محتملة ومن هنا سمي الحكم تكليفيا بل حتى المتع الدنيوية المحضة لا بد فيها من نوع مشقة فمن أراد أن يذهب في رحلة هو أولاده يلزمه إعداد الطعام والشراب ووسيلة النقل وتهيئة مكان مناسب. . إلى غير ذلك. إلا أنه يجب أن نلاحظ أن المشقة غير مقصودة في الفعل لذاتها بل المقصود امتثال ما أمرنا الله به واجتناب ما نهانا عنه ولعل الحكمة من اشتمال الفعل على نوع مشقة لتحقق الابتلاء ليتميز المطيع من العاصي والمحسن من المسئ كما أن في ذلك نوع تربية للنفس والبدن.
وإذا رافق الفعل مشقة زائدة فإن هذه المشقة تدفع بعد النظر في سببها. فإن كانت من الفعل ذاته سقط وجوب الفعل أو حرمته إلى حين زوال المشقة. فلا يجب الصيام على المسافر ولا يجب الجهاد على الأعمى
стр. 11771
والمريض والأعرج وتسقط حرمة الكفر عن المكره على النطق بها وتسقط حرمة أكل الميتة للمضطر.
وأما إذا لحق الفعل مشقة بفعل المكلف واختياره فقد نهاه الشارع عن ذلك كالنهي عن صوم الوصال وعن الرهبنة.
والخصائص التشريعية التي جاء بها القرآن وأكدها رسول الله ﵊ هي التي جعلت العلماء من غير المسلمين يقفون في مؤتمراتهم الحقوقية وفي مجتمعاتهم الدولية يقرون بعظمة الإسلام وقيمة أحكامه التشريعية. ففي المؤتمر الذي عقدته شعبة الحقوق الشرقية في المجمع الدولي للحقوق المقارنة في كلية الحقوق في جامعة باريس للبحث في الفقه الإسلامي سنة ١٩٥١م: يقرر المؤتمرون في نهاية المؤتمر بالإجماع أن مبادئ الفقه الإسلامي لها قيمة حقوقية تشريعية لا يمارى فيها (١).
стр. 11772
ثانيا:
السنة النبوية وفيها المباحث التالية:
الأول: تعريف السنة في اللغة والاصطلاح .
الثاني: تدوين السنة وثبوتها.
الثالث: حجية السنة.
الرابع: منزلة السنة من القرآن من جهة ما ورد بها من أحكام.
تعريف السنة في اللغة والاصطلاح:
السنة في اللغة: الطريقة والسيرة حميدة كانت أو ذميمة، والجمع سنن ومن ذلك حديث الرسول ﷺ : «من سن في الإسلام سنة حسنة فله
стр. 11773
أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء (١)».
وتطلق السنة في الاصطلاح على عدة معان: (٢):
١ - تطلق على ما يقابل القرآن، ومن ذلك قول الرسول ﷺ «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة (٣)».
٢ - وتطلق على ما يقابل البدعة فيقال: أهل السنة وأهل البدعة.
٣ - وتطلق عند المحدثين على ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خلقية وما يتصل بالرسالة من أحواله الشريفة قبل البعثة ونحو ذلك.
٤ - وهي عند الفقهاء من الأحكام الخمسة: الفرض، السنة، الحرام، المكروه، المباح.
وربما لا يراد بها إلا ما يقابل الفرض، كقولنا: فروض الوضوء وسننه فإنه لا يقابل بها الحرام والمكروه في هذا الموطن.
٥ - وتطلق عند الأصوليين على ما صدر عن رسول الله ﷺ غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير (٤).
٦ - وتطلق السنة على ما عمل به الصحابة بعد رسول الله ﷺ (٥) ومن ذلك قول النبي «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ (٦)».
стр. 11774
- السنة القولية كقول النبي ﷺ «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه (١)».
- وأما السنة الفعلية فهي ما صدر عنه ﷺ من أفعال. . . مثال ذلك: صلاته وحجه المبينة لمجمل القرآن، ومثاله: قضاؤه ﷺ بشاهد ويمين في الأموال.
- وأما السنة التقريرية فهي: ما صدر عن صحابي أو أكثر من أقوال أو أفعال علم بها ﵊ فسكت عنها ولم ينكرها، أو وافقها وأظهر استحسانه لها.
مثالها: أكل الصحابة الضب على مائدة رسول الله ﷺ ولم ينكر عليهم ذلك (٢).
- وأما مثال الوصف الخلقي: فما رواه البخاري عن أنس بن مالك قال: «لم يكن النبي ﷺ سبابا ولا فحاشا ولا لعانا وكان يقول لأحدنا عند المعتبة: ما له ترب جبينه (٣)».
- ومثال الوصف الخلقي: ما رواه البخاري عن أنس قال: «كان رسول الله ﷺ ليس بالطويل البائن ولا بالقصير (٤)».
стр. 11775
تدوين السنة وثبوتها:
كما حفظ الله سبحانه لهذه الأمة قرآنها حفظ الله لها سنة نبيها يقول الله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١).
والذكر في الآية يشتمل القرآن والسنة قال ابن حزم (فصح أن كلام
стр. 11776
رسول الله ﷺ كله في الدين وحي من عند الله ولا شك في ذلك، ولا خلاف بين أحد من أهل اللغة والشريعة في أن كل وحي نزل من عند الله تعالى فهو ذكر منزل، فالوحي كله محفوظ بحفظ الله تعالى له بيقين. . لا سبيل البتة إلى ضياع شيء قاله رسول الله ﷺ في الدين ولا سبيل البتة أن يختلط به باطل موضوع اختلاطا لا يتميز عن أحد من الناس بيقين إذ لو جاز ذلك لكان الذكر غير محفوظ) (١).
وقد حفظ الصحابة ﵃ سنة رسول الله ﷺ في صدورهم وكان بعضهم يكتب بعض الأحاديث وكانوا يتمتعون بقوة ذاكرة مكنتهم من حفظ الكتاب والسنة. وما قيل إن الصحابة لم يدونوا السنة وقد نهاهم رسول الله ﷺ عن ذلك في الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري أن الرسول ﷺ قال: «لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي- قال همام: أحسبه قال- متعمدا فليتبوأ مقعده من النار (٢)» يتعارض مع ما ثبت عن الصحابة ﵃ من كتابة السنة كما يتعارض مع أمر النبي ﷺ بكتابة السنة في بعض الأحيان فمن ذلك:
١ - «أن رجلا من اليمن طلب من الصحابة يوم فتح مكة أن يكتبوا له خطبة النبي ﷺ فوافق ﷺ على ذلك وقال: اكتبوا لأبي شاه (٣)».
٢ - عن أبي هريرة قال: (ما من أصحاب النبي ﷺ أحد أكثر حديثا
стр. 11777
عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب) (١).
٣ - أن النبي ﷺ قال في مرض موته: «ائتوني أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي (٢)» وغير ذلك كثير.
ونحن أمام تعارض ظاهري بين حديث أبي سعيد الذي ينهى عن تدوين السنة وبين الأحاديث الأخرى التي تأمر أو تأذن بكتابة السنة وقد دفع العلماء هذا التعارض من عدة وجوه:
الأول: قالوا: إن أحاديث الأمر بكتابة السنة ناسخة لحديث أبي سعيد المانع من كتابة السنة لأن حديث أبي شاه كان في آخر حياة النبي ﷺ فحتى لا يختلط القرآن بالسنة في أول الأمر نهاهم ﵇ عن تدوين السنة.
الثاني: يحمل حديث أبي سعيد على حالة معينة وهي كتابة السنة مع القرآن على ورق واحد حتى لا يختلط القرآن بالسنة.
الثالث: يحمل حديث أبي سعيد على من هو ضابط وموثوق الحفظ فهذا يغنيه ضبطه وحفظه عن تدوين السنة
стр. 11778
وتحمل أحاديث الإذن أو الأمر بكتابة السنة على من لا يوثق بحفظه.
الرابع: يحمل حديث أبي سعيد على النهي عن تدوين كل السنة لما في ذلك من مشقة، وأما الأحاديث المجيزة فتحمل على جواز تدوين بعض السنة وبشكل فردي.
وخلاصة القول أن السنة حفظت زمن النبي ﷺ وصحابته في الصدور ودون بعضها في السطور.
وبعد عصر الصحابة بذل العلماء جهودا كبيرة في التثبت من صحة الأحاديث عن طريق دراسة سند الحديث ومتنه دراسة دقيقة. ودراسة السند من العلوم التي اختصت بها الأمة الإسلامية وهو علم هام يتوقف عليه قبول الحديث أو رده قال علي بن المديني (معرفة الرجال نصف العلم) (١).
وقد بدأ الاهتمام بدراسة سند الحديث في أعقاب الفتنة التي بدأت زمن عثمان ﵁. ومع بداية القرن الثاني الهجري التزم المحدثون بالسند - قال ابن سيرين -[توفي سنة ١١٠هـ]: (لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم) (٢).
وقد ظهر اهتمام علماء الحديث بسند الحديث من خلال التزامهم بإسناد الأحاديث التي جمعوها في كتبهم وكان هذا في النصف الأول من القرن الثاني الهجري وقد أطلق على هذه الكتب اسم المسانيد التي وصل إلينا بعضها مثل مسند معمر بن راشد - توفي سنة ١٥٢هـ - ومسند الطيالسي - توفي سنة ٢٠٤ - وقد كونت هذه المسانيد مادة
стр. 11779
أساسية اعتمد عليها أصحاب الكتب الستة التي ظهرت خلال القرن الثالث الهجري والتي التزم أصحابها بذكر الأسانيد (١). وهذه الكتب الستة هي (٢):
١ - صحيح البخاري - توفي سنة ٢٥٦هـ- جمع فيه ألفين وستمائة وحديثين موصولة بلا تكرار انتقاها من ستمائة ألف حديث (٣). ويعتبر أصح كتاب بعد كتاب الله عند جمهور العلماء.
٢ - صحيح مسلم - توفي سنة ٢٦١هـ- يعتبر في المرتبة الثانية بعد صحيح البخاري جمع فيه أربعة آلاف حديث سوى المكرر (٤).
٣ - سنن أبي داود - توفي سنة ٢٧٥هـ- جمع فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث انتقاها من خمسمائة ألف حديث. خرج أبو داود في سننه الصحيح والحسن والضعيف والمحتمل وإن كان في الحديث وهن شديد نبه عليه (٥).
٤ - جامع الترمذي - توفي سنة ٢٧٩هـ- جمع فيه ثلاثة آلاف وتسعمائة وستة وخمسين حديثا فيها الصحيح والحسن والضعيف والغريب والمعلل وأبان علته (٦).
٥ - سنن النسائي - توفي سنة ٣٠٣هـ- وقد ألف النسائي السنن الكبرى والسنن الصغرى ويسمى الأخير المجتبي وهو المطبوع كاملا من الكتابين. جمع النسائي في السنن الصغرى خمسة آلاف وسبعمائة وواحدا وستين حديثا منها الصحيح والحسن والضعيف لكن الضعيف فيه قليل بالنسبة لبقية كتب السنن (٧).
стр. 11780
٦ - سنن ابن ماجه - توفي سنة ٢٧٣هـ- جمع فيه أربعة آلاف وثلاثمائة وإحدى وأربعين حديثا منها الصحيح والحسن والضعيف وبعض المناكير والموضوعات وإن كانت قليلة (١).
وقد رتبت الكتب الستة والموطأ على الكتب الفقهية بخلاف المسانيد التي رتبت على أسماء الصحابة.
وقبل هذه الكتب الستة ظهر كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس - توفي سنة ١٧٩هـ- سمي بالموطأ لأنه وطأ به الحديث أي يسره للناس أو لمواطأة علماء المدينة له فيه وموافقتهم عليه (٢). وقد انتقى الإمام مالك أحاديث الموطأ من مائة ألف حديث كان يرويها وجملة ما في الموطأ من الآثار عن النبي ﷺ وعن الصحابة والتابعين ألف وسبعمائة وعشرون حديثا المسند منها ستمائة حديث والمرسل مائتان واثنان وعشرون حديثا والموقوف ستمائة وثلاثة عشر ومن أقوال التابعين مائتان وخمسة وثمانون (٣).
ويعتبر المالكية أن الأصل الأول في كتب الحديث: الموطأ ويليه صحيح البخاري (٤).
وكتاب المسند للإمام أحمد بن حنبل - توفي سنة ٢٤١هـ- جمع فيه ما يقرب من أربعين ألف حديث منها عشرة آلاف حديث مكررة انتقاها من سبعمائة وخمسين ألف حديث (٥).
ولا يقبل الحكم على الحديث بالصحة أو الحسن أو الضعف إلا من المختصين بهذا العلم بناء على قواعد وضعوها لتمييز الصحيح من السقيم.
стр. 11781
والمكتبة الإسلامية زاخرة بالكتب التي تكلمت عن الرجال وحالهم ومن ينظر في هذه الكتب يدرك شدة اهتمام العلماء وتحريهم في معرفة الرواة.
стр. 11782
حجية السنة:
اتفق علماء الأمة على أن السنة بمجموعها حجة ومصدر من مصادر الأحكام واستدلوا على ذلك بثلاثة أدلة: الكتاب، وإجماع الصحابة، والمعقول.
أما الكتاب فقد وردت آيات في القرآن الكريم تدل على حجية السنة ومن ذلك: (١):
١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٢) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٣).
٢ - قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٤).
٣ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٥).
٤ - قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٦).
٥ - قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٧).
стр. 11783
٦ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (١).
٧ - قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٢).
٨ - قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٣).
٩ - قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤).
١٠ - قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٥).
فهذه الآيات جميعها تدل على وجوب اتباع الرسول ﷺ ، فهي تثبت حجية السنة قطعا.
وأما الصحابة فإنهم لم يفرقوا بين حكم ثبت بالقرآن وبين حكم ثبت بالسنة فهم يعملون بهما جميعا، «فهذا أبو بكر يقول للجدة التي جاءت تسأله نصيبها في الميراث: "مالك في كتاب الله من شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله ﷺ من شيء، ولكن أسأل الناس، فسألهم، فقام المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة فشهدا أن النبي ﷺ أعطاها السدس (٦)».
стр. 11784
وقد أخطأ بعض الباحثين فزعم أن السنة لا تعتبر مصدرا من مصادر الأحكام سواء أحكام النظام الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي وهذا القول غير صحيح فإن السنة كالقرآن مصدر من مصادر الأحكام سواء أكانت عبادات أم جنايات أم أحكاما اجتماعية أم اقتصادية للأدلة التي سبق ذكرها ولقول الرسول ﷺ : «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، لا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه (١)». . . .
والحكم الثابت بالسنة هو في الحقيقة ثابت بالقرآن لأن القرآن هو الذي أمرنا وأرشدنا إلى اتباع السنة لما سبق ذكره من آيات.
وقد بين الرسول ﷺ أن الحكم الثابت بالسنة ثابت بالقرآن. ففي حديث العسيف الزاني: «أن رجلا من الأعراب أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله. فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه: نعم فاقض بيننا بكتاب الله وأذن لي. فقال رسول الله ﷺ قل. قال: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته وإني أخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام وأن على امرأة هذا الرجم. فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده لأقضين بينكم بكتاب الله، الوليدة والغنم رد وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها، قال: فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت (٢)».
فانظر كيف حكم ﵊ على المرأة بالرجم واعتبر ذلك ثابتا في الكتاب مع أن رجم المحصن أو المحصنة ثابت بالسنة لكن لما دلنا
стр. 11785
الكتاب على اتباع السنة كان كل ما ثبت بالسنة ثابتا بالكتاب.
ووعى الصحابة ﵃ ما بينه رسول الله ﷺ لهم بأن الحكم الثابت بالسنة ثابت بالقرآن، فعن ابن مسعود ﵁ قال: «لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله. قال فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب وكانت تقرأ القرآن فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله. فقال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وهو في كتاب الله، فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته. فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله :
(٢)».
واعتبار الحكم الثابت بالسنة ثابتا بالقرآن معلوم عند المجتهدين من سلف هذه الأمة فقد كان الشافعي جالسا في المسجد الحرام فقال: لا تسألوني عن شيء إلا أجبتكم فيه من كتاب الله تعالى. فقال رجل: ما تقول في المحرم إذا قتل الزنبور؟ فقال: لا شيء عليه. فقال: أين هذا في كتاب الله؟ فقال: قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (٣)
ثم ذكر إسنادا إلى النبي ﷺ أنه قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي (٤)». ثم ذكر إسنادا إلى عمر ﵁ أنه قال:
стр. 11786
للمحرم قتل الزنبور (١).
متى يكون قول النبي أو فعله ﷺ مصدرا من مصادر الأحكام؟.
١ - الأصل أن أقوال وأفعال النبي ﷺ مصدر من مصادر الأحكام سواء عبادات أو معاملات ويدخل في ذلك أحكام النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والقضائي وأن كل ما قاله ﷺ يعتبر تبليغا عن الله سبحانه يجب الالتزام به.
٢ - ما قاله ﷺ أو فعله بوصفه إماما فلا يجوز فعله إلا بإذن إمام ذلك العصر كبعث الجيوش وصرف الأموال لذلك وقسمة الغنائم وعقد العهود واختيار مكان معين لنزول الجيش.
فقول النبي ﷺ : «من قتل قتيلا فله سلبه (٢)» صادر عنه بوصفه إماما عند الحنفية والمالكية فلا يستحق القاتل سلب المقتول إلا بإذن إمام ذلك العصر خلافا للشافعية والحنابلة.
٣ - ما قاله ﷺ أو فعله بمقتضى الخبرة الإنسانية فهو على الإباحة ولا يجب علينا شرعا امتثاله.
فقوله ﷺ لمن رآهم يؤبرون النخل «لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا (٣)» صدر عنه بمقتضى خبرته الإنسانية بدليل أنه قال لهم عندما ذكروا له أن ثمر النخل قد سقط «إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء
стр. 11787
من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر (١)». وفي رواية أخرى في صحيح مسلم أيضا «أنتم أعلم بأمر دنياكم (٢)».
وبيعه وشراؤه مما فعله بمقتضى الخبرة الإنسانية ﵊.
٤ - ما صدر عنه ﵊ بوصفه قاضيا كالفصل بين المتخاصمين في المال أو الأبدان لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا إذا حكم به القاضي. فقوله ﷺ «لهند عندما شكت له أن زوجها أبا سفيان رجل شحيح خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك وبنيك (٣)» صادر عنه بوصفه قاضيا عند الحنفية (٤) والمشهور في مذهب المالكية (٥) وعند الشافعية (٦) فلا يحل لامرأة زوجها شحيح أن تأخذ من ماله ما يكفيها وولدها إلا بقضاء القاضي خلافا للحنابلة (٧) الذين قالوا لا تحتاج المرأة إلى قضاء القاضي في هذه المسألة.
٥ - ما فعله ﷺ بمقتضى الطبيعة الجبلية كالأكل أو الشرب أو النوم فهذا حكمه الإباحة.
٦ - ما فعله ﷺ وثبتت خصوصيته له. فهو خاص به من دون أمته
стр. 11788
فيجب على النبي ﷺ قيام الليل لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ (١) ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٢).
ولا يجب على أمته ذلك. ويجوز في حقه ﷺ الوصال في الصوم لقوله: «وأيكم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني (٣)» ولا يجوز ذلك في حق أمته.
стр. 11789
منزلة السنة من القرآن من جهة ما ورد فيها من أحكام:
جميع الأحكام التي ثبتت بالسنة لا تعدو صورة من الصور التالية:
الأولى: أن تكون السنة مؤكدة ومقررة لحكم ثبت في القرآن، ومن ذلك:
١ - وجوب الصلاة والزكاة والحج والصوم. قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٣).
وقال ﵊: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان (٤)».
стр. 11790
٢ - حرمة قتل النفس إلا بحق، قال تعالى:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (١).
وقال ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس والثيب الزاني والمارق من الدين التارك للجماعة (٢)» إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة.
الثانية: أن تكون السنة مبينة للقرآن، وأهم صور بيان السنة للقرآن:
١ - تفصيل السنة لمجمل القرآن، كبيان النبي ﷺ بفعله لعدد ركعات الصلاة وكيفيتها وبيانه بقوله لمقدار نصاب الزكاة وبفعله لأفعال الحج.
٢ - تخصيص السنة لعام القرآن، ومن أمثلة تخصيص السنة للقرآن عند الجمهور (٣) قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٤) فهذه الآية عامة في جميع الأولاد ويدخل في هذا العموم الولد الذي يقتل أباه وخصصها حديث الرسول ﷺ «لا يرث القاتل (٥)» فأخرج من عموم الآية قاتل أبيه فإنه لا يرث.
٣ - تقييد السنة لمطلق القرآن: ومن أمثلة ذلك: قال تعالى:
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٦).
فاليد في الآية مطلقة يجوز قطعها من مفصل الكف أو من المرفق أو من الكتف، فجاءت سنة الرسول ﷺ الفعلية، وبينت أن
стр. 11791
اليد تقطع من مفصل الكف (الرسغ) فقيدت بذلك مطلق اليد.
٤ - توضيح السنة لمشكل القرآن: ومن أمثلة ذلك: قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (١).
أشكل على عدي بن حاتم فهم الآية وقد كان نصرانيا قبل الإسلام فقال للنبي ﷺ : «ما عبدوهم يا رسول الله" فقال ﷺ موضحا ما أشكل على عدي ومبينا معنى العبادة في الآية: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه (٢)».
الثالثة: أن تزيد السنة على الحكم الذي ثبت بالقرآن. . ومن أمثلة ذلك:
قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٣).
جعلت الآية عقوبة الزاني الأعزب مائة جلدة، ثم جاءت السنة وزادت على هذه العقوبة تغريب عام «فقال ﷺ : البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة (٤)».
الرابعة: أن تكون السنة مثبتة ومنشئة حكما سكت عنه القرآن. . من أمثلة ذلك:
١ - القضاء بشاهد ويمين في الأموال. . عن ابن عباس- ﵄ «أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد (٥)». وفي رواية لأحمد:
стр. 11792
«إنما كان ذلك في الأموال (١)».
٢ - تحريم لبس الذهب والحرير على الرجال:
عن أبي موسى الأشعري «أن النبي ﷺ قال: حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثهم (٢)».
стр. 11793
ثالثا:
الاجتهاد
الاجتهاد لغة: مأخوذ من الجهد- بفتح الجيم وضمها- وهو المشقة والطاقة (١). وأما الاجتهاد في الاصطلاح فهو: استفراغ الوسع في درك الأحكام الشرعية ممن هو أهله.
وهذا التعريف للاجتهاد باعتباره فعلا للمجتهد وهو ما عليه جمهور علماء الأصول على خلاف بينهم في زيادة بعض القيود أو تغيير بعض الكلمات.
ولا يصح لإنسان أن يجتهد إلا إذا توافرت فيه شروط الاجتهاد: كالإسلام والبلوغ والعقل والعدالة، ومعرفة آيات وأحاديث الأحكام على الأقل وحال الرواة واللغة العربية وعلم أصول الفقه بما في ذلك مواضع الإجماع ومقاصد الشريعة ودلالة الألفاظ على الأحكام والناسخ والمنسوخ.
стр. 11794
وقد كان باب الاجتهاد مفتوحا زمن النبي ﷺ واتفق العلماء على وقوع الاجتهاد منه ﷺ في الأقضية وفصل الخصومات وفي أمور الحرب وفي شئون الدنيا (١) واختلفوا في وقوع الاجتهاد منه فيما عدا ذلك. والراجح أنه وقع الاجتهاد منه مطلقا حتى في العبادات وهو ما عليه جمهور العلماء ومنهم الأئمة الأربعة.
مثال اجتهاد الرسول ﷺ في الأقضية وفصل الخصومات أنه قضى لهند بنت عتبة زوجة أبي سفيان بالنفقة لها ولأولادها وأنه يجوز لها أن تأخذ من ماله ما يكفيها وولدها بالمعروف (٢).
وقد كان النبي ﷺ يؤكد للمتخاصمين أنه بشر وأنه يحكم بالظاهر بناء على اجتهاده، فعن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار (٣)».
ومثال اجتهاده ﷺ في أمور الحرب اجتهاده في أسرى بدر، فقد شاور الصحابة فيما يصنع بهم فأشار عليه أبو بكر بأخذ الفدية منهم وأشار عليه عمر بضرب رقابهم، ومال الرسول ﷺ في اجتهاده إلى اجتهاد أبي بكر (٤) فنزل قول الله سبحانه معاتبا الرسول ﷺ : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٥).
стр. 11795
ومثال اجتهاده ﷺ في شئون الدنيا قوله للصحابة لما رآهم يؤبرون النخل «لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا (١)» فلما ذكروا له فيما بعد أن ثمر النخل قد سقط قال لهم: «أنتم أعلم بأمر دنياكم (٢)».
ومثال اجتهاده ﷺ في العبادات أنه ساق الهدي في حجه ونوى القران بدليل أنه قال للصحابة: «لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي (٣)» ولو كان سوق الهدي بالوحي لما قال: «لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت (٤)».
ومثال اجتهاده ﷺ في العبادات أيضا استغفاره لبعض المنافقين وصلاته على بعضهم كما ثبت أنه صلى على عبد الله بن أبي واستغفر لعمه أبي طالب (٥) فنزل قول الله سبحانه في شأن استغفاره للمنافقين: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (٦).
ونزل قوله تعالى في شأن صلاته ﵊ على عبد الله بن أبي: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (٧).
ونزل قوله تعالى في شأن استغفاره ﷺ لعمه أبي طالب: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (٨).
стр. 11796
وإذا أخطأ النبي ﷺ لم يقر على ذلك ونزل عليه الوحي لبيان الصواب كما حصل منه ﵊ في أخذ الفداء من أسرى بدر وفي استغفاره لعمه أبي طالب ولبعض المنافقين وصلاته على بعضهم.
ووقع الاجتهاد من الصحابة ﵃ في حضرة الرسول ﷺ وفي غيبته، فإن أصابوا أقرهم على اجتهادهم وإن أخطأوا بين لهم الحق.
مثال اجتهاد الصحابة في حضرة النبي ﷺ أن سعد بن معاذ ﵁ اجتهد فحكم على يهود بني قريظة لما نزلوا على حكمه أن تقتل المقاتلة وأن تسبى الذرية فقال ﷺ : «لقد حكمت فيهم بحكم الملك (١)» وفي رواية مسلم: «لقد حكم فيهم بحكم الله (٢)».
ومثال اجتهاد الصحابة في غيبة النبي ﷺ «أن عليا ﵁ قضى في أهل اليمن الذين حفروا زبية لأسد فوقع فيها رجل فتعلق بآخر ثم تعلق هذا بآخر وهكذا حتى صاروا فيها أربعة فجرحهم الأسد وماتوا من جراحتهم، قضى فيهم ﵁ باجتهاده فقال: اجمعوا من قبائل الذين حفروا الزبية ربع الدية وثلث الدية ونصف الدية والدية كاملة. فللأول الربع لأنه هلك من فوق وللثاني الثلث وللثالث النصف وللرابع الدية كاملة. ولم يرض أهل اليمن بذلك الحكم حتى أتوا الرسول ﷺ وذكروا له القصة فأجاز ﵊ اجتهاد علي (٣)».
стр. 11797
وإذا أخطأ الصحابي في اجتهاده بين له النبي ﷺ الصواب. فعندما أجنب عمار ﵁ ولم يجد الماء وتمرغ في التراب كما تتمرغ الدابة ثم صلى. قال له النبي ﷺ : «إنما كان يكفيك هكذا. فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيها ثم مسح بها وجهه وكفيه (١)».
وإذا اختلف الصحابة في اجتهادهم وكان النص يحتمل ذلك أقرهم ﷺ على ما فعلوا ولم يعنف أحدا. وهذا مبدأ عظيم يجب أن يتنبه المسلمون إليه فإن القرآن نزل بلغة العرب وعلى عادة العرب في أساليبهم وقد يحتمل اللفظ أكثر من معنى فلا يجوز أن نعيب أو نعادي من خالفنا في الرأي في هذه الحالة إذا كان الرأي صادرا ممن يجوز له الاجتهاد. كما لا يجوز لنا أن نحجر على الناس ونمنعهم من تقليد من يثقون بعلمه ودينه وإن كان رأيهم يخالف آراءنا. وقد اختلف الصحابة في كثير من المسائل ومع هذا الاختلاف بقي الود والتقدير بينهم ولا غرابة في ذلك. فالرسول ﷺ علمهم هذا المبدأ. فعندما قال لهم يوم الأحزاب: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة (٣)».
ومن رحمة الله بالأمة أن جعل لكل مجتهد أجرا إن أخطأ وأجرين إن أصاب قال الرسول ﷺ : «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر (٤)» هذا بشرط أن يكون المجتهد ممن يجوز له الاجتهاد. أما من يجتهد في دين الله وليس أهلا لذلك فهو في النار كما أخبر الرسول ﷺ : «القضاة ثلاثة: اثنان في النار،
стр. 11798
وواحد في الجنة، رجل علم الحق فقضى به فهو الجنة ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار. ورجل جار في الحكم فهو في النار (١)».
والأصل أن يبقى باب الاجتهاد مفتوحا حتى يجيب المجتهدون على كل ما يستجد من مسائل. فإن كل مسألة تعرض للمسلم لها حكم في كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ أو بالاجتهاد. يقول الشافعي (كل ما نزل بمسلم ففيه حكم لازم، أو على سبيل الحق فيه دلالة موجودة، وعليه إذا كان فيه بعينه حكم اتباعه وإذا لم يكن فيه بعينه طلب الدلالة على سبيل الحق فيه بالاجتهاد) (٢).
стр. 11799
أقسام الاجتهاد
يقسم الاجتهاد إلى قسمين:
القسم الأول: الاجتهاد في تفسير النصوص الشرعية وبيانها لفهمها ومعرفة دلالتها على الأحكام وترجيح ما تعارض منها في الظاهر. ويدخل في هذا القسم بيان الألفاظ بأقسامه الخمسة وتأويل الألفاظ إذا توافرت شروطه. وطرق دلالة الألفاظ على الأحكام والوضوح والإبهام في الدليل الشرعي والعام والخاص ودلالتهما
стр. 11800
وتخصيص العام والإطلاق والتقييد وحمل المطلق على المقيد (١) والزيادة على النص القرآني ودلالة اللفظ المشترك (٢) على الحكم والأمر والنهي (٣) ودلالتهما على الأحكام.
وهذا النوع من الاجتهاد واسع جدا تفصيله في مباحث أصول الفقه وسأقتصر على ذكر مسألتين اختلف العلماء فيهما لاختلافهم في تفسير النص وبيان دلالته على الحكم.
المسألة الأولى: عقوبة من يسعى في الأرض فسادا (عقوبة قطع الطريق):
اختلف المجتهدون في عقوبة من يسعى في الأرض فسادا إذا أخاف أو سرق من غير أن يقتل هل يجوز قتله أم لا؟
فذهب جمهور العلماء إلى أن الذي يسعى في الأرض فسادا لا يقتل إلا إذا قتل. أما إذا سرق فإنها تقطع يده ورجله من خلاف. وإذا أخاف الناس نفي من الأرض.
وذهب المالكية (٤) إلى أن الإمام مخير في عقوبة من يسعى في الأرض