اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الرئيس ... نائب رئيس اللجنة ... عضو ... عضو
عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد الله بن غديان ... عبد الله بن قعود
стр. 12567
من الفتوى رقم ٩٢٧٢
السؤال: هل الاستغاثة بالغائب أو الميت كفر أكبر؟
الجواب: نعم الاستغاثة بالأموات أو الغائبين شرك أكبر يخرج من فعل ذلك من ملة الإسلام لقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (١) وقوله : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٢) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٣).
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الرئيس ... نائب رئيس اللجنة
عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... عبد الرزاق عفيفي
стр. 12568
صفحة فارغة
стр. 12569
من فتاوى سماحة الشيخ
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
حكم البناء على القبور والكتابة عليها
السؤال: لاحظت عندنا على بعض القبور عمل صبة بالإسمنت بقدر متر طولا في نصف متر عرضا مع كتابة اسم الميت عليها وتاريخ وفاته وبعض الجمل كـ (اللهم ارحم فلان بن فلان. . .) وهكذا فما حكم مثل هذا العمل؟
الجواب: لا يجوز البناء على القبور لا بصبة ولا بغيرها ولا تجوز الكتابة عليها؛ لما ثبت عن النبي ﷺ من النهي عن البناء عليها والكتابة عليها، فقد روى مسلم ﵀ من حديث جابر ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه (١)» وخرجه الترمذي وغيره بإسناد صحيح وزاد «وأن يكتب عليه (٢)»؛ ولأن ذلك نوع من أنواع الغلو فوجب منعه؛ ولأن الكتابة ربما أفضت إلى عواقب وخيمة من الغلو وغيره من المحظورات الشرعية، وإنما يعاد تراب القبر عليه ويرفع قدر شبر تقريبا حتى يعرف أنه قبر، هذه هي السنة في القبور التي درج عليها رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃، ولا يجوز اتخاذ المساجد عليها ولا كسوتها ولا وضع القباب عليها؛ لقول النبي ﷺ : «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٣)» متفق على صحته.
ولما روى مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله البجلي قال سمعت
стр. 12570
رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس يقول: «إن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك (١)». . . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
ونسأل الله أن يوفق المسلمين للتمسك بسنة نبيه ﵊، والثبات عليها والحذر مما يخالفها.
стр. 12571
معنى نقص العقل والدين عند النساء
السؤال: دائما نسمع الحديث الشريف: «النساء ناقصات عقل ودين (١)» ويأتي به بعض الرجال للإساءة للمرأة. نرجو من سماحتكم توضيح معنى هذا الحديث؟
الجواب: معنى حديث رسول الله ﷺ : «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب للب الرجل الحازم من إحداكن، فقيل: يا رسول الله ما نقصان عقلها؟ قال: أليست شهادة المرأتين بشهادة رجل؟ قيل: يا رسول الله ما نقصان دينها؟ قال: أليست إذا حاضت لم تصل ولم تصم (٢)» بين ﵊ أن نقصان عقلها من جهة ضعف حفظها وأن شهادتها تجبر بشهادة امرأة أخرى؛ وذلك لضبط الشهادة بسبب أنها قد تنسى فتزيد في الشهادة أو تنقصها كما قال سبحانه: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (٣). الآية.
وأما نقصان دينها فلأنها في
стр. 12572
حالة الحيض والنفاس تدع الصلاة وتدع الصوم ولا تقضي الصلاة، فهذا من نقصان الدين. ولكن هذا النقص ليست مؤاخذة عليه، وإنما هو نقص حاصل بشرع الله ، هو الذي شرعه رفقا بها وتيسيرا عليها؛ لأنها إذا صامت مع وجود الحيض والنفاس يضرها ذلك، فمن رحمة الله شرع لها ترك الصيام وقت الحيض والنفاس والقضاء بعد ذلك.
وأما الصلاة فإنها حال الحيض قد وجد منها ما يمنع الطهارة، فمن رحمة الله جل وعلا أن شرع لها ترك الصلاة، وهكذا في النفاس. ثم شرع لها أنها لا تقضي؛ لأن في القضاء مشقة كبيرة؛ لأن الصلاة تتكرر في اليوم والليلة خمس مرات. والحيض قد تكثر أيامه، فتبلغ سبعة أيام أو ثمانية أيام أو أكثر، والنفاس قد يبلغ أربعين يوما، فكان من رحمة الله لها وإحسانه إليها أن أسقط عنها الصلاة أداء وقضاء، ولا يلزم من هذا أن يكون نقص عقلها في كل شيء ونقص دينها في كل شيء، وإنما بين الرسول ﷺ أن نقص عقلها من جهة ما قد يحصل من عدم الضبط للشهادة، ونقص دينها من جهة ما يحصل لها من ترك الصلاة والصوم في حال الحيض والنفاس. ولا يلزم من هذا أن تكون أيضا دون الرجل في كل شيء، وأن الرجل أفضل منها في كل شيء. نعم، جنس الرجال أفضل من جنس النساء في الجملة؛ لأسباب كثيرة، كما قال الله : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (١) لكن قد تفوقه في بعض الأحيان في أشياء كثيرة، فكم لله من امرأة فوق كثير من الرجال في عقلها ودينها وضبطها، وإنما ورد عن النبي ﷺ أن جنس النساء دون جنس الرجال في العقل وفي الدين من هاتين الحيثيتين اللتين بينهما النبي ﷺ .
وقد تكثر منها الأعمال الصالحات فتربو على كثير من الرجال في عملها
стр. 12573
الصالح وفي تقواها لله وفي منزلتها في الآخرة، وقد تكون لها عناية في بعض الأمور فتضبط ضبطا كثيرا أكثر من ضبط بعض الرجال في كثير من المسائل التي تعنى بها وتجتهد في حفظها وضبطها. فتكون مرجعا في التاريخ الإسلامي وفي أمور كثيرة، وهذا واضح لمن تأمل أحوال النساء في عهد النبي ﷺ وبعد ذلك، وبهذا يعلم أن هذا النقص لا يمنع من الاعتماد عليها في الرواية، وهكذا في الشهادة إذا انجبرت بامرأة أخرى، ولا يمنع أيضا تقواها لله وكونها من خيرة عباد الله ومن خيرة إماء الله، إذا استقامت في دينها، وإن سقط عنها الصوم في الحيض والنفاس أداء لا قضاء، وإن سقطت عنها الصلاة أداء وقضاء، فإن هذا لا يلزم منه نقصها في كل شيء من جهة تقواها لله، ومن جهة قيامها بأمره، ومن جهة ضبطها لما تعتني به من الأمور، فهو نقص خاص في العقل والدين، كما بينه النبي ﷺ ، فلا ينبغي للمؤمن أن يرميها بالنقص في كل شيء، وضعف الدين في كل شيء، وإنما ضعف خاص بدينها، وضعف في عقلها فيما يتعلق بضبط الشهادة ونحو ذلك، فينبغي إنصافها وحمل كلام النبي ﷺ على خير المحامل وأحسنها، والله تعالى أعلم.
стр. 12574
ما صحة حديث من سن سنة حسنة فله أجرها؟
السؤال: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة (١)» هل هذا حديث؟ وإذا كان حديثا فهل الرسول ﷺ ترك شيئا لأحد حتى يسن به سنة في الإسلام؟ نرجو أن توضحوا لنا هذا المقام بالتفصيل.
الجواب: هذا الحديث صحيح وهو يدل على شرعية إحياء السنن والدعوة إليها والتحذير من البدع والشرور؛ لأنه ﷺ يقول: «من سن
стр. 12575
في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا (١)». خرجه مسلم في صحيحه.
ومثل هذا الحديث ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا (٢)»، وهكذا حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁، يقول النبي ﷺ : «من دل على خير فله أجر فاعله (٣)». خرجهما مسلم في صحيحه.
ومعنى «سن في الإسلام (٤)» يعني: أحيا سنة وأظهرها وأبرزها مما قد يخفى على الناس فيدعو إليها ويظهرها ويبينها، فيكون له من الأجر مثل أجور أتباعه فيها، وليس معناها الابتداع في الدين؛ لأن الرسول ﷺ نهى عن البدع وقال: «كل بدعة ضلالة (٥)» وكلامه ﷺ يصدق بعضه بعضا، ولا يناقض بعضه بعضا، بإجماع أهل العلم، فعلم بذلك أن المقصود من الحديث إحياء السنة وإظهارها.
مثال ذلك أن يكون العالم في بلاد ما يكون عندهم تعليم للقرآن الكريم وما عندهم تعليم للسنة النبوية فيحيي هذه السنة بأن يجلس للناس يعلمهم القرآن، ويعلمهم السنة، أو يأتي بمعلمين أو في بلاد يحلقون لحاهم، أو يقصونها، فيأمر هو بإعفاء اللحى وإرخائها، فيكون بذلك قد أحيا هذه السنة العظيمة في هذا البلد الذي لم يعرفها، ويكون له من الأجر مثل أجر من هداه الله بأسبابه، وقد قال الرسول ﷺ : «قصوا الشوارب وأعفوا اللحى خالفوا المشركين (٦)» متفق على صحته من حديث ابن عمر ﵄، والناس لما رأوا هذا العالم قد وفر لحيته ودعا إلى ذلك تابعوه، فأحيا بهم السنة، وهي سنة واجبة لا يجوز تركها، عملا بالحديث المذكور وما جاء في معناه، فيكون له مثل
стр. 12576
أجورهم. وقد يكون في بلاد يجهلون صلاة الجمعة ولا يصلونها فيعلمهم ويصلي بهم الجمعة، فيكون له مثل أجورهم، وهكذا لو كان في بلاد يجهلون الوتر فيعلمهم إياه ويتابعونه على ذلك، أو ما أشبه ذلك من العبادات والأحكام المعلومة من الدين، فيطرأ على بعض البلاد أو بعض القبائل جهلها، فالذي يحييها بينهم وينشرها ويبينها يقال: سن في الإسلام سنة حسنة، بمعنى أنه أظهر حكم الإسلام، فيكون بذلك ممن سن في الإسلام سنة حسنة.
وليس المراد أن يبتدع في الدين ما لم يأذن به الله، فالبدع كلها ضلالة؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة (١)»، ويقول ﷺ في الحديث الصحيح أيضا: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢)»، وفي اللفظ الآخر: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٣)» متفق عليه.
ويقول في خطبة الجمعة ﵊: «أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة (٤)» خرجه مسلم في صحيحه. فالعبادة التي لم يشرعها الله لا تجوز الدعوة إليها، ولا يؤجر صاحبها، بل يكون فعله لها ودعوته إليها من البدع، وبذلك يكون الداعي إليها من الدعاة إلى الضلالة، وقد ذم الله من فعل ذلك بقوله سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٥). الآية.
стр. 12577
حكم الأخطاء التي ارتكبت قبل الهداية
السؤال _ يقول السائل:. . . إنه كان جاهليا ولقد من الله عليه بالإسلام وكان قبل ذلك قد ارتكب بعض الأخطاء، ويقول: سمعت حديث رسول الله ﷺ : «من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرض أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم (١)» كيف تنصحونني والحالة هذه؟
الجواب: قد شرع الله لعباده التوبة، فقال سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ (٣) وقال جل وعلا: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (٤)، وقال ﷺ : «التائب من الذنب كمن لا ذنب له (٥)».
فمن اقترف شيئا من المعاصي فعليه بالبدار بالتوبة والندم والإقلاع والحذر والعزم أن لا يعود في ذلك. والله يتوب على التائبين ، فمتى صدق العبد في التوبة بالندم على ما مضى، والعزم أن لا يعود، وأقلع منها تعظيما لله وخوفا من الله، فإنه يتوب عليه، ويمحو الله عنه ما مضى من الذنوب فضلا منه وإحسانا . لكن إن كانت المعصية ظلما للعباد، فذلك يحتاج إلى أداء الحق الذي عليه بالتوبة مما وقع والندم والإقلاع، والعزم أن لا يعود، وعليه مع ذلك أداء الحق لمستحقه أو تحلله من ذلك، كأن يقول: سامحني يا أخي، أو اعف عني، أو ما أشبه ذلك، أو يعطيه حقه للحديث الذي ذكره السائل، وغيره من الأحاديث والآيات. والرسول صلى الله عليه
стр. 12578
وسلم يقول: «من كان عنده لأخيه مظلمة فليتحلله اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ من حسناته بقدر مظلمته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه (١)» خرجه البخاري في صحيحه. فينبغي للمؤمن أن يحرص على البراءة والسلامة من حق أخيه فإما أن يؤديه إليه أو يتحلله منه، وإذا كان عرضا فلا بد من تحلله إن استطاع، فإن لم يستطع أو خاف من مغبة ذلك وأن يترتب على إخباره شر أكثر، فإنه يستغفر له، ويدعو له، ويذكره بالمحاسن التي يعرفها عنه بدلا مما ذكره بالسوء، يعني عليه أن يغسل السيئة الأولى بالحسنات الأخيرة، فيذكره بالخير الذي يعلمه عنه، وينشر محاسنه ضد السيئات التي نشرها سابقا ويستغفر له، ويدعو له وبهذا ينتهي من المشكلة.
стр. 12579
تربية ثلاث بنات
السؤال: قال رسول الله ﷺ : «من كانت له ثلاث بنات فصبر عليهن وسقاهن وكساهن كن له حجابا من النار (١)» هل يكن حجابا من النار لوالدهن فقط أم حتى الأم شريكة في ذلك؟
الجواب: الحديث عام للأب والأم بقوله ﷺ : «من كانت له ابنتان فأحسن إليهما كن له سترا من النار (٢)» وهكذا لو كان له أخوات أو عمات أو خالات أو نحوهن، فأحسن إليهن، فإنا نرجو له بذلك الجنة. فإنه متى أحسن إليهن فإنه بذلك يستحق الأجر العظيم، ويحجب من النار، ويحال بينه وبين النار؛ لعمله الطيب. وهذا يختص بالمسلمين، فالمسلم إذا عمل هذه الخيرات ابتغاء وجه الله يكون قد تسبب في نجاته من النار، والنجاة من النار والدخول في الجنة لها أسباب كثيرة فينبغي للمؤمن أن يستكثر منها، والإسلام نفسه هو الأصل الوحيد، وهو السبب الأساسي
стр. 12580
لدخول الجنة والنجاة من النار، وهناك أعمال إذا عملها المسلم دخل بهن الجنة ونجا من النار، مثل من رزق بنات أو أخوات، فأحسن إليهن كن له سترا من النار، وهكذا «من مات له ثلاثة أفراط لم يبلغوا الحنث كانوا له حجابا من النار، قالوا: يا رسول الله، واثنان؟ قال: واثنان (١)»، ولم يسألوه عن الواحد، وصح عنه ﷺ أنه قال: «يقول الله : ما لعبدي المؤمن جزاء إذا أخذت صفيه من أهل الدنيا فاحتسب إلا الجنة (٢)» فبين أن ليس للعبد المؤمن عنده جزاء إذا أخذ صفيه أي محبوبه من أهل الدنيا فصبر واحتسب إلا الجنة، فالواحد من أفراطنا يدخل في هذا الحديث إذا أخذه الله وقبضه إليه، فصبر أبوه أو أمه أو كلاهما واحتسبا فلهما الجنة، وهذا فضل من الله عظيم، وهكذا الزوج والزوجة وسائر الأقرباء والأصدقاء إذا صبروا واحتسبوا دخلوا في هذا الحديث، مع مراعاة سلامتهم مما قد يمنع ذلك من الموت على شيء من كبائر الذنوب، نسأل الله السلامة.
стр. 12581
ما معنى الإحسان إلى البنات
السؤال الأول: ما معنى الإحسان إلى البنات في حديث الرسول ﷺ : «من كانت له ابنتان فأحسن إليهما كن له سترا من النار (١)»؟
الجواب: الإحسان للبنات ونحوهن بتربيتهن التربية الإسلامية، وتعليمهن وتنشئتهن على الحق، والحرص على عفتهن وبعدهن عما حرم الله من التبرج وغيره، وهكذا تربية الأخوات والأولاد الذكور إلى غير ذلك من وجوه الإحسان، حتى يتربى الجميع على طاعة الله ورسوله والبعد عن محارم الله والقيام بحق الله ، وبذلك يعلم أنه ليس المقصود مجرد الإحسان بالأكل والشرب والكسوة فقط، بل المراد ما هو أعم من ذلك من الإحسان إليهن في عمل الدين والدنيا.
стр. 12582
السؤال الثاني: هل يشترط اجتناب الكبائر كما هو معلوم في الحصول على هذا الوعد؟
الجواب: نعم، وهذه قاعدة عظيمة مجمع عليها عند أهل السنة وهي أن الوعد من الرب جل وعلا أو من الرسول ﷺ بالمغفرة أو الجنة أو النجاة من النار مقيد باجتناب الكبائر؛ لأن الله سبحانه يقول: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (١).
بين سبحانه أن من شرط دخول الجنة وتكفير السيئات اجتناب الكبائر فقال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (٢) فدل ذلك على أن من لم يجتنبها لا يحصل له هذا الجواب وذلك لأن كلمة ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا﴾ (٣) شرط، والجواب ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (٤) وهذه قاعدة أن الجواب مرتب على الشرط، فمتى وجد الشرط وجد الجواب والجزاء، وإلا فلا، فعلى المؤمن أن يبتعد عن الكبائر ويحذرها وكذلك المؤمنة.
والكبائر: المعاصي العظام التي جاء فيها الوعيد بلعنة أو غضب أو نار، أو التي جاء فيها حد في الدنيا مثل الزنا والسرقة والعقوق للوالدين، وقطيعة الرحم والربا وأكل مال اليتيم، والغيبة والنميمة والسب والشتم، إلى غير هذا من الكبائر.
فالواجب الحذر منها غاية الحذر والتوبة مما سلف منها ومن هذا ما ورد في الحديث الصحيح يقول ﵊: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن، ما لم تغش الكبائر (٥)». وفي لفظ آخر «إذا اجتنبت الكبائر (٦)» خرجه مسلم في صحيحه. فدل ذلك على أن هذه العبادات العظيمة تكفر بها السيئات إن اجتنبت الكبائر، فهذا الحديث يطابق الآية الكريمة. ولما توضأ النبي ﷺ ذات مرة الوضوء الشرعي ذكر أنه من توضأ فأحسن وضوءه غفر له ما تقدم من ذنبه ما لم تصب المقتلة وهي الكبيرة.
стр. 12583
فينبغي للمؤمن وهكذا المؤمنة أن يجتهد كل منهما في اكتساب الخيرات، والمنافسة في الأعمال الصالحة مع الحذر من السيئات وعدم تعاطيها، ولا سيما الكبائر فإن خطرها عظيم، ما لم يعف الله عن صاحبها، إذا كانت دون الشرك؛ لقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١).
стр. 12584
تبادل الزيارات بين المسلمات وغير المسلمات
السؤال: لدي بعض الجارات من غير المسلمات ومسلمات أيضا، لكن لي عليهن بعض الملحوظات، ما حكم تبادل الزيارات فيما بيننا؟
الجواب: تبادل الزيارات في مثل هذا إذا كان للتوجيه والنصح والتعاون على البر والتقوى طيب مأمور به، يقول النبي ﷺ : «يقول الله : وجبت محبتي للمتحابين في والمتزاورين في، والمتجالسين في والمتباذلين في (١)» أخرجه الإمام مالك ﵀ بإسناد صحيح. ويقول النبي ﷺ : «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله وذكر منهم رجلين تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، (٢)» مثل بالرجلين، والحكم يعم الرجلين والمرأتين، فإذا كانت الزيارة لمسلمة أو نصرانية أو غيرهما لقصد الدعوة إلى الله وتعليم الخير والإرشاد إلى الخير، لا لقصد الطمع في الدنيا والتساهل بأمر الله، فهذا كله طيب، فإذا زارت المسلمة أختها في الله ونصحتها عن التبرج والسفور وعن التساهل بما حرم الله من سائر المعاصي، أو زارت جارة لها نصرانية أو غير نصرانية كبوذية أو نحو ذلك لتنصحها
стр. 12585
وتعلمها وترشدها فهذا شيء طيب ويدخل في قوله ﷺ : الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، فإن قبلت فالحمد لله وإن لم تقبل تركت الزيارة التي لم تحصل منها فائدة.
أما الزيارة من أجل الدنيا أو اللعب أو الأحاديث الفارغة أو الأكل أو نحو ذلك، فهذه الزيارة لا تجوز للكافرات من النصارى وغيرهن؛ لأن هذا قد يجر الزائرة إلى فساد دينها وأخلاقها؛ لأن الكفار أعداء لنا وبغضاء لنا، فلا ينبغي أن نتخذهم بطانة ولا أصحابا، لكن إذا كانت الزيارة للدعوة إلى الله والترغيب في الخير والتحذير من الشر، فهذا أمر مطلوب كما تقدم، وقد قال الله في سورة الممتحنة: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (١) الآية.
стр. 12586
مصرف المؤلفة قلوبهم
بقلم الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع عضو هيئة كبار العلماء بالمملكة
الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه وبعد:
المؤلفة قلوبهم جمع مؤلف اسم مفعول من ألف على وزن فعل وهو من ثلاثي ألف يألف إلفا على وزن علم يعلم قال في الصحاح: وفلان قد ألف هذا الموضع بالكسر يألفه إلفا. . . اهـ.
والمؤلفة قلوبهم هم الصنف الرابع من أهل الزكاة الوارد حصرها فيهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١).
وهم السادة المطاعون في عشائرهم أو مجتمعاتهم أو مراكز انتمائهم، ممن يرجى بعطائه إسلامه، أو كف شره، أو يرجى بعطيته قوة إيمانه، أو إسلام نظيره، أو يسر جباية الزكاة ممن يمنعها، أو يرجى بعطائه دفعه عن المسلمين الشر أو نحو ذلك، مما يعود على الإسلام والمسلمين بالمصلحة، سواء كان من يعطى
стр. 12587
لتأليف قلبه مسلما، أو كان كافرا، فقد ألف ﷺ قلوب كفار بالعطاء فأسلموا. قال الطبري في تفسيره عن قتادة: إن المؤلفة قلوبهم أناس من الأعراب، ومن غيرهم، كان النبي ﷺ يتألفهم بالعطية كيما يؤمنوا. اهـ (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:
والمؤلفة قلوبهم نوعان كافر ومسلم، فالكافر إما أن يرجى بعطيته منفعة كإسلامه أو دفع مضرته إذا لم يندفع إلا بذلك، والمسلم المطاع يرجى بعطيته المنفعة أيضا؛ لحسن إسلامه أو إسلام نظيره، أو جباية المال ممن لا يعطيه إلا لخوف أو لنكاية في العدو، أو كف ضرره عن المسلمين إذا لم ينكف إلا بذلك (٢).
وقد ذكر فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي متعه الله بحياته مجموعة من المؤلفة قلوبهم ما بين مسلم وكافر ويحسن بنا إيراد ما ذكره فضيلته قال: والمؤلفة قلوبهم أقسام ما بين كفار ومسلمين:
(أ) فمنهم من يرجى بعطيته إسلامه أو إسلام قومه وعشيرته، كصفوان بن أمية الذي وهب له النبي ﷺ الأمان يوم فتح مكة، وأمهله أربعة أشهر؛ لينظر في أمره بطلبه، وكان غائبا فحضر وشهد مع المسلمين غزوة حنين قبل أن يسلم، وكان النبي ﷺ استعار سلاحه منه لما خرج إلى حنين، وقد أعطاه النبي ﷺ إبلا كثيرة محملة، كانت في واد. فقال هذا عطاء من لا يخشى الفقر.
وروى مسلم والترمذي عن طريق سعيد بن المسيب عنه قال: والله لقد أعطاني النبي ﷺ
стр. 12588
وإنه لأبغض الناس إلي فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي. وقد أسلم وحسن إسلامه. ومن هذا القسم ما رواه أحمد بإسناد صحيح عن أنس «أن رسول الله ﷺ لم يكن يسأل شيئا على الإسلام إلا أعطاه، قال فأتاه رجل فسأله فأمر له بشاء كثيرة بين جبلين من شاء الصدقة، قال فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة (١)».
(ب) ومنهم من يخشى شره ويرجى بإعطائه كف شره وشر غيره معه، كما جاء عن ابن عباس: «أن قوما كانوا يأتون النبي ﷺ ، فإن أعطاهم من الصدقات مدحوا الإسلام، وقالوا: هذا دين حسن، وإن منعهم ذموا وعابوا».
(ج) ومنهم من دخل في الإسلام حديثا فيعطى إعانة له على الثبات على الإسلام. سئل الزهري عن المؤلفة قلوبهم، فقال: من أسلم من يهودي أو نصراني، وإن كان غنيا. قال: وإن كان غنيا. وكذلك قال الحسن: هم الذين يدخلون في الإسلام، وذلك أن الداخل حديثا في الإسلام قد هجر دينه القديم، وضحى بما له عند أبويه وأسرته، وكثيرا ما يحارب من عشيرته، ويهدد في رزقه، ولا شك أن هذا الذي باع نفسه، وترك دنياه لله تعالى جدير بالتشجيع والتثبيت والمعونة.
(د) ومنهم قوم من سادات المسلمين وزعمائهم، لهم نظراء من الكفار، إذا أعطوا رجي إسلام نظرائهم، واستشهد لذلك بإعطاء أبي بكر ﵁ لعدي بن حاتم والزبرقان بن بدر، مع حسن إسلامهما؛ لمكانتهما في أقوامهما.
(هـ) ومنهم زعماء ضعفاء الإيمان من المسلمين، مطاعون في أقوامهم، ويرجى بإعطائهم تثبيتهم وقوة إيمانهم، ومناصحتهم في الجهاد وغيره، كالذين أعطاهم النبي ﷺ العطايا الوافرة من غنائم هوازن، وهم بعض الطلقاء من أهل مكة، الذين أسلموا، فكان منهم المنافق، ومنهم ضعيف الإيمان
стр. 12589
وقد ثبت أكثرهم بعد ذلك وحسن إسلامهم.
(و) ومنهم قوم من المسلمين في الثغور وحدود بلاد الأعداء، يعطون؛ لما يرجى من دفاعهم عمن وراءهم من المسلمين إذا هاجمهم العدو.
(ز) ومنهم قوم من المسلمين يحتاج إليهم لجباية الزكاة ممن لا يعطيها إلا بنفوذهم وتأثيرهم، إلا أن يقاتلوا فيختاروا بتأليفهم وقيامهم بهذه المساعدة للحكومة أخف الضررين وأرجح المصلحتين.
وهذا سبب جزئي قاصر فمثله ما يشبهه من المصالح العامة.
وكل هذه الأنواع تدخل تحت عموم لفظ المؤلفة قلوبهم، سواء كانوا كفارا أو مسلمين. اهـ (١)
стр. 12590
وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في بقاء هذا الصنف من أهل الزكاة، فذهب محققوهم إلى أن حكمهم باق متى وجدت الحاجة إلى العطاء من الزكاة للتأليف، وأن منع عمر بن الخطاب ﵁ إعطاءهم لم يكن على سبيل انتفاء الحكم عنهم بالنسخ، وإنما كان لانتفاء الحاجة إلى إعطائهم للتأليف، حيث أعز الله الإسلام والمسلمين، ودخل الناس في دين الله أفواجا، قانعين مقتنعين وتتابعت الفتوحات الإسلامية حتى صارت الدولة الإسلامية هي الدولة الأولى في المعمورة مهيبة الجانب مرفوعة الأعلام. قال في الروض المربع:
ويعطي ما يحصل من التأليف عند الحاجة فقط، فترك عمر وعثمان وعلي إعطاءهم؛ لعدم الحاجة إليه في خلافتهم، لا بسقوط سهمهم. اهـ (١)
стр. 12591
وقال في الحاشية لابن قاسم:
فإن حكمهم باق لإعطاء النبي ﷺ المؤلفة من المسلمين والمشركين، وكذلك أبو بكر ﵁، وخير الهدي هديه ﷺ ، وأعدل السياسة سياسته ﷺ ، ومنع وجود الحاجة على ممر الزمان، واختلاف أحوال النفوس في القوة والضعف لا يخفى فساده، واتباع سيرته ﷺ أحق.
قال الشيخ: ويجوز بل يجب الإعطاء لتأليف من يحتاج إلى تأليف قلبه، وإن كان لا يحل له أخذ ذلك، كما في القرآن العزيز، وكما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة من الفيء. اهـ (١).
وقال ابن قدامة في كتابه المغني في معرض ذكره الخلاف بين أهل العلم في سقوط سهم المؤلفة قلوبهم أو بقاء حكم وجوده عند الحاجة ورده على القائلين بسقوط سهمهم على سبيل النسخ بالإجماع فقال:
وأحكامهم كلها باقية، وبهذا قال الحسن والزهري وأبو جعفر محمد بن علي. وقال الشعبي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي: انقطع سهم المؤلفة بعد رسول الله ﷺ ، وقد أعز الله الإسلام وأغناه عن أن يتألف عليه رجال، فلا يعطى مشرك تألفا بحال. قالوا: وقد روي هذا عن عمر ﵁، ولنا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فإن الله تعالى سمى المؤلفة في الأصناف الذين سمى الصدقة لهم والنبي ﷺ قال: إن الله تعالى حكم فيها فجزأها ثمانية أجزاء، وكان يعطي المؤلفة قلوبهم كثيرا في أخبار مشهورة، ولم يزل كذلك حتى مات، ولا يجوز ترك كتاب الله ولا سنة رسوله إلا بنسخ، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، ثم إن النسخ إنما يكون في حياة النبي ﷺ ؛ لأن النسخ إنما يكون بنص، ولا يكون النص بعد موت النبي ﷺ وانقراض زمن الوحي ثم إن القرآن
стр. 12592
لا ينسخ إلا بقرآن، وليس في القرآن نسخ كذلك ولا في السنة، فكيف يترك الكتاب والسنة بمجرد الآراء والتحكم أو بقول صحابي أو غيره؟! على أنهم لا يرون قول الصحابي حجة يترك لها قياس، فكيف يتركون به القرآن والسنة؟!. قال الزهري: لا أعلم شيئا نسخ حكم المؤلفة، على أن ما ذكروه من المعنى لا خلاف بينه وبين الكتاب والسنة، فإن الغنى عنهم لا يوجب رفع حكمهم، وإنما يمنع عطيتهم حال الغنى عنهم، فمتى دعت الحاجة إلى إعطائهم أعطوا، وكذلك جميع الأصناف، إذا عدم منهم صنف في بعض الزمان سقط حكمه في ذلك الزمن خاصة، فإذا وجد عاد حكمه كذا هنا. اهـ (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ردا على القائلين بسقوط سهم المؤلفة قلوبهم على سبيل النسخ قال:
وما شرعه النبي صلى الله عله وسلم شرعا معلقا بسبب، إنما يكون مشروعا عند وجود السبب، كإعطاء المؤلفة قلوبهم، فإنه ثابت بالكتاب والسنة، وبعض الناس ظن أن هذا نسخ؛ لما روي عن عمر أنه ذكر أن الله أغنى عن التأليف، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وهذا الظن غلط، ولكن عمر استغنى في زمنه عن إعطاء المؤلفة قلوبهم، فترك ذلك؛ لعدم الحاجة إليه، لا لنسخه، كما لو فرض أنه عدم في بعض الأوقات ابن السبيل والغارم ونحو ذلك. اهـ (٢).
وذهب بعض أهل العلم إلى القول بانتهاء سهم المؤلفة قلوبهم إلى الانقطاع على سبيل النسخ؛ لعزة الإسلام ومنعته وقوة المسلمين وانتفاء العلة الموجبة لإعطائهم، وهذا هو المشهور في المذاهب الثلاثة الحنفي والمالكي والشافعي، وننقل نصا من بدائع الصنائع للكاساني يمثل وجهة نظر القائلين بذلك، قال في البدائع:
стр. 12593
وهو الصحيح لإجماع الصحابة على ذلك، فإن أبا بكر وعمر ﵄ ما أعطيا المؤلفة قلوبهم شيئا من الصدقات، ولم ينكر أحد من الصحابة ﵃، فإنه روي أنه لما قبض رسول الله ﷺ جاءوا أبا بكر وسألوه أن يكتب لهم خطا كتابة رسمية بسهامهم، فأعطاهم ما سألوه، ثم جاءوا إلى عمر، وأخبروه بذلك، فأخذ الخط من أيديهم ومزقه، وقال: إن رسول الله ﷺ كان يعطيكم ليؤلفكم على الإسلام، فأما اليوم فقد أعز الله دينه، فإن ثبتم على الإسلام، وإلا فليس بيننا وبينكم إلا السيف، فانصرفوا إلى أبي بكر فأخبروه بما صنع عمر ﵁، وقالوا: أنت الخليفة أم عمر؟ قال: هو إن شاء الله، ولم ينكر أبو بكر قوله وفعله، وبلغ ذلك عامة الصحابة، فلم ينكروا؛ فيكون ذلك إجماعا على ذلك؛ ولأنه ثبت باتفاق الأمة أن النبي ﷺ إنما كان يعطيهم ليتألفهم على الإسلام؛ ولهذا أسماهم الله المؤلفة قلوبهم. والإسلام يومئذ في ضعف وأهله في قلة. وأولئك كثر ذوو قوة وعدد، واليوم بحمد الله عز الله الإسلام وكثر أهله، واشتدت دعائمه ورسخ بنيانه، وصار أهل الشرك أذلاء، والحكم متى ثبت منقولا بمعنى خاص ينتهي بذهاب ذلك المعنى اهـ (١).
ويظهر مما تقدم أن حجة القائلين بانقضاء حكم سهم المؤلفة قلوبهم وسقوطه هو نسخ ذلك الحكم بإجماع الصحابة، وبانتفاء معنى حكم ذلك حيث إن حكم التأليف ثبت لمعنى معقول هو الحاجة إلى تأليف القلوب إلى الإسلام، وقد زالت الحاجة إلى ذلك بقوة الإسلام وعزته وتمكين المسلمين من إظهار دينهم والدعوة إليه والثبات عليه والأخذ بمقتضياته.
ولئن اتفق عامة أهل العلم على جواز النسخ من حيث الجملة، وعلى أن القرآن ينسخه قرآن مثله، واختلفوا في جواز نسخ القرآن بالسنة، فقد اتجه عامة أهل العلم ومحققوهم إلى منع نسخ القرآن بإجماع على فرض حصوله.
стр. 12594
ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كلام في رد القول بنسخ القرآن لغيره حتى لو كان الناسخ سنة، يحسن بنا إيراده قال ﵀:
ومما يدل على المسألة أن الصحابة والتابعين الذين أخذ عنهم علم الناسخ والمنسوخ، إنما يذكرون نسخ القرآن بقرآن، لا يذكرون نسخه بلا قرآن بل بسنة، وهذه كتب الناسخ والمنسوخ المأخوذة عنهم، إنما تتضمن هذا، وكذلك قول علي ﵁ للقاضي: هل تعرف الناسخ من المنسوخ في القرآن؟
فلو كان ناسخ القرآن غير القرآن لوجب أن يذكر ذلك أيضا. وأيضا الذين جوزوا نسخ القرآن بلا قرآن من أهل الرأي والكلام، إنما عمدتهم أنه ليس في العقل ما يحيل ذلك، وعدم المانع الذي يعلم بالعقل لا يقتضي الجواز الشرعي، فإن الشرع قد يعلم بخبره ما لا يعلم بالعقل وقد يعلم من حكمة الشارع التي علمت بالشرع ما لا يعلم بمجرد العقل؛ ولهذا كان الذين جوزوا ذلك عقلا مختلفين في وقوعه شرعا.
وأيضا فإن الناسخ مهيمن على المنسوخ قاض عليه مقدم عليه، فينبغي أن يكون مثله أو خيرا منه كما أخبر بذلك القرآن؛ ولهذا لما كان القرآن مهيمنا على ما بين يديه من الكتاب بتصديق ما فيه من حق وإقرار ما أقره ونسخ ما نسخه، كان أفضل منه، فلو كانت السنة ناسخة للكتاب لزم أن تكون مثله أو أفضل منه.
وأيضا فلا يعرف في شيء من آيات القرآن أنه نسخه إلا قرآن، والوصية للوالدين والأقربين منسوخة بآية المواريث كما اتفق على ذلك السلف. اهـ (١).
وذكر مكي بن أبي طالب في كتابه "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" أقسام النسخ التي ذكرها أهل العلم ومنها نسخ القرآن بالإجماع. فقال:
стр. 12595
الرابع نسخ القرآن بالإجماع وعلى منعه أكثر أهل العلم وأجازه بعضهم ومثله نسخ القرآن بالقياس. اهـ (١).
وفي رسالة جامعية للدكتور مصطفى زيد بعنوان (النسخ في القرآن الكريم) قال بعد أن استعرض مجموعة من وقائع جرى نسخها في القرآن ما نصه:
من هذه الوقائع الثابتة للنسخ في القرآن، وهي كل ما صح لدينا، نستطيع أن نستخلص حقيقة هامة هي أن القرآن لا ينسخه إلا قرآن مثله، كما هو مذهب الإمامين الشافعي وأحمد. إلى أن قال: وأما نسخ القرآن بالسنة فلم نجد له واقعة واحدة فيما أسلفنا، ومن هنا نرى أن الخلاف الذي قام حول جوازه خلاف نظري يحسم الواقع الحكم عليه؛ إذ يرفضه بجملته وتفصيله. اهـ (٢).
وبما ذكرنا من نصوص لأهل العلم والتحقيق يتضح بطلان القول بنسخ حكم سهم المؤلفة قلوبهم من كتاب الله بالإجماع، فما دام أهل التحقيق من العلماء منعوا نسخ القرآن بالسنة، وكلاهما وحي من الله تعالى. قال تعالى في حق نبيه ﷺ وما ينطق به من سنة قال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٣) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٤) مع ملاحظة الفارق بينهما إلا أنها المصدر الثاني للتشريع فلا يأتي قبلها غير كتاب الله.
وما دام أهل التحقيق منعوا نسخ القرآن بالسنة، فإن منع نسخ القرآن بغيرها من إجماع أو قياس أولى بالمنع وعدم الاعتبار.
وقد أجاب عن المعنى الآخر لسقوط حكم سهم المؤلفة قلوبهم من كتاب
стр. 12596
الله بانتفاء الحاجة إليهم بقوة الإسلام وبعزته، وتمكن أهله من إظهار دينهم، والتقيد بمقتضياته ومستلزماته والدعوة إليه، وبتطبيق هذا الواقع في خلافة عمر ﵁، وما تلاها من ولايات عزيزة، وبإجماع الصحابة على سلامة ما فعله عمر من منع العطاء للتأليف، أجاب عن هذا المعنى فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه فقه الزكاة فقال:
فإن عمر إنما حرم قوما من الزكاة كانوا يتألفون في عهد الرسول ﷺ ، ورأى أنه لم يعد هناك حاجة لتأليفهم، وقد أعز الله الإسلام، وأغنى عنهم، ولم يجاوز الفاروق الصواب فيما صنع، فإن التأليف ليس وصفا ثابتا دائما، ولا كل من كان مؤلفا في عصر يظل مؤلفا في غيره من العصور، وإن تحديد الحاجة إلى التأليف وتحديد أشخاص المؤلفين أمر يرجع إلى أولي الأمر وتقديرهم لما فيه خير الإسلام ومصلحة المسلمين، ولقد قرر علماء الأصول أن تعليق الحكم بوصف مشتق يؤذن بعلية ما كان منه الاشتقاق، وهنا علق صرف الصدقة بالمؤلفة قلوبهم، فدل على أن تأليف القلوب هو علة صرف الصدقات إليهم، فإذا وجدت هذه العلة وهي تأليف قلوبهم أعطوا، وإن لم توجد لم يعطوا. اهـ (١).
كما أجاب عن ذلك الدكتور محمد يوسف موسى فقال:
أما مسألة المؤلفة قلوبهم فلنا أن نفهم أن الرسول ﷺ كان يعطيهم في حياته من الصدقات بقصد إعزاز الإسلام لضعفه حينذاك، فجاء عمر ورأى في الدفع إليهم إشعارا بأن الإسلام في حاجة إليهم، وفي هذا ما قد يضعف من حمية المسلمين واعتزازهم بأنفسهم دون من في قلوبهم دخل، فكان إعزاز الإسلام حينئذ في عدم إعطائهم شيئا من الصدقات، إذ لم يكن الأمر نسخا من عمر لنص قرآني، وإنما هو تقرير لما كان يقصده الرسول ﷺ ، وإن كان على وجه آخر يتفق مع ما صار إليه الإسلام
стр. 12597
والمسلمون من القوة والعزة. اهـ (١).
وبناء على أن حكم سهم المؤلفة قلوبهم محكم لم يتناوله نسخ ألبتة، وحيث إن المعنى المقتضي للتأليف هو حاجة الإسلام والمسلمين إلى الوقوف بجانبهم والتضامن معهم وشد أزر من أسلم حديثا أو لم يسلم، إلا أنه مطاع في قومه ومجتمعه، فمتى وجدت هذه الحاجة، كان الحكم في إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة حكما قائما ومقتضيا، ومتى انتفت الحاجة إلى ذلك كما حصل في عهد عمر ﵁ ومن جاء بعده من الخلفاء والملوك، انتفى وجود من يستحق التأليف، أشبه انتفاء وجود فقراء أو مساكين أو ابن سبيل أو غيرهم ممن نصت آية الصدقة على حصرها فيهم، ولم يكن ذلك الانتفاء منهيا لأحكام استحقاقهم في الزكاة، متى وجد الوصف المقتضي للاستحقاق.
ونظرا إلى أن المسلمين الآن متفرقون في أنحاء المعمورة، وهم يختلفون في بلدانهم قوة وضعفا، وقد تمثل كل فئة منهم مجتمعا إسلاميا مستقلا، له خصائصه ومزاياه قوة وضعفا وسيادة وتسيدا، فإن القول بقيام مقتضى تأليف القلوب بصرف جزء من الزكاة لذلك المعنى قول تقتضيه مصلحة المسلمين وواقع معايشهم، لا سيما فيما بين كل مجتمع من المجتمعات الإسلامية.
ولهذا فإن حكم سهم المؤلفة قلوبهم من أهل الزكاة باق بقاء شريعة الله في أرضه، يرتفع بارتفاع مقتضيه، وهو انتفاء الحاجة إلى التأليف؛ لقوة المسلمين وعزتهم وسمو مقامهم، ويبقى ذلك الحكم ببقاء مقتضيه وموجبه، وهو الحاجة إلى إعزاز المسلمين؛ لوجود جوانب ضعف فيهم، في أي بقعة من أرض الله عليها مسلمون.
ولا شك أن أحوال المسلمين في كافة أنحاء المعمورة تقتضي النظر فيما فيه تمكينهم واحترامهم وتقوية كيانهم، والأخذ بأسباب اعتبارهم مجتمعا إنسانيا، تهدف قواعد وجوده إلى احترام الإنسان، واحترام وسائل تمتعه بما هيأ الله له من أسباب المعيشة بهناء، والتعايش بإخاء، والتعاون على البر والتقوى. .
стр. 12598
فإذا وجدنا أفرادا لهم مقامهم المحترم في المجتمع، سواء كان ذلك من حيث مكانتهم الاجتماعية، أو من حيث ثقافتهم التخصصية، أو من حيث وضعهم الاقتصادي، أو السياسي، وكان هناك أمل في إسلامهم بعد تأليف قلوبهم بالعطاء، فيعطون من الزكاة من سهم المؤلفة قلوبهم ما يحببهم في الإسلام، ويرغبهم في الانضواء مع المسلمين، كما فعل ﷺ مع صفوان بن أمية وغيره، فقد أعطاهم ﷺ عطاء جزلا طمعا في إسلامهم، ثم أسلموا بعد ذلك.
ففي الصحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «بعث علي وهو باليمن بذهيبة في تربتها إلى رسول الله ﷺ ، فقسمها رسول الله ﷺ بين أربعة: الأقرع بن حابس الحنظلي، وعيينة بن حصن الفزاري، وعلقمة العامري سيد بني كلاب، وزيد الخير الطائي سيد بني نبهان. قال: فغضبت قريش والأنصار، فقالوا: يعطي صناديد نجد ويدعنا! فقال رسول الله ﷺ : إني إنما فعلت ذلك لتأليفهم (١)».
وفي صحيح مسلم عن رافع بن خديج ﵁ قال: «أعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، كل إنسان منهم مائة من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك، فقال عباس بن مرداس:
أتجعل نهبي ونهب العبيد ... بين عيينة والأقرع (٢)
وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في المجمع
وما كنت دون امرئ منهما ... ومن يخفض اليوم لا يرفع
قال فأتم له رسول الله ﷺ مائة». والعبيد اسم فرس له، ففي هذه الآثار دلالة صريحة على مشروعية إعطاء من يتألف للإسلام ممن هو مطاع في عشيرته وقومه.
стр. 12599
وإذا وجد أن الحاجة تقتضي إيجاد مؤسسات اجتماعية تقوم برعاية حديثي العهد بالإسلام، من حيث التأهيل الاجتماعي والعلمي، وكف الأذى عنهم، وتعويضهم عما فقدوه من أهلهم ومجتمعهم بعد انتقالهم من دينهم إلى الإسلام، فلا شك أن هؤلاء يعتبرون من المؤلفة قلوبهم، والإسهام في تغطية نفقات هذه المؤسسات من سهم المؤلفة قلوبهم وجيه ومشروع فيعطون من سهم المؤلفة قلوبهم، كما يعطون من سهم سبيل الله، فإن سبيل الله عام في كل وجه من وجوه الخير والبر، كما هو اختيار مجموعة من أهل العلم، ولكن بعد توافر القناعة التامة باستقامة هذه المؤسسات، وتقييدها باختصاصها وصلاح وتقى القائمين عليها، وألا يكون هناك إسراف في المصروفات الإدارية على هذه المؤسسات؛ لأن الزكاة حق الله تعالى في أموال عباده، وهي أمانة في أيدي من وجبت عليهم في أموالهم، فحينما يدفعون جزءا من الزكاة إلى القائمين على هذه المؤسسات، فهم يدفعونها إليهم على اعتبارهم وكلاء عنهم في دفع ما دفعوه من الزكاة إلى مستحقيه، فلا تبرأ ذممهم منها حتى تصرف في مصارفها الشرعية.
وإذا وجدت أقليات إسلامية في بلد غير إسلامي تحكمه حكومة غير مسلمة، وظهر أن هذه الأقليات في وضع مقتض تأليف هذه الحكومة على العناية بوضعهم، والحفاظ على حقوقهم وحرياتهم، فإن مساعدة هذه الحكومة من سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة، بما يحقق لهذه الأقليات المسلمة عونا واحتراما واعتبارا وتمكينا متجه ومستمد جوازه من تحقيق المصلحة العامة لهذه المجتمعات الإسلامية، فإن المال وسيلة لا غاية، والغاية وجود مجتمع إسلامي متكامل متعاطف متلاحم، يتمتع بالعزة والرفعة والكرامة والحرية المتفقة مع المقتضى الشرعي وفقا لأحكام الله ورسوله.
فكل وسيلة لا تتعارض مع القواعد العامة للأخلاق وحكمة الوجود، وهي طريق لتحقيق الغاية من وجود مجتمع إسلامي عزيز، فهي وسيلة مشروعة ومعتبرة، وبهذا نستطيع القول بجواز صرف جزء من الزكاة للحكومات المذكورة بشرطه، ومن ذلك المشاركة في جمع التبرعات والإسهام في تحصيلها لمنكوبي الزلازل
стр. 12600
والفيضانات والمجاعات وخلفيات الفتن والقلاقل والاضطرابات واختلال الأمن؛ وذلك لإظهار الدين الإسلامي بأنه دين المحبة والمودة والرحمة والتعاون على الخير، ولإظهار المجتمع الإسلامي بالمظهر الذي هو أهله من حيث التعاطف والتراحم والتآلف والتعاون على البر والتقوى، والإسهام في إصلاح المجتمعات الإنسانية والعناية بالحقوق الإنسانية واحترامها، والبعد عن ظلم أهلها بالاعتداء عليها، سواء كانت أموالا أو أعراضا أو نفوسا.
وبالجملة فإن تأليف القلوب على الإسلام، وعلى العناية بالمسلمين، والوقوف معهم في الحفاظ على كيانهم ومقامهم - يعتبر مطلبا شرعيا يبذل في سبيل تحصيله وتأمين مستلزماته ومقتضياته الثمن الغالي، سواء كان من الصدقات، أو من الزكوات، أو من الفيء على المسلمين، أو كان من غنائم غنموها في جهادهم مع أهل الكفر والشرك والضلال، وفيما تقدم من الآثار عن رسول الله ﷺ ما يكفي للقناعة التامة بصحة ذلك ووجاهته، واعتباره مقصدا شرعيا يجب الأخذ به في كل حال تقتضي ذلك وتستلزمه، وأحسن الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي رسول الله، والله المستعان وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه القاضي بمحكمة التمييز بمكة المكرمة وعضو هيئة كبار العلماء
عبد الله بن سليمان بن منيع
مكة المكرمة ٤/ ٣ / ١٤١٠هـ.
стр. 12601
الوقاية من الجريمة في التشريع الجنائي الإسلامي
بقلم الدكتور: محمد بن سعد الشويعر
الحمد لله الذي شرع لعباده ما تستقيم به أحوال معاشهم، ويسعدهم في معادهم بالجزاء الأوفى، الذي حد الحدود لتبعث في النفوس اطمئنانا، يمنع من الجريمة، وواقيا يحمي المجتمعات من تسلط المجرمين، والصلاة والسلام على البشير النذير، الذي أرسله ربه مقيما للعدل وموضحا للحق وحريصا على تنفيذ حدود الله، حتى لا تفسد الأمة، وعلى آله وصحابته الذين أقاموا سنته، ونشروا راية الإسلام في أرجاء المعمورة، رمزا للعدل، وتمكينا لحق لا إله إلا الله.
أما بعد: فإنها حدود وزواجر، وترغيب وترهيب، منها الوازع الديني ومراقبة النفوس، ومنها الوازع السلطاني وردع المعتدي بالقوة، حكمة أرادها الله لتحدث توازنا في المجتمع ككفتي الميزان، فالشرعة المحددة
стр. 12602
للعدالة هي شريعة الله، التي توازن بين الحالين، فتبين الحق وتردع الظالم، وتعين المظلوم. فالإسلام قد كفل بتعاليمه، والشرع الذي أبانه الله فيه للمجتمع الراحة والأمان، وللفرد فيه الهدوء والاستقرار بما جاء في كتاب الله. وسنة رسوله ﷺ ، وإن فهم الصفوة الأولى من هذه الأمة للشريعة وما تدل عليه، وما اشتملت عليه من أوامر وزواجر، لمما يتلاءم مع النفس البشرية وما يردعها، وهو الدين الذي ارتضاه الله جل وعلا لخير أمة أخرجت للناس؛ لأنه المصلح لأحوال البشر والمنظم لمعيشتهم، والحال لكل معضلة تعترض مسيرتهم، فهو دين الفطرة، وهو الدين الحق، الذي لا يقبل سبحانه من البشر سواه؛ لأن سعادتهم باتباعه ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١).
وهو الدين الذي بعث الله به الرسل، وأنزلت به الكتب، ودعا إليه أنبياء الله أممهم، منذ خلق الله آدم حتى أتم جل وعلا الرسالة بمحمد ﷺ .
فهذا نبي الله نوح ﵇ يقول: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢) وإبراهيم الخليل قال عنه سبحانه:
﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ (٣)، ويوسف ﵇ دعا ربه قائلا: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (٤) وموسى ﵇ قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ (٥).
стр. 12603
فما من نبي إلا وقد كان الإسلام هو معتقده، وهو ما يدعو قومه إليه، وقد خص الله أمة محمد ﷺ بهذا الدين؛ ليكون سمة لهم بين الأمم، وامتثالا لإرادة الله جل وعلا التي جاءت على لسان أبي الأنبياء إبراهيم الخليل ﵇، عندما سمى خير الأمم وخاتمها أمة محمد ﷺ بالمسلمين فقال : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ (١)، وعندما بنى الكعبة هو وابنه إسماعيل، ﵉ دعا ربه قائلا: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ (٢).
ذلك أن الإسلام مع كونه دين الفطرة، وهو دين العدالة الاجتماعية، وهو دين التوازن، وأمة حباها الله بالإسلام، وشرفها بالانتماء إليه، عليها أمانة الفهم، ودراية التطبيق، وفتح الصدور لإدراك ما تنطوي عليه شريعة هذا الدين من مصالح يؤمر المرء بها، ومفاسد يدرؤها الله عن البشر بزواجر هذا الدين، وحدوده الرادعة.
والجريمة واحدة من المفاسد الاجتماعية التي جاءت تعاليم الإسلام، ترسم للناس- قادة ومرءوسين - طريقا ممهدا، تحمي به المجتمعات من آفاتها، ومن تسلط ضعفاء النفوس على الآخرين مستغلين قدرتهم وحيلهم، وغفلة الناس أو ضعفهم أمامهم، فكان لولي الأمر، وبما أعطاه الله من سلطان في التتبع والإصلاح، وبما أيد به من حكم صادر عن شرع الله - أن يعمل جاهدا في حصر نطاق الجريمة بأضيق الحدود، وأن يتابع ببذل الطاقة للقضاء عليها، في منهجين مستمدين من تربية الإسلام، وحسن رعايته للفرد والجماعة، حيث اهتم التشريع الجنائي في الإسلام بذلك، وهما:
- الطرق الوقائية.
- أسلوب المكافحة.
стр. 12604
وقبل الحديث في هذين الأسلوبين، يحسن بنا أن نعرف الجريمة، والجناية، والحدود، تعريفا لغويا، وشرعيا؛ لندرك من ذلك المقصود بالدلالة وما عليه أكثر العلماء من تعيين المراد بهذه الألفاظ، كما هي عادة الفقهاء ﵏، بجعل التعريف اللغوي والشرعي مدخلا لكل موضوع يريدون التحدث عنه؛ ليكون منبئا عن الهدف الذي أرادوا به الإحاطة والشمول، ذلك أن اللغة العربية هي وعاء الدين والمفسرة لما قد يغمض من دلالات المعاني فيه.
стр. 12605
الجريمة:
مأخوذة من مادة جرم، وقد أطال ابن منظور في لسان العرب (١) والزبيدي في تاج العروس (٢) في توضيح دلالة هذه المادة واشتقاقاتها، ويهمنا هنا ما يدل على الموضوع الذي نحن بصدده، حيث قال الزبيدي: جرم فلان جرما: أذنب كأجرم واجترم، فهو مجرم وجريم، وجرم لأهله كسب لهم، يقال: خرج يجرم لأهله، ويجرم أهله: أي يحتال ويطلب، وهو جارم أهله أي كاسبهم.
والجرائم جمع جريمة، وهي الجناية والذنب كيفما كان، سواء كان صغيرا أو كبيرا.
أما في الاصطلاح الفقهي، فمن ذلك ما حكاه الماوردي في الأحكام السلطانية بقوله: الجرائم محظورات شرعية، زجر الله عنها بحد أو تعزيز، يعني إذا كانت ممن يتعمد ارتكابها (٣).
ويظهر من دلالة الكلمة أجرم وما تدل عليه في كتاب الله جل وعلا، حيث وردت أكثر من خمسين مرة وأغلبها في حالة الجمع (مجرمين): إن المجرم هو من ارتكب كبيرة فقط، والكبيرة في تعريف أكثر العلماء، هي: