الوقاية من الجريمة في التشريع الجنائي الإسلامي
بقلم الدكتور: محمد بن سعد الشويعر
الحمد لله الذي شرع لعباده ما تستقيم به أحوال معاشهم، ويسعدهم في معادهم بالجزاء الأوفى، الذي حد الحدود لتبعث في النفوس اطمئنانا، يمنع من الجريمة، وواقيا يحمي المجتمعات من تسلط المجرمين، والصلاة والسلام على البشير النذير، الذي أرسله ربه مقيما للعدل وموضحا للحق وحريصا على تنفيذ حدود الله، حتى لا تفسد الأمة، وعلى آله وصحابته الذين أقاموا سنته، ونشروا راية الإسلام في أرجاء المعمورة، رمزا للعدل، وتمكينا لحق لا إله إلا الله.
أما بعد: فإنها حدود وزواجر، وترغيب وترهيب، منها الوازع الديني ومراقبة النفوس، ومنها الوازع السلطاني وردع المعتدي بالقوة، حكمة أرادها الله لتحدث توازنا في المجتمع ككفتي الميزان، فالشرعة المحددة
стр. 12602
للعدالة هي شريعة الله، التي توازن بين الحالين، فتبين الحق وتردع الظالم، وتعين المظلوم. فالإسلام قد كفل بتعاليمه، والشرع الذي أبانه الله فيه للمجتمع الراحة والأمان، وللفرد فيه الهدوء والاستقرار بما جاء في كتاب الله. وسنة رسوله ﷺ ، وإن فهم الصفوة الأولى من هذه الأمة للشريعة وما تدل عليه، وما اشتملت عليه من أوامر وزواجر، لمما يتلاءم مع النفس البشرية وما يردعها، وهو الدين الذي ارتضاه الله جل وعلا لخير أمة أخرجت للناس؛ لأنه المصلح لأحوال البشر والمنظم لمعيشتهم، والحال لكل معضلة تعترض مسيرتهم، فهو دين الفطرة، وهو الدين الحق، الذي لا يقبل سبحانه من البشر سواه؛ لأن سعادتهم باتباعه ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١).
وهو الدين الذي بعث الله به الرسل، وأنزلت به الكتب، ودعا إليه أنبياء الله أممهم، منذ خلق الله آدم حتى أتم جل وعلا الرسالة بمحمد ﷺ .
فهذا نبي الله نوح ﵇ يقول: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢) وإبراهيم الخليل قال عنه سبحانه:
﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ (٣)، ويوسف ﵇ دعا ربه قائلا: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (٤) وموسى ﵇ قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ (٥).
стр. 12603
فما من نبي إلا وقد كان الإسلام هو معتقده، وهو ما يدعو قومه إليه، وقد خص الله أمة محمد ﷺ بهذا الدين؛ ليكون سمة لهم بين الأمم، وامتثالا لإرادة الله جل وعلا التي جاءت على لسان أبي الأنبياء إبراهيم الخليل ﵇، عندما سمى خير الأمم وخاتمها أمة محمد ﷺ بالمسلمين فقال : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ (١)، وعندما بنى الكعبة هو وابنه إسماعيل، ﵉ دعا ربه قائلا: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ (٢).
ذلك أن الإسلام مع كونه دين الفطرة، وهو دين العدالة الاجتماعية، وهو دين التوازن، وأمة حباها الله بالإسلام، وشرفها بالانتماء إليه، عليها أمانة الفهم، ودراية التطبيق، وفتح الصدور لإدراك ما تنطوي عليه شريعة هذا الدين من مصالح يؤمر المرء بها، ومفاسد يدرؤها الله عن البشر بزواجر هذا الدين، وحدوده الرادعة.
والجريمة واحدة من المفاسد الاجتماعية التي جاءت تعاليم الإسلام، ترسم للناس- قادة ومرءوسين - طريقا ممهدا، تحمي به المجتمعات من آفاتها، ومن تسلط ضعفاء النفوس على الآخرين مستغلين قدرتهم وحيلهم، وغفلة الناس أو ضعفهم أمامهم، فكان لولي الأمر، وبما أعطاه الله من سلطان في التتبع والإصلاح، وبما أيد به من حكم صادر عن شرع الله - أن يعمل جاهدا في حصر نطاق الجريمة بأضيق الحدود، وأن يتابع ببذل الطاقة للقضاء عليها، في منهجين مستمدين من تربية الإسلام، وحسن رعايته للفرد والجماعة، حيث اهتم التشريع الجنائي في الإسلام بذلك، وهما:
- الطرق الوقائية.
- أسلوب المكافحة.
стр. 12604
وقبل الحديث في هذين الأسلوبين، يحسن بنا أن نعرف الجريمة، والجناية، والحدود، تعريفا لغويا، وشرعيا؛ لندرك من ذلك المقصود بالدلالة وما عليه أكثر العلماء من تعيين المراد بهذه الألفاظ، كما هي عادة الفقهاء ﵏، بجعل التعريف اللغوي والشرعي مدخلا لكل موضوع يريدون التحدث عنه؛ ليكون منبئا عن الهدف الذي أرادوا به الإحاطة والشمول، ذلك أن اللغة العربية هي وعاء الدين والمفسرة لما قد يغمض من دلالات المعاني فيه.
стр. 12605
الجريمة:
مأخوذة من مادة جرم، وقد أطال ابن منظور في لسان العرب (١) والزبيدي في تاج العروس (٢) في توضيح دلالة هذه المادة واشتقاقاتها، ويهمنا هنا ما يدل على الموضوع الذي نحن بصدده، حيث قال الزبيدي: جرم فلان جرما: أذنب كأجرم واجترم، فهو مجرم وجريم، وجرم لأهله كسب لهم، يقال: خرج يجرم لأهله، ويجرم أهله: أي يحتال ويطلب، وهو جارم أهله أي كاسبهم.
والجرائم جمع جريمة، وهي الجناية والذنب كيفما كان، سواء كان صغيرا أو كبيرا.
أما في الاصطلاح الفقهي، فمن ذلك ما حكاه الماوردي في الأحكام السلطانية بقوله: الجرائم محظورات شرعية، زجر الله عنها بحد أو تعزيز، يعني إذا كانت ممن يتعمد ارتكابها (٣).
ويظهر من دلالة الكلمة أجرم وما تدل عليه في كتاب الله جل وعلا، حيث وردت أكثر من خمسين مرة وأغلبها في حالة الجمع (مجرمين): إن المجرم هو من ارتكب كبيرة فقط، والكبيرة في تعريف أكثر العلماء، هي:
стр. 12606
ما استحق عليها عقاب أو وعيد، يدل على مثل هذه الدلالة الآيات الكريمات: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ (٣) وقوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ (٤) وقوله جل وعلا: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾ (٥).
стр. 12607
الجناية:
جمعها جنايات وهي مصدر جنى يجني جناية، والقياس في اللغة العربية أن المصادر لا تجمع، وإنما ساغ جمع الجناية هنا على جنايات على النفس، ومنها ما هو غير قتل، أي جناية على ما دون النفس من الأطراف وغيرها، كالشجاج والجراحات، وغير ذلك، بل إن الجناية على النفس تختلف فقد تكون عمدا موجبة للقود، وقد تكون شبه عمد أو خطأ أو ما في معناه (١).
قال الزبيدي في تاج العروس: جنى الذنب عليه يجنيه جناية بكسر الجيم: جره إليه. قال أبو حية النميري:
وإن دما لو تعلمين جنيته ... على الحي جان مثله غير سالم
ثم ظاهر سياق صاحب اللسان (ابن منظور) أنه حقيقة، وصرح الراغب بأنه مستعار من جنى الثمرة، كما استعير اجترم، وفي الحديث: «لا يجني جان إلا على نفسه (٢)». الجناية الذنب، والجرم ما يفعله الإنسان مما
стр. 12608
يوجب عليه العقاب، أو القصاص في الدنيا والآخرة، والمعنى أنه لا يطالب بجناية غيره من أقاربه وأباعده، فإذا جنى أحدهم جناية لا يطالب بها الآخر، قال أبو عبيدة: قولهم: جانيك من يجني عليك، يضرب مثلا للرجل يعاقب بجناية، ولا يؤخذ غيره بذنبه، وإنما يجنيك من جنايته راجعة إليك، وذلك أن الأخوة يجنون على الرجل.
ويقال للرطب جنى، والكمأة تجنى، والذهب جنى، وتجنى فلان على فلان ذنبا: إذا ادعى ذنبا لم يفعله (١) وملخص الرأي اللغوي: التعدي على بدن أو مال أو عرض، وفي العرف مخصوصة بما يحصل فيه التعدي على الأبدان (٢)، يقال: جنى فلان ثمرة عمله الصالح، فالأول في الخير والثاني في الشر.
أما التعريف الشرعي، فيرى بعض الفقهاء أنها - أي الجناية - اسم لفعل محرم حل بمال أو نفس، كما قال بذلك ابن عابدين في حاشيته (٣)، ووافقه على هذا التعريف ابن خطاب من المالكية فإنه قال: الجناية ما يحدثه الرجل على نفسه أو غيره، مما يضر حالا أو مآلا (٤).
فالتعريف هنا عام في كل محرم حل بمال، كالسرقة والنصب ونحوهما، وفي كل محرم حل بالنفس كالزنا والقذف والشرب، وغير ذلك من المحرمات. والبهوتي من الحنابلة عرف الجناية: بأنها التعدي على البدن بما يوجب قصاصا أو مالا (٥)، ويعبر كثير من الفقهاء الشافعية عن الجناية بأنها الجراحات، فيقولون في كتبهم: كتاب الجراح، ويذكرون تحت ذلك بحث كل
стр. 12609
الجنايات وأحكامها. . . وهذا اصطلاح، والبلاغيون قالوا: لا مشاحة في الاصطلاح، لكن الشيخ زكريا الأنصاري منهم قال: والتعبير بالجنايات أولى ليشمل التعدي بغير المحدد (١).
وأكثر الفقهاء يقسم الجناية إلى ثلاثة أضرب:
- عمد يختص القود فيه، بشرط أن يقصد الجاني الجناية.
- شبه العمد، ويسمى بخطأ العمد، وعمد الخطأ.
- الخطأ. . . وقد اتفق على هذا التقسيم جمهور الفقهاء، وبإثباته قال عمر وعثمان وعلي وغيرهم، ولا مخالف لهم من الصحابة (٢).
ولم ترد مادة جنى في كتاب الله جل وعلا إلا مرتين بمعنى الثمر، وهو من المعاني اللغوية.
الحدود: جمع حد وهو في اللغة المنع، ومنه يقال للبواب حدادا؛ لأنه يمنع الناس من الدخول، فكل ما يحجز بين شيئين، ويمنع اختلاطهما يسمى حدا، ومثله في المحسوسات حدود الأرض، وحدود الحرم، وفي المعنويات: العقوبات. فإنها تمنع مرتكب الجريمة من العود لمثل عمله، وتمنع غيره عن طريق الخوف أو الاعتبار كذلك فهي مانعة زاجرة، والحد تأديب المذنب كالسارق والزاني وغيرهما بما يمنعهما عن المعاودة (٣).
وفي الاصطلاح الشرعي: عقوبة مقدرة شرعا في معصية، كالزنا والقذف وقطع الطريق والسرقة. لتمنع من الوقوع في مثلها (٤).
стр. 12610
وقد أوجبها الله سبحانه على مرتكبي الجرائم التي تتقاضاها الطباع، وليس عليها وازع طبيعي، فهي من أعظم مصالح العباد في المعاش والمعاد. بل لا تتم معايشة ملك من ملوك الأرض إلا بزواجر وعقوبات لأرباب الجرائم، حيث يزع الله (١).
وللفقهاء ﵏ اصطلاحات في تخصيص الحدود بالعقوبات:
- فالحنفية: عرفوا الحدود بالعقوبات المقدرة حقا لله (٢) فأخرجوا عقوبة التعزير؛ لأنها غير مقدرة. وأخرجوا عقوبة القصاص ونحوها؛ لأنها ليست حقا لله غالبا، بل حق لله وللعبد؛ إذ تسقط بعفو العبد.
- والحنابلة: عرفوا الحدود بالعقوبات المقدرة شرعا في معصية من الوقوع في مثلها (٣)، فأخرجوا عقوبة التعزير كالحنفية، لكنهم أدخلوا عقوبات القصاص ونحوها في مسمى الحدود؛ لأنها وإن لم تكن حقا لله خاصة، فهي مقدرة شرعا (٤).
وقد وردت الكلمة: بالحدود والمحادة في كتاب الله جل وعلا ثماني عشرة مرة، وفي ذلك أمر للفئة المسلمة عقيدة، والمؤمنة بربها سلوكا ومنهج عمل، بالتزام حدود الله، والوقوف عند شرعه الذي شرع لعباده؛ لتستقيم أحوال الناس، وينتظم معاشهم. وحدود الله هي محارمه.
- الوقاية من الجريمة:
يقول ابن تيمية ﵀: لولا العقوبة التي فرضها الله على الجناة والمفسدين لأهلك الناس بعضهم بعضا، وبذلك يفسد نظام العالم، وهي لا تتم إلا بمؤلم يردعهم، ويجعل الجاني نكالا وعظة لمن يريد أن يفعل مثل فعله (٥) ولذا تهتم الدراسات الأمنية بالجريمة، ومعرفة المداخل التي أوصلت
стр. 12611
إليها، والأسباب أو المسببات التي تدفع المجرم إلى الجريمة، وهل وراء الانسياق إلى ارتكاب الجريمة دوافع شخصية، أو مؤثرات اجتماعية، وعلى ضوء ما يسفر من نتائج تتضح المقترحات التي تبرز أمام الدارسين لذلك ليروها حلا معينا في تلافي الجريمة، ومن ثم محاولة حصرها في أضيق السبل والمختصون في الدراسات الأمنية، وحسبما يظهر أمامهم من ملابسات للجريمة، ومجريات للأمور، يدركون أن الغالبية العظمى من المجرمين، يمتازون بالذكاء، وسعة الحيلة، والمكر والمراوغة، ولكن هؤلاء يستخدمون هذه الصفات في أمور تضر بالمجتمع، وتثير القلق لدى المواطنين.
وما يرسمه المخططون للوقاية من الجريمة، من أساليب يقصد بها مكافحتها، والحد من تزايدها واتساع دائرتها في المجتمع، لا تعطي نتائج مرضية في الغالب، وليس ذلك لقصور في أفكار وتوجيهات ودراسات المهتمين بمحاصرة الجريمة، أو نقص في استعداداتهم؛ ولكن لأن ما يضعونه من حلول توجد عليه مداخل كثيرة من حيث:
- الرأفة بالمجرم.
- إعادة الجريمة لعوامل نفسية أو اجتماعية.
- تخفيف الحكم على المجرم إذا لمس منه السلوك الحسن.
- تحديد الجزاء بغرامة مالية، أو مدة زمنية قد يوقف تنفيذها.
- إتاحة الفرصة لكل مجرم أن يشتري مدة الحكم أو نوع الجزاء بمبلغ مالي.
- عدم إحصاء الجرائم السابقة التي لم يضبط متلبسا بها، وبالتالي قد لا يعطى عليها حكما ولا جزاء.
إلى غير ذلك من أسباب ومؤثرات جعلت الإجرام في بعض مناطق المعمورة يأخذ شكلا تنظيميا، يخيف المجتمعات، ويزعج رجال الأمن،
стр. 12612
ويؤثر على النمو الاقتصادي؛ لأن المال كما يقال: لا ينمو إلا في الجو الآمن، ولا يتسع نطاقه مع الخوف.
ولو تتبعنا بأرقام إحصائية ما تدفعه دول العالم صغيرها وكبيرها على الأمن من جهود وأموال، وما ينجم من خسارة يوقعها المجرمون يوميا على الأنفس والأموال، وسائر الممتلكات، لوجدنا أرقاما خيالية، كفيلة بتنظيم حياة الناس، وتوفير العيش الرغيد لهم براحة واطمئنان وهدوء نفس.
ولكن الضعف النفسي الذي سببه الضعف الإيماني الذي يدفع أناسا للتسلط على الآخرين، والتعدي على نفوسهم وأعراضهم وأموالهم بالحيلة أو القوة؛ ليصبح هؤلاء المجرمون عالة على المجتمع، مفسدين بين أفراد الأمة متسلطين على حقوق غيرهم، حاقدين على الناس عموما، كما حرص علماء النفس على تسميتهم بمصطلحات عديدة ذات دلالة في المعني: كالنرجسية والسادية والأنانية. . . صفات تنبئ عن حقيقة العمل، واتجاه صاحبه.
وفي نظري أن أهم الثغرات في دراسات وتخطيطات المهتمين بمكافحة الجريمة إغفالهم الجانب الروحاني، وإبعادهم التدين الذي يخاطب القلوب بما يؤثر فيها، وليس كل مؤثر روحاني يعطي نتيجة في هذا، ولا كل تدين يعتبر تدينا؛ لأن كل ما يرسمه البشر من سماته الخطأ والقصور، وما جاء من عند الله فهو الكامل الذي لا نقص، ولا مدخل فيه لتأويل.
ودين الإسلام الذي رضيه الله لأمة محمد ﷺ ، عقيدة في القلوب، ومنهج عمل للنفس يقومها، وللمجتمع يحميه من الآفات، ويسير نظام أبنائه، هو الذي ينبعث من المؤثر الروحاني، ويتعمق مفهوم التدين، وما ذلك إلا أن تعاليمه المستقاة من كلام الله جل وعلا، تخاطب الوجدان، وتنفذ إلى القلب وتمتلك نتائجها المشاعر إحساسا ظاهرا، ونتيجة ملموسة؛ لأنه دين رضيه الله سبحانه: عقيدة ومنهج سلوك لخير أمة على وجه الأرض، بنعمة منه وفضل، وشيء رضيه الله، لا بد أن يكون كاملا في توجيهه، متناسقا في تنظيمه، شاملا في حمايته لأبنائه،
стр. 12613
ورعاية مصالحهم، كما ندرك هذا من النص الكريم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١).
فالبشر يعتريهم القصور، وتكثر المداخل عليهم وعلى أعمالهم، وينقصهم بعد النظرة، أما ما يشرعه الله - وهو سبحانه أرأف بعباده من الأم بولدها - فلا اختلاف فيه ولا تباين مع الأزمنة والأشخاص، ولا مع اختلاف البيئات والمتطلبات كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٢).
وهذا سر من أسرار عالمية الإسلام، إذ رغم أن أنظمة البشر ووجهات نظرهم في كثير من الأمور قد تبدلت باختلاف الأمم، وتعاقب العصور، إلا أن ما شرعه الله من حدود وزواجر، وما نظمته الشريعة من جزاءات وعقوبات، فإنها قد ثبتت سلامتها في تقويم النفوس، حيث تتلاءم مع الطباع السليمة، ونجحت في حماية المجتمعات من الفوضى، فلم تكن وقتية تتلاءم مع أمة دون أمة، أو تصلح لبلد دون بلد.
ذلك أن التركيب الغريزي للنفس البشرية واحد: طبعا وتهذيبا، وتأثيرا واستجابة، كما أن الماء منذ أن خلقه الله واحد في تركيبه، وفائدته، وحاجة الجسم إليه.
والله هو الخالق للبشر، العالم بطبائعهم، وهو جل وعلا الذي شرع لهم الواجبات ليتبعوها، ويتعبدوه بها، وحد الحدود لئلا ينتهكوها، ويعصوه باقترافها، وبين سبحانه المحرمات حتى لا يقعوا فيها وسكت عن أشياء رحمة بعباده غير نسيان، فيجب عدم الإلحاف بالسؤال عنها؛ حتى لا يقع التشديد على الأمة، حسبما حذر رسول الله ﷺ من ذلك أمته؛ لئلا يحل بها ما حل بالأمم السابقة.
стр. 12614
والدارسون لأثر الشريعة الإسلامية في مكافحة الجريمة، من أبناء الغرب أدركوا ما اشتملت عليه أوامر الإسلام ونواهيه، من حواجز تحمي النفوس من المصائب، وتحيطها به عن التردي إلى أوحال الجريمة، وما ينجم عن ذلك من الإضرار بالأفراد والمجتمعات، فقال أحدهم في مؤتمرات الاستشراق: لو طبق المسلمون تعاليم دينهم، وحرصوا عليها عملا، فإن دور الشرطة والمحاكم والسجون ستغلق؛ لأنه لن يبقى لها عمل، وبذلك يوجد المجتمع الصالح الذي رسم الإسلام معالمه، وتتشوق لمثله شعوب الأرض، وسوف تنساق أوروبا بأكملها للإسلام، وبمثل هذا المفهوم قال الشاعر العربي:
لو أنصف الناس استراح القاضي ... وجنح الجميع للتراضي
وما ذلك إلا أن تعاليم الإسلام قد جاءت لمداخل الجريمة بتعليمات تسد منافذها، فالأموال والأعراض والنفوس هي وسائل يطمع بواسطتها بعض الناس للتعدي على بعض، والتسلط عدوانا وبغيا، رغبة في الاستئثار أو التكبر أو الظلم، فجاء تنظيم مداخلها ومخارجها في شرع الله الذي شرع لعباده، ورسم المنهج الذي يجب أن تلتزم به النفس المعتدلة، حتى لا يبغي أحد على أحد، وحتى لا يتسلط قوي على ضعيف، رحمة من الله بعباده، وإحسانا منه إليهم. ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الحدود صادرة عن رحمة الخلق، وإرادة الإحسان إليهم، وينبغي لمن يعاقب الناس على ذنوبهم أن يقصد بذلك الإحسان إليهم. . . والرحمة بهم، كما يقصد الوالد لتأديب ولده، وكما يقصد الطبيب معالجة المريض (١)، فالقسوة هنا ليست ظلما، ولكنها عدل ورأفة؛ لأن الأصل في مشروعيتها الكتاب والسنة والإجماع.
ذلك أن الأموال التي هي محك النفوس، ومنزلة الترابط والتآخي في المجتمع، قد تولى الله جل وعلا تقسيمها بين الناس، وأبان مداخلها
стр. 12615
الشرعية: من ميراث وغنيمة ومصرف زكاة، وبيع وشراء، ومداينة وصداق للنساء، وهبات وغير ذلك. فكان الحق واضحا، ومداخل الاعتداء فيها بينة، وعليها تشفق النفوس: طمعا وخوفا، وزكاة للنفوس تبرز بالحرص عليها أداء، وتنقية من أمانات وحقوق، ووقاية النفس منها تعديا واستضعافا، فكان الحلال منها بينا وواضحا أثره في العمل، والعلامات عليه في الأعمال التعبدية متميزة بالدليل العقلي والنقلي.
والحرام منها فيه علامات تميزه أيضا، وتوضيحات تقطع الحجة على كل متقول، كما نجد في مثل هذا النص الكريم الذي قاله المصطفى ﷺ لمن سأله بأن يدعو الله له بأن يكون مستجاب الدعوة: «أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة» رواه الترمذي. وقوله ﷺ : «لحم نبت من السحت فالنار أولى به (١)» رواه الدرامي في مسنده.
وبعد المال يهتم الإنسان بعرضه دفاعا ومحافظة؛ لأن التطاول على الأعراض، مما يهدد كيان الأسرة، وينخر في سوس المجتمع، فالعرض هو السمعة وهو الكرامة؛ لذا حرصت تعاليم الإسلام على حمايته وصيانته عن التطاول والاعتداء. ولحرص العرب على حماية الأعراض كانت الحروب تدور من أجله، وكانت الدماء تراق، والغارات تتتابع من أجل كلمة، ووقاية من مسبة، خوفا من العار، وتوجسا من فضيحة اجتماعية صحيحة أو مفتعلة. فجاءت تعاليم هذا الدين تضع الحواجز، وتردع المعتدي، وتحمي الضعيف، حيث يقول رسول الله ﷺ : «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه (٢)» متفق عليه. . . وأكد هذه الدلالة ﷺ في حجة الوداع، وفي خطبته ﷺ البليغة، والتي تعتبر من أسس الأمور التشريعية في كثير من القضايا الإسلامية.
والعرض والمال عند الإنسان يعادلان النفس التي قد يتجرأ بعض الناس بالتطاول عليها بالقتل أو الإعاقة، أو الإضرار بأي نوع من الجروح، فأحاطها التشريع الإسلامي بسياج من الحماية والمدافعة لتبقى في مأمن من التسلط،
стр. 12616
مع الوعيد الشديد بعقاب دنيوي، وجزاء أخروي لمن في قلبه وازع إيماني حتى لا يقدم، ولمن لم يبق محافظا على حرمة الآخرين، أما من مات وازعه الديني، فإن السلطة التي جعلها الله للولي بواسطة الحاكم الشرعي القائم على حدود الله - قوة دافعة للعمل، وحجاب يحمي عن التطاول والانتهاك حيث يبرز أثرها الرادع لمن يفكر بالإقدام على مثل ذلك العمل.
هذه الأمور الثلاثة، هي في الغالب أقوى الركائز المحركة للإجرام، والتي من أجلها يكثر التنازع بين الناس، وتتكالب الفتن في المجتمعات، مستشرية بين صفوفهم.
فكان للتشريع الجنائي في الإسلام طرق في التضييق على الجريمة، ومكافحتها إذا وقعت، تتمثل في مثل:
- تهذيب النفوس، وتهيئتها للاستعداد قبولا وإدراكا.
- إبانة الحق من الباطل بعلاماتها ومميزاتها، وتحريك ملكة العقل لاتباع الحق بمنافعه، والابتعاد عن الباطل لمساوئه.
- وضع المعالم الزجرية كحواجز تكبح جماح النفوس، وتردها عن غيها.
- تطبيق الحدود، وتنفيذ القصاص.
стр. 12617
وغير هذا من أمور يمكن إجمالها في منهجين فقط:
١ - الطرق الوقائية .
٢ - الطرق الزجرية.
وكل رادع نفسي أو اجتماعي، أو مؤثر بيئي أو سلطوي، استجابة أو قناعة أو خوفا، فإنه داخل تحت هذين المنهجين مهما كان سببه أو أثره.
فالعقاب في الشريعة الإسلامية بطريقيه: الوقائي والزجري، مبعثه المحافظة على الضرورات الخمس:
стр. 12618
النفس والعقل والدين والعرض والمال.
وهذه الأمور الخمسة هي دعائم حياة الجنس البشري على الأرض، فمتى اختل واحد منها اضطرب ميزان الأمن والاستقرار.
الطرق الوقائية:
طرق الوقاية من الإضرار بالمجتمع وأهله، أنفسا أو أموالا أو أعراضا، أو وقاية اجتماعية، مما تحرص الأديان كلها عليه، وقد أبان الله في كتابه الكريم، وسنة رسوله المصطفى ﵊ أن الفساد في الأمم السابقة، ما جاء إلا من إخلالهم بالنصوص، وتحايلهم على ما بين أيديهم من تشريع، ومفاضلتهم في الأحكام بين الشريف القوي وبين الضعيف الوضيع، ممن لا سند له من جاه أو مال أو عشيرة.
فالأول: يعفى من الإيقاع أو التشهير، أما الثاني: فيضاعف الجزاء عليه ويذل. كما أخبر المصطفى ﷺ بقوله: «إنما أهلك من كان قبلكم أنه إذا سرق فيهم القوي تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها (١)» حيث قال ذلك لأسامة بن زيد عندما جاء ليشفع في أمر المخزومية التي سرقت، وأهم الناس أمرها (٢).
وإذا كان الناس يلمسون الأثر الوقائي في الأمور الصحية، ودوره المحسوس في المحافظة على الأجسام عن كثير من الأوبئة، حيث اختفت بعض الأمراض التي كانت تفتك بالناس، وخاصة الأطفال كالجدري والسعال الديكي، والدفتريا والحصباء، والدرن وغيرها، إيمانا بالهدف القائل: الوقاية خير من العلاج، فكانت اللقاحات في وقت معين، وبمقدار معين، مفيدة في إعطاء الجسم مناعة - وبتوفيق من الله - عن كل مرض يلقح
стр. 12619
الجسم عنه، ذلك أن الأمراض أوبئة يحتاج الجسم إلى أن يحافظ صاحبه عليه، ويهتم به، ويراعي الجو المحيط به، ويقسر القادرون الناس - الذين لا يدركون البعد الصحي لأنفسهم - على ضرورة المحافظة على أجسامهم وأولادهم، الذين هم أمانة في أعناقهم؛ لأن الولاية والمسئولية في مناحي الحياة، لا تقل أهمية عن الناحية الصحية، وذلك باتباع أساليب السلامة التي تعين في الوقاية من المخاطر.
وأساليب السلامة كثيرة ومتنوعة، منها الصحي والمروري ومخاطر الطريق والحريق، وحماية الأطفال من الأمور الضارة التي لا يدركون خطرها كالأدوية والغازات والسموم؛ ولذا أنشئت لها في كثير من دول العالم مؤسسات، وعقدت الندوات، واهتم المختصون بتنظيمها، ووضع جزاءات رادعة لمن لم يبد اهتماما ومتابعة.
والجريمة آفة اجتماعية أكثر خطرا من الآفة الجسمانية، فكان اهتمام الإسلام بالوقاية منها أكثر من الأساليب الزجرية؛ لأن الزجر جزاء يوقع على من فسد ضميره، وعمي قلبه، فكان بمثابة تكثيف الدواء للجسم، أو إجراء العملية، بعدما استفحل المرض، فقد تكون النتائج إيجابية أو سلبية، وقد تكون بعض النتائج استرشادات يأخذ بها الأصحاء في تلافي أسباب المرض.
أما الوقاية فهي اهتمام فردي لمعرفة الأثر السيئ، وما يترتب عليه، ثم تهذيب النفس، ومدافعة نوازعها عن الانجذاب إلى الشر، وهذا الاهتمام الفردي يأتي من تفهم النصوص الشرعية لمن أعطاه الله قدرة وعلما، واستفادة من مجالس العلماء وحلقات الذكر، حيث أمر الله بالسؤال في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١). وبالاستجابة
стр. 12620
للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث ينظر رجال الحسبة للمجتمع وما فيه بميزان التوجيه والنصح؛ غيرة عليهم، وحمية لدين الله.
وللوقاية من الإجرام ومراقبة المجتمع عن أن تستشري فيه ثلاثة خطوط متوازية لا يؤدي أحدها الدور الكامل، إلا بتكامل هذه الثلاثة، من حيث الإحاطة والشمول، والحرص والتطبيق.
ذلك أن المجتمع مكون من فرد وأسرة وجماعة، كما أن الجسم مكون من أعضاء متعددة، ومرض العضو الواحد من الجسم يعوق الجسم كله، فكذلك المجتمع لا تستقيم أحوال الأمة فيه، ولا ينتظم معاشهم، إلا بسلامته كله، ومعالجة الخلل الذي نجم في أحد أطرافه.
стр. 12621
الرقابة الذاتية:
ما أكثر التوجيه القرآني الكريم للنفس البشرية، حتى تستعمل العقل في التبصر، وحتى تدرك ما تدل عليه الحواس التي وهبها الله للإنسان، فتميز الخير من الشر، والنافع من الضار؛ لأن الإنسان سوف يحاسب على سرائر أعماله كما قال تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (١) ورسول الله ﷺ مكث في مكة المكرمة ثلاثة عشر عاما، يرسخ في الناس القاعدة الأساسية التي عليها مدار الأمور؛ لأن سلامة الجوهر في صفاء العقيدة، وصحة الأعمال في صدق المأخذ، وترسيخ قاعدة الإسلام التي أعطاها رسول الله ﷺ نسبة تزيد عن ٥٦ % من مدة مكثه ﷺ يبلغ رسالة ربه، كانت في تأصيل الوحدانية مع الله: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. التي هي أول أركان الإسلام، وتأكيد حقها على الفرد المسلم؛ لأن هذه الكلمة إذا تمكنت من النفوس فهما وعملا، وسيطرت على الأحاسيس إدراكا وتشبعا، كانت
стр. 12622
حصنا منيعا يحمي الله به النفوس من مسارب الشرور والآفات، ويقف عمق معناها دون الانحدار إلى الرذيلة والاستسلام للجريمة.
فمن أدرك هذه الدلالة لا بد أن يحافظ على شعائر دينه، كما أمر الله من صلاة وزكاة، وصوم وحج، وإيمان بالله، ووقوف عند حدوده التي أبانها لعباده سبحانه وبحمده.
وكل أمر تشريعي في الإسلام يلمس من المستقرئ تحليلا يقي النفس أو المجتمع ضررا، تبين نتائجه بمعرفة المداخل عليه.
- فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله يعطي مفهومها إدراك حقيقة الوحدانية مع الله فتمنح النفس البشرية رقابة تحجز عن الوقوع فيما يناقضها، فلا يصرف العمل لغير الله ولا يعبد بحق إلا الله، ولا يشرك معه غيره، فيما لا يصح صرفه إلا له سبحانه، كالدعاء والذبح والخوف والرجاء وغير ذلك من أنواع العبادات، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١).
فمشاركة المخلوق للخالق في العمل المصروف، ينفي تحقيق الوحدة لله جل وعلا، كما جاء في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه (٢)».
والمشاركة مع الله في العبادة شرك حذر الله منه، وجعله البارئ جل وعلا من أشد العقوبات، كما قال ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (٣).
والرقابة الذاتية في المحافظة على النفس، من إدراك دلالة كلمة الوحدانية
стр. 12623
مع الله سبحانه، والعمل بمقتضاها، واليقين بما تدل عليه، والصدق والمحبة في ذلك، وأنه الإله الحق ومصرف الأمور، خالق الخلق، وكافل أرزاقهم، فلا يجب أن تتعلق القلوب إلا به، ولا تنقاد الجوارح إلا لشرعه الذي شرع لعباده، مع القناعة بأن ما جاء من عند الله فهو المصلح لمعاشهم، والمسعد لهم في معادهم، وأن على الخلق الامتثال له، إذا كانوا يريدون السعادة والفوز والخلاص من كل مشكلة.
وإن من مهمات الوقاية العقدية قناعة النفس بأن محمدا هو آخر رسل الله، وأن الديانة التي جاء بها من عند الله، هي الديانة الحق، الذي لا يقبل الله من البشر سواه، فهو رسول الله يقينا، نشهد أنه قد أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده.
فاليقين بذلك عصمة للنفس من اتباع الطرق المتشعبة، أو اللجوء إلى تحكيم القوانين الوضعية؛ لأن في رسالته ﷺ ، وتبليغه ما أوحي إليه غنى عن كل بديل وضعته الأمم التي لا تؤمن بذلك، ولم تتمثل لشرع الله الذي شرع لعباده، أو ترضى به دستورا في تصريف شئون حياتها.
ورقابة النفس في ذلك، مما يطرد الوساوس، ويقضي على التشكيك والرياء في الأعمال؛ إذ سوف تحرص بما تشبعت به على أداء حق هذا الإحساس الوجداني بالمتابعة، والابتعاد عما ينافي مدلول كلمة الإخلاص.
- وإقامة الصلاة مما يعطي النفوس- فردية أو جماعية - حبا للنظام وتقيدا بالطهارة، وانقيادا للسلطة؛ لأنها طهارة البدن والثوب والبقعة للصلاة، مما يعطي أهمية في تربية النفس للاهتمام بالطهارات الأخرى، في تنقية الأعمال والبعد عما فيه إضرار بالنفس أو المجتمع مما حذر منه التشريع، والجريمة في مقدمة ذلك.
فالنظام في الأوقات، والتهيؤ للصلاة، والتقيد بعدد الركعات المفروضة،
стр. 12624
بدون زيادة أو نقص، حيث المسلم المصدر في ذلك عن كيفية صلاته بحسن الاستجابة لرسول الله ﷺ في مثل قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي (١)» فهو ﷺ مشرع للأمة، ومبلغ عن الله، ذلك أن الصلاة خضوع أمام الله، واستجابة لأمره؛ ولذا كانت من أعظم العبادات، المهذبة للطباع، والناهية عن المنكر، والرادعة عن طرق الغواية، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (٢) وإدراك حقيقتها، واستحضار القلب عند أدائها، ثم أخذها سلاحا تحارب به النفس الشرور المحيطة، والآثام المتسلطة، ومنها الجريمة التي لا تتحرك في النفس، إلا من مدخل ضعف جاء من الإخلال بفرضية الصلاة، ونقص في مراقبة ما يجب أن تنتهي عنه النفس، من أمور تتباين مع منزلة الصلاة، ودورها في حماية النفس، ووقاية المجتمع من كل ما يضر به، فعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا صلاة لمن لا يطع الصلاة»، قال ابن كثير: وطاعة الصلاة أن تنهاه عن الفحشاء والمنكر، وقال سفيان: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ (٣) قال: فقال سفيان: إي والله تأمره وتنهاه (٤).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن فلانا يصلي بالليل، فإذا أصبح سرق، فقال: إنه سينهاه ما تقول (٥)».
ولما كان القلب كما يقال: هو ملك الجوارح، والمسيطر على أفعالها وتوجيهها، فإن القلب الخاشع في الصلاة، هو الذي يتشبع بدلالة الآية، وهو الذي يعطي الرقابة للمفهوم الوقائي عن كل منكر وفاحشة، والجريمة من ذلك سواء كان مردودها على الفرد، أو بان أثرها في المجتمع.
стр. 12625
- وإيتاء الزكاة: طهرة للمال، ومشاركة للفقير في حق فرضه الله له في مال الغني؛ لأن بذله بسخاء وطيبة نفس مما يغني نفوس الفقراء، ويهدئ قلوبهم فلا تتطاول أيديهم على ما في أيدي الآخرين، ولا يحقدون على الأغنياء المتنعمين بالمال، وهم محرومون منه.
وإذا كان البدن يتطهر بالماء وضوءا واغتسالا من أجل الصلاة، التي يجب أن تستقبل بالطهارة الحسية الظاهرة ليتهيأ الجسم بحواسه كلها للطهارة المعنوية التي توجبها الصلاة، وتنعكس آثارها على الأعمال، ومسيرة الفرد والمجتمع. فإن الزكاة تحصن المال، وتطهر قلب صاحبه؛ ليحرص على تجنب كل مدخل حرام، أو أن يصرف ذلك المال في الحرام، حيث إن المال مال الله، وما صاحبه إلا مستحفظ عليه؛ لينظر جل وعلا ماذا يعمل فيه أخذا وإنفاقا، وماذا يؤدي منه حقا وإحسانا؛ لأنه نعم المال الصالح عند الرجل الصالح.
فالإنفاق منه على النفس، وعلى من تلزم نفقته شرعا من أداء حق المال، لما فيه من كفاية عن التطاول على ما في أيدي الآخرين بسرقة أو غيرها، والتصدق منه برا وإحسانا على القريب والمحتاج وسبل الخير الأخرى، ومن تزكية النفس وتعويدها على السخاء بأحب شيء إليها، وترضيته للنفس المدفوع إليها بما يعفها ويشعرها بالترابط الاجتماعي. أما الزكاة فهي حق لله في مال الغني، تولى الله جل وعلا تسمية أهلها الثمانية؛ ليكون في ذلك إعانة على الرقابة الذاتية للنفس جودا بالعطاء، وتنقية للمال، وتلمسا لمن يستحقها حتى تبرأ بها الذمة، وكلما كان بذل المال للآخرين خافيا، كان الأثر أبلغ في المعطي تزكو نفسه، ويرتاح قلبه.
وفي الآخذ حيث يرتفع به عن ذل السؤال، وكشف الحال، وفي كليهما ترضى النفوس، وتحمى من الاندفاع إلى الجريمة، يقول جل وعلا: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١)
стр. 12626
لأن في إبدائها إظهارا للإحسان ومدافعة للنفس وتحبيبا للآخرين في الاقتداء، وفي إخفائها منزلة إيمانية عميقة، وبعدا عن الرياء، وعفافا للآخرين وصونا لماء وجوههم، وقطعا للألسنة عن الإساءة، والأيدي عن التطاول.
- ومثل ذلك يستنتج من حكمة أداء الصيام، وكبح رغبات النفس، وتعويدها منهجا خاصا في العمل والالتزام ومنعها من الطعام والشراب والجماع في نهار شهر رمضان؛ لتأخذ من ذلك درسا عمليا في الابتعاد عن الشر، وسبل الإضرار بالنفس أو بالآخرين، حيث تندفع النفس إلى الترويض على صيانة اللسان من الغيبة والنميمة، وفحش القول، وللبدن بمغالبة الشهوات، وذلك أن اللسان هو الذي يورد النفس المهالك، ويوقعها في الموبقات، وقد أخبر النبي ﷺ معاذ بن جبل ﵁ ضمن وصيته له ضرورة حفظ اللسان، «ولما سأل معاذ: أنحن مؤاخذون يا رسول الله بما نقول؟ أجابه ﷺ بقوله: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم (١)»، وفي رواية «على مناخرهم (٢)» متفق عليه.
فالصيام ترويض بدني وكبح للشهوات، وهو رقابة ذاتية، فإذا لم ترسخ في الوجدان إحساسا وإيمانا وينعكس أثرها على المرء عملا ويقينا، فإن المرء لا يلتزم بهذا الركن على الوجه المطلوب، ولا انتهى عما يحدثه الصيام من أثر في البعد عن المنكرات، والمقترنة بإحساس الصوم، ولا الجرائم التي رسخ ضررها من تفاعل الصوم في النفس، مع مغالبة الحواس بترك كل ما يفسده.
стр. 12627
وقول الزور، الذي هو مدخل الجريمة، وأخذ أموال الناس، والتعدي على أعراضهم بالباطل، هو من فلتات اللسان الذي جاء الصوم ليهذب النفوس عنها، مثل الكذب، والشتم والسب، والكلام القبيح الذي هو رمي أعراض الناس بالمعايب، وثلبهم وذكرهم بقبيح القول، في حضورهم أو غيابهم، نجد رسول الله ﷺ حذر من كل ذلك، في وجوب إعطاء الصوم حقه، لنخرج منه بنفس مهذبة، وإحساس عميق، وأعمال مستمرة وزاكية، يقول ﷺ : «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه (١)».
-والحج الذي هو عبادة مالية وبدنية، يدفع المرء إلى الحرص على جمع المال الحلال، وتقوية البدن على أداء تلك الشعيرة، والمجيء في وقت مخصوص، وبلباس متميز، وإلى أماكن موحدة، تجمع المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها على اختلاف ألسنتهم وألوانهم؛ ليكون في مجتمعهم عبرة، وفي التقائهم درسا من دروس الحياة المهمة، كأهمية التعارف والتدارس، ومراقبة النفس عن الوقوع في المحظورات الإجرامية، وفداء كل عمل يخل بالحج السليم بما يلائم ذلك من الكفارات البدنية والمالية، وحتى لا تكون تلك الكفارات مربحا شخصيا نلمس رقابة ذاتية جاء بها التشريع في الجزاءات والكفارات، بأن يكون النسك لفقراء الحرم، ولا يأكل منها صاحبها شيئا، وأن يكون بعض الصيام في أيام الحج، وهي ثلاثة لمن لم يستطع الفداء، وسبعة إذا رجع إلى أهله تلك عشرة كاملة.
وإن تتبع أحكام الحج والحرص عليها أداء وعملا لمما يعطي المسلم درسا في معرفة السبل التي يتقي بها المرء ارتكاب ما يؤثر في هذه الشعيرة، والمنهج السلوكي الذي يجب أن يسير عليه أثناء تأديتها، أدبا وحسن تعامل واهتماما بإخوانه المسلمين، الذين تقاطر جمعهم على بيت الله
стр. 12628
الحرام، استجابة لأمر الله، وتلبية لنداء إبراهيم الخليل، عندما أذن في الناس بالحج.
ولولا مراقبة الله، والحرص على امتثال أمره الذي شرعه لعباده، والقدوة برسوله الكريم صلى الله صلى عليه وسلم الذي قال: «خذوا عني مناسككم (١)» لكان كل فرد يعمل ما يشاء، فلا يلتزم بميقات، ولا يتقيد بلباس، ولا يتجنب محظورا ولا يصرف الكفارة لمستحقها، إلى غير ذلك من أمور هي في صحة وسلامة الحج، لكن الوازع الإيماني، والرقابة الذاتية، جعلتها على النفس حارسا، يأخذ بها إلى العمل المفيد، ويوجهها إلى الصواب، ويدفعها إلى السؤال استرشادا، ورغبة في الخير، فعرفت الحق بعلاماته، واتجهت إليه محبة فيه، وأدركت الشر بالتحذير منه؛ لأنه محظور يجب اجتنابه، والتفكير عنه إذا تم الوقوع فيه.
وجميع فرائض الإسلام، إذا حرص المرء فيها على معرفة الحلال من الحرام: بأن حرص على الحلال فألزم نفسه به؛ لأنه هو المنهج السليم الذي وجهه دينه إليه، ورغب فيه بالاندفاع إليه، بأمر يجب احترامه لقدسية مصدره، فإنه بذلك يجد الفضيلة التي تتوقد إليها النفوس، ويرتاح للعمل الذي يتفق مع الفطرة. والنصوص الشرعية التي توضح الحلال من الحرام، فترغب في الحلال، وتجازي عليه، وتنهى عن الحرام الذي يمثل الشر وآثاره، فتعاقب عليه، وعلى فعله، هي زواجر وحدود تقوي الرقابة بالوقوف عند النص واتباعه في الحلال، والتبصر في دلالته، والابتعاد عما حذر منه من حرام. ذلك أن الحرام هو كل ما فيه ضرر بالنفس أو المجتمع، سواء أدرك الإنسان النتيجة أو خفي السر عنه.
وإذا كانت أنظمة البشر تعطي طابعين في المتابعة والتقويم: ذاتي بإحساس النفس، ورقابي مدفوع بقوة النظام، فإن الذاتي، يحرص عليه التربويون والإداريون، لإشعار أهل هذين التخصصين بأن القناعة العلمية
стр. 12629
والارتباط المعرفي هما الدافع لإجادة العمل، ومحاسبة النفس، واتخاذ ميزان تقاس به الأعمال وتقوم به النتائج.
أما الرقابي المدفوع بقوة النظام، فهو سلطة قوية، يستعملها الرقابيون بأساليبها الرادعة، مع المقصرين في العمل، المتراخين في متابعة الواجبات الملقاة عليهم.
ومن هذا الأمر المحسوس في حياة الناس، نقارن النظرة الشرعية في مكافحة الجريمة، فالطريقة الوقائية: هي منهج يحرص عليه الإسلام في تحصين النفس، وتزويدها بالطاقة الإيمانية، المكافحة للجريمة قبل وقوعها، من حيث إدراك كنهها، وتجسم ضررها، ومداخل وطرق الوقاية منها، ويتعاون عليها ثلاث فئات: الفرد والأسرة، ثم المجتمع. ولكل من هذه الفئات الثلاث مداخل للمعرفة، ومسارب لتمكين الهدف في معرفة الجريمة ورسم الطريق الموصل إلى مكافحتها، وحصرها في نطاق الكراهية والتنفير.
стр. 12630
رقابة الفرد:
رقابة الفرد على نفسه أولا، وتوجيهه لغيره ثانيا بتوسيع المدارك، وزيادة التمكين في أخذ المعرفة من مصادرها الصحيحة الثابتة، وغرس الفضيلة، ومقاومة الرذيلة، كما يستفاد من هذا النص الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١)، وروي عن ابن مسعود ﵁ قال: إذا سمعت يا أيها الذين آمنوا، فأصغ لها سمعك، فهي إما أن تأمرك بخير تتبعه، أو تحذرك من شر فتجتنبه، قال ابن كثير في تفسيره: يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين أن يصلحوا أنفسهم، ويفعلوا الخير بجهدهم وطاقتهم، ومخبرا لهم أنه من أصلح أمره، لا يضره فساد من فسد من الناس، سواء كان قريبا منه أو بعيدا.
стр. 12631
قال العوفي عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: يقول تعالى: إذا ما العبد أطاعني فيما أمرته به من الحلال، ونهيته عنه من الحرام فلا يضره من ضل بعده، إذا عمل بما أمرته به. وعندما سئل أبو ثعلبة الخشني عن دلالة هذه الآية قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: «بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام (١)». . . الحديث. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح (٢).
стр. 12632
رقابة الأسرة:
والأسرة عندما يدرك أفرادها ما يجب عليهم فهمه من نصوص شرعهم، ودلالات دينهم، ويحرصون على ذلك عملا، فإن نتيجة ذلك الالتزام بالأخلاق، ومراقبة الأعمال لتزنها من منطلق الفهم الصحيح، حتى توجه الأبناء منذ حداثة أعمارهم التوجيه السليم، وتغرس في نفوسهم حب الفضيلة لفضلها، وعمق أثرها، وكراهية الرذيلة لسوئها، وآثار نتائجها؛ لأن الرذيلة يتمثل فيها شبح الجريمة التي يحسن بالأسرة تجسيمها لدى الناشئة، وإيصاد الطرق المؤدية إليها؛ ليكبر هذا الإحساس معهم، فيرونها شبحا مخيفا، وعملا رذيلا، تكبر أحاسيسهم حياله مع الأيام، حتى إذا كبروا، وصاروا في موطن المسئولية، وعمق الفهم، أدركوا بالدليل الشرعي سر ما رسخ في قلوبهم، ودور ما أنشئوا عليه من أعمال وأفكار، حيث أدرك ذلك المفهوم التربوي الشاعر العربي في قوله:
وينشأ ناشئ الفتيان منا ... على ما كان عوده أبوه
وأسوة المسلمين في ذلك منهج الصحابة، وفهم التابعين في حسن توجيههم لأبنائهم، وتلقينهم الفضيلة طبعا وخلقا وتعويدهم الأعمال الحميدة
стр. 12633
ترويضا ومتابعة، حيث تابعوا التطبيق مع أقرب الناس إليهم، ونشئوا محبين لكل عمل مستحسن، آلفين كل منهج سليم، سائرين على الفطرة السليمة، التي هي تعاليم الإسلام الصحيحة؛ لأن كل مولود يولد على الفطرة، والإسلام وتشريعاته هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فالأسرة المسلمة في كل عصر ومصر عندما يهتم أربابها بأبنائهم تربية وحسن خلق، وإنكارا للمنكر، وتحذيرا من الصغائر، التي حذر منها رسول الله ﷺ بقوله: «إياكم ومحقرات الذنوب (١)» أي ما تحتقره النفس ويصغر في العين. فإن هذا من أسباب توفر البيئة الصالحة، التي تبغض الجريمة، وتنكر الجنوح إليها؛ لأن صلاح الأحداث، وتعظيمهم شرائع الله، والوقوف عند حدوده، دافعه الزاجر الإيماني، والتربية السليمة التي حرصت الأسرة على تمكينه في جوانب البيت، ضمن التربية الأولية التي يلقنها الآباء والأمهات لأبنائهم، فالكبير يمتثل ويوجه ويضرب النموذج الصالح بالقدوة والالتزام، أما الصغار فيبين لهم أن ذلك العمل ما هو إلا استجابة لشرع الله الذي جاء به الإسلام تربية وتوجيها وتعليما وتطبيقا. فالصغير عندما يتعود ذلك عملا، وتنطبع به أخلاقه سلوكا، فإن الأمر سيعظم في قلبه، والمصدر الذي جاء منه وهو كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، الذي استجاب من أجلها، سيكون له مكانة راسخة في أعماقه؛ لأن هذا من تعظيم حرمات الله، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ (٢).
وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٣) إن الأسرة التي تحرص على غرس الروح الإيمانية في قلوب أبنائها، منذ تفتح براعمهم، فإنما تحصنهم لمجابهة الحياة، والاستعداد لإدراك المخاطر؛ لأن
стр. 12634
الإيمان بالله وبكتبه وبملائكته وبرسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، ترسيخ هذا الإيمان يعطي الأبناء سلاحا قويا يدفعهم للعمل، وينمي عندهم بغض الشر، وإدراك خطره، ويحبب إليهم الخير، ويرغبهم في البحث عن مداخله، والاستئناس بأهله؛ لأن من شب على شيء شاب عليه، وبذلك يسلم الأحداث- بتوفيق من الله- من الجنوح في صغرهم، ومن ثم الابتعاد عن الجريمة في كبرهم؛ لأنها لم تجد في قلوبهم بابا مفتوحا، ولا ارتياحا يدفعها للاستقرار.
ومعلوم أن من يركب مخاطر اليم، إذا لم يكن قادرا على السباحة، فإنه يعرض حياته للموت، ونفسه للخطر، بل أبسط ما يقال عنه: إنه قد ألقى بنفسه إلى التهلكة؛ لأنه لم يستعد من قبل بما يعينه على مصارعة الأخطار، والقدرة على توقي أضرارها.
стр. 12635
رقابة المجتمع:
ثم يتبع ذلك رقابة أوسع، ونظرة أشمل، هي عين المجتمع الفاحصة، وانتقاداته لكل أمر خارج عن المألوف في البيئة الإسلامية، حيث إن البيئة الإسلامية يجب ألا يؤلف فيها إلا ما يتمشى مع منهج دين الإسلام، كما جاء في الأثر: ما رآه المؤمنون حسنا فهو حسن، وما رآه المؤمنون قبيحا فهو قبيح (١). فإيمانهم القوي يردعهم عن تغيير النظرة للأمور الحسنة أو القبيحة، فالحسن عندهم ما أباحه شرع الله والقبيح في نظرهم ما حذر منه الشرع وحرمته تعاليم الإسلام.
وأهمية الجار والمحافظة عليه سمعة ونصحا من أساسيات دين الإسلام، حيث وردت أحاديث تدل على أن الجار يتعلق بعنق جاره يوم القيامة؛ ليحاجه أمام خالقه جل وعلا؛ لأنه رآه يعمل المنكر فلم ينهه، واستحق بنو إسرائيل اللعن في كتاب الله على ألسنة أنبيائهم؛ لتركهم التناصح والأمر
стр. 12636
بالمعروف، كما قال جل وعلا: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (١) ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٢) فحق عليهم - بعدم التناصح، وراحة النفس بالجريمة التي يعملها الآخرون - أن وجب عليهم لعن الله، وهو الطرد من رحمته جل وعلا.
والعصيان والاعتداء جريمة؛ لأن في ذلك مجاوزة لحدود الله التي حد لعباده، وأعظم الجرائم عصيان الله في أمره، والاستكبار على شرعه، كما فعل إبليس- لعنه الله- حيث أخرجه ذلك من رحمة الله واستحق مقته وغضبه إلى الأبد، فأعظم بها من خسارة، قال ابن كثير في تفسيره: قال رسول الله ﷺ : «لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي، نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم (٣)» قال يزيد، وأحسبه قال: «في أسواقهم، وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم: وكان رسول الله ﷺ متكئا فجلس فقال: لا والذي نفسي بيده، حتى تأطروهم على الحق أطرا (٥)» وفي رواية ابن مسعود ﵁: «كلا والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو تقصرنه على الحق قصرا (٦)».
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأسس المتينة، التي تقي المجتمعات من الجريمة، وبهيمنة الرجال العارفين لما يدعون إليه المدركين حقيقة ما ينهون عنه بحكمة وموعظة حسنة يمكن بتوفيق من الله، وبالنية المخلصة، والصدق في القول والعمل - حماية للأمة من تسلط فئة نبت الشر في قلوبهم، وفقدوا هيمنة الرقابة الذاتية لنقص إيمانهم، والرقابة الأسرية
стр. 12637
لعدم توجيههم وقت التهيؤ الذهني، والاستعداد العقلي للقبول؛ لأن أمثال هؤلاء في المنزلة الثالثة، بحيث تردعهم السلطة، وتؤثر فيهم التوجيهات، وتخوفهم الجزاءات الملائمة معهم، ذلك أن سلطة الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر يجب أن تكون مستندة إلى قاعدة صلبة من الإيمان، الذي يملأ النفس بحرارة اليقين، ويمدها بالشحنات الدافعة إلى العمل، كما يجب أن تدعم بالسلطة الشرعية، لينزجر المعاندون، ويقمع المكابرون، ويجازى المتجاوزون المصرون؛ لأن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن (١)، والرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه.
لقد جعل الله جل وعلا في شرائع دين الإسلام، وفي كل أمر ونهي حكمة بالغة، تنصلح بها الحياة في كل زمان ومكان، فالزواجر والحدود التي شرعها الله، ونظمتها تعاليم الإسلام، ليست إلا وقاية للمجتمع من تسلط فئة على فئة، وحماية لأفراده وأمنه من أصحاب النزعات الشريرة، أو الإغراءات المادية.
ولما كان الدين النصيحة والتوجيه، فإن الفرد مسئول بأن يكون عينا تراقب الأضرار؛ للتنبيه عليها والتساند مع الجهات المعينة في إنكار المنكر، والترغيب في المعروف، كما جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة. قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم (٢)». رواه مسلم.
فنصح العامة يتم بالتوعية والتنبيه على الأخطاء برفق ولين؛ لأن الثمرة لا تتم إلا بهما. أما إذا خيف اتساع النطاق، واستمراء الباطل، فيجب على الجهة المعنية أخذهم على الحق بالقوة، كما جاء في الحديث الذي ساقه ابن كثير في تفسيره، ومر بنا آنفا. ذلك أن رجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهم الذين عرفوا في تاريخ دولة الإسلام برجال الحسبة،
стр. 12638
وأخذ فكرتهم وجزءا من مهماتهم رجال الغرب، وسموهم برجال الآداب، أو بوليس الآداب، وعنهم أخذت هذه الفكرة بعض الدول العربية والإسلامية، لكن ذلك سار في درب يختلف عما عهد عن المسلمين في أعمال الحسبة، حيث عرف عنهم أعمال كثيرة منها:
- الحرص على متابعة صغائر الشر حتى لا يستفحل خطرها.
- مراقبة المكاييل والموازين، والاهتمام بالأسعار ومنع الغش.
- المحافظة على الأمن، وذلك بمتابعة الجانحين من الشباب، وتتبع أصحاب الجرائم الأخلاقية.
- منع النساء من مخالطة الرجال في الأماكن العامة، ومزاحمتهم في الأسواق.
- الاهتمام بمداخل الفتنة، والنصح والتوجيه لكل من يتجرأ على حدود ومحارم الله.
- الاهتمام بتأمين الطرق، والقضاء على شتى صور التعدي فيها على الفرد أو الجماعة (١).
- منع الجار من الاعتداء على جاره، وردع القوي من التسلط على الضعيف.
وغير هذا من أعمال، كلها تدعو إلى الاهتمام بما يصلح المجتمع الإسلامي، وإغلاق منافذ الشر فيه، والمفضية إلى الجريمة؛ لأن في متابعة تلك الأمور حصرا للشرور قبل حدوثها، وحجزا بالحدود، حتى يمتنع الناس من التحايل على بعضهم، وحتى يشعر من لديه ريبة بأن هناك أعينا يقظة، ترصد أحوال الشرور، وتتابع المنتمين إليها؛ لتقضي عليها قبل بروزها، مما
стр. 12639
يجعل للمجتمع شخصية آمرة، ولرجال الحسبة الذين هم عين المجتمع مهابة وردعا لما يجب أن يتصفوا به من علم وحسن سيرة وسلوك، ويقظة التشريع الإسلامي، حتى يكون الآمر والناهي عالما بما يأمر به، عالما فيما ينهى عنه، حليما فيما يأمر به، حليما فيما ينهى عنه، وأن تهيأ لذلك البيئة الصالحة، والظروف الطيبة؛ لأن رجال الحسبة عليهم دور مهم في الاضطلاع بالمحافظة على الدين، الذي هو قوام المجتمع، والمصلح لما فيه من اعوجاج، حفاظا عن التعدي على الحرمات، لما في ذلك من حصانة للإسلام، وسلامة لأهله.
وهذا من حماية المجتمع عن كل عمل يجر إلى الجريمة؛ لأن معظم النار من مستصغر الشرر، والسكوت عن الصغائر يجعلها تستشري وتكبر، وسد الذرائع مما يوصي به كثير من الفقهاء ﵏، مخافة اتساع النطاق، والإفضاء إلى ما هو أشمل وأكبر حيث يرى الأصوليون بأن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح.
والمجتمع بالتكافل والتعاطف، والراحة النفسية والهدوء والاستقرار، فإنه بإذن الله، سيقضي على الجريمة، بالقضاء على أسبابها، وحصر المؤثر فيها، وبكبت صغائرها قبل التفاقم، ما دام فيه من يمثل رجال الحسبة بالأمر والنهي، والنصح والتبيين، ورجال في المجتمع يتقبلون منهم التوجيه، ويستجيبون للنصح، ويمتثلون بالتطبيق، وهذا يمثل الأخذ والعطاء، أو
стр. 12640
السالب والموجب، اللذين بهما يتكامل المجتمع، ويتراحم أبناؤه، ويردع قادرهم المعتدي، وقد وصف رسول الله ﷺ المجتمع المؤمن بالترابط والمحافظة على مداخل الشر فيه من أن تنتهك، حيث جعله بمثابة الجسد الذي يتألم من أي طارئ يحس أي عضو فيه فقال ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه شيء، تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر (١)» رواه البخاري وأحمد في مسنده.
وقد رسم ﷺ في أصول تربيته للمجتمع المسلم، وتوجيهاته لأبناء الأمة المسلمة، طرقا يستنير بها أبناء المجتمع في التوجيه والعمل، وتعينهم في رسم المنهج لبيئة الإسلام، من حيث الحصانة الفردية، والوقاية الجماعية، حيث أبان ﷺ في حديث النعمان بن بشير ﵁ أن المرء في توقيه الشبهات والمحارم كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه وأن حمى الله محارمه، ولكي يستبرئ المرء لدينه وعرضه، ويتجنب المحارم التي نهى التشريع الإسلامي عنها، فإن عليه أن يتقي الشبهات وأن يقف عند حدود الله، وبذلك يقي نفسه مسارب الجريمة، ويقوده القلب السليم إلى العمل الحسن، حيث إنه ملك الجوارح، وهو الموجه للخير إن صلح، وللشر إذا هو فسد، كما قال ﷺ : «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب (٢)». وكان الدعاء المأثور: «اللهم أصلح لي قلبي الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، والموت راحة لي من كل شر (٣)». وفي البعض: ديني بدل قلبي.
وروي الدارقطني وغيره من حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها».