← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

فهل تكون كلماتنا هذه أبلغ دليل على الامتنان الشخصي لكل كلمة سطرتها إلينا حيثما كنت حفظك الله ورعى لنا أخوة سقاها الإسلام وأظلها بشجرته العتيدة الوارفة ما بقيت على الأرض أنفاس تترد. . هؤلاء أمدونا بتلك الروح الخفاقة على مواصلة الجهد. . فقد أشاروا إلى ما احتوت عليه المجلة من أبحاث هيئة كبار العلماء وهم الكنوز بما يقدمون من علم خدمة لرسالة الإسلام السمحاء. . ورئاسة البحوث والإفتاء والدعوة والإرشاد التي يتولى رئاستها شخصية علمية عالمية هو سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز. . فبفضل مساندته المستمرة أمكن أن تصدر المجلة مقتربة من الأعمال الموسوعية. . محتوية عدة كتب في مجلد واحد. وإن كنا نعتذر لآلاف الرسائل التي وردتنا من مختلف أنحاء العالم الإسلامي وكثير منها مرفقة بقيمة الاشتراكات لسنة أو أكثر. . نظرا لمحدودية العدد الذي كنا قد قمنا بطباعته آملين أن نتوسع إلى أكثر من ضعف العدد السابق وإن كان لن يغطي كل الطلبات التي بلغتنا فسوف ننظر بعين الاعتبار إلى تواريخ ورودها إلينا. . أما هؤلاء الكتاب الذين أمدونا بعونهم. . . وأولئك الذين ينعقد الأمل عليهم بعد الله وبعونه في توجيه عالمنا الإسلامي وجهته الصحيحة. . هؤلاء الكتاب الذين نحن بهم فإنهم هم الذين يتولون في ظننا حراسة العالم الإسلامي في مواجهة الثغرات التي تطل منها الأخطار. . وتتسلل إلى " روح " المسلم المعاصر

стр. 1297

و" عقله ". . هؤلاء الذين أدوا إلينا الكثير. . ونطمع أن يؤدوا أكثر وأكثر خاصة في هذه الجوانب التي لم يغطها الفكر الإسلامي تغطية كافية. وأود أن أقول: إننا في حاجة لمراجعة كل ما تكتبه المجلات الإسلامية المتخصصة وحصره لمعرفة ما بين أيدينا من فكر علماء المسلمين. . وفي الخطوة التالية علينا أن نكتشف ما ينقصنا لتتم مواجهته. . هذه إشارة وددت أن أثبتها. . وأتمنى لو أن بعض بحاثنا أو جامعاتنا قامت بتبويب المنشور في مجلاتنا وفهرسته وأن تخلص من ذلك بنتائج تنشرها علينا لتتم خطط مدروسة للبحث في مختلف المجلات الإسلامية. . ولا شك أننا نود - كما كتب إلينا عديد من القراء والكتاب - أن تتحول المجلة إلى مجلة شهرية. . ذلك أمل نتطلع إليه ونعد به قراءنا ما توفرت لنا أسبابه. .! والله خير معين. كما أننا نأمل في أن يتم الإعداد لإصدار ملحق لها باللغة الإنجليزية لتكون عونا لكثير من المسلمين الذين شاءت الأقدار أن يتعاملوا بهذه اللغة. . مؤمنين أن اليوم الذي سوف يتحدث فيه العالم الإسلامي قاطبة باللغة العربية آت لا ريب فيه. لا أقول هذا من منطلق الموقع الذي صدرت منه المجلة. . ولكن لأن العربية كانت لسان القرآن الكريم كما تحدث به للناس. . وكما سيتحدث إليهم دوما: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ (٢) ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٣) ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (٤).

стр. 1298

ولقد أوتيت هذه اللغة من الخصائص والسعة ما يوفر لها المكانة العالمية التي كانت لها عبر مئات من سنين الحضارة والتقدم العلمي والأخلاقي على مر خلافاتنا العظيمة المتعاقبة. . هذا وسوف تظل هذه البلاد التي نذرت نفسها - برعاية مليكها حفظه الله وسمو ولي عهده الأمين - لخدمة الإسلام وفية بعهدها معبئة كافة جهودها لخدمة الإسلام والمسلمين في مختلف أنحاء العالم الإسلامي قياما بالأصول التي أنزلها الله وبمقتضى قانون الأخوة الشامل بين المسلمين.

стр. 1299

مجلة البحوث الإسلامية اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء حكم الطلاق الثلاث بلفظ واحد هيئة كبار العلماء

стр. 1300

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله وبعد: فقد عرض على مجلس هيئة كبار العلماء مسألة " حكم الطلاق الثلاث بلفظ واحد " وبناء عليه أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، بحثا في الموضوع ونصه: الحمد لله وحده، وبعد: فبناء على ما قرره مجلس هيئة كبار العلماء، في دورته الثالثة المنعقدة في شهر ربيع الثاني، عام ١٣٩٣هـ من البحث في الدورة الرابعة عن حكم الطلاق الثلاث بلفظ واحد، وبناء على ما تقتضيه لائحة عمل الهيئة من قيام اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء بإعداد بحث علمي عن المسألة التي تقرر عرضها على الهيئة، قامت اللجنة الدائمة بإعداد بحث في مسألة الطلاق الثلاث بلفظ واحد، اشتمل على ما يلي: ١ - حكم الإقدام على جمع الطلاق الثلاث بلفظ واحد، مع الأدلة ومناقشتها. ٢ - ما يترتب على إيقاع الطلاق ثلاث بلفظ واحد، مع الأدلة ومناقشتها. وبالله التوفيق. . وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1301

حكم الطلاق الثلاث بلفظ واحد المسألة الأولى حكم الإقدام على جمع الثلاث بكلمة واحدة وفيه قولان: القول الأول: إنه محرم، وهو مذهب الحنفية والمالكية، وإحدى الروايتين عن أحمد، وقول شيخ الإسلام وابن القيم. . أما المذهب الحنفي، فقال الكاساني في الكلام على طلاق البدعة (١): وأما الذي يرجع إلى العدد فهو إيقاع الثلاث أو الثنتين في طهر واحد لا جماع فيه، سواء كان على الجمع: بأن أوقع الثالث جملة واحدة، أو على التفاريق واحدا، بعد أن كان الكل في طهر واحد، وهذا قول أصحابنا. . ولنا الكتاب والسنة والمعقول: أما الكتاب فقوله ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢). أي في أطهار عدتهن، وهو الثلاث في ثلاثة أطهار كذا فسره رسول الله ﷺ على ما ذكرنا فيما تقدم أمر بالتفريق، والأمر بالتفريق يكون نهيا (عن الجمع، ثم إن كان الأمر أمر إيجاب، كان نهيا) عن ضده، وهو الجمع نهي تحريم، وإن كان أمر ندب، كان نهيا عن ضده، وهو الجمع نهي ندب، وكل ذلك حجة على المخالف، لأن الأول يدل على التحريم، والآخر يدل على الكراهة، وهو لا يقول بشيء من ذلك.

стр. 1302

وقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (١) أي دفعتان، ألا ترى أن من أعطى آخر درهمين، لم يجز أن يقول أعطاه مرتين حتى يعطيه دفعتين. وجه الاستدلال: أن هذا وإن كان ظاهر الخبر، فإن معناه الأمر، لأن الحمل على ظاهره يؤدي إلى الخلف في خبر من لا يحتمل خبره الخلف، لأن الطلاق على سبيل الجمع قد يوجد، وقد يخرج اللفظ مخرج الخبر على إرادة الأمر، قال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ (٢) أي ليرضعن ونحو ذلك، كذا هذا، فصار كأنه قال: طلقوهن مرتين إذا أردتم الطلاق، والأمر بالتفريق نهي عن الجمع، لأنه ضده، فيدل على كون الجمع حراما أو مكروها على ما بينا. فإن قيل: هذه الآية حجة عليكم، لأنه ذكر جنس الطلاق، وجنس الطلاق ثلاث، والثلاث إذا وقع دفعتين، كان الواقع في دفعة طلقتان، فيدل على كون الطلقتين في دفعة مسنونتين. فالجواب: أن هذا أمر بتفريق الطلاقين من الثلاث لا بتفريق الثلاث، لأنه أمر بالرجعة عقب الطلاق مرتين أي دفعتين بقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٣) أي وهو الرجعة وتفريق الطلاق وهو إيقاعه دفعتين لا يتعقب الرجعة، فكان هذا أمرا بتفريق الطلاقين من الثلاث، لا بتفريق كل جنس الطلاق وهو الثلاث والأمر بتفريق طلاقين من الثالث يكون نهيا عن الجمع بينهما. وأما السنة فما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز له عرش الرحمن (٤)» نهى ﷺ عن الطلاق، ولا يجوز أن يكون النهي عن الطلاق لعينه، لأنه قد بقي معتبرا شرعا في حق الحكم بعد النهي، فعلم أن ههنا غيرا حقيقيا ملازما للطلاق يصلح أن يكون منهيا عنه، فكان النهي عنه لا عن الطلاق، ولا يجوز أن يمنع من الشرع لمكان الحرام الملازم له، كما في الطلاق في حالة الحيض، والبيع وقت النداء، والصلاة في الأرض المغصوبة، وغير ذلك. وقد ذكر عن عمر ﵁ أنه كان لا يؤتى برجل طلق امرأته ثلاثا إلا أوجعه ضربا وأجاز ذلك عليه. وذلك بمحضر من الصحابة ﵃ فيكون إجماعا. وأما المعقول: فمن وجوه: أحدها: أن النكاح عقد مصلحة لكونه وسيلة إلى مصالح الدين والدنيا، والطلاق إبطال له، وإبطال المصلحة مفسدة، وقد قال الله : ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (٥) وهذا معنى الكراهة

стр. 1303

الشرعية عندنا، وأن الله تعالى لا يحبه ولا يرضى به، إلا أنه قد يخرج من أن يكون مصلحة لعدم توافق الأخلاق وتباين الطبائع، أو لفساد يرجع إلى نكاحها، بأن علم الزوج أن المصالح تفوته بنكاح هذه المرأة، أو أن المقام معها يسبب فساد دينه ودنياه، فتنقلب المصلحة في الطلاق، ليستوفي مقاصد النكاح من امرأة أخرى، إلا أن احتمال أنه لم يتأمل حق التأمل، ولا ينظر حق النظر في العاقبة قائم، فالشرع والعقل يدعوانه إلى النظر، وذلك في أن يطلقها طلقة واحدة رجعية، حتى إن التباين والفساد إذا كان من جهة المرأة تتوب وتعود إلى الصلاح إذا ذاقت مرارة الفراق، وإن كانت لا تتوب نظر في حال نفسه، أنه هل يمكنه الصبر عنها؟ فإن علم أنه لا يمكنه الصبر عنها يراجعها، وإن علم أنه يمكنه الصبر عنها يطلقها في الطهر الثاني. ثانيا: ويجرب نفسه، ثم يطلقها فيخرج نكاحها من أن يكون مصلحة ظاهرا وغالبا، لأنه لا يلحقه الندم غالبا، فأبيحت الطلقة الواحدة أو الثلاث في ثلاثة أطهار على تقدير خروج نكاحها من أن يكون مصلحة، وصيرورة المصلحة في الطلاق، فإذا طلقها ثلاثا جملة واحدة في حالة الغضب، وليست حالة الغضب حالة التأمل، لم يعرف خروج النكاح من أن يكون مصلحة فكان الطلاق إبطال للمصلحة من حيث الظاهر، فكان مفسدة. والثاني: أن النكاح عقد مسنون، بل هو واجب لما ذكرنا في كتاب النكاح، فكان الطلاق قطعا للسنة وتفويتا للواجب، فكان الأصل هو الحظر أو الكراهة، إلا أنه رخص للتأديب أو للتخليص، والتأديب يحصل بالطلقة الواحدة الرجعية. لأن التباين أو الفساد إذا كان من قبلها، فإذا ذاقت مرارة الفراق فالظاهر أنها تتأدب وتتوب وتعود إلى الموافقة والصلاح، والتخليص يحصل بالثلاث في ثلاثة أطهار، والثابت بالرخصة يكون ثابتا بطريق الضرورة، وحق الضرورة صار مقضيا بما ذكرنا فلا ضرورة إلى الجمع بين الثلاث في طهر واحد، فبقي ذلك على أصل الحظر. والثالث: أنه إذا طلقها ثلاثا في طهر واحد فربما يلحقه الندم، وقال تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (١). قيل في التفسير: أي ندامة على ما سبق من فعله أو رغبة فيها، ولا يمكنه التدارك بالنكاح فيقع في السفاح، فكان في الجمع احتمال الوقوع في الحرام، وليس في الامتناع ذلك، والتحرز عن مثله واجب شرعا وعقلا، بخلاف الطلقة الواحدة لأنها لا تمنع التدارك بالرجعة، وبخلاف الثلاث في ثلاثة أطهار، لأن ذلك لا يعقب الندم ظاهرا، لأنه يجرب نفسه في الأطهار الثلاثة فلا يلحقه الندم. . انتهى المقصود.

стр. 1304

وقال السرخسي (١) وعلى هذا الأصل - أي توجيه إيقاع الثالث في ثلاثة أطهار - قال علماؤنا ﵏: إيقاع الثلاث جملة بدعة - وبعد أن ساق مذهب الشافعي في إباحته وأدلته، ساق الدليل على تحريمه، وهو قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٢) قال: معناه دفعتان، كقوله: أعطيته مرتين وضربته مرتين، والألف واللام للجنس، فيقتضي أن يكون كل الطلاق المباح في دفعتين ودفعة ثالثة في قوله تعالى: فإن طلقها أو في قوله : ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣) على حسب ما اختلف فيه أهل التفسير، وفي حديث محمود بن لبيد رحمه الله تعالى: أن رجلا طلق امرأته ثلاثا بين يدي رسول الله ﷺ فقام النبي ﷺ مغضبا فقال: «أتلعبون بكتاب الله وأنا بين أظهركم (٤)». واللعب بكتاب الله ترك العمل به، فدل أن موقع الثلاث جملة مخالف للعمل بما في الكتاب، وأن المراد من قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٥) تفريق الطلقات على عدد أفراد العدة، ألا ترى، أنه خاطب الزوج بالأمر بإحصاء العدة؟ وفائدته التفريق، فإنه قال: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٦) أي يبدو له فيراجعها، وذلك عند التفريق لا عند الجمع. وفي حديث عبادة بن الصامت - رضي الله تعالى عنه - أن قوما جاءوا إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: «إن أبانا طلق امرأته ألفا. فقال ﷺ : بانت امرأته بثلاث في معصية الله تعالى، وبقي تسعمائة وسبعة وتسعون وزرا في عنقه إلى يوم القيامة». وإن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - لما طلق امرأته في حالة الحيض، أمره رسول الله ﷺ أن يراجعها. فقال: «أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكانت تحل لي؟ فقال ﷺ : لا، بانت منك وهي معصية (٧)». وبعد أن بين وجه الرد على استدلال الشافعي ﵀ بقصة لعان عويمر العجلاني، وأنه طلق ثلاثا ولم ينكر عليه ﷺ . قال: ولنا إجماع الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - فقد روى عن علي، وعمر وابن مسعود وابن عباس وابن عمر، وأبي هريرة، وعمران بن حصين - رضي الله تعالى عنهم - كراهة إيقاع الطلاق الثلاث بألفاظ مختلفة. وعن أبي قتادة الأنصاري ﵁ قال: لو أن الناس طلقوا نساءهم كما أمروا لما فارق الرجل امرأته وله إليها حاجة، إن أحدكم يذهب فيطلق امرأته ثلاثا ثم يقعد فيعصر عينيه، مهلا مهلا بارك الله عليكم. فيكم كتاب الله وسنة رسوله، فماذا بعد كتاب الله وسنة رسوله إلا الضلال ورب الكعبة. . وقال الكرخي (٨) لا أعرف بين أهل العلم خلافا: أن إيقاع الثلاث جملة مكروه، إلا قول ابن سيرين، وإن قوله ليس بحجة - ثم ساق الرد على ما استدل به الشافعي من الآثار، ثم ذكر بعد ذلك دليلا من جهة المعنى، وقد سبق ما يوافقه عن الكاساني -.

стр. 1305

وقال الطحاوي حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة عن ابن أبي نجيح، وحميد الأعرج، عن مجاهد، أن رجلا قال لابن عباس: رجل طلق امرأته مائة فقال: عصيت ربك وبانت منك امرأتك، لم تتق الله فيجعل لك مخرجا، من يتق الله يجعل له مخرجا، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١).

стр. 1306

المذهب المالكي أما المذهب المالكي فهذه بعض نقول عنه: قال سحنون وقال محمد بن أحمد بن رشد: قلت لعبد الرحمن بن القاسم: هل كان مالك يكره أن يطلق الرجل امرأته ثلاث تطليقات في مجلس واحد، قال: نعم؟ كان يكرهه أشد الكراهية، وكذلك لا يجوز عند مالك أن يطلقها ثلاثا في كلمة واحدة فإن فعل لزمه ذلك بدليل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ (١) قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٢) وهي الرجعة فجعلها فائتة بإيقاع الثلاث في كلمة واحدة، إذ لو لم يقع ولم يلزمه لم تفته الزوجة ولا كان ظالما لنفسه، انتهى المقصود. وقال الباجي: فأما العدد فإنه لا يحل أن يوقع أكثر من طلقة واحدة، فمن أوقع طلقتين أو ثلاثا فقد طلق بغير سنة. . والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣) ولا يخلو أن يكون أمرا بصفة الطلاق والأمر يقتضي الوجوب أو يكون إخبارا عن صفة الطلاق الشرعي، ومن أصحابنا من قال: إن - الألف واللام تكون للحصر، وهذا يقتضي أن لا يكون الطلاق الشرعي على غير هذا الوجه. فإن قيل: المراد بذلك الإخبار عن أن الطلاق الرجعي طلقتان، وأن ما زاد عليه ليس برجعي، قالوا: يدل على ذلك، أنه قال بعد ذلك: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٤) ثم أفرد الطلقة الثالثة لما لم تكن رجعية وفارق حكم الطلقتين فقال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٥)

стр. 1307

وإذا كان المراد ما ذكرناه من الأخبار عن الطلاق الرجعي، لم يدل ذلك على أن هذا هو الطلاق الرجعي دون غيره. فالجواب: أن هذا أمر أضمر في الكلام مع استقلاله دونه بغير دليل، لأنكم تضمرون الرجعي وتقولون: معناه الطلاق الرجعي مرتان، وإذا استقل الكلام دون ضمير لم يجز تعديه إلا بدليل. وجواب ثان: وهو أنه لو أراد الإخبار عما ذكرتم لقال: الطلاق طلقتان، لأن ذلك يقتضي أنه الطلاق الرجعي أوقعهن مجتمعتين أو مفترقتين، فلما قال مرتان، ولا يكون ذلك إلا لإيقاع الطلاق مفترقا، ثبت أنه قصد الإخبار عن صفة إيقاعه، لا الإخبار عن عدد الرجعي منه. فإن قالوا إن لفظ التكرار إذا علق باسم أريد به العدد دون تكرار الفعل، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ (١) ولم يرد تفريق الأجر وإنما أراد تضعيف العدد. فالجواب: أن قوله: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ (٢) حقيقة فيما ذكرناه من تكرار الفعل دون العدد، ولا فرق في ذلك بين أن يعلق على فعل أو اسم يدل على ذلك أنك تقول: لقيت فلانا مرتين فيقتضي تكرار الفعل، وكذلك قوله: دخلت مصر مرتين، فإذا كان ذلك أصله وحقيقته، ودل الدليل في بعض المواضع على العدول به عن حقيقته واستعماله في غير ما وضع له، لم يجز حمله على ذلك في موضع آخر إلا بدليل. وجواب آخر: وهو أن الفضل قال: معنى ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ (٣) مرة بعد مرة في الجنة، فعلى هذا لم يخرج اللفظ عن بابه ولا عدل به عن حقيقته، وإن قلنا: إن معناه التضعيف في ماله وأجره: فالفرق بينهما أن قوله تعالى: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ (٤) يفيد التضعيف ويمنع الاقتصار على ضعف واحد ولو كان معنى قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٥) يريد به التضعيف، لمنع من إيقاع طلقة واحدة، وإلا بطل معنى التضعيف، وهذا باطل باتفاقنا. ودليلنا من جهة السنة ما روى مخرمة بن بكير، عن أبيه، قال: سمعت محمود بن لبيد، قال: أخبر رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا فقال: فعلته لاعبا ثم قال: «تلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم حتى (٦)» قام رجل فقال: "يا رسول الله ألا أقتله؟ ". ودليلنا من جهة القياس أن هذا معنى ذو عدد يقتضي البينونة فوجب تحريمه كاللعان. أما مذهب الحنابلة فقد قال ابن قدامة (٧) والرواية الثانية أن جمع الثلاث طلاق بدعة محرم، اختارها أبو بكر وأبو حفص، روي عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وهو قول مالك وأبي حنيفة. قال علي ﵁ لا يطلق أحد للسنة فيندم، وفي رواية قال: يطلقها واحدة ثم يدعها ما بينها وبين أن تحيض ثلاث حيض فمن شاء راجعها، وعن عمر ﵁: أنه كان إذا أتى برجل طلق ثلاثا أوجعه ضربا.

стр. 1308

وعن مالك بن الحارث قال: جاء رجل إلى ابن عباس قال: إن عمي طلق امرأته ثلاثا، فقال: إن عمك عصى الله وأطاع الشيطان فلم يجعل الله له مخرجا. ووجه ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ (١) إلى قوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٢) ثم قال بعد ذلك: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٣). ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٤) ومن جمع الثلاث لم يبق له أمر يحدث، ولا يجعل الله له مخرجا، ولا من أمره يسرا، وروى النسائي بإسناده عن محمود بن لبيد وقد سبق في استدلال المالكية - وفي حديث ابن عمر قال: قلت: «يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثا؟ قال: إذا عصيت ربك وبانت منك امرأتك (٥)». وروى الدارقطني بإسناده عن علي قال: سمع النبي ﷺ رجلا طلق البتة فغضب وقال: «تتخذون آيات الله هزوا، أو دين الله هزوا ولعبا، من طلق البتة ألزمناه ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره». ولأنه تحريم للبضع بقول الزوج من غير حاجة، فحرم كالظهار، بل هذا أولى، لأن الظهار يرتفع تحريمه بالتكفير، وهذا لا سبيل للزوج إلى رفعه بحال، ولأنه ضرر وإضرار بنفسه وبامرأته من غير حاجة، فيدخل في عموم النهي، وربما كان وسيلة إلى عوده إليها حراما أو بحيلة لا تزيل التحريم، ووقوع الندم، وخسارة الدنيا والآخرة، فكان أولى بالتحريم من الطلاق في الحيض الذي ضرره بقاؤها في العدة أياما يسيرة، أو الطلاق في طهر مسها فيه، الذي ضرره احتمال الندم بظهور الحمل، فإن ضرر جمع الثلاث يتضاعف على ذلك أضعافا كثيرة، فالتحريم ثم تنبيه على التحريم. ولأنه قول من سمينا من الصحابة رواه الأثرم وغيره، ولم يصح عندنا في عصرهم خلاف قولهم، فيكون ذلك إجماعا. وقال شيخ الإسلام: وأما جمع " الطلقات الثلاث " ففيه قولان: أحدهما: محرم أيضا عند أكثر العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه، واختاره أكثر أصحابه، وقال أحمد: تدبرت القرآن فإذا كل طلاق فيه فهو الطلاق الرجعي - يعني طلاق المدخول بها - غير قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٦)

стр. 1309

وعلى هذا القول: فهل له أن يطلقها الثانية والثالثة قبل الرجعة بأن يفرق الطلاق على ثلاثة أطهار، فيطلقها في كل طهر طلقة؟ فيه قولان، هما روايتان عن أحمد " إحداهما " له ذلك، وهو قول طائفة من السلف ومذهب أبي حنيفة. " والثانية " ليس له ذلك وهو قول أكثر السلف، وهو مذهب مالك وأصح الروايتين عن أحمد التي اختارها أكثر أصحابه كأبي بكر عبد العزيز والقاضي أبي يعلى وأصحابه.

стр. 1310

القول الثاني: أن جمع الثلاث ليس بمحرم ، بل هو ترك الأفضل وهو مذهب الشافعي، والرواية الأخرى عن أحمد: اختارها الخرقي. واحتجوا بأن فاطمة بنت قيس طلقها زوجها أبو حفص بن المغيرة ثلاثا، وبأن امرأة رفاعة طلقها زوجها ثلاثا، وبأن الملاعن طلق امرأته ثلاثا ولم ينكر النبي ﷺ ذلك. وأجاب الأكثرون: بأن حديث فاطمة، وامرأة رفاعة، إنما طلقها ثلاثا متفرقات، هكذا ثبت في الصحيح أن الثالثة آخر ثلاث تطليقات، لم يطلق ثلاثا لا هذا ولا هذا مجتمعات، وقول الصحابي: طلق ثلاثا. يتناول ما إذا طلقها ثلاثا متفرقات بأن يطلقها ثم يراجعها، ثم يطلقها ثم يراجعها، ثم يطلقها، وهذا طلاق سني واقع باتفاق الأئمة، وهو المشهور على عهد رسول الله ﷺ في معنى الطلاق ثلاثا، وأما جمع الثلاث بكلمة فهذا إنما كان منكرا عندهم، إنما يقع قليلا، فلا يجوز حمل اللفظ المطلق على القليل المنكر دون الكثير الحق، ولا يجوز أن يقال: يطلق مجتمعات لا هذا ولا هذا، بل هذا قول بلا دليل، بل هو بخلاف الدليل. وأما الملاعن فإن طلاقه وقع بعد البينونة، أو بعد وجوب الإبانة التي تحرم بها المرأة أعظم مما يحرم بالطلقة الثالثة، فكان مؤكدا لموجب اللعان، والنزاع إنما هو في طلاق من يمكنه إمساكها، لا سيما والنبي ﷺ قد فرق بينهما فإن كان ذلك قبل الثلاث لم يقع بها ثلاث ولا غيرها، وإن كان بعدها دل على بقاء النكاح، والمعروف أنه فرق بينهما بعد أن طلقها ثلاثا، فدل ذلك على أن الثلاث لم يقع بها، إذ لو وقعت لكانت قد حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره. وامتنع حينئذ أن يفرق النبي ﷺ بينهما لأنهما صارا أجنبيين، ولكن غاية ما يمكن أن يقال: حرمها عليها تحريما مؤبدا فيقال: فكان ينبغي أن يحرمها عليه لا يفرق بينهما، فلما فرق بينهما دل على بقاء النكاح وأن الثلاث لم تقع جميعا بخلاف ما إذا قيل: إنه يقع بها واحدة رجعية، فإنه يمكن فيه حينئذ أن يفرق بينهما. وقول سهل بن سعد: طلقها ثلاثا فأنفذه عليه رسول الله ﷺ دليل على أنه احتاج إلى

стр. 1311

إنفاذ النبي ﷺ واختصاص الملاعن بذلك، ولو كان من شرعه أنها تحرم بالثلاث، لم يكن للملاعن اختصاص ولا يحتاج إلى إنفاذ. فدل على أنه لما قصد الملاعن بالطلاق الثلاث أن تحرم عليه أنفذ النبي ﷺ مقصوده، بل زاده، فإن تحريم اللعان أبلغ من تحريم الطلاق، إذ تحريم اللعان لا يزول وإن نكحت زوجا غيره، وهو مؤبد في أحد قولي العلماء لا يزول بالتوبة. واستدل الأكثرون: بأن القرآن العظيم يدل على أن الله لم يبح إلا الطلاق الرجعي، وإلا الطلاق للعدة، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ (١) إلى قوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٢) ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٣) وهذا إنما يكون في الرجعي، وقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٤) يدل على أنه لا يجوز إرداف الطلاق للطلاق حتى تنقضي العدة أو يراجعها، لأنه إنما أباح الطلاق للعدة: أي لاستقبال العدة، فمتى طلقها الثانية والثالثة قبل الرجعة بنت على العدة، ولم تستأنفها باتفاق جماهير المسلمين، فإن كان فيه خلاف شاذ عن خلاس وابن حزم فقد بينا فساده في موضع آخر، فإن هذا قول ضعيف: لأنهم كانوا في أول الإسلام إذا أراد الرجل إضرار امرأته طلقها حتى إذا شارفت انقضاء العدة راجعها ثم طلقها ليطيل حبسها، فلو كان إذا لم يراجعها تستأنف العدة لم يكن بحاجة إلى أن يراجعها، والله تعالى قصرهم على الطلاق الثلاث دفعا لهذا الضرر، كما جاءت بذلك الآثار، ودل على أنه كان مستقرا عند الله أن العدة لا تستأنف بدون رجعة سواء كان ذلك لأن الطلاق لا يقع قبل الرجعة، أو يقع ولا يستأنف له العدة، وابن حزم إنما أوجب استئناف العدة بأن يكون الطلاق لاستقبال العدة، فلا يكون طلاق إلا يتعقبه عدة، إذا كان بعد الدخول، كما دل عليه القرآن، فلزمه على ذلك هذا القول الفاسد، وأما من أخذ بمقتضى القرآن وما دلت عليه الآثار فإنه يقول: إن الطلاق الذي شرعه الله هو ما يتعقبه العدة، وما كان صاحبه مخيرا فيها بين الإمساك بمعروف والتسريح بإحسان، وهذا منتف في إيقاع الثلاث في العدة قبل الرجعة فلا يكون جائزا، فلم يكن ذلك طلاقا للعدة. ولأنه تعالى قال: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٥) فخيره بين الرجعة وبين أن يدعها تقضي العدة فيسرحها بإحسان، فإذا طلقها ثانية قبل انقضاء العدة لم يمسك بمعروف ولم يسرح بإحسان. وقد قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ (٦) فهذا يقتضي أن هذا حال كل مطلقة، فلم يشرع إلا هذا الطلاق ثم قال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٧).

стр. 1312

أي هذا الطلاق المذكور (مرتان) وإذا قيل: سبح مرتين أو ثلاث مرات: لم يجزه أن يقول سبحان الله مرتين، بل لا بد أن ينطق بالتسبيح مرة بعد مرة، فكذلك لا يقال: طلق مرتين إلا إذا طلق مرة بعد مرة، فإذا قال: أنت طالق ثلاثا، أو مرتين لم يجز أن يقال: طلق ثلاث مرات ولا مرتين، وإن جاز أن يقال طلق ثلاث تطليقات أو طلقتين، ثم قال سبحانه بعد ذلك: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١) فهذه الطلقة الثالثة لم يشرعها الله إلا بعد الطلاق الرجعي مرتين. وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (٢). الآية، وهذا إنما يكون فيما دون الثلاث، وهو يعم كل طلاق، فعلم أن جمع الثلاث ليس بمشروع، ودلائل تحريم الثلاث كثيرة قوية من الكتاب والسنة والآثار والاعتبار، كما هو مبسوط في موضعه، وسبب ذلك أن الأصل في الطلاق الحظر، وإنما أبيح منه قدر الحاجة، كما ثبت في الصحيح عن جابر عن - النبي ﷺ : «إن إبليس ينصب عرشه على البحر، ويبعث سراياه فأقربهم إليه منزلة أعظمهم فتنة فيأتيه الشيطان فيقول: ما زلت به حتى فعل كذا، حتى يأتيه الشيطان فيقول: ما زلت به حتى فرقت بينه وبين امرأته، فيدنيه منه، ويقول: أنت أنت، ويلتزمه (٣)» وقد قال تعالى في ذم السحر: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ (٤) وفي السنن عن النبي ﷺ قال: «إن المختلعات والمنتزعات هن المنافقات (٥)» وفي السنن أيضا عن النبي ﷺ أنه قال: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة (٦)». ولهذا لم يبح إلا ثلاث مرات، وحرمت عليه المرأة بعد الثالثة حتى تنكح زوجا غيرها، وإذا كان إنما أبيح للحاجة، فالحاجة تندفع بواحدة، فما زاد فهو باق على الحظر. اهـ. وقال ابن القيم (٧) فصل في حكمه ﷺ فيمن طلق ثلاثا بكلمة واحدة، قد تقدم حديث محمود بن لبيد، أن رسول الله ﷺ أخبر عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقام مغضبا ثم قال: «أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم (٨)» وإسناده على شرط مسلم، قال ابن وهب: قد رواه مخرمة بن بكير بن الأشج عن أبيه قال: سمعت محمود بن لبيد، فذكره، ومخرمة ثقة بلا شك، وقد احتج مسلم في صحيحه بحديثه عن أبيه. والذين أعلوه، قالوا: لم يسمع منه، وإنما هو كتاب. قال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل عن

стр. 1313

مخرمة بن بكير فقال: هو ثقة، ولم يسمع من أبيه، وإما هو كتاب مخرمة، فنظر فيه كل شيء، يقول: " بلغني عن سليمان بن يسار " فهو من كتاب مخرمة، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة سمعت يحيى بن معين يقول: مخرمة بن بكير وقع إليه كتاب أبيه ولم يسمعه، وقال في رواية عباس الدوري: هو ضعيف، وحديثه عن أبيه كتاب ولم يسمعه منه، وقال أبو داود لم يسمع من أبيه إلا حديثا وأحدا حديث الوتر، وقال سعيد بن أبي مريم، عن خاله موسى بن سلمة، أتيت مخرمة فقلت: حدثك أبوك فقال: لم أدرك أبي ولكن هذه كتبه. والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن كتاب أبيه كان عنده محفوظ مضبوط، فلا فرق في قيام الحجة بالحديث بين ما حدثه به، أو رآه في كتابه، بل الأخذ عن النسخة أحوط، إذا تيقن الراوي أنها نسخة الشيخ بعينها، وهذه طريقة الصحابة والسلف، وقد كان رسول الله ﷺ يبعث كتبه إلى الملوك، وتقوم عليهم بها الحجة، وكتب كتبه إلى عماله في بلاد الإسلام فعملوا بها، واحتجوا بها، ودفع الصديق كتاب رسول الله ﷺ في الزكاة إلى أنس ابن مالك فحمله وعملت به الأمة، وكذلك كتاب إلى عمرو بن حزم في الصدقات الذي كان عند آل عمرو، ولم يزل السلف والخلف يحتجون بكتاب بعضهم إلى بعض، ويقول المكتوب إليه: كتب إلى فلان أن فلانا أخبره. ولو بطل الاحتجاج بالكتب لم يبق بأيدي الأمة إلا أيسر اليسير، فإن الاعتماد إنما هو على النسخ لا على الحفظ، والحفظ خوان، والنسخة لا تخون، ولا يحفظ في زمن من الأزمان المتقدمة أن أحدا من أهل العلم رد الاحتجاج بالكتاب، وقال: لم يشافهني به الكاتب فلا أقبله، بل كلهم مجمعون على قبول الكتاب والعمل به إذا صح عنده أنه كاتبه. الجواب الثاني: أن قول من قال: " لم سمع من أبيه " معارض بقول من قال: " سمع منه " ومعه زيادة علم وإثبات، قال عبد الرحمن بن أبي حاتم، سئل أبي مخرمة بن بكير؟ فقال صالح الحديث. قال: وقال ابن أبي ذئب: - وحدث في ظهر كتاب مالك - سألت مخرمة عما يحدث به عن أبيه سمعها من أبيه، فحلف لي ورب هذه البنية - يعني المسجد - سمعت من أبي. وقال علي بن المديني: سمعت معن بن عيسى يقول: مخرمة سمع من أبيه، وعرض عليه ربيعة أشياء من رأي سليمان بن يسار، وقال علي: ولا أظن مخرمة سمع من

стр. 1314

أبيه كتاب سليمان لعله سمع منه الشيء اليسير، ولم أجد أحدا في المدينة يخبرني عن مخرمة بن بكير أنه كان يقول في شيء من حديثه " سمعت أبي " ومخرمة ثقة. . انتهى ويكفي أن مالكا أخذ كتابه فنظر فيه واحتج به في موطئه، وكان يقول: حدثني مخرمة، وكان رجلا صالحا. وقال أبو حاتم: سألت إسماعيل بن أبي أويس، قلت هذا الذي يقول مالك بن أنس: حدثني الثقة من هو؟ قال مخرمة بن بكير، وقيل لأحمد بن صالح المصري كان مخرمة من ثقات الرجال؟ قال: نعم، وقال ابن عدي عن ابن وهب ومعن بن عيسى عن مخرمة: أحاديث حسان مستقيمة وأرجو أنه لا بأس به. وفي صحيح مسلم قول ابن عمر للمطلق ثلاثا: حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك وعصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك، وهذا تفسير منه للطلاق المأمور به، وتفسير الصحابي حجة، وقال الحاكم هو عندنا مرفوع. ومن تأمل القرآن حق التأمل تبين له ذلك وعرف أن الطلاق المشروع بعد الدخول، هو الطلاق الذي تملك به الرجعة، ولم يشرع الله سبحانه إيقاع الثلاث جملة واحدة البتة، قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (١) ولا تعقل العرب في لغتها وقوع المرتين إلا متعاقبتين، كما قال النبي ﷺ : «من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وحمده ثلاثا وثلاثين، وكبره ثلاثا وثلاثين (٢)» ونظائره، فإنه لا يعقل من ذلك إلا تسبيح وتكبير وتحميد متوال، يتلو بعضه بعضا، فلو قال سبحانه الله ثلاثا وثلاثين، والحمد لله ثلاثا وثلاثين، والله أكبر ثلاث وثلاثين - بهذا اللفظ - لكان ثلاثا مرات فقط، وأصرح من هذا قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ (٣) فلو قال أشهد بالله أربع شهادات بالله إني لمن الصادقين، كانت مرة، وكذلك قوله: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (٤) فلو قالت أشهد بالله أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين كانت واحدة. وأصرح من ذلك قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ (٥) فهذا مرة بعد مرة.

стр. 1315

ولا ينقض هذا بقوله تعالى: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ (١) وقوله ﷺ «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين (٢)». فإن المرتين هنا، هما الضعفان، وهما المثلان، وهما مثلان في القدر، كقوله تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ (٤). أي ضعف ما يعذب به غيرها، وضعف ما كانت تؤتى، ومن هذا قول أنس: «انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ مرتين (٥)» أي شقتين وفرقتين، كما قال في اللفظ الآخر: «انشق القمر فلقتين (٦)» وهذا أمر معلوم قطعا: أنه إنما انشق القمر مرة واحدة، والفرق معلوم بين ما يكون مرتين في الزمان وبين ما يكون مثلين وجزأين ومرتين في المضاعفة، فالثاني يتصور فيه اجتماع المرتين في آن واحد، والأول لا يتصور فيه ذلك. ومما يدل على أن الله لم يشرع الثلاث جملة أنه قال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٧) إلى أن قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ (٨) فهذا يدل على أن كل طلاق بعد الدخول، فالمطلق أحق فيه بالرجعة، سوى الثالثة المذكورة بعد هذا. وكذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٩). إلى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (١٠) فهذا هو الطلاق المشروع، وقد ذكر الله سبحانه أقسام الطلاق كلها في القرآن، وذكر أحكامها فذكر الطلاق قبل الدخول وأنه لا عدة فيه، وذكر الطلقة الثالثة وأنها تحرم الزوجة على المطلق حتى تنكح زوجا غيره، وذكر طلاق الفدا الذي هو الخلع وسماه فدية، ولم يحسبه من الثلاث كما تقدم، وذكر الطلاق الرجعي الذي يحق للمطلق فيه الرجعة وهو ما عدا هذه الأقسام الثلاثة. وبهذا احتج أحمد والشافعي وغيرهما على أنه ليس في الشرع طلقة واحدة بعد الدخول بغير عوض بائنة وأنه إذا قال لها: أنت طالق طلقة بائنة كانت رجعية وبلغوا بالبينونة، وأنه لا يملك إبانتها إلا بعوض، وأما أبو حنيفة، فقال: تبين بذلك لأن الرجعة حق له وقد أسقطها، والجمهور يقولون: وإن كانت الرجعة حقا له

стр. 1316

لكن نفقة الرجعية وكسوتها حق عليه، فلا يملك إسقاطه إلا باختيارها، وبذلها العوض، وسؤالها أن تفتدي نفسها بغير عوض في أحد القولين، وهو جواز الخلع بغير عوض، وأما إسقاط حقها من الكسوة والنفقة بغير سؤالها ولا بذلها العوض فخلاف النص والقياس. قالوا: وأيضا فالله سبحانه شرع الطلاق على أكمل الوجوه وأنفعها للرجل والمرأة، فإنهم كانوا يطلقون في الجاهلية بغير عدد، فيطلق أحدهم المرأة كلما شاء ويرجعها، وهذا - وإن كان فيه رفق بالرجل - ففيه إضرار بالمرأة فنسخ سبحانه ذلك بثلاث، وقصر الزوج عليها وجعله أحق بالرجعة ما لم تنقض عدتها، فإذا استوفى العدد الذي ملكه حرمت عليه، فكان في هذا رفق بالرجل إذ لم تحرم عليه بأول طلقة، وبالمرأة حيث لم يجعل إليه أكثر من ثلاث، فهذا شرعه وحكمته وحدوده التي حدها لعباده، فلو حرمت عليه بأول طلقة يطلقها، كان خلاف شرعه وحكمته، وهو لم يملك إيقاع الثلاث جملة، بل إنما ملك واحدة، فالزائدة عليها غير مأذون له فيه. قالوا: وهذا كما أنه لم يملك إبانتها بطلقة واحدة إذ هو خلاف ما شرعه، لم يملك إبانتها بثلاث مجموعة إذ هو خلاف ما شرعه، ونكتة المسألة: أن الله لم يجعل للأمة طلاقا بائنا قط إلا في موضعين: أحدهما طلاق غير المدخول بها، والثاني الطلقة الثالثة، وما عداه من الطلاق فقد جعل للزوج فيه الرجعة. هذا مقتضى الكتاب كما تقدم تقريره وهذا قول الجمهور منهم الإمام أحمد والشافعي وأهل الظاهر، قالوا: لا يملك إبانتها بدون الثالث إلا في الخلع، ولأصحاب مالك ثلاثة أقوال فيما إذا قال: أنت طالق طلقة لا رجعة فيها - وساقها ﵀ هل هي ثلاث، أو خلع بدون، عرض، أو واحدة بائنة. وقد أجاب ابن حزم ﵀ في كتابه المحلى عن ذلك بقوله (١) أما الآيات فإنما نزلت فيمن طلق واحدة أو اثنتين فقط، ثم نسألهم عمن طلق مرة ثم راجع ثم مرة ثم راجع ثانية ثم ثالثة، أبدعة أتى؟ فمن قولهم: لا بل سنة، فنسألهم أتحكمون له بما في الآيات المذكورات؟ فمن قولهم: لا بل خلاف فصح أن المقصود في الآيات المذكورات، من أراد أن يطلق طلاقا رجعيا، فبطل احتجاجهم بها في حكم من طلق ثلاثا، وأما قولهم: معنى قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٢) أن معناه مرة بعد مرة، فخطأ، بل هذه الآية كقوله تعالى:

стр. 1317

﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ (١) أي مضاعفا معا وهذه الآية أيضا تصلح لما دون الثلاث من الطلاق وهو حجة لنا عليهم، لأنهم لا يختلفون - يعني المخالفين لنا - في أن طلاق السنة هو أن يطلقها واحدة ثم يتركها حتى تنقضي عدتها في قول طائفة منهم، وفي قول آخرين منهم: أن يطلقها في كل طهر طلقة وليس شيء من هذا في هذه الآية، وهم لا يرون من طلق طلقتين متتابعتين في كلام متصل طلاق سنة فبطل تعلقهم بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٢) وأما خبر محمود بن لبيد فمرسل ولا حجة في مرسل، ومخرمة لم يسمع من أبيه شيئا ويعني ابن حزم بالإرسال ما قرره الحافظ بن حجر (٣) وهو أن محمود بن لبيد، ولد في عهد النبي ﷺ ولم يثبت له منه سماع وإن ذكره بعضهم في الصحابة فلأجل الرؤية. . وقد ترجم له أحمد في مسنده وأخرج له عدة أحاديث ليس فيها شيء صرح فيه بالسماع. وقال الحافظ: (٤) ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين فيمن ولد على عهد النبي ﷺ وقال: سمع من عمر، وتوفي بالمدينة سنة ست وتسعين، وكان ثقة قليل الحديث، كما ذكر الحافظ أن الترمذي قال فيه: " رأى النبي ﷺ وهو غلام صغير ". وقال ابن أبي حاتم: قال البخاري: له صحبة فسخط أبي عليه، وقال: لا يعرف له صحبة، روى عن ابن عباس، روى عنه عاصم بن عمر بن قتادة سمعت أبي يقول ذلك. سئل أبو زرعة عن محمود بن لبيد؟ فقال: روى عن ابن عباس، وعنه الحارث بن فضيل، مديني أنصاري ثقة، وفي رواية مخرمة عن أبيه كلام كثير. اهـ.

стр. 1318

الثاني: من قولي العلماء في الإقدام على جمع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة، أنه ليس بمحرم ولا بدعة، بل سنة، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايات عنه، وجماعة من أهل الظاهر، كما في زاد المعاد، ونكتفي بإيراد كلام الشافعي في الأم، وابن حزم في المحلى، قال الإمام الشافعي: (الخلاف في الطلاق ثلاث): عن مالك بن أنس، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، «عن فاطمة بنت قيس، أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة، وهو غائب بالشام فبعث إليها وكيله بشعير فسخطته فقال: والله ما لك علينا من شيء، فجاءت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال: " ليس لك عليه نفقة (١)». قال الشافعي ﵀: وأبو عمرو ﵄ تطلق امرأته البتة وعلم ذلك النبي ﷺ فأسقط نفقتها لأنه لا رجعة له عليها والبتة التي لا رجعة له عليها ثلاثة، ولم يعب النبي ﷺ طلاق الثلاث، وحكم فيما سواها من الطلاق بالنفقة والسكنى، فإن قال قائل: ما دل على أن البتة ثلاث فهو لو لم يكن سمى أبو عمرو ﵄ ثلاث البتة، أو نوى بالبتة ثلاثا، كانت واحدة يملك الرجعة وعليه نفقتها. ومن زعم أن البتة ثلاث بلا نية المطلق، ولا تسمية ثلاث، قال: إن النبي ﷺ إذا لم يعب الطلاق الذي هو ثلاث، دل على أن الطلاق بيد الزوج، ما أبقى منه أبقى لنفسه، وما أخرج منه من يده لزمه غير محرم عليه، كما لا يحرم عليه أن يعتق رقبة، وألا يخرج من ماله صدقة، وقد يقال له: لو أبقيت ما تستغني به عن الناس كان خيرا لك. فإن قال قائل: ما دل أن أبا عمرو لا يعدو أن يكون سمى ثلاثا أو نوى بالبتة ثلاثا؟ قلنا: الدليل عن رسول الله ﷺ . قال الشافعي ﵀: أخبرنا عمي محمد بن علي بن شافع، عن عبد الله بن علي بن السائب، عن نافع ابن عجير بن عبد يزيد، أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة المزنية البتة، ثم أتى النبي ﷺ فقال: «إني طلقت امرأتي سهيمة البتة والله ما أردت إلا واحدة. فقال النبي ﷺ لركانة: " والله ما أردت إلا واحدة؟ " فردها إليه النبي ﷺ فطلقها الثانية في زمان عمر، والثالثة في زمان عثمان، ﵄ (٢)». قال الشافعي ﵀: أخبرنا مالك عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد، أنه أخبره أنه تلاعن عويمر وامرأته بين يدي النبي ﷺ وهو مع الناس فلما فرغا من ملاعنتهما

стр. 1319

«قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ (١)» - قال مالك: قال ابن شهاب: فكانت تلك سنة المتلاعبين. قال الشافعي ﵀: فقد طلق عويمر ثلاثا بين يدي النبي ﷺ ولو كان ذلك محرما لنهاه عنه، وقال: إن الطلاق وإن لزمك فأنت عاص بأن تجمع ثلاثا، فافعل كذا، كما أمر النبي ﷺ عمر أن يأمر عبد الله بن عمر ﵄، حين طلق امرأته حائضا أن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك، فلا يقر النبي ﷺ بطلاق لا يفعله أحد بين يديه، إلا نهاه عنه، لأنه العلم بين الحق والباطل، لا باطل بين يديه إلا يغيره. قال الشافعي: أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار، قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر يقول: أخبرني المطلب ابن حنطب، أنه طلق امرأته البتة ثم أتى عمر فذكر ذلك له. فقال: ما حملك على ذلك؟ قال: قد فعلته فتلا: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ (٢) ما حملك على ذلك؟ قال: قد فعلته، قال: أمسك عليك امرأتك فإن الواحدة تبت. أخبرنا الربيع، قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن سليمان ابن يسار أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: للتوءمة مثل ما قال للمطلب. قال الشافعي: أخبرنا الثقة، عن الليث بن سعد، عن بكير عن سليمان، أن رجلا من بني زريق طلق امرأته البتة، قال عمر - رضي الله عه -: ما أردت بذلك؟ قال: أتراني أقيم على حرام والنساء كثير؟ فأحلفه فحلف، قال الشافعي ﵀: أراه قال فردها عليه. قال: وهذا الخبر في الحديث في الزرقي، يدل على أن قول عمر بن الخطاب ﵁ للمطلب ما أردت بذلك؟ يريد أواحدة أو ثلاثا؟ فلما أخبره أنه لم يرد به زيادة في عدد الطلاق، وأنه قال: بلا نية زيادة، ألزمه واحدة وهي أقل الطلاق، وقوله ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ (٣) لو طلق فلم يذكر البتة، إذ كانت كلمة محدثة ليست في أصل الطلاق تحتمل صفة الطلاق وزيادة في عدده، ومعنى غير ذلك، فنهاه عن المشكل من القول، ولم ينهه عن الطلاق، ولم يعبه ولم يقل له: لو أردت ثلاثا كان مكروها عليك، وهو لا يحلفه على ما أراد إلا ولو

стр. 1320

أراد أكثر من واحدة ألزمه ذلك. أخبرنا الربيع: قال أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن ابن شهاب، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، وكان أعلمهم بذلك، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن عبد الرحمن طلق امرأته البتة وهو مريض فورثها عثمان منه بعد انقضاء عدتها. قال الشافعي ﵀ أخبرنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن ابن سيرين أن امرأة عبد الرحمن نشدته الطلاق فقال: إذا حضت ثم طهرت فآذنيني فطهرت وهو مريض فآذنته فطلقها ثلاثا، قال الشافعي ﵀: والبتة في حديث مالك بيان هذا الحديث ثلاثا، لما وصفنا من أن يقول طالق البتة ينوي ثلاثا وقد بينه ابن سيرين فقطع موضع الشك فيه. أخبرنا الربيع، قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن محمد بن إياس بن بكير، قال: طلق رجل امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها، ثم بدا له أن ينكحها، فجاء يستفتي فذهبت معه أسأل له، فسأل أبا هريرة، وعبد الله بن عباس ﵄ عن ذلك فقالا: لا نرى أن تنكحها حتى تنكح زوجا غيرك، قال: إنما كان طلاقي إياها واحدة، فقال ابن عباس: إنك أرسلت من يدك ما كان لك من فضل. قال الشافعي ﵀: وما عاب ابن عباس ولا أبو هريرة عليه أن يطلق ثلاثا، ولو كان ذلك معيبا، لقالا له: لزمك الطلاق وبئسما صنعت، ثم سمى حين راجعه فما زاده ابن عباس على الذي هو عليه أن قال له: إنك أرسلت من يدك ما كان لك من فضل، ولم يقل بئسما صنعت، ولا حرجت في إرساله. أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن بكير، عن النعمان ابن أبي عياش الأنصاري عن عطاء بن يسار، قال: جاء رجل يستفتي عبد الله بن عمرو: عن رجل طلق امرأته ثلاثا قبل أن يمسها، قال عطاء فقلت: إنما طلاق البكر واحدة، فقال عبد الله بن عمرو إنما أنت قاض الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره. ولم يقل له عبد الله: بئسما صنعت حين طلقت ثلاثا، أخبرنا الربيع: قال أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد، أن بكيرا أخبره عن النعمان بن أبي عياش أنه كان جالسا عند عبد الله بن الزبير، وعاصم بن عمر فجاءهما محمد بن إياس بن البكير فقال: إن رجلا من أهل البادية طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها فماذا تريان؟ فقال ابن الزبير: إن هذا الأمر ما لنا فيه قول، اذهب إلى ابن عباس وأبي هريرة، فإني تركتهما عند عائشة فسلهما؟ ثم ائتنا فأخبرنا، فذهب فسألهما؟ فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفته يا أبا هريرة، فقد جاءتك معضلة، فقال أبو هريرة ﵁: الواحدة تبينها والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره.

стр. 1321

وقال ابن عباس مثل ذلك ولم يعيبا عليه الثلاث ولا عائشة أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرني مالك عن ابن شهاب عن عروة أن مولاة لبني عدي يقال لها: زبراء أخبرته أنها كانت تحت عبد وهي يومئذ أمة، فعتقت فقالت: فأرسلت إلى حفصة فدعتني يومئذ فقالت: إني مخبرتك خبرا ولا أحب أن تصنعي شيئا، إن أمرك بيدك ما لم يمسك زوجك، فقالت: ففارقته ثلاثا، فلم تقل لها حفصة: لا يجوز لك أن تطلقي ثلاثا. ولو كان ذلك معيبا على الرجل، إذا لكان ذلك معيبا عليها إذا كان بيدها فيه ما بيده. أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا مالك، عن هشام، عن أبيه، عن جهمان، عن أم بكرة الأسلمية أنها اختلعت من زوجها عبد الله بن أسيد، ثم أتيا عثمان في ذلك فقال: هي تطليقة، إلا أن تكون سميت شيئا فهو ما سميت. فعثمان ﵁ يخبره أنه إن سمى أكثر من واحدة كان ما سمى، ولا يقول له: لا ينبغي لك أن تسمي أكثر من واحدة، بل في هذا القول دلالة على أنه جائز له أن يسمي أكثر من واحدة، أخبرنا الربيع، قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن عمر بن عبد العزيز ﵁ قال: البتة ما يقول الناس فيها؟ فقال أبو بكر، فقلت له: كان أبان بن عثمان يجعلها واحدة، فقال عمر: لو كان الطلاق ألفا ما أبقت البتة منه شيئا من قال البتة فقد رمى الغاية القصوى. قال الشافعي: ولم يحك عن واحد منهم على اختلاف في البتة أنه عاب البتة ولا عاب ثلاثا، قال الشافعي قال مالك في المخيرة: إن خيرها زوجها فاختارت نفسها فقد طلقت ثلاثا: وإن قال زوجها: لم أخيرك إلا في واحدة فليس له في ذلك قول، وهذا أحسن ما سمعت. قال الشافعي: فإذا كان مالك يزعم أن من مضى من سلف هذه الأمة قد خيروا وخير رسول الله ﷺ والخيار إذا اختارت المرأة نفسها يكون ثلاثا، كان ينبغي بزعمهم أن الخيار لا يحل، لأنها إذا اختارت كان ثلاثا، وإذا زعم أن الخيار يحل وهي إذا اختارت نفسها طلقت ثلاثا فقد زعم أن النبي ﷺ قد أجاز طلاق ثلاث، وأصحاب النبي ﷺ . قال الشافعي ﵀: أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج عن عكرمة بن خالد، أن سعيد بن جبير أخبره أن رجلا أتى ابن عباس فقال: طلقت امرأتي مائة فقال ابن عباس ﵁ تأخذ ثلاثا وتدع سبعا وتسعين. قال الشافعي: أخبرنا سعيد، عن ابن جريج، أن عطاء ومجاهدا قالا: إن رجلا أتى ابن عباس، فقال: طلقت امرأتي مائة، فقال ابن عباس: تأخذ ثلاثا وتدع سبعا وتسعين. أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء وحده، عن ابن عباس أنه قال: وسبعا وتسعين عدوانا، اتخذت بها آيات الله هزوا، فعاب عليه ابن عباس كل ما زاد عن عدد الطلاق الذي لم يجعله الله إليه ولم يعب عليه ما جعل الله إليه من الثلاث، وفي هذا دلالة على أنه يجوز له عنده أن يطلق ثلاثا ولا يجوز له ما لم يكن إليه. اهـ.

стр. 1322

المذهب الحنبلي وأما المذهب الحنبلي فقد. . . قال ابن قدامة: اختلف الرواية عن أحمد في جمع الثلاث، فروى عنه أنه غير محرم اختاره الخرقي، وهو مذهب الشافعي، وأبي ثور وداود، وروى ذلك عن الحسن بن علي وعبد الرحمن بن عوف، والشعبي، لأن «عويمرا العجلاني لما لاعن امرأته قال: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ (١)» - متفق عليه ولم ينقل إنكار النبي ﷺ . وعن عائشة: «أن امرأة رفاعة جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن رفاعة طلقني فبت طلاقي (٢)» متفق عليه، وفي حديث فاطمة بنت قيس، أن زوجها أرسل إليها بثلاث تطليقات. ولأنه طلاق جاز تفريقه فجاز جمعه كطلاق النساء. وقد أجاب ابن قدامة عن أدلة القائلين بالإباحة جوابا إجماليا. فقال: (٣) وأما حديث المتلاعنين فغير لازم، لأن الفرقة لم تقع بالطلاق، فإنها وقعت بمجرد لعان الزوج فلا حجة فيه. ثم إن اللعان يوجب تحريما مؤبدا، فالطلاق بعده كالطلاق بعد انفساخ النكاح بالرضاعة أو غيره. ولأن جمع الثالث إنما حرم لما يعقبه من الندم، ويحصل به من الضرر ويفوت عليه من حل نكاحها، ولا يحصل ذلك بالطلاق بعد اللعان لحصوله باللعان. وسائر الأحاديث لم يقع فيها جمع الثلاث بين يدي النبي ﷺ فيكون مقرا عليه، ولا حضر المطلق عند النبي ﷺ حين أخبر بذلك لينكر عليه.

стр. 1323

على أن حديث فاطمة قد جاء فيه: أنه أرسل إليه بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها، وحديث امرأة رفاعة جاء فيه أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات متفق عليه، فلم يكن في شيء من ذلك جمع الثلاث. ولا خلاف بين الجميع في أن الاختيار والأولى أن يطلق واحدة ثم يدعها حتى تنقضي عدتها إلا ما حكينا من قول من قال إنه يطلقها في كل قرء طلقة، والأولى أولى، فإن في ذلك امتثالا لأمر الله - سبحانه - وموافقة لقول السلف، وأمنا من الندم، فإنه متى ندم راجعها فإن فاته ذلك بانقضاء عدتها فله نكاحها. وقال ابن حزم: وجدنا من حجة من قال: إن الطلاق الثلاث مجموعة سنة لا بدعة، قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١). فهذا يقع على الثلاث مجموعة ومفرقة ولا يجوز أن يخص بهذه الآية بعض ذلك دون بعض بغير نص. وكذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (٢) عموم لإباحة الثلاث والاثنتين والواحدة. وقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣) فلم يخص تعالى مطلقة واحدة من مطلقة اثنتين ومن مطلقة ثلاثا. ووجدنا ما رويناه من طريق مالك، عن ابن شهاب، أن سهل بن سعد الساعدي أخبره عن حديث لعان عويمر العجلاني مع امرأته، وفي آخره أنه قال: " كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ ثم قال: وأنا مع الناس عند رسول الله ﷺ . قال أبو محمد - ابن حزم - لو كانت طلاق الثلاث مجموعة معصية لله تعالى، لما سكت رسول الله ﷺ عن بيان ذلك فصح يقينا أنها سنة مباحة. وقال بعض أصحابنا: لا يخلو من أن يكون طلقها وهي امرأته، أو طلقها وقد حرمت عليه ووجب التفريق بينهما، فإن كان طلقها وهي امرأته، فليس هذا قولكم، لأن قولكم إنها بتمام اللعان تبين عنه إلى الأبد، وإن كان طلقها أجنبية فإنما نحن فيمن طلق امرأته لا فيمن طلق أجنبية. فقلنا: إنما طلقها وهو يقدر أنها امرأته هذا ما لا يشك فيه أحد، فلو كان ذلك معصية لسبقكم رسول الله - صلى

стр. 1324

الله عليه وسلم - إلى هذا الاعتراض، فإنما حجتنا كلها في ترك رسول الله ﷺ الإنكار على من طلق ثلاثا مجموعة امرأة يظنها امرأته: ولا يشك في عصمته فقط. فإن قالوا: ليس كل مسكوت عن ذكره في الأخبار يكون ترك ذكره حجة، فقلنا: نعم هو حجة لازمة إلا أن يوجد بيان في خبر آخر لم يذكر في هذا الخبر، فحينئذ لا يكون السكوت عنه في خبر آخر حجة. ومن طريق البخاري، نا محمد بن بشار، نا يحيى هو ابن سعيد القطان عن عبيد الله بن عمر، نا القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: «إن رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوجت فطلق، فسئل رسول الله ﷺ أتحل للأول؟ قال: " لا حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول (١)» فلم ينكر ﵊ هذا السؤال، ولو كان لا يجوز لأخبر بذلك، وخبر فاطمة بنت قيس المشهور رويناه من طريق يحيى بن أبي كثير، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن فاطمة بنت قيس أخبرته أن زوجها ابن حفص بن المغيرة المخزومي طلقها ثلاثا ثم انطلق إلى اليمن فانطلق خالد بن الوليد في نفر فأتوا رسول الله ﷺ في بيت ميمونة أم المؤمنين فقالوا إن ابن حفص طلق امرأته ثلاثا فهل لها من نفقة؟ فقال رسول الله ﷺ : «ليس لها نفقة وعليها العدة (٢)» وذكر باقي الخبر. ومن طريق مسلم، نا محمد بن المثنى، نا حفص بن غياث، نا هشام بن عروة، عن أبيه عن فاطمة بنت قيس قالت: قلت: «يا رسول الله إن زوجي طلقني ثلاثا وأنا أخاف أن يقتحم علي قال: فأمرها فتحولت (٣)» ومن طريق مسلم، نا محمد بن المثنى، عبد الرحمن بن مهدي، نا سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس، عن النبي ﷺ في الطلقة ثلاثة قال: «ليس لها سكنى ولا نفقة (٤)». فهذا نقل تواتر عن فاطمة بأن رسول الله ﷺ أخبرنا هي ونفر سواها بأن زوجها طلقها ثلاثا (٥) وبأنه ﵊ حكم في المطلقة ثلاثا ولم ينكر ﵊ ذلك ولا أخبر بأنه ليس بسنة، وفي هذا كفاية لمن نصح نفسه. فإن قيل: إن الزهري روى عن أبي سلمة هذا الخبر فقال فيه: أنها ذكرت أنه طلقها آخر ثلاث طلقات وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن زوجها أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها فذكر الخبر وفيه: فأرسل مروان إليها قبيصة بن ذؤيب فحدثته وذكر باقي الخبر. قلنا: نعم، هكذا رواه الزهري، فأما روايته من طريق عبيد الله بن عبد الله فمنقطعة، لم يذكر عبيد الله ذلك عنها ولا عن قبيصة عنها، إنما قال: إن فاطمة طلقها زوجها وأن مروان بعث إليها قبيصة فحدثته، وأما خبره عن

стр. 1325

أبي سلمة فمتصل، إلا أن كلا الخبرين ليس فيهما أن رسول الله ﷺ أخبرته هي ولا غيرها بذلك، إنما السند الصحيح الذي فيه أنه ﵊ سأل عن كمية طلاقها؟ وأنها أخبرته فهي التي قدمنا أولا، وعلى ذلك الإجمال جاء حكمه ﵊ وكذلك كل لفظ روي به خبر فاطمة من (أبت طلاقها) و (طلقها البتة) و (طلقها طلاقا باتا) و (طلاقا بائنا) فليس في شيء منه أن رسول الله ﷺ وقف عليه أصلا فسقط كل ذلك وثبت حكمه ﵊ على ما صح أنه، أخبر به من أنه طلقها ثلاثا فقط. وأما الصحابة ﵃ فإن الثابت عن عمر ﵁ الذي لا يثبت عنه غيره، ما رويناه من طريق عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، نا زيد بن وهب: أنه رفع إلى عمر بن الخطاب برجل طلق امرأته ألفا فقال له عمر: أطلقت امرأتك؟ فقال: إنما كنت ألعب، فعلاه عمر بالدرة، وقال: إنما يكفيك من ذلك ثلاث، فإنما ضربه عمر على الزيادة على الثلاث، وأحسن عمر في ذلك، وأعلمه أن الثلاث تكفي ولم ينكرها. ومن طريق وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال: إني طلقت امرأتي ألفا، فقال له علي: بانت منك بثلاث، وأقسم سائرهن بين نسائك، فلم ينكر جمع الثلاث. ومن طريق وكيع، عن جعفر بن برقان، عن معاوية بن أبي يحيى قال: جاء رجل إلى عثمان بن عفان فقال: طلقت امرأتي ألفا، فقال: بانت منك بثلاث. . . فلم ينكر الثلاث. ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري، عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس: طلقت امرأتي ألفا، فقال له ابن عباس: ثلاث تحرمها عليك، وبقيتها عليك وزرا، اتخذت آيات الله هزوا، فلم ينكر الثلاث، وأنكر ما زاد. والذي جاء عنه من قوله لمن طلق ثلاثا ثم ندم: لو اتقيت الله لجعل لك مخرجا، وهو على ظاهره، نعم إن اتقى الله جعل له مخرجا، وليس فيه أن طلاقه الثلاث معصية. ومن طريق عبد الرزاق عن معمر، عن الأعمش، عن إبراهيم عن علقمة قال: جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: إني طلقت امرأتي تسعة وتسعين، فقال له ابن مسعود: ثلاث تبينها، وسائرها عدوان. وهذان خبران في غاية الصحة، لم ينكر ابن مسعود وابن عباس الثلاث مجموعه أصلا، وإنما أنكر الزيادة على الثلاث.

стр. 1326

ومن طريق أحمد بن شعيب، أنا عمرو بن علي، نا يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق السبعي عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: طلاق السنة أن يطلقها طاهرا من غير جماع، وهذا في غاية الصحة عن ابن مسعود فلم يخص طلقة من طلقتين من ثلاث. فإن قيل: قد روى الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود وفيه: فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى، فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى. قلنا نعم، هذا أيضا سنة، وليس فيه أن ما عدا ذلك حرام وبدعة، فإن قيل: قد رويتم من طريق حماد بن زيد، نا يحيى بن عتيق، عن محمد بن سيرين، قال: قال علي بن أبي طالب: لو أن الناس أخذوا بأمر الله تعالى في الطلاق ما يبيح رجل نفسه في امرأة أبدا يبدأ فيطلقها تطليقة ثم يتربص ما بينها وبين أن تنقضي عدتها فمتى شاء راجعها. قلنا: هذا منقطع عنه، لأن ابن سيرين لم يسمع من علي كلمة، ثم ليس فيه أيضا أن ما عدا ذلك معصية ولا بدعة لا يعلم عن الصحابة ﵃ غير ما ذكرنا، وأما التابعون فروينا من طريق وكيع عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن الشعبي قال: قال رجل لشريح القاضي: طلقت امرأتي مائة، فقال: بانت منك بثلاث، وسبع وتسعون إسراف ومعصية. فلم ينكر شريح الثلاث، وإنما جعل الإسراف والمعصية ما زاد على الثلاث، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال؟: طلاق العدة أن يطلقها إذا طهرت من الحيضة بغير جماع. قال أبو محمد: فلم يخص واحدة من ثلاث من اثنتين لا يعلم عن أحد من التابعين أن الثلاث معصية، صرح بذلك، إلا الحسن، والقول بأن الثالث سنة هو قول للشافعي وأبي ذر وأصحابهما. وقال ابن أبي شيبة (١): " ومن رخص الرجل أن يطلق ثلاثا في مجلس " حدثنا أبو أسامة، عن هشام قال: سئل محمد عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا في مقعد واحد، قال: لا أعلم بذلك بأسا، قد طلق عبد الرحمن بن عوف امرأته ثلاثا فلم يعب عليه ذلك. حدثنا أبو أسامة، عن ابن عون عن محمد قال: كان لا يرى بذلك بأسا، حدثنا غندر عن شعبة، عن عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبي، في رجل أراد أن تبين منه امرأته، قال: يطلقها ثلاثا.

стр. 1327

المسألة الثانية ما يترتب على إيقاع الطلاق الثلاث بلفظ واحد وفي ذلك مذاهب " المسألة الثانية ما يترتب على إيقاع الطلاق الثلاث بلفظ واحد وفي ذلك مذاهب ". المذهب الأول أن الرجل إذا طلق زوجته ثلاثا بلفظ واحد وقعت ثلاثا دخل بها أو لا . ذكر من قال بهذا القول: وقال الكاساني: وأما حكم طلاق البدعة: فهو أنه واقع عند عامة العلماء، وقد ذكر هذا بعد سياقه للألفاظ التي يقع بها طلاق البدعة وذكر منها الثلاث بلفظ واحد (١). وقال ابن الهمام: وذهب جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين إلى أنه يقع ثلاثا (٢). وقال الطحاوي: بعد سياقه لأدلة وقوعها ثلاثا - (٣) فهذا كله قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد - رحمة الله عليهم أجمعين. وقال سحنون بن سعيد التنوخي: قلت (٤): أرأيت إن طلقها ثلاثا وهي حامل في مجلس واحد أو مجالس شتى، أيلزمه ذلك أم لا؟ قال: قال مالك يلزمه ذلك. وقال الحطاب (تنبيه) قال أبو الحسن في شرح كلام المدونة المتقدمة صورته: أن يقول لها أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق في مجلس واحد، فإن كان على غير هذه الصفة كما إذا قال: أنت طالق ثلاثا في كلمة واحدة، فقال عبد الحميد الصائغ: ثلاث تطليقات في كلمة أشد منه في ثلاثة مجالس، وفي ثلاثة مجالس أشد منه في ثلاثة أطهار، وكلما طلق يلزمه. . انتهى. . . " (٥).

стр. 1328

وقال الباجي: إذا ثبت ذلك (١) أي كلامه على تحريم إيقاع الثلاث بلفظ واحد، فمن أوقع الطلاق الثلاث بلفظة واحدة لزمه ما أوقعه من الثلاث وبه قال جماعة الفقهاء. وقال القرطبي: قال علماؤنا: واتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة، وهو قول جمهور السلف (٢). وقد سبق أدلة كثيرة عن الإمام الشافعي ﵀ في الكلام على المسألة الأولى وأنه يوقعها ثلاثا. وقال الشيرازي: " وإن قال لغير المدخول بها أنت طالق ثلاثا وقع الثلاث لأن الجميع صادف الزوجية فوقع الجميع كما لو قال ذلك للمدخول بها. . . " (٣) ٤. وقال ابن قدامة: وإن طلق ثلاثا بكلمة واحدة وقع الثلاث وحرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، ولا فرق بين قبل الدخول وبعده، روى ذلك عن ابن عباس، وأبي هريرة، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وابن مسعود، وأنس، وهو قول أكثر أهل العلم من التابعين، والأئمة بعدهم (٤). وقال المرداوي: وإن طلقها ثلاثا مجموعة قبل رجعة مرة واحدة طلقت ثلاثا وإن لم ينوها على الصحيح من المذهب نص عليه مرارا وعليه الأصحاب بل الأئمة الأربعة ﵏ وأصحابهم في الجملة (٥). وقال شيخ الإسلام - في أثناء الكلام على بيان المذاهب في ذلك - الثاني أنه طلاق محرم لازم وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في الرواية المتأخرة عنه، اختارها أكثر أصحابه وهذا قول منقول عن كثير من السلف من الصحابة والتابعين (٦). وقال ابن القيم: فاختلف الناس فيها - أي وقوع الثلاث بكلمة واحدة - على أربعة مذاهب: أحدها: أنه يقع وهذا قول الأئمة الأربعة وجمهور التابعين، وكثير من الصحابة. . . (٧)

стр. 1329

وقال يوسف بن عبد الرحمن بن عبد الهادي: الفصل الأول في أن الطلاق الثلاث يقع ثلاثا هذا هو الصحيح من المذهب، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره كما سيأتي، وهذا القول مجزوم به في أكثر كتب أصحاب الإمام أحمد كالخرقي والمقنع والمحرر والهداية وغيرهم، من كتب أصحاب الإمام أحمد ولا يعدل عنه. قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس «كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر واحدة بأي شيء تدفعه (١)»؟ فقال برواية الناس عن ابن عباس أنها ثلاث " وقدمه في الفروع وجزم به في المغني، وأكثرهم لم يحك غيره والله أعلم بالصواب (٢). وقال أيضا: (٣). الفصل الثاني فيمن قال بهذا القول ومن أفتى به: قال به ابن عباس غير مرة، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعثمان، وعلي، وابن مسعود وهو قول أكثر أهل العلم، وبه قال أحمد، والشافعي، وأبو حنيفة، ومالك، وأنس، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، وقال به من أصحابنا الخرقي، والقاضي وأبو بكر، وابن حامد، وابن عقيل، وأبو الخطاب، والشيرازي، والشيخ موفق الدين، والشيخ مجد الدين - وليس مطلقا كما سيأتي - والشريف حتى أكثر أصحاب الإمام أحمد على هذا القول. وفي إجماع ابن المنذر ما يدل على أنه إجماع ليس بصريح فيه. وهذا القول اختاره ابن رجب، وقد صنف ردا على من قال بخلافه، والله أعلم بالصواب. وقال ابن عبد الهادي: قال ابن رجب: أعلم أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من الأئمة السلف المعتد بقولهم في الفتاوي في الحلال والحرام شيء صريح في أن الطلاق الثلاث بعد الدخول يحسب واحدة إذا سبق بلفظ واحد (٤). وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: وعلى هذا القول - أي اعتبارها ثلاثا - جل الصحابة وأكثر العلماء منهم الأئمة الأربعة. اهـ (٥) وقد استدل لهذا المذهب بالكتاب والسنة والإجماع والآثار والقياس. أما الكتاب فأولا قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٦).

стр. 1330

قال أبو بكر الرازي تحت عنوان: " ذكر الحجاج لإيقاع الطلاق الثلاث معا " قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١). الآية، يدل على وقوع الثلاث معا مع كونه منهيا عنه، وذلك لأن قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٢). قد أبان عن حكمة إذا أوقع اثنتين بأن يقول: أنت طالق، أنت طالق في طهر واحد وقد بينا أن ذلك خلاف السنة، فإذا كان في مضمون الآية الحكم بجواز وقوع الاثنتين على هذا الوجه دل ذلك على صحة وقوعهما لو أوقعهما معا، لأن أحدا لم يفرق بينهما. وفيها الدلالة عليه من وجه آخر وهو قوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٣) فحكم بتحريمها عليه بالثالثة بعد الاثنتين ولم يفرق بين إيقاعهما في طهر واحد أو في أطهار، فوجب الحكم بإيقاع الجميع على أي وجه أوقعه من مسنون أو غير مسنون ومباح أو محظور. فإن قيل: قد دللت في معنى الآية أن المراد بها بيان المندوب إليه والمأمور به من الطلاق وإيقاع الطلاق الثلاث معا خلاف المسنون عندك، فكيف تحتج بها في إيقاعها على غير الوجه المباح والآية لم تتضمنها على هذا الوجه؟ قيل له: قد دلت الآية على هذه المعاني كلها من إيقاع الاثنتين والثلاث لغير السنة وأن المندوب إليه والمسنون تفريقها في الأطهار وليس يمتنع أن يكون مراد الآية جميع ذلك، ألا ترى أنه لو قال: طلقوا ثلاثا في الأطهار وإن طلقتم جميعا معا وقعن كان جائزا، وإذا لم يتناف المعنيان واحتملتهما الآية وجب حملها عليهما. فإن قيل: معنى هذه الآية محمول على ما بينه بقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٤) وقد بين الشارع الطلاق للعدة، وهو أن يطلقها في ثلاثة أطهار إن أراد إيقاع الثلاث، ومتى خالف ذلك لم يقع طلاقه. قيل له: نستعمل الآيتين على ما تقتضيانه من أحكامهما فنقول: إن المندوب إليه والمأمور به هو الطلاق للعدة على ما بينه في هذه الآية، وإن طلق لغير العدة وجمع الثلاث وقعن لما اقتضته الآية الأخرى وهي قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٦) إذ ليس في قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ (٧) نفي لما اقتضه هذه الآية الأخرى، على أن في فحوى الآية التي فيها ذكر الطلاق للعدة دلالة على وقوعها إذا طلق لغير العدة، وهو قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٨) إلى قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (٩) فلولا أنه إذا طلق لغير العدة وقع ما كان ظالما لنفسه بإيقاعه، ولا كان ظالما لنفسه بطلاقه.

стр. 1331

وفي هذه الآية دلالة على وقوعها إذا طلق لغير العدة، ويدل عليه قوله تعالى في نسق الخطاب: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (١) يعني - والله أعلم - أنه إذا وقع الطلاق على ما أمره الله كان له مخرجا مما أوقع إن لحقه ندم وهو الرجعة، وعلى هذا المعنى تأوله ابن عباس حين قال للسائل الذي سأله وقد طلق ثلاثا: إن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٢) وإنك لم تتق الله فلم أجد لك مخرجا، عصيت ربك وبانت منك امرأتك، ولذلك قال علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه -: لو أن الناس أصابوا حد الطلاق ما ندم رجل طلق امرأته. فإن قيل: لما كان عاصيا في إيقاع الثالث معا لم يقع؛ إذ ليس هو الطلاق المأمور به، كما لو وكل رجل رجلا بأن يطلق امرأته ثلاثا في ثلاثة أطهار لم يقع إذا جمعهن في طهر واحد. قيل له: أما كونه عاصيا في الطلاق فغير مانع صحة وقوعه لما دللنا عليه فيما سلف، ومع ذلك فإن الله جعل الظهار منكرا من القول وزورا، وحكم مع ذلك بصحة وقوعه، فكونه عاصيا لا يمنع لزوم حكمه والإنسان عاص لله في ردته عن الإسلام، ولم يمنع عصيانه من لزوم حكمه وفراق امرأته، وقد نهاه الله من مراجعتها ضرارا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ (٣) فلو راجعها وهو يريد ضرارها لثبت حكمها وصحت رجعته. وأما الفرق بينه وبين الوكيل فهو: أن الوكيل إنما يطلق لغيره وعنه يعبر وليس يطلق لنفسه ولا يملك ما يوقعه. ألا ترى أنه لا يتعلق به شيء من حقوق الطلاق وأحكامه، فلما لم يكن مالكا لما يوقعه، وإنما يصح إيقاعه لغيره من جهة الأمر إذ كانت أحكامه تتعلق بالأمر دونه لم يقع متى خالف الأمر، وأما الزوج فهو مالك الطلاق وبه تتعلق أحكامه وليس يوقع لغيره فوجب أن يقع من حيث كان مالكا للثلاث وارتكاب النهي في طلاقه غير مانع وقوعه كما وصفنا في الظهار والرجعة والردة وسائر ما يكون به عاصيا، ألا ترى أنه لو وطأ أم امرأته بشبهة حرمت عليه امرأته وهذا المعنى الذي ذكرناه من حكم الزوج في ملكه للثلاث من الوجوه التي ذكرنا يدل على أنه إذا أوقعهن معا وقع إذ هو موقع لما ملك. اهـ. وقال القرطبي: في تفسير قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٤): ترجم البخاري على هذه الآية باب من أجاز الطلاق الثلاث لقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٥) وهذه إشارة منه إلى أن هذا التعديد إنما هو فسحة لهم فمن ضيق على نفسه لزمه. اهـ.

стр. 1332

وقال العيني: وجه الاستدلال به أن قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (١) معناه مرة بعد مرة فإذا جاز الجمع بين اثنتين جاز بين الثلاث وأحسن منه أن يقال، إن قوله تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢) عام تناول لإيقاع الثلاث دفعة واحدة، وقال ابن أبي حاتم: أنا يونس بن عبد الأعلى قراءة عليه، أنا ابن وهب، أخبرني سفيان الثوري، حدثني إسماعيل بن سميع، سمعت أبا رزين يقول: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله أرأيت قول الله : ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣)، أين الثالثة؟ قال: " التسريح بالإحسان» هذا إسناده صحيح، ولكنه مرسل ورواه ابن مردويه من طريق قيس بن الربيع عن إسماعيل بن سميع عن أبي رزين مرسلا قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبد الرحيم، حدثنا أحمد بن يحيى حدثنا عبيد الله بن جرير بن خالد، حدثنا ابن عائشة، عن حماد بن سلمة، عن قتادة عن أنس ابن مالك ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله ذكر الله الطلاق مرتين، فأين الثالثة؟ قال: " إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان». اهـ (٤). وقد سبقت مناقشة ابن القيم لهذه الآية وبين أنها دليل على عدم وقوع الثلاث وذلك عند الكلام عليها في المسألة الأولى. وقال الشيخ جمال الدين الإمام ردا على الاستدلال بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٥) وبين أنها لا تدل على وقوع الثالث قال (٦): فصل: ومما يبين ويوضح بطلان تركيبهم شرعا ولغة في الطلاق الثلاث وغيره: أن لفظ التعدد فيه منصوب نصب المصدر، فإن تقدير الكلام طلقتك طلاقا ومعنى المصدر في الكلام طلقتك تطليقات ثلاث، ومعنى المصدر في الكلام إنما هو حكاية حال الفعل في صدوره عن الفاعل. والفعل له حالتان في صدوره عن الفاعل: حالة يكون فيها خبرا عما صدر وقوعه من الفاعل في الماضي وحالة يكون فيها أداة لما يستعمل فيه من إنشاء العقود والفسوخ استعارة أو اشتراكا، فإذا أريد به الحكاية والخبر عن الماضي، فإن أريد به إخبار عن حقيقة الفعل ونفي المجاز عنه اتبع بالمصدر مطلقا. وأما إذا استعمل الماضي في إنشاء عقد أو فسخ سواء قيل إنه على وجه الاستعارة أو الاشتراك فإن أريد حقيقة العقد أو الفسخ اتبع المصدر مثل: طلقتها تطليقا، وأما إن أريد تعدد العقد أو الفسخ بلفظ واحد في مرة واحدة بمنزلة تعدده بالتكرار مرة بعد مرة وأتبع بالعدد وحده، أو مضافا إلى المصدر المجموع، مثل طلقتك ثلاثا وقصد به التعدد، أو قال في اللعان أشهد بالله خمسا، أو خمس شهادات، أو قال في القسامة أقسم بالله

стр. 1333

خمسين يمينا أو قال بعد الصلاة: " سبحان الله " مرة ثم قال: " ثلاثا وثلاثين " وكذا " الحمد لله " وكذا " الله أكبر " وكذا لو قال في اليوم مرة واحدة " سبحان الله وبحمده " وأتبعها مائة مرة لم يكن بتكراره في الأيام والأوقات والعدد: فأما غير الطلاق فلا خلاف فيه، وأما الطلاق فوقع الغلط فيه من بعد الصحابة. ثانيا: قال النووي: واحتج الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (١). قالوا: معناه أن المطلق قد يحدث له ندم فلا يمكنه تداركه لوقوع البينونة فلو كانت الثلاث لا تقع لم يقع طلاقه إلا رجعيا فلا يندم (٢) قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (٣): ومما يؤيد هذا الاستدلال القرآني ما أخرجه أبو داود بسند صحيح عن طريق مجاهد قال: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل فقال إنه طلق امرأته ثلاثا، فسكت، حتى ظننت أنه سيردها إليه، فقال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة ثم يقول: يا ابن عباس، الله قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٤) وإنك لم تتق الله، فلا أجد لك مخرجا، عصيت ربك، وبانت امرأتك. . وأخرج له أبو داود متابعات عن ابن عباس بنحوه، وهذا تفسير من ابن عباس للآية بأنها يدخل في معناها ومن يتق الله، ولم يجعل الطلاق في لفظة واحدة يجعل له مخرجا بالرجعة، ومن لم يتقه في ذلك بأن جمع الطلقات في لفظ واحد لم يجعل له مخرجا لوقوع البينونة بينها مجتمعة، هذا هو معنى كلامه الذي لا يحتمل غيره، وهو قوي جدا في محل النزاع لأنه مفسر به قرآنا، وهو ترجمان القرآن، وقد قال ﷺ : «اللهم علمه التأويل (٥)». ثالثا: قال ابن عبد الهادي: (٦) نقلا عن ابن رجب: قوله في سياق آيات ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ (٧) قال الحسن: " كان الرجل في عهد النبي ﷺ يطلق ويقول: كنت لاعبا، ويعتق ويقول: كنت لاعبا ويزوج ابنه ويقول كنت لاعبا فقال رسول الله ﷺ : «ثلاث من قالهن لاعبا جائزات عليهم: العتاق، والطلاق، والنكاح (٨)» فأنز الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ (٩).

стр. 1334

وقال ابن عبد الهادي ردا على ابن رجب في استدلاله بالآيات التي سبقت (١) وأما استدلاله بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢) إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٣). قال: فليس بمسلم، لأن في حديث ركانة قال له " راجعها " تلا هذه الآية فهذه الآية دليل لنا لا لكم، لأن النبي ﷺ لما قضى له بهذا استدل بالآية، فلو كان فيها دليل عليه لم يستدل بها، واستدلاله بالآية يقول ابن عباس، فإن ابن عباس قد صح عنه أنه كان يفتي بهذا القول - أي واحدة - كما تقدم فليس لكم في الآية دليل. وأما استدلاله بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ (٤) واستدلاله بالحديث أي حديث الحسن وقد مضى مع الآية - فالآية والحديث ليس فيهما دليل له، لأنه لم يثبت طلاق الثلاث بالكلية، وإنما كان يطلق ويقول كنت لاعبا فنزلت هذه الآية، إن الطلاق لا لعب فيه فليس في هذا دليل. وأما استدلاله بالآية الآخرى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٥) فليس فيها دليل أيضا، لأن الطلاق هنا لم يذكر أنه بلفظة واحدة، بل الآية فيها إذا أتى بالطلاق مرة بعد أخرى، وليس في الآيات دليل له، بل كلها دليل عليه. وأما السنة فقد استدلوا بالأدلة الآتية: الدليل الأول: ما ثبت في الصحيحين (٦) في قصة لعان عويمر وزوجته وفيه: فلما فرغا «قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ (٧)» - قال ابن شهاب فكانت سنة المتلاعنين. متفق عليه. قال النووي (٨): واستدل به أصحابنا على أن جمع الطلقات الثلاث بلفظ واحد ليس حراما، وموضع الدلالة أنه لا ينكر عليه إطلاق لفظ الثلاث.

стр. 1335

وقد يعترض على هذا فيقال: إنما لم ينكره عليه، لأنه لم يصادف الطلاق محلا مملوكا له ولا نفوذا. ويجاب عن هذا الاعتراض بأنه لو كان الثلاث محرما لأنكر عليه، وقال له: كيف ترسل لفظ الطلاق الثلاث مع أنه حرام، والله أعلم. وقال ابن نافع من أصحاب مالك: إنما طلقها ثلاثا بعد اللعان، لأنه يستحب إظهار الطلاق بعد اللعان، مع أنه قد حصلت الفرقة بنفس اللعان، وهذا فاسد، وكيف يستحب للإنسان أن يطلق من صارت أجنبية. وقال محمد بن أبي صفرة المالكي: لا تحصل الفرقة بنفس اللعان، واحتج بطلاق عويمر وبقوله: إن أمسكتها، وتأوله الجمهور كما سبق، والله أعلم، وأما قوله: " قال ابن شهاب فكانت سنة المتلاعنين " فقد تأوله ابن نافع المالكي على أن معناه استحباب الطلاق بعد اللعان كما سبق، وقال الجمهور معناه حصول الفرقة بنفس اللعان. وقال شيخ الإسلام (١) وأما الملاعن فإن طلاقه وقع بعد البينونة أو بعد وجوب الإبانة التي تحرم بها المرأة أعظم مما يحرم بالطلقة الثالثة، فكان مؤكدا لموجب اللعان، والنزاع إنما هو طلاق من يمكنه إمساكها، لا سيما والنبي ﷺ قد فرق بينها، فإن كان ذلك قبل الثلاث لم يقع بها ثلاث ولا غيرها، وإن كان بعدها دل على بقاء النكاح، والمعروف أنه فرق بينهما بعد أن طلقها ثلاثا، فدل ذلك على أن الثلاث لم يقع بها، إذ لو وقعت لكانت قد حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، وامتنع حينئذ أن يفرق النبي ﷺ بينهما لأنهما صارا أجنبيين. ولكن غاية ما يمكن أن يقال: حرمها عليه تحريما مؤبدا. فيقال: فكان ينبغي أن يحرمها عليه لا يفرق بينهما، فلما فرق بينهما دل على بقاء النكاح، وأن الثلاث لم تقع جميعا، بخلاف ما إذا قيل: إنه يقع بها واحدة رجعية فإنه يمكن فيه حينئذ أن يفرق بينهما. وقول سهل بن سعد: فأنفذه عليه رسول الله ﷺ دليل على أنه محتاج إلى إنفاذ النبي ﷺ واختصاص الملاعن بذلك ولو كان من شرعه أنها تحرم بالثلاث لم يكن للملاعن اختصاص ولا يحتاج إلى إنفاذ، فدل على أنه لما قصد الملاعن بالطلاق الثلاث أن تحرم عليه أنفذ النبي ﷺ مقصوده بل زاده، فإن تحريم اللعان أبلغ من تحريم الطلاق، إذ تحريم اللعان لا يزول وإن نكحت زوجا غيره، وهو مؤبد في أحد قولي العلماء لا يزول بالتوبة. وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: بعد ذكره لاستدلال البخاري بحديث عويمر، ووجه الدلالة والاعتراض عليها، والجواب عن الاعتراض من وجهين، وكل ذلك سبق نقله عن النووي إلا الوجه الثاني، قال (٢) وبأن الفرقة لم يدل على أنها بنفس اللعان كتاب ولا سنة صريحة ولا إجماع.
следующие страницы →