← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 13056–13095 · переход к 13061.

стр. 13056

قصب السبق في هذا المجال، وقد وجدت منهم من أفردها بالبحث والتأليف والتصنيف كابن عابدين من الحنفية، وعبد الله أحمد الشهير بالطاهر من المالكية، مع ما هو مدون في بطون أمهات الكتب عن أحكام التبليغ خلف الإمام في كتب أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم. ولما تصفحت هذه الكتب وقرأت ما لم أكن أعرفه من قبل عن حكم التبليغ خلف الإمام أردت أن أجمع شتات ما قرأت وأرتبه وأظهر منه بنتيجة يستفيد منها من حصل له وقفة في حكم هذه المسألة كما حصل لي خاصة أنها تتعلق بالصلاة التي هي ثاني أركان الإسلام، وبها يستقيم دين الإنسان، والمحافظة عليها مطلوبة بنص القرآن، وتضييعها مدعاة للويل والعذاب والخسران. ومن المحافظة عليها المحافظة على أركانها وشروطها وواجباتها والابتعاد عن كل ما من شأنه أن يجلب النقص ويسيء إليها حيث يقول جل شأنه: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ (٢). . إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (٣). قال القرطبي (٤) ﵀ فالدوام خلاف المحافظة، فدوامهم عليها أن يحافظوا على أدائها لا يخلون بها ولا يشتغلون عنها بشيء من الشواغل، ومحافظتهم عليها أن يراعوا إسباغ الوضوء لها ومواقيتها ويقيموا أركانها ويكملوها بسننها وآدابها ويحفظوها من الإحباط باقتراب المأثم، فالدوام يرجع إلى نفس الصلوات، والمحافظة إلى أحوالها " ا. هـ وفقنا الله جميعا للمحافظة على الصلاة وأدائها على الوجه الأكمل الموافق لما شرعه الله،

стр. 13057

وصلى الله وسلم على رسوله محمد ﷺ وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 13058

معنى التبليغ: التبليغ مصدر بلغ بمعنى أوصل، يقال: بلغه السلام إذا أوصله، وبلغ الكتاب بلوغا أي وصل، فالتبليغ بمعنى الإيصال، وذلك الإبلاغ (١). والمراد بالتبليغ هنا: إيصال صوت الإمام للمأمومين (٢). بالتكبير والتحميد والسلام وذلك بالدخول في الصلاة والخروج منها والانتقال إلى أجزائها (٣). والسنة في حق الإمام الجهر بالتكبير كله وكذا التسميع والسلام والقراءة الجهرية وذلك بأن يسمع من خلفه وأدناه سماع غيره (٤). وقد دلت الأدلة على ذلك ومنها ما يأتي: ١) - ما روى سعيد بن الحارث (٥). قال: «صلى لنا أبو سعيد فجهر بالتكبير حين رفع رأسه من السجود وحين سجد وحين رفع وحين قام من الركعتين وقال: هكذا رأيت النبي ﷺ (٧)»

стр. 13059

ووجه الاستدلال من الحديث أن فيه التصريح بالجهر بالتكبير من أبي سعيد ﵁ وبيان أنه رأى النبي ﷺ يفعل ذلك. ٢) - ما روى أبو هريرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم ثم يكبر حين يركع ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد ثم يكبر حين يهوي ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يكبر حين يسجد ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس (١)». ووجه الاستدلال منه أن فعله ﷺ للتكبير ونقل الصحابة له دليل على أنه كان يجهر به. ٣) ما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ٢ «إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد وإذا سجد فاسجدوا وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون (٢)». ووجه الاستدلال منه أن قوله ﷺ : «فإذا كبر فكبروا (٣)» دليل على الجهر بالتكبير وإلا فكيف يكبر المأموم بعد تكبير الإمام لو كان الإمام يسر بالتكبير. ومن الأدلة السابقة نعلم أن الجهر بالتكبير من قبل الإمام سنة وهو مطلوب لما فيه من متابعة المأمومين للإمام واقتدائهم به، ويكون الجهر بالتكبير حسب الحاجة فإن زاد الإمام بالجهر به على الحاجة زيادة كبيرة كره ذلك لما قد يسببه من تشويش على المصلين في صلاتهم (٤).

стр. 13060

وقد قال علماء المالكية: إن الأفضل للإمام والمأموم رفع صوت الإمام بجميع التكبير وسمع الله لمن حمده ليقتدي به المأمومون من غير احتياج المسمع وهذه هي السنة التي كان عليها السلف الصالح ﵃ (١).

стр. 13061

إذا كان صوت الإمام لا يبلغ المصلين: جميع التكبيرات والتسميع والتحميد والتسليم تكون من الإمام فإن كان صوته لا يبلغ من وراءه إما لضعف في صوت الإمام أو لكثرة المصلين وبعدهم عن الإمام أو غير ذلك فينبغي التبليغ عنه من أحد المأمومين. قال ابن قدامة في المغني: " ويستحب للإمام أن يجهر بالتكبير بحيث يسمع المأمومين ليكبروا فإنهم يجوز لهم التكبير إلا بعد تكبيره فإن لم يمكنه إسماعهم جهر بعض المأمومين ليسمعهم أو ليسمع من لا يسمع الإمام " ا. هـ (١). وقال النووي: " يسن للإمام الجهر بتكبيرات الصلاة كلها ويقول: سمع الله لمن حمده ليعلم المأمومون انتقاله فإن كان ضعيف الصوت لمرض وغيره فالسنة أن يجهر المؤذن أو غيره من المأمومين جهرا يسمع الناس وهذا لا خلاف فيه " ا. هـ (٢). وقال في موضع آخر: " يستحب للإمام أن يجهر بتكبيرة الإحرام وبتكبيرات الانتقالات ليسمع المأمومين فيعلموا صحة صلاته فإن كان المسجد كبيرا لا يبلغ صوته إلى جميع أهله أو كان ضعيف الصوت لمرض ونحوه أومن أصل خلقته بلغ عنه بعض المأمومين أو جماعة منهم حسب الحاجة (٣).

стр. 13062

و الأصل في مشروعية التبليغ خلف الإمام ما يأتي: ١) عن جابر ﵁ قال: «اشتكى رسول الله ﷺ فصلينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر يسمع الناس تكبيره فالتفت إلينا فرآنا قياما فأشار إلينا فقعدنا فصلينا بصلاته قعودا فلما سلم قال: إن كدتم آنفا لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا ائتموا بأئمتكم إن صلى قائما فصلوا قياما وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا (١)». وفي رواية عن جابر ﵁ قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ وأبو بكر خلفه فإذا كبر رسول الله ﷺ كبر أبو بكر ليسمعنا؟ (٢)». ٢) - عن عائشة ﵂-قالت: لما مرض النبي ﷺ مرضه الذي مات فيه أتاه بلال يؤذنه بالصلاة فقال: مروا أبا بكر فليصل قلت: إن أبا بكر رجل أسيف إن يقم مقامك يبك فلا يقدر على القراءة، قال: مروا أبا بكر فليصل فقلت مثله فقال في الثالثة أو الرابعة: إنكن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل فصلى وخرج النبي ﷺ يهادى بين رجلين كأني أنظر إليه يخط برجليه الأرض فلما رآه أبو بكر ذهب يتأخر فأشار إليه أن صل فتأخر أبو بكر ﵁ وقعد النبي ﷺ إلى جنبه وأبو بكر يسمع الناس التكبير (٣).

стр. 13063

٣) - وعن عائشة ﵂ قالت: «لما ثقل رسول الله ﷺ جاء بلال يؤذنه بالصلاة فقال: مروا أبا بكر أن يصلي بالناس فقلت: يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف وإنه متى ما يقم مقامك لا يسمع الناس فلو أمرت عمر فقال: مروا أبا بكر يصلي فقلت لحفصة قولي له: إن أبا بكر رجل أسيف وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس فلو أمرت عمر قال: إنكن لأنتن صواحب يوسف مروا أبا بكر أن يصلي بالناس فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله ﷺ في نفسه خفة فقام يهادى بين رجلين ورجلاه يخطان في الأرض حتى دخل المسجد فلما سمع أبو بكر حسه ذهب أبو بكر يتأخر فأومأ إليه رسول الله ﷺ فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر فكان أبو بكر يصلي قائما وكان رسول الله ﷺ يصلي قاعدا يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ والناس مقتدون بصلاة أبي بكر ﵁ (١)». قال النووي: " قولها: وأبو بكر يسمع الناس التكبير فيه جواز رفع الصوت بالتكبير ليسمعه الناس ويتبعوه، وأنه يجوز للمقتدي اتباع صوت المكبر وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور ونقلوا فيه الإجماع وما أراه يصح الإجماع فيه فقد نقل القاضي عياض عن مذهبهم أن منهم من أبطل صلاة المقتدي ومنهم من لم يبطلها ومنهم من قال: إن أذن الإمام في الإسماع صح الاقتداء وإلا فلا، ومنهم من أبطل صلاة المسمع ومنهم من صححها ومنهم من شرط إذن الإمام ومنهم من قال: إن تكلف صوتا بطلت صلاته وصلاة من ارتبط بصلاته وكل هذا ضعيف والصحيح جواز كل ذلك وصحة صلاة المسمع والسامع ويعتبر إذن الإمام والله أعلم " ا. هـ (٢).

стр. 13064

وهل كان أبو بكر ﵁ إماما أو مأموما خلاف والذي دلت عليه الروايات أن النبي ﷺ كان هو الإمام وأبو بكر ﵁ مبلغا عنه، قال النووي: وإن كان بعض العلماء زعم أن أبا بكر ﵁ كان هو الإمام والنبي ﷺ مقتدى به لكن الصواب أن النبي ﷺ كان هو الإمام (١). وهذه الأدلة تدل دلالة واضحة على أنه يجوز التبليغ من أحد المأمومين عند الحاجة إليه كضعف صوت الإمام أو كثرة المصلين بحيث لا يبلغهم صوت الإمام وذلك لأن متابعة الإمام أمر مطلوب شرعا ولا تحصل عند ضعف صوت الإمام بالتبليغ.

стр. 13065

حكم التبليغ لغير حاجة: عرفنا أنه يجوز التبليغ عند الحاجة إليه أما إذا كان لغير حاجة فلا يجوز (١) لأن الأصل جهر الإمام بالتكبيرات والتسميع والتسليم والمبلغ بدلا عن الإمام ولا يصار إلى البدل إلا عند تعذر الأصل والأدلة السابقة الدالة على مشروعية التبليغ تدل على أنه فعله عند الضرورة ظاهر في رواية جابر ﵁ في قوله: " اشتكى رسول الله ﷺ ، " وفي رواية عائشة ﵂ في قولها: " لما مرض النبي ﷺ مرضه الذي مات فيه ". وعلى هذا قال العلماء: إن التبليغ لغير حاجة بدعة ولا يجوز فعله لأن ذلك لم ينقل عن الرسول ﷺ ولا عن الصحابة وإنما نقل ذلك عند الحاجة إليه فقط. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " لا يشرع الجهر بالتكبير خلف الإمام الذي هو المبلغ لغير حاجة باتفاق الأئمة فإن بلالا لم يكن يبلغ خلف النبي ﷺ هو ولا غيره ولم يكن يبلغ خلف الخلفاء الراشدين لكن لما مرض النبي ﷺ صلى بالناس مرة وصوته ضعيف وكان أبو بكر يصلي إلى جنبه يسمع الناس التكبير، فاستدل العلماء

стр. 13066

بذلك على أنه يشرع التكبير عند الحاجة مثل ضعف صوته، فأما بدون ذلك فاتفقوا على أنه مكروه غير مشروع " ا. هـ (١). وقال في موضع آخر: " أما التبليغ خلف الإمام لغير حاجة فهو بدعة غير مستحبة باتفاق الأئمة وإنما يجهر بالتكبير الإمام كما كان النبي ﷺ وخلفاؤه يفعلون، ولم يكن: أحد يبلغ خلف النبي ﷺ لكن لما مرض النبي ﷺ وضعف صوته، فكان أبو بكر ﵁ يسمع بالتكبير " ا. هـ / (٢). وقال ابن عابدين في حاشيته على الدر المختار: " وفي حاشية أبي السعود: واعلم أن التبليغ عند عدم الحاجة إليه بأن بلغهم صوت الإمام مكروه، وفي السيرة الحلبية: اتفق الأئمة الأربعة على أن التبليغ حينئذ بدعة منكرة أي مكروهة، وأما عند الاحتياج إليه فمستحب " ا. هـ (٣). وجاء في المعيار المعرب: " ولا ينبغي فعله من غير حاجة إليه، ولا إشكال حينئذ في كونه منهيا عن الإقدام عليه ابتداء ويبقى النظر إذا وقع من غير ضرورة في صحة الصلاة، فأما المأمومون إذا كانوا يسمعون صوت الإمام فلا كلام في صحة صلاتهم لأن اقتداءهم حينئذ بصلاة إمامهم، وأما المسمع فالصواب صحة صلاته لأن الفقهاء قالوا: إن الذكر إذا كان في محله من الصلاة وجهر به المصلي قاصدا للتفهيم فإنه مغتر " ا. هـ (٤). وجاء في رسالة القول البديع ما نصه: " أما إن رفع الإمام صوته حتى بلغ جميع المأمومين فإن التسميع من غيره يكون مكروها إجماعا لا خلاف الأولى فقط لأنهم قد صرحوا في غير ما موضع من كتب المذهب وغيره بأنه يندب لغير الإمام الإسرار بالتكبير والتحميد والتسليم، ومعلوم أن ترك المندوب إذا كان أكيدا مكروه ومنه ما هنا. . (٥).

стр. 13067

وقد ذكر علماء المالكية أن وجوه الاقتداء أربعة: رؤية أفعال الإمام، فإن تعذرت فسماع أقواله، فإن تعذرت فرؤية أفعال المأمومين فإن تعذرت فسماع أقوالهم. وهذا الرابع هو التبليغ وهو آخر وجوه الاقتداء وقد ذكروا أن في حكم الصلاة به أربعة أقوال وهي: تصح ولا تصح والفرق بين أن يأذن الإمام فتصح أولا فلا تصح والفرق بين أن يكون صوت الإمام يعمهم فلا تصح أولا يعمهم فتصح (١). وقال البيجوري في حاشية على شرح ابن قاسم الغزي على متن أبي شجاع عند قول المصنف (والتكبيرات عند الخفض): " ويجهر بالتكبيرات إن كان إماما ليسمعه المأمومون أو مبلغا إن احتيج إليه بأن لم يبلغ صوت الإمام جميع المأمومين كذا قاله في المحشى وظاهره أن الإمام يجهر وإن لم يحتج إليه وقيد الشبراملسي كلا بالاحتياج وهو ظاهر، ويقصد أن الذكر وحده أو مع الإعلام لا الإعلام وحده لأنه يضر وكذا الإطلاق في حق العالم بخلاف العامي، ولا بد من قصد الذكر عند كل تكبيرة عند الرملي، ويكفي قصده في التكبيرة الأولى عند الخطيب أما المنفرد والمأموم غير المبلغ فيسران بالتكبيرات ويكره لهما الجهر بها ولو من المرأة ولو أمت المرأة نساء جهرت بالتكبيرات أقل من جهر الرجل بحيث لا يسمعها أجنبي كما قاله في الجواهر ". انتهى كلام البيجوري (٢). وفي كتاب الفروع: " ويستحب جهر إمام به - أي بالتكبير - بحيث يسمع من خلفه وأدناه سماع غيره، ويكره جهر غيره به ولا يكره لحاجة ولو بإذن إمام بل يستحب به وبالتحميد لا بالتسميع " ا. هـ (٣)

стр. 13068

قصد تكبيرة الإحرام من الإمام والمأموم: ومما يذكره الفقهاء هنا قصد تكبيرة الإحرام من الإمام ومن المأموم كذلك. فعند الحنفية (١) والشافعية (٢) أنه إذا كبر الإمام للافتتاح فلا بد لصحة صلاته من قصده بالتكبير الإحرام بالصلاة فإن قصد الإعلام فلا صلاة له فإن جمع بين الأمرين بأن قصد الإعلام والإحرام فهو المطلوب منه شرعا. قال ابن عابدين: " وكذلك المبلغ إذا قصد التبليغ فقط خاليا عن قصد الإحرام فلا صلاة له ولا لمن يصلي بتبليغه في هذه الحالة لأنه اقتداء بمن لم يدخل في الصلاة فإن قصد بتكبيرة الإحرام مع التبليغ للمصلين فذلك هو المقصود منه شرعا " ا. هـ (٣). ويعلل الحنفية ذلك بأن تكبيرة الإحرام شرط أو ركن على الخلاف في ذلك فلا بد في تحقيقها من قصد الإحرام أي الدخول في الصلاة (٤). أما عند المالكية فيجوز اتخاذ شخص معين ليسمع الناس وتصح صلاته ولو قصد بتكبيره مجرد إسماع المأمومين فيصح أن يكون المسمع صبيا أو امرأة أو محدثا وذلك مبني على أن المسمع علامة على صلاة الإمام. قال الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير: قوله: (وجاز مسمع) ظاهره ولو قصد بتكبيره وتحميده مجرد إسماع المأمومين وهو كذلك خلافا للشافعية حيث قال: إن قصد ذلك بطلت صلاته وإن قصد الذكر فقط أو الذكر والإعلام فصلاته صحيحة وإن لم يكن له قصد فباطلة. ا. هـ (٥).

стр. 13069

وفى قول عند المالكية أن المسمع نائب ووكيل عن الإمام فلا يجوز له التسميع حتى يستوفي شرائط الإمام. قال في المعيار المعرب: " قال بعض الشيوخ: واختلف الشيوخ: في المسمع هل هو نائب ووكيل عن الإمام؟ أو هو علم على صلاته؟ أو إن أذن الإمام فنيابة وإلا فعلم؟ فينبني عليه تسميع الصبي والمرأة ومن على غير وضوء وفي وجيز ابن غلاب أن حكمه حكم الإمام فلا يجوز له التسميع حتى يستوفي شرائط الإمامة، وعلى من يقول: إنه علم ومخبر لا يحتاج إلى ذلك، وبالأول كان يفتي أبو محمد الشبيبي "ا. هـ (١). وقال صاحب القول البديع: " وهذا مبني على أن المسمع نائب عن الإمام وهو اختيار جمع من أهل المذهب وعليه فلا يصح الاقتداء بالمسمع حتى يستوفي شروط الإمام فلا يصح تسميع هذا كما لا يصح تسميع صبي وامرأة وخنثى ومحدث وكافر وقيل: إن المسمع علامة على صلاة الإمام واختاره آخرون وعليه فيصح تسميع من ذكر " ا. هـ (٢). أما بقية التكبيرات غير تكبيرة الإحرام كالتحميد ومن المبلغ والتسميع من الإمام وتكبيرات الانتقالات إذا قصد بذلك الإعلام فقط خاليا عن قصد الذكر فعند الحنفية كما ذكر ابن عابدين أنه لا فساد في ذلك لأنه ليس بجواب بل هو مجرد إخبار ولأنه من أعمال الصلاة كما لو استأذن على المصلي إنسان فسبح وأراد به إعلامه أنه في الصلاة أو عرض للإمام شيء فسبح المأموم لأن المقصود به إصلاح الصلاة، أو يقال: إن القياس الفساد ولكنه ترك للحديث الصحيح «من نابه شيء في صلاته فليسبح (٣)»

стр. 13070

المحاذير في التبليغ: عرفنا فيما سبق أن التبليغ لغير حاجة لا يجوز بل هو بدعة كما تقدم أما إذا دعت الحاجة إليه فينبغي فعله لما فيه من المصلحة لكن بشرط أن لا يصحبه شيء من المخالفات التي تخرجه من المشروعية إلى البدعية. يقول المحقق ابن عابدين: " وإذا قد علمت مشروعية رفع الصوت بالتبليغ وأن التبليغ منصب شريف قد قام به أفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين ذوي المقام المنيف فلا بد معه من اجتناب ما أحدثه جهلة المبلغين الذين استولت عليهم الشياطين من منكرات ابتدعوها ومحدثات اخترعوها لكثرة جهلهم وقلة عقلهم وعدم اعتنائهم بأحكام ربهم وبعدهم عما هو سبب قربهم وانهماكهم في تحصيل حطام الدنيا وترك التعلم الموصل إلى الدرجات العليا (١). ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وحيث جاز - أي التبليغ - ولم يبطل فيشترط أن لا يخل بشيء من واجبات الصلاة " ا. هـ (٢). ومن المخالفات التي قد يرتكبها المبلغون ما يأتي: أولا: الجهر بتكبيرة الإحرام من المبلغ بنية الإعلام لا بنية الإحرام وهو خطأ إذ لا بد من نية الإحرام وقد تقدم أن فقهاء الحنفية يقولون: إنه إذا قصد التبليغ فقط خاليا عن قصد الإحرام فلا صلاة له ولا لمن يصلي بتبليغه في هذه الحالة لأنه اقتداء بمن لم يدخل في الصلاة (٣).

стр. 13071

قلت: أما بطلان صلاته فواضح لأن تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة لقوله ﷺ «مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم (١)» فإذا لم يقصد الإحرام فكأنه لم يدخل في الصلاة. وأما بطلان صلاة المأمومين ففيه نظر وهو مبني على أنه يشترط في المبلغ ما يشترط في الإمام وقد تقدم أنه أحد القولين عند المالكية. وقال ابن الحاج (٢). المالكي في المدخل: " وفي هذا نكتة أخرى وهي أن الإمام إذا دخل في الصلاة بتكبيرة الإحرام كبروا خلفه إذ ذاك قبل أن يدخلوا في الصلاة ليسمعوا الناس بذلك فيعلموا بتكبيرهم أن الإمام قد أحرم بالصلاة فمن أحرم من الناس حينئذ سرى الخلل إلى صلاته من هذا الوجه أيضا لما تقدم أن الاقتداء لا يجوز إلا بأربعة أشياء وهذا ليس بواحد منها " ا. هـ (٣). وقد قال فقهاء الشافعية: يجب أن تكون النية مقارنة للتكبير لأنه أول فرض من فروض الصلاة فيجب أن تكون مقارنة له (٤). ويقول الخرقي (٥) في مختصره المشهور عند الحنابلة: " وينوي بها المكتوبة يعني بالتكبيرة ولا نعلم خلافا بين الأمة في وجوب النية للصلاة وأن الصلاة لا تنعقد إلا بها " ا. هـ (٦).

стр. 13072

ثانيا: مسابقة الإمام. بعض المبلغين يسابق الإمام في التكبير للركوع أو الرفع منه أو السجود وقد قال رسول الله ﷺ : «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار (١)». وعن أنس ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه فقال: «أيها الناس إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف فإني أراكم أمامي ومن خلفي (٣)». قال النووي ﵀ قوله ﷺ : «لا تسبقوني بالركوع ولا بالقيام ولا بالانصراف (٤)» فيه تحريم هذه الأمور وما في معناها " ا. هـ (٥). وقال ﵀ قال أصحابنا ﵏ يجب على المأموم متابعة الإمام ويحرم عليه أن يتقدمه بشيء من الأفعال ا. هـ (٦). ثالثا: اللحن بالتكبير والتسميع. اللحن بالتكبير مثل أن يمد همزة لفظ الجلالة فيقول: آلله فيصير استفهاما، أو يمد باء أكبر فيزيد ألفا فيقول: أكبار فيصير جمع كبر وهو الطبل، أو يمد همزة أكبر أيضا، وتارة يحذف ألف الجلالة التي بعد اللام الثانية، وتارة يحذف هاءها ويبدل همزة أكبر بواو فيقول اللا وأكبر.

стр. 13073

قال ابن عابدين: " وأما اللحن في التسميع فهو ما يفعله عامتهم إلا الفرد النادر منهم فيقولون: رابنا لك الحامد بزيادة ألف بعد راء ربنا وألف بعد حاء الحمد، أما الثانية فلا شك في كراهتها، وأما الأولى فلم أر من نبه عليها ولو قيل: إنها مفسدة لم يكن بعيدا لأنه الراب بتشديد الباء زوج الأم كما في الصحاح والقاموس وهو مفسد المعنى إلا أن يقال: يمكن إطلاقه عليه تعالى وإن لم يكن واردا لأنه اسم فاعل من التربية فهو بمعنى رب وعلى كل حال فجميع ما ذكرناه لا يحل فعله وما هو مفسد منه يكون ضرره متعديا إلى بقية المقتدي ممن يأخذ عنه " ا. هـ (١). وقال ابن الحاج في المدخل: " إنهم يغيرون وضع التكبير لأنهم يقولون آلله فيزيدون على الهمزة مدة وكذلك يصنعون في أكبر وبعضهم يزيد بعد الباء من أكبر ألفا إلى غير ذلك من صنيعهم، وإن أتى بعضهم بالتكبير كاملا فإنه لا يفعل ذلك في جميع تكبيرات الصلاة، وإذا كان ذلك كذلك فحكمه حكم المسألة المذكورة آنفا وهو البطلان، وإذا علم ذلك فيسري الخلل إلى صلاة من صلى بتبليغهم لأن من يريد أن يصلي خلف الإمام لا يجوز له أن يقتدي إلا بأحد أربعة أشياء (٢). وقال صاحب القول البديع في معرض كلامه عن المسمع في الصلاة ما نصه: " وكل هذا ما لم يشتغل المسمع بمراعاة الأهوية والألحان وإلا بطلت صلاته وصلاة من اشتغل باستماع ذلك اتفاقا (٣). وقال الرافعي (٤) في فتح العزيز: " ويجب على المصلي أن يحترز في لفظ التكبير عن زيادة تغير المعنى بأن يقول: آلله أكبر فينقلب الكلام استفهاما أو يقول: أكبار والأكبار جمع

стр. 13074

كبر وهو الطبل ولو زاد واوا بين الكلمتين إما ساكنة أو متحركة فقد عطل المعنى فلا يجزئه أيضا " انتهى (١). وقال النووي في المجموع: " ويجب الاحتراز في التكبير عن الوقفة بين كلمتين وعن زيادة تغير المعنى فإن وقف أو قال: آلله أكبر بمد همزة الله أو بهمزتين أو قال: الله أكبار أو زاد واوا ساكنة أو متحركة بين الكلمتين لم يصح تكبيره " ا. هـ (٢). وقال ابن قدامة في المغني: " ويبين التكبير ولا يمد في غير موضع المد فإن فعل بحيث تغير المعنى مثل أن يمد الهمزة الأولى فيقول: آلله فيجعلها استفهاما أو يمد أكبر فيزيد ألفا فيصير جمع كبر وهو الطبل لم يجز لأن المعنى يتغير به " ا. هـ (٣). رابعا: تأخر المبلغ في أداء التكبير أو في تمطيط الحروف وإخراجها عن محالها وقد يكبر الإمام للركوع ثم يكبر المسمع خلفه ويطيل التكبير فيرفع الإمام من الركوع قبل أن ينقضي تكبير المسمع للركوع ويترتب على ذلك كثير من المحاذير التي لا يقرها الشرع ومن هذه المحاذير ما يأتي: أ - أن المسبوق بركعة أو أكثر يأتي فيكبر للإحرام ويركع ظنا منه أن الإمام في الركوع لعلمه أن المسمع لم يرفع من الركوع فتفسد عليه صلاته. ب - أن في هذا مخالفة للسنة لأن السنة في الصلاة أن يكون المأموم تبعا للإمام كما تقدم وفي فعل المبلغ هذا مدعاة لتأخر أفعال المأموم عن أفعال الإمام إلى حد أن يكون ركوع المأموم بعد رفع الإمام من الركوع ومثله السجود وبقية أفعال الصلاة. جـ - اقتطاع جزء من صلاة المأمومين بسبب ما يحصل من صوت المبلغ. خامسا: أن المبلغ قد يرفع صوته كثيرا مما يكون سببا في ذهاب الحضور والخشوع في الصلاة ويذهب السكينة والوقار ويقع به التشويش على المصلين ويحصل بسبب ذلك كثير من الأمور التي تتنافى مع حقيقة الصلاة.

стр. 13075

سادسا: أن بعض المبلغين يتعذر عليه سماع الإمام في تكبيره وعلم ركوعه وسجوده فمثل هذا لا يجوز له أن يبلغ خشية أن يكون تبليغه للركوع مثلا بعد الانتهاء منه وهكذا وفي هذا تأخر لأفعال المأمومين عن أفعال الإمام وهو لا يجوز كما تقدم، ومثله إذا شك المبلغ في أفعال الإمام. سابعا: أن بعض المبلغين يفعل التبليغ على طريقة جماعية وذلك بأن يبتدئ بعضهم بالتكبير فيقول: الله ويمد صوته ثم يبتدئ الآخر من أثناء الكلمة نفسها واصلا صوته بصوت الأول وهكذا. وفاعل هذا لم يأت بالتكبير على صيغته المشروعة وإنما أتى به مقطعا. قال في المدخل: " وأما ما يفعلونه اليوم من كونهم يتواكلون في التكبير ويديرونه بينهم ويقطعونه ويوصلونه وذلك أن بعضهم يبتدئ التكبير فيقول: الله ويمد صوته ثم يبتدئ الآخر من أثناء الكلمة نفسها واصلا صوته بصوت صاحبه قبل انقطاعه مبالغا في رفع صوته على سبيل العمد وفاعل هذا لم يأت بالتكبير على وجهه وإذا كان ذلك كذلك فهو يشغل في الصلاة بزيادة غير مشروعة ولا لضرورة شرعية فتبطل صلاتهم والحالة هذه " ا. هـ (١).

стр. 13076

النتيجة: من العرض السابق لأقوال العلماء في حكم التبليغ خلف الإمام وبيان الأدلة السابقة يظهر ما يأتي: ١) - أن الأصل والأفضل أن يرفع الإمام صوته في جميع التكبيرات وقول: سمع الله لمن حمده وكذلك التسليم وهذا ما تؤيده الأدلة. ٢) - إذا دعت الحاجة إلى التبليغ بسبب ضعف صوت الإمام لمرض ونحوه أو بسبب كثرة المصلين ونحوها فيشرع للمؤذن أو غيره رفع الصوت بالتكبير والتسميع والتسليم بشرط أن لا يحصل بسبب هذا الفعل محذور من المحاذير السابقة.

стр. 13077

٣) - التبليغ خلف الإمام من غير حاجة بدعة منكرة وأمر لا يجوز فعله. ٤) - قصد تكبيرة الإحرام من الإمام ومن المأموم أمر مطلوب شرعا فلا يدخل بالصلاة إلا إذا قصد بالتكبير الإحرام بالصلاة. ٥) - إذا كان التبليغ لحاجة وصاحبه أمر من الأمور المنهي عنها فلا يجوز فعله لأن الأمر المشروع لا يتوصل إليه بالمحذور المنهي عنه شرعا. ٦) - إذا كان التبليغ من غير حاجة وصاحبه شيء من الأمور المنهي عنها فإن الإثم يعظم والمنكر يشتد والبدعة تتضاعف. ٧) - من الأمور المنهي عنها في التبليغ ما يأتي: أ - الجهر بتكبيرة الإحرام من المبلغ بنية الإعلام لا بنية الإحرام. ب - مسابقة الإمام في تكبيرة الإحرام أو التكبير للركوع أو الرفع منه أو السجود. جـ - اللحن بالتكبير أو التحميد. د - تأخر المبلغ في أداء التكبير أو التحميد. هـ - رفع الصوت من المبلغ كثيرا مما ينتج عنه ذهاب الحضور والخشوع في الصلاة، ويذهب السكينة والوقار ويقع به التشويش على المصلين. والتبليغ مع عدم سماع صوت الإمام في التكبيرات. ز - التبليغ على طريقة جماعية خاصة إذا كان بعضهم يبتدئ في التكبيرات ثم يبدأ الآخر من حيث وقف الأول وهكذا. . .

стр. 13078

مراجع البحث ١ - بدائع الفوائد لابن القيم - ط المنيرية بمصر. ٢ - ترتيب القاموس المحيط للفيروز ابادي - ترتيب الطاهر أحمد الزاوي - ط الثانية، عيسى البابي الحلبي. ٣ - التلخيص الحبير، للحافظ ابن حجر العسقلاني، مطبوع مع كتاب المجموع شرح المهذب للنووي - ط المنيرية، مطبعة التضامن الأخوي. ٤ - تنبيه ذوي الأفهام على أحكام التبليغ خلف الإمام، لخاتمة المحققين محمد أمين الشهير بابن عابدين، مطبوع مع رسائل ابن عابدين ط المنيرية بمصر. ٥ - جواهر الإكليل شرح مختصر خليل للشيخ صالح عبد السميع الآبي الأزهري ط المعرفة للطباعة والنشر بيروت. ٦ - حاشيتا قليوبي وعميرة على منهاج الطالبين - ط الرابعة دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت. ٧ - حاشية ابن عابدين المعروفة برد المحتار لخاتمة المحققين محمد أمين الشهير بابن عابدين. ط الثانية دار إحياء التراث العربي ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧ م. ٨ - حاشية البيجوري على شرح ابن قاسم الغزي على متن أبي شجاع ط مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر سنة ١٣٤٣ هـ. ٩ - حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير. دار الفكر. ١٠ - روضة الطالبين لأبي زكريا يحيى بن شرف النووي -ط الثانية ١٤٠٥ - ١٩٨٥م المكتب الإسلامي للطباعة والنشر. ١١ - الصحاح تأليف إسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، ط الثانية ١٤٠٢هـ ١٩٨٢ م. ١٢ - صحيح البخاري لشيخ المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري - الناشر: محمد أوزدمير إستانبول تركيا.

стр. 13079

١٣ - صحيح مسلم لأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري. الناشر: رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية سنة ١٤٠٠هـ -١٩٨٠م تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. ١٤ - صحيح مسلم بشرح النووي ط المصرية بالأزهر ١٣٤٧ - ١٩٢٩م ودار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع. ١٥ - فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني ترقيم وتصحيح محمد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب ط السلفية ومكتبتها سنة ١٣٨٠هـ. ١٦ - فتح العزيز شرح الوجيز وهو الشرح الكبير لأبي القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي مطبوع مع كتاب المجموع للنووي ط المنيرية ومطبعة التضامن الأخوي بمصر. ١٧ - الفروع لابن مفلح ومعه تصحيح الفروع للمرداوي ط الثالثة سنة ١٣٧٩ - ١٩٦٠ م. ١٨ - القول البديع في بيان أحكام التسميع للشيخ عبد الله أحمد الطاهر، مخطوط مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية رقم ٢١٦٩/ ٨. ١٩ - لسان العرب لابن منظور الإفريقي، الناشر: دار صادر بيروت. ٢٠ - المبدع شرح المقنع لابن مفلح، الناشر: المكتب الإسلامي ١٤٠٢هـ - ١٩٨٢م. ٢١ - مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر للشيخ عبد الله بن محمد بن سليمان المعروف بداماد أفندي، الناشر دار إحياء التراث العربي عن دار الطباعة العامرة. ٢٢ - المجموع شرح المهذب لأبي زكريا محيي الدين بن شرف النووي، ط المنيرية ومطبعة التضامن الأخوي. ٢٣ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية إعداد محمد بن عبد الرحمن بن قاسم تصوير عن الطبعة الأولى ١٣٩٨ هـ. ٢٤ - مختصر الخرقي مطبوع مع كتاب المغني ط مكتبة الرياض الحديثة. ٢٥ - المدخل لابن الحاج ط المطبعة المصرية الطبعة الأولى ١٣٤٨ هـ ١٩٢٩م. ٢٦ - المعجم الوجيز، مجمع اللغة العربية ط المركز العربي للثقافة والعلوم لبنان. ٢٧ - المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب، تأليف أحمد بن يحيى الونشريسي، ط دار المغرب الإسلامي بيروت ١٤٠١ هـ - ١٩٨١م.

стр. 13080

٢٨ - المغني لابن قدامة، ط مكتبة الرياض الحديثة ١٤٠١هـ - ١٩٨١م. ٢٩ - الموسوعة الفقهية، إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية الكويت ط الأولى سنة ١٤٠٧ هـ-١٩٨٦ م. ٣٠ - المهذب لأبي إسحاق الشيرازي الفيروز ابادي مطبوع مع كتاب المجموع للنووي الناشر: دار الفكر.

стр. 13081

دفع الدعوى إعداد مسفر بن حسين القحطانى (١) تمهيد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٣) ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٤) ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٥) ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٦) ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٧) اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن توحيد الله في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، على النهج الذي بينه رسوله ﷺ والمتمسكون بهديه من بعده، العاضون بالنواجذ على سنته، هو ثمرة العلم الراسخ بأحكام العقيدة الإسلامية، وكذلك فإن تطبيق شريعة الله في جميع شؤون الحياة، على النهج الذي بينه علماء أصول الفقه، هو ثمرة العلم الراسخ بالشريعة الإسلامية. وكل علم شرعي لا ينتج ثمرة تتصل بتطبيق شريعة الله في أرضه، فإنه يقصر بصاحبه عن درجات العلماء الذين وصفهم الله بقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٨).

стр. 13082

فلا بد - إذن - لطالب العلم الشرعي أن يقف عند كل حكم نظري يدرسه في كتب العلم، فيتأمل الثمرة العملية لذلك الحكم، فإن وجد الروابط بين الحكم النظري الرابط عكس ذلك، فإن اجتهاده في بحث ذلك الحكم مما لا يعود عليه بكبير نفع في عاجل أمره أو آجله. ولما سأل بعض السائلين رسول الله ﷺ عن علم نظري لا ثمرة له في واقع حياتهم، جاءهم الجواب من عند الله - مثمرا نافعا لهم في حياتهم الدينية والدنيوية، معرضا عما يطلبونه من علم لا نفع لهم فيه، فقال - جل ذكره -: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (١) وكان سؤالهم عن سبب محاق الهلال وكماله، ومخالفته لحال الشمس (٢). وهذه قاعدة عظيمة النفع، لا بد لطالب العلم من الاهتداء بها، فلا يشغل نفسه إلا بما يكون له نفع في حياة الناس دنياهم وآخرتهم، وهكذا كان طلب العلم، في عهده ﷺ ، وعهد خلفائه الراشدين من بعده، فلم يكن هم طالب العلم أن يصنف المجلدات الكثيرة من الكتب، بل ما يهمه هو أن يتفهم ما يحدث للناس من وقائع ثم يجهد نفسه في استنباط الحكم الشرعي لها، وهذا بخلاف ما عليه كثير من طلاب العلم في الأزمنة المتأخرة، الذين يجهدون أنفسهم في بحث أحكام لوقائع أصبحت أحكامها معلومة في كل مذهب، معرضين عن وقائع لم تستنبط أحكامها من قبل، فحصل - بسبب ذلك - فجوة واسعة بين فقه الأحكام النظرية وفقه الأحكام العملية (التطبيقية) حتى قال ابن العربي ﵀ في كتابه أحكام القرآن - معلقا على آية التحكيم في شقاق الزوجين - قال: " وهي (أي آية التحكيم) من الآيات الأصول، ولم نجد لها في بلدنا أثرا، فلا بكتاب الله - تعالى - ائتمروا، ولا بالأقيسة اجتزوا، وقد ندبت إلى ذلك، فما أجابني إلى بعث الحكمين - عند الشقاق - إلا قاض واحد، ولا إلى القضاء باليمين مع الشاهد إلا قاض آخر، فلما ولاني الله الأمر، أجريت السنة كما ينبغي " (٣).

стр. 13083

وقال علاء الدين الطرابلسي، صاحب كتاب معين الحكم فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام: " وقد رأيت جواب جاهل للاعتناء بالفتيا - وقد أفتى في قناة ظهرت في دار مبيعة بالقرب من بئرها - فقال: يقال للشهود: هل يجب بذلك الرد، فإن قالوا: يجب، ردت. فليت شعري ما الذي استفتي هو فيه؟ إذا كان الشهود يسألون: هل يجب الرد أم لا؟ وهذا نهاية. . . .، وإذا فشت الجهالة في الناس ظننت حقا وحسبت سنة (١). قلت: وهذان المثالان يوضحان مزلة أقدام كثير من العلماء، الذين شغلوا أنفسهم بحفظ كثير من ضروب العلم النظري، ولكنهم لم يشغلوا أنفسهم بثمرة ذلك العلم فيطلبوا - أيضا - العلم بكيفية تطبيق تلك الأحكام العلمية النظرية على ما يحدث من الوقائع في حياة الناس أفرادا وجماعات؛ ولذا فقد يشار بالبنان إلى كثير من العلماء في جانب البحث والعلم النظري، ولكن تلك الدرجة تصبح أمرا موهوما عندما يمتحن في جانب البحث والعلم التطبيقي، كما في المقال الذي ذكره علاء الدين الطرابلسي. وهذا، وإن من أهم مسائل العلم التطبيقي مسألة سير القاضي في نظر الخصومات، فإن الخصوم يدعون ويجيبون أمامه بجزئيات لم تذكر - في الغالب - بذاتها وأحكامها في كتب الفقه، والقاضي يجتهد في استنباط الوصف الشرعي للواقعة، ليبني على ذلك الوصف الحكم الشرعي بعد ثبوت الواقعة بالإقرار أو البينة. وإذا كان اجتهاد القاضي - في البحث عن الوصف الشرعي للدعوى المعروضة أمامه - يظهر مقدرته ورسوخ علمه النظري والتطبيقي، فإن الأهم من ذلك - هو اجتهاده في تقرير الوصف الشرعي لجواب المدعى عليه - وذلك لأن سير القاضي في نظر الخصومة مترتب على ما يجيب به المدعى عليه، ومن الواقع العلمي - فإن أقل ما يجيب به المدعى عليه هو الجواب بالإقرار. والكثير أن يجيب بالإنكار، وأكثر من ذلك أن يجيب بدفع الدعوى، ومعنى ذلك أن أكثر عمل القاضي - في الواقع - ينبني على الجواب بدفع الدعوى - ولذا فإن ما نحن بصدد بحثه - لأهميته المذكورة - هو جواب المدعى عليه بدفع الدعوى، فنقول - ومن الله نستمد الهداية والسداد:

стр. 13084

معنى دفع الدعوى: لم يذكر الفقهاء ﵏ تعريفا جامعا مانعا لدفع الدعوى، مكتفين بأنه نوع من أنواع الدعاوى ولا فرق بينه وبين بقية الدعاوى، إلا أنه يأتي من جهة المدعى عليه؛ ولذا سموا هذه الدعوى القادمة من جهة المدعى عليه: دعوى الدفع. ولكن بعض الفقهاء - في العصر الحديث - قال: " دفع الدعوى هو: دعوى من قبل المدعى عليه، أو من ينتصب المدعى عليه خصما عنه، يقصد بها إبطال دعوى المدعي ". وقال بعضهم: " هو الإتيان بدعوى من قبل المدعى عليه تدفع دعوى المدعي " وقال آخرون عن دفع الدعوى بما لا يبعد عن القولين السابقين. ولا شك أن هذه الأقوال لم تعرف الدفع تعريفا منطقيا، فهو وإن كان جامعا لدعاوى الدفع الصحيح فإنه لا يمنع من دخول دعوى الدفع غير الصحيح، كما لو دفع المدعى عليه بقوله: إن هذه العين محل النزاع قد وصلت إلى يدي بالشراء من فلان بن فلان الغائب، فإن هذا الجواب لا يعتبر دفعا صحيحا؛ لأنه لا ينعكس على ذات الدعوى والمدعي ويأتي تفصيل ذلك إن شاء الله.

стр. 13085

الفروق بين دفع الخصومة ودفع الدعوى: قال أحد الباحثين: " إن المفهوم الذي ذكره الفقهاء المسلمون للدفع يشمل تحته نوعين من الدفوع:

стр. 13086

النوع الأول: الدفع الذي يقصد به إبطال نفس دعوى المدعي (١)، والغرض الذي يرمي إليه بها، وهذا هو الدفع الموضوعي للدعوى، حيث يتعرض فيه لصدق المدعي وكذبه، ويترتب على قبوله وضع حد نهائي لمطالب المدعي ومنعه من التعرض ثانية للمطلوب، ومثاله: أن يدعي المدعى عليه على المدعي - في دعوى العين - أنه اشتراها منه وقبضها منه، أو وهبها له وقبضها، أو أي سبب شرعي لانتقالها إلى يده (٢). النوع الثاني: الدفع الذي يقصد به دفع الخصومة عن المدعى عليه، بدون تعرض لصدق المدعي أو كذبه في دعواه، وهو ما يسميه الفقهاء: بدفع الخصومة، ومثاله: أن يدفع المدعى عليه بأن يده على الشيء المدعى ليست يد خصومة، كأن يدعي أنه مستأجرها أو مستعيرها أو غاصبها من فلان الحاضر أو الغائب، فإن أثبت ذلك حكم القاضي: بأن لا خصومة بين المتداعين (٣) بدون تعرض للملكية، وللمدعي أن يدعي ملكية العين على الخصم في أي وقت يريد، والنوع الأول تختلف صوره باختلاف القضايا، وصوره كثيرة، لا يمكن حصرها، لأنه يتعلق بالحق المدعى به، والحقوق كثيرة، فكذلك ما يتعلق بها من الدفوع، وأما النوع الثاني: فمع أن الفقهاء لم يذكروا له إلا صورة واحدة إلا أننا نستطيع أن نتبين من خلال الشروط التي اشترطوها لصحة الدعوى صورا أخرى لهذا الدفع (٤). وخلاصة الفرق - بعد هذا - أن دفع الدعوى: يقصد به إبطال نفس الدعوى، أما دفع الخصومة فيقصد به دفع الخصومة دون أن يتعرض لصدق المدعي أو كذبه في دعواه

стр. 13087

حكم الدعوى: ولبيان حكم دفع الدعوى جملة اعتبارات هي: حكمه باعتبار مشروعيته، وحكمه باعتبار الأثر المترتب على صحته أو عدمها، وحكمه باعتبار الأثر المترتب على ثبوته أو عدمه. أ - حكم دفع الدعوى باعتبار مشروعيته: لا خلاف بين الفقهاء في سماع جواب المدعى عليه بدفع صحيح، كقوله: إنه - أي المدعى عليه - اشترى العين من المدعي، أو أن المدعي وهبها، أو أي سبب شرعي لانتقالها إلى يده أو أنه قضى الدين المدعى به. وما اتفق الفقهاء على سماعه، فإنهم متفقون - بالضرورة على مشروعيته. أما مستند اتفاق الفقهاء ﵏ على مشروعية دعوى الدفع، فلم يذكروا ﵏ مستندا نصيا لذلك، وحيث لم يذكروا نصا، فإن المصلحة المرسلة هي الأصل في مشروعية كل حكم لم يرد به نص. إلا أننا بالرجوع إلى أقضية الرسول ﷺ لا نعدم نصا دالا على مشروعية دعوى الدفع ومن ذلك: ١ - ما رواه خزيمة بن ثابت ﵁ «أن رسول الله ﷺ ابتاع فرسا من أعرابي، فاستتبعه إلى منزله ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع رسول الله ﷺ المشي، وأبطأ الأعرابي بالفرس، فطفق رجال يعترضون الأعرابي يساومونه الفرس، لا يشعرون أن رسول الله ﷺ ابتاعه، فنادى الأعرابي النبي ﷺ قال: إن كنت مبتاعا هذا الفرس وإلا بعته، فقام النبي ﷺ حين سمع نداء الأعرابي فقال: أو ليس قد ابتعته منك؟ فقال الأعرابي: لا، والله ما بعته، فقال رسول الله ﷺ : بلي قد ابتعته منك، فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدا، فقال خزيمة: أنا أشهد أنك بايعته، فأقبل النبي- ﷺ فقال: بم تشهد؟ قال: بتصديقك يا رسول الله، فجعل رسول الله ﷺ شهادة خزيمة شهادة رجلين (١)». أخرجه أبو داود والنسائي.

стр. 13088

ووجه الدلالة - في هذا الحديث - أن الأعرابي يدعي ملكية الفرس محل النزاع، والرسول ﷺ لم ينكر ما يدعيه الأعرابي، ولكنه ﷺ دفع دعوى الأعرابي بدعوى مقابلة وهي انتقال الفرس إليه ﷺ بطريق الشراء من الأعرابي، وقد أنكر الأعرابي دفع رسول الله ﷺ حتى أثبت ﷺ صحة دفعه بشهادة خزيمة ﵁، وهذا ما يعرف بدفع الدعوى. ٢ - ما رواه معمر عن الزهري أو قتادة أو كليهما: «أن يهوديا جاء يتقاضى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ قد قضيتك. قال اليهودي: بينتك، قال: فجاء خزيمة الأنصاري فقال: أنا أشهد أنه قد قضاك، فقال النبي ﷺ ما يدريك؟ قال: إني أصدقك بأعظم من ذلك - أصدقك بخبر السماء، فأجاز رسول الله ﷺ شهادته بشهادة رجلين (١)». ووجه الدلالة: أن المدعي - في هذا الحديث هو اليهودي، والمدعى عليه هو رسول الله ﷺ ومع ذلك فلم تطلب البينة من اليهودي عملا بقاعدة: " البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه " وقاعدة: " بينة الخارج مقدمة على بينة الداخل "؛ وذلك لأن رسول الله ﷺ لم ينكر دعوى اليهودي، كما لم يقر ببقاء الحق في ذمته ﷺ ولكنه ﷺ دفع دعوى اليهودي بدعوى أخرى ناسخة لدعوى اليهودي، وهي أداؤه ﷺ الحق الذي في ذمته لليهودي، التي شهد بصحتها خزيمة ﵁ وهذا هو معنى دفع الدعوى في صورته المتفق عليها بين الفقهاء.

стр. 13089

ب - حكم دفع الدعوى باعتبار الأثر المترتب عليه: ولذلك أقسام هي: ١ - حكم دفع الدعوى باعتبار صحته: متى وجد الدفع الصحيح من المدعى عليه صار المدعى عليه مدعيا، والمدعي يصير مدعى عليه، وحينئذ يسير القاضي معه

стр. 13090

الخصوم كسيره في الدعوى الأصلية، فيسأل المدعي الأصلي - الذي أصبح في مركز المدعى عليه - عن جوابه على دعوى الدفع. . وهكذا كسيره في الدعوى الأصلية. ٢ - حكم دفع الدعوى باعتبار عدم صحته: إذا أجاب المدعى عليه بدفع غير صحيح - بأن لم يستوف الدفع شروطه أو أحدها - فإن الجواب - حينئذ - يكون صحيحا. وعلى القاضي أن يفهم المدعى عليه بأن له أن يجيب جوابا صحيحا وإلا اعتبره ناكلا عن الجواب ويقضي عليه. ٣ - حكم دفع الدعوى باعتبار ثبوته: إذا أقر المدعي بما دفع به خصمه المدعى عليه لزمه ما أقر به، واندفعت دعواه الأصلية وصرف القاضي النظر عنها، وكان للدافع الاحتجاج بالحكم الصادر بقبول دفعه أمام أي قاض يجدد المدعي دعواه عنده. أما إذا أنكر فإن القاضي يسأل الدافع عما لديه من بينات تثبت دفعه، فإن أثبته بحجة شرعية اندفعت دعوى المدعي الأصلي. وإن عجز عن الإثبات أفهمه القاضي بأن له طلب اليمين النافية لدفعه يطلبها من المدعي الأصلي فإذا طلبها وجه القاضي اليمين الشرعية إلى المدعي الأصلي، فإن نكل عن اليمين قامت دعوى الدفع وصرف القاضي النظر عن الدعوى الأصلية لسقوطها بقيام دعوى الدفع

стр. 13091

٤ - حكم دفع الدعوى باعتبار انتقائه: إذا عجز المدعي - دفعا - عن إثبات ما دفع به، وحلف خصمه على نفي دعوى الدفع، فإن دعوى الدفع تصبح ساقطة، أما سير القاضي حينئذ - فإنه يتجه إلى واحد من اتجاهين اثنين: الاتجاه الأول: وذلك فيما إذا تضمن دفع الدافع إقرارا بالدعوى - كدفع دعوى الدين بالأداء أو الإيداء لذات الدين - فإن القاضي يفصل الخصومة بإلزام الدافع بما أقر به (١). الاتجاه الثاني: وذلك فيما إذا لم يتضمن دفع الدافع إقرارا بما يدعيه المدعي - وصورة هذا الدفع أن يجيب المدعى عليه بأن المدعي كان قد أبرأه من هذه الدعوى - فإن القاضي - حينئذ - يسير في نظر الدعوى الأصلية، كما لو لم يكن هناك دفع (٢). قاعدة: فيما يعتبر إقرارا من الدفوع وما لا يعتبر: لم يذكر الفقهاء ﵏ قاعدة تفصل بين الدفع الذي يقتضي إقرارا بالدعوى والدفع الذي لا يقتضي إقرارا بالدعوى (٣) ولكن بعضهم ضرب لذلك مثالا يشبه القاعدة فقال: البراءة من دعوى المال ليس إقرارا بالمال (٤)، وهذا فرع عن القاعدة المقررة وهي " طلب الصلح والإبراء عن الدعوى لا يكون إقرارا، وطلب الصلح والإبراء عن المال يكون إقرارا (٥) وذلك لأن المقصود من الإبراء من دعوى المال هو قطع النزاع، فلا يفيد ثبوت الحق، بخلاف طلب الإبراء من الحق ذاته، فإنه يفيد ثبوته (٦).

стр. 13092

أمثلة: أ - أمثلة الدفع المتضمن إقرارا: ١ - أن يدعي شخص على آخر بدين معين، فيدفع المدعى عليه قائلا: إن المدعي كان أبراني من هذا المبلغ الذي يطلبه. وبعرض هذا الدفع على المدعي أنكره، وبسؤال الدافع عما يثبت دفعه عجز عن إحضار البينة - وبإفهامه بأن له اليمين النافية لدفعه طلبها فحلف المدعي على عدم الإبراء، فإن المدعي يستحق ما ادعى به من غير تكليفه ببينة أخرى، لأن المدعى عليه قد أقر بدفعه أنه كان مدينا بالمبلغ الذي يدعيه خصمه، والأصل بقاء اشتغال ذمته إلى أن يثبت العكس، وهذا لم يثبت فيحكم للمدعي بالدين الذي يطالب به (١). ٢ - ادعى شخص أن آخر اشترى منه بمبلغ معين، فدفع المدعى عليه بأن المدعي أقاله من هذا المبلغ، وبعد النظر في دفعه عجز عن إثبات دفعه بالإقالة، وحلف المدعي على نفي دعوى الإقالة فإن دعوى المدعي تصبح ثابتة بإقرار المدعى عليه المفهوم من دفعه ويحكم بذلك على المدعى عليه بدفع المبلغ المذكور (٢). هذا بالنسبة لدعاوى الدين، وقد يتصور حصول ذلك في دعاوى العين - أيضا كما لو: ٣ - ادعى شخص على آخر بملكية عين في يد ذلك الآخر، فدفع ذو اليد بأنه اشتراها من المدعي، أو أن المدعي وهبها له أو نحو ذلك - وبعد النظر القضائي - لم يستطع إثبات دفعه، وحلف المدعي على عدم البيع أو الهبة، فإن المدعي - حينئذ يستحق العين المدعاة بسبق إقرار المدعى عليه الذي تضمنه دفعه والأصل عدم البيع حتى يثبت خلافه، ولم يثبت (٣).

стр. 13093

ب - أمثلة الدفع الذي لا يتضمن إقرارا: ١ - أجاب المدعى عليه بقوله: إن المدعي أقر بأن ليس له حق فيما يدعيه علي

стр. 13094

مطلقا - وبعد النظر القضائي - عجز عن إثبات ما دفع به، وحلف المدعى عليه اليمين النافية للدفع، فإن هذا الدفع لا يتضمن إقرارا بأصل الدعوى (١). ٢ - أجاب المدعى عليه - دفعا - بقوله: إن المدعي كان قد أبرأني من الدعوى بهذا الحق أو من الخصومة به - وبعد النظر القضائي - عجز المدعى عليه عن إثبات هذا الدفع، وحلف المدعي اليمين النافية لهذا الدفع، فإن هذا الدفع لا يعتبر إقرارا بالحق المدعى به، ولا يحكم به للمدعي إلا بالإثبات منه أو بالنكول من خصمه (٢). وذلك لأن المقصود من الإبراء من دعوى المال هو قطع النزاع فلا يفيد ثبوت الحق، بخلاف طلب الإبراء من الحق ذاته، فإنه يفيد ثبوته (٣). قلت: وما ذكره بعض الفقهاء من أن الدفع في هذين المثالين لا يتضمن إقرارا محل نظر وذلك لأنه لا فرق بين الإيداء من الدعوى أو الإيداء من المال المدعى به، حيث إن المال المدعى به ركن من أركان الدعوى وجزء من ماهيتها، وما يتوجه إلى الكل فإنه يتوجه إلى بعض الكل أيضا. قاعدة: واجتهادنا - في تقعيد ما يتضمن إقرارا من الدفوع وما لا يتضمن هو: كل دفع يلزم منه انتساخ دعوى المدعي بأمر طارئ عليها فهو إقرار بدعوى المدعي، كالأمثلة السابقة، وما ليس كذلك فليس فيه إقرار بدعوى المدعي. ومثال هذا الدفع

стр. 13095

الذي لا يتضمن إقرارا بالدعوى هو: أن يجيب المدعى عليه قائلا: إن المدعي ذكر في دعواه أن الحصان المدعى به لونه أبيض وهذا الحصان الذي في يدي كما ترونه - أسود اللون. فهذا الدفع يلزم منه تناقض المدعي في دعواه ولا يتضمن إقرارا بالدعوى كما لا يلزم منه انتساخ الدعوى - في حال ثبوته - بل اللازم كما ذكرنا - التناقض في الدعوى.
следующие страницы →