٤ - حكم دفع الدعوى باعتبار انتقائه: إذا عجز المدعي - دفعا - عن إثبات ما دفع به، وحلف خصمه على نفي دعوى الدفع، فإن دعوى الدفع تصبح ساقطة، أما سير القاضي حينئذ - فإنه يتجه إلى واحد من اتجاهين اثنين:
الاتجاه الأول: وذلك فيما إذا تضمن دفع الدافع إقرارا بالدعوى - كدفع دعوى الدين بالأداء أو الإيداء لذات الدين - فإن القاضي يفصل الخصومة بإلزام الدافع بما أقر به (١).
الاتجاه الثاني: وذلك فيما إذا لم يتضمن دفع الدافع إقرارا بما يدعيه المدعي - وصورة هذا الدفع أن يجيب المدعى عليه بأن المدعي كان قد أبرأه من هذه الدعوى - فإن القاضي - حينئذ - يسير في نظر الدعوى الأصلية، كما لو لم يكن هناك دفع (٢).
قاعدة: فيما يعتبر إقرارا من الدفوع وما لا يعتبر: لم يذكر الفقهاء ﵏ قاعدة تفصل بين الدفع الذي يقتضي إقرارا بالدعوى والدفع الذي لا يقتضي إقرارا بالدعوى (٣) ولكن بعضهم ضرب لذلك مثالا يشبه القاعدة فقال: البراءة من دعوى المال ليس إقرارا بالمال (٤)، وهذا فرع عن القاعدة المقررة وهي " طلب الصلح والإبراء عن الدعوى لا يكون إقرارا، وطلب الصلح والإبراء عن المال يكون إقرارا (٥) وذلك لأن المقصود من الإبراء من دعوى المال هو قطع النزاع، فلا يفيد ثبوت الحق، بخلاف طلب الإبراء من الحق ذاته، فإنه يفيد ثبوته (٦).
стр. 13092
أمثلة: أ - أمثلة الدفع المتضمن إقرارا:
١ - أن يدعي شخص على آخر بدين معين، فيدفع المدعى عليه قائلا: إن المدعي كان أبراني من هذا المبلغ الذي يطلبه. وبعرض هذا الدفع على المدعي أنكره، وبسؤال الدافع عما يثبت دفعه عجز عن إحضار البينة - وبإفهامه بأن له اليمين النافية لدفعه طلبها فحلف المدعي على عدم الإبراء، فإن المدعي يستحق ما ادعى به من غير تكليفه ببينة أخرى، لأن المدعى عليه قد أقر بدفعه أنه كان مدينا بالمبلغ الذي يدعيه خصمه، والأصل بقاء اشتغال ذمته إلى أن يثبت العكس، وهذا لم يثبت فيحكم للمدعي بالدين الذي يطالب به (١).
٢ - ادعى شخص أن آخر اشترى منه بمبلغ معين، فدفع المدعى عليه بأن المدعي أقاله من هذا المبلغ، وبعد النظر في دفعه عجز عن إثبات دفعه بالإقالة، وحلف المدعي على نفي دعوى الإقالة فإن دعوى المدعي تصبح ثابتة بإقرار المدعى عليه المفهوم من دفعه ويحكم بذلك على المدعى عليه بدفع المبلغ المذكور (٢).
هذا بالنسبة لدعاوى الدين، وقد يتصور حصول ذلك في دعاوى العين - أيضا كما لو:
٣ - ادعى شخص على آخر بملكية عين في يد ذلك الآخر، فدفع ذو اليد بأنه اشتراها من المدعي، أو أن المدعي وهبها له أو نحو ذلك - وبعد النظر القضائي - لم يستطع إثبات دفعه، وحلف المدعي على عدم البيع أو الهبة، فإن المدعي - حينئذ يستحق العين المدعاة بسبق إقرار المدعى عليه الذي تضمنه دفعه والأصل عدم البيع حتى يثبت خلافه، ولم يثبت (٣).
стр. 13093
ب - أمثلة الدفع الذي لا يتضمن إقرارا:
١ - أجاب المدعى عليه بقوله: إن المدعي أقر بأن ليس له حق فيما يدعيه علي
стр. 13094
مطلقا - وبعد النظر القضائي - عجز عن إثبات ما دفع به، وحلف المدعى عليه اليمين النافية للدفع، فإن هذا الدفع لا يتضمن إقرارا بأصل الدعوى (١).
٢ - أجاب المدعى عليه - دفعا - بقوله: إن المدعي كان قد أبرأني من الدعوى بهذا الحق أو من الخصومة به - وبعد النظر القضائي - عجز المدعى عليه عن إثبات هذا الدفع، وحلف المدعي اليمين النافية لهذا الدفع، فإن هذا الدفع لا يعتبر إقرارا بالحق المدعى به، ولا يحكم به للمدعي إلا بالإثبات منه أو بالنكول من خصمه (٢). وذلك لأن المقصود من الإبراء من دعوى المال هو قطع النزاع فلا يفيد ثبوت الحق، بخلاف طلب الإبراء من الحق ذاته، فإنه يفيد ثبوته (٣).
قلت: وما ذكره بعض الفقهاء من أن الدفع في هذين المثالين لا يتضمن إقرارا محل نظر وذلك لأنه لا فرق بين الإيداء من الدعوى أو الإيداء من المال المدعى به، حيث إن المال المدعى به ركن من أركان الدعوى وجزء من ماهيتها، وما يتوجه إلى الكل فإنه يتوجه إلى بعض الكل أيضا.
قاعدة: واجتهادنا - في تقعيد ما يتضمن إقرارا من الدفوع وما لا يتضمن هو: كل دفع يلزم منه انتساخ دعوى المدعي بأمر طارئ عليها فهو إقرار بدعوى المدعي، كالأمثلة السابقة، وما ليس كذلك فليس فيه إقرار بدعوى المدعي. ومثال هذا الدفع
стр. 13095
الذي لا يتضمن إقرارا بالدعوى هو: أن يجيب المدعى عليه قائلا: إن المدعي ذكر في دعواه أن الحصان المدعى به لونه أبيض وهذا الحصان الذي في يدي كما ترونه - أسود اللون. فهذا الدفع يلزم منه تناقض المدعي في دعواه ولا يتضمن إقرارا بالدعوى كما لا يلزم منه انتساخ الدعوى - في حال ثبوته - بل اللازم كما ذكرنا - التناقض في الدعوى.
стр. 13096
شروط دفع الدعوى:
لما كان الفقهاء ﵏ قد اعتبروا الدفع نوعا من الدعاوى حتى إنهم حينما وضعوا تعريفهم للدعوى حرصوا على أن يدخلوا فيه دفعها، فإنه من البديهي أن يشترطوا لصحة ما اشترطوه لصحة الدعوى في مختلف عناصرها من أهلية وصفة في أطراف الدعوى ومعلومية في الحق المدعى، ومشروعية فيه، وغير ذلك من الشروط، ويضاف إليها بعض الشروط المستمدة من كون دفع الدعوى مرتبطا بدعوى سابقة عليه (١) وهي:
الشرط الأول: أن يوجه الدفع إلى دعوى صحيحة: فإن كانت الدعوى الأصلية باطلة فلا خلاف في قبوله؛ إذ ليس للدعوى الباطلة حكم، وهي تعتبر في حكم المنعدمة، والتصدي لدفعها تحصيل حاصل، وهو عبث.
стр. 13097
أما إذا كانت الدعوى الأصلية فاسدة، فهل يقبل دفعها من قبل المدعى عليه؟ الرأي الراجح عند الحنفية أن الدفع الصحيح للدعوى الفاسدة صحيح. فإن قيل: ما فائدة دفع الدعوى الفاسدة مع أن القاضي لا يسمعها؟! أجيب بأنه لو ادعاها على وجه صحيح يكون الدفع الأول كافيا (١) ومثال ذلك: لو ادعى مدع بدعوى دون تعيين المدعى به فدفع المدعى عليه هذه الدعوى الفاسدة بقوله: لقد أبرأتني من جميع الدعاوى، يقبل هذا الدفع منه، فإن أثبت المدعى عليه هذا الدفع وجب على القاضي ردها، ولا يبقى للمدعي حق في إصلاح دعواه من فسادها ودفعها مرة ثانية صحيحة (٢).
الشرط الثاني - عدم التناقض في الدفع، سواء كان التناقض مع كلام صادر عن الدافع في جواب الدعوى، أو في دفع آخر سبق أن أبداه، أم كان صادرا خارج مجلس القضاء، وهذا شرط في الدعوى -أيضا - ولكن حصول التناقض في الدفع أوسع نطاقا (٣).
الشرط الثالث: أن ينعكس الدفع على دعوى المدعي، بحيث يتعارض معها في حال ثبوته، كما في أمثلة دفع الدعوى السابق ذكرها، فإذا اختل هذا الشرط فإن الدفع لا يكون صحيحا، ومثال الدفع الفاقد لهذا الشرط: أن يدعي شخص على آخر مالا قائلا: إن هذا المال الذي في يد المدعى عليه ملك لي وأطلب تسليمي إياه، وبعد عرض الدعوى أجاب المدعى عليه بقوله: إن المدعي قد أقر بأن شخصا آخر قد أخذ
стр. 13098
منه المال الذي يدعيه. فإن هذا الدفع لا ينعكس على الدعوى الأصلية (١). لأن الدعوى تقام على صاحب اليد؛ وإقرار المدعى عليه أن شخصا آخر أخذ المال لا يلزمه بشيء؛ لأنه همه استرداد ماله من اليد التي وصل إليها.
هذا ما ذكره بعض الفقهاء في شروط دفع الدعوى والملاحظ أن الشرط الأول فيه بعض نظر؛ وذلك لأن اشتراط وجود دعوى صحيحة يوجه إليها الدفع من باب تحصيل الحاصل؛ لأن القاضي لا يسأل المدعى عليه عن الدعوى إلا إذا بلغت درجة الصحة، أما قبل ذلك فإن جواب المدعى عليه بالدفع أو غيره من الأجوبة يكون لغوا لا فائدة فيه؛ لأنه لم يصادف محله. أما الشرط الثاني فإن اشتراطه لا يخص دعوى الدفع دون غيرها، بل هو شرط عام لجميع الدعاوى. أما الشرط الثالث فهو شرط خاص بالدفع، بل هو أهم شروطه.
فائدة: جملة القول - فيما نرجحه ونستنبطه -: فإن شروط دفع الدعوى تشمل شروطا عامة وشروطا خاصة. أما الشروط العامة فإنه يلزم توافرها في دعوى الدفع وفي جميع أنواع الدعاوى، وبسط البحث في هذه الشروط خارج عما نحن بصدد بحثه.
أما الشروط الخاصة فإنه يلزم توافرها في دعوى الدفع، ولا يلزم توافرها في غيرها من الدعاوى وهي كما يلي:
الشرط الأول: أن تكون دعوى الدفع جوابا قضائيا، بمعنى أن تكون دعوى الدفع جوابا صادرا من المدعى عليه، بعد أن يسأله القاضي الجواب على دعوى المدعي، ومعلوم أن القاضي لا يسأل المدعى عليه الجواب إلا بعد أن تتجاوز دعوى المدعي مرحلة البطلان والفساد إلى مرحلة الصحة. فإذا أجاب المدعى عليه بدعوى الدفع قبل أن يسأله القاضي الجواب على دعوى المدعي، فإن ذلك لا يكون دفعا صحيحا، بل
стр. 13099
يكون لغوا لا أثر له، كما لو حلف المدعى عليه قبل أن يوجه القاضي اليمين إليه ومثال دعوى الدفع الفاقدة لهذا الشرط: أن يبادر المدعى عليه القاضي قائلا - قبل أن يبدأ المدعي في دعواه - أو قبل أن تصح دعواه: إن ما يدعيه المدعي غير صحيح؛ لأني قد أديت إليه الدين الذي يدعيه - فهذا القول - وإن كان دفعا للدعوى - إلا أنه لم يقع في محله الشرعي؛ فلم يكن جوابا قضائيا.
الشرط الثاني: أن تكون دعوى المدعي قضائية: بمعنى أن تكون مرفوعة أمام القضاء، فإذا لم تكن دعوى المدعي مرفوعة أمام القضاء، فإن دعوى دفعها أمام القضاء يعرف لدى الفقهاء بالدعوى المقلوبة وهي غير مسموعة (١)، لأن المشتكي فيها يطلب فيها إجبار خصمه ليقيم دعواه، وقد اتفق الفقهاء، على أن الشخص لا يجبر على إقامة دعواه.
ومثال الدفع الفاقد لهذا الشرط أن يقول المدعى عليه: إن فلانا الغائب عن مجلس القضاء يدعي أنه أقرضني مبلغ كذا، وأنا كنت قد أديت إليه ذلك المبلغ، وأطلب إحضاره لأثبت أني أديت إليه ذلك المبلغ، أو يحلف أني ما أديت إليه.
стр. 13100
الشرط الثالث: أن تتعارض دعوى الدفع مع الدعوى المدفوعة بحيث لا يمكن الجمع بينهما في حال افتراض ثبوت الدفع، فإذا لم تتعارض دعوى الدفع الصادرة من المدعى عليه مع الدعوى المدفوعة الصادرة من المدعي فإن الدفع لا يكون صحيحا.
ومثال الدفع الفاقد لهذا الشرط: أن يجيب المدعى عليه بقوله: إن هذه العين التي يطلبها المدعي ملكتها - أنا المدعى عليه - بطريق الشراء من فلان الغائب - فإن هذا الدفع لا يتعارض - على افتراض ثبوته - مع دعوى المدعي؛ لأن البائع ربما غصبها أو سرقها من المدعي ثم باعها على المدعى عليه، فأمكن بهذا الجمع بين دعوى الدفع والدعوى المدفوعة، وحينئذ فإن القاضي يلزم المدعى عليه الذي لم يصح دفعه أن يجيب بجواب شرعي صحيح وإلا اعتبره ناكلا عن الجواب وقضى عليه.
إثبات الدفع: إثبات دعوى الدفع كغيرها من الدعاوى، فيجري إثباتها بجميع وسائل
стр. 13101
الإثبات الشرعية من الإقرار والشهادة والقرينة في نزاع التجاحد، وبالنص والأثر والفتوى والعرف في نزاع التصادق، وقد أشكل على كثير من الفقهاء تقديم بينة الدافع الذي هو المدعى عليه - في الأصل - على بينة المدعى عليه - في الأصل - الذي دفعت دعواه ومخالفة ذلك للقاعدة المجمع عليها (١) البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه " وقاعدة: "بينة الخارج مقدمة على بينة الداخل " وقاعدة: " بينة غير الحائز مقدمة على بينة الحائز " والحق: أن طلب البينة من المدعى عليه على دعوى الدفع التي أثارها ليس فيه مخالفة لقاعدة " البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه " وذلك لأن المدعى عليه أصبح - في دعوى الدفع - مدعيا كما أصبح المدعي مدعى عليه، وطلب البينة - حينئذ - لم يوجه إلى المدعى عليه وإنما وجه إلى المدعي، فلا مخالفة - في ذلك - للقاعدة النصية المذكورة - أما القاعدتان الأخريان فإنه لا مستند لهما من النص وفي القاعدة النصية ما يغني عنهما
стр. 13102
الجواب على دفع الدعوى: إذا أجاب المدعى عليه بدفع صحيح، فلا بد من عرضه على المدعي، باعتباره دعوه مكتملة الأركان والشروط وينعكس - حينئذ - موقف المتنازعين، فيصبح المدعي مدعى عليه، والمدعى عليه مدعيا، وقد يجيب المدعى عليه
стр. 13103
صفحة فارغة
стр. 13104
في دعوى الدفع - يدفع أيضا، وحينئذ تسمى هذه الأخيرة بدعوى (دفع الدفع) (١) وهكذا.
ومثال دفع الدفع: أن يدعي شخص قائلا في دعواه: إن لي في ذمة المدعى عليه الحاضر مبلغ ألف دينار وأطلب إلزامه بدفعها إلي، ويعرض الدعوى على المدعى عليه أجاب بقوله: إن المدعي أبرأني من هذا المبلغ، وبعرض هذا الدفع على المدعي المدفوعة دعواه أجاب قائلا: أنا أبرأت المدعى عليه ولكنه رد إبرائي ولم يقبله، وبعرض دفع الدفع هذا على المدعى عليه أجاب بإنكاره لرد الإبراء، وبسؤال مدعي دفع الدفع عما لديه من بينات تثبت دفع الدفع المذكور، أحضر بينته التي شهدت بصحة دعوى دفع الدفع (٢). وهكذا يكمل القاضي نظر القضية كما تقدم ذكره في نظر دعوى الدفع.
стр. 13105
تأخر الجواب بالدفع:
يجوز للدافع أن يؤخر الدفع إلى قبل صدور الحكم أما إذا صدر الحكم فلا يقبل منه الدفع وذلك لما يلي:
١ - القول بصحة الدفع بعد الحكم يقتضي المخالفة لما يفيده قوله ﷺ «شاهداك أو يمينه (١)». قال بعض الفقهاء: " فاليمين إذا كانت تطلب من المدعي فهي مستند للحكم صحيح، ولا يقبل المستند المخالف لها بعد فعلها؛ لأنه لا يحصل بكل واحد منها إلا مجرد الظن لا ينقض بالظن (٢).
٢ - القول بصحة الدفع بعد الحكم يقتضي نقض الحكم، وهذا مخالف للقاعدة المقررة، وهي: " الدعوى متى فصلت بالوجه الشرعي مستوفية شروطها لا تنقض ولا تعاد (٣).
стр. 13106
المشكلة الاقتصادية
وكيف تحل في ضوء الكتاب والسنة
إعداد
الدكتور / حسين مطاوع الترتوري (١) أستاذ مشارك بكلية التربية
جامعة الملك سعود
مقدمة:
هذا البحث يعالج موضوعا اقتصاديا هاما: المشكلة الاقتصادية والمذهبان الرأسمالي والماركسي إنما وجدا - كما يدعي أصحابها - للتغلب على المشكلة الاقتصادية، وبالتالي تحقيق الرفاهية والسعادة للناس.
وفي هذا البحث تجد تحديدا للمشكلة الاقتصادية من وجهة نظر الرأسماليين ومن جهة نظر الماركسيين ثم من وجهة نظر الإسلام وبيان أن المذهبين الرأسمالي والماركسي جانبا الصواب في تحديد المشكلة الاقتصادية مما جعل الحلول التي وضعوها للتغلب على هذه المشكلة غير مناسبة.
أما في الإسلام فقد حددت المشكلة الاقتصادية بالدليل المبني على النص ثم بينت الوسائل والأساليب التي شرعها الإسلام وحل المشكلة الاقتصادية.
стр. 13107
وتختلف المذاهب الاقتصادية العالمية في تحديد المشكلة الاقتصادية وبالتالي في وضع الحلول السلمية لها.
فالنظام الاقتصادي الرأسمالي يرى أن المشكلة الاقتصادية تكمن في قلة الموارد الطبيعية للثروة وفي قلة عوامل الإنتاج. فالإنسان بالمفهوم الرأسمالي له حاجاته متعددة ومتجددة غير محدودة، ووسائل إشباع هذه الحاجات محدودة نسبيا سواء أكان الإنسان بما لديه من طاقة أو الأرض بما فيها من موارد، وعلى فرض استغلال الإنسان لطاقته وما في هذا الكون استغلالا كفؤا فإنه لا يستطيع تحقيق كل ما يرغب فيه. وقد عبر عن ذلك روبرت مالتس أستاذ التاريخ والاقتصاد بجامعة هاليبري بقوله: إن تكاثر السكان يجري وفق متوالية هندسية: ١ و٢ و٤ و٨ و١٦ و٣٢ وهكذا، بينما إمكانية الزيادة في الإنتاج الزراعي يجري وفق متوالية حسابية: ١ و٢ و ٣ و٤ و٥ و٦ وهكذا (١). ومن هنا تنشأ المشكلة الاقتصادية أو مشكلة الندرة. وهذه المشكلة لا بد لها من حل. والحل الأمثل لها عندهم أن يقوم التوزيع على أساس فردي وأن لا يكون للحاجة دور في التوزيع وأن يقتصر التوزيع على أساس العمل الحر. وفي ظل هذه الحرية التامة والتنافس بين الناس يحصل التقدم ويستطيع الإنسان إشباع رغباته في أوسع نطاق وبأقل تكلفة. فكل من المنتج والعامل يستغل طاقته وإمكاناته ويوجهها فيما يحقق له أعلى درجة من الربح، وبالتالي الرفاهية المنشودة من غير وضع أي قيد على صاحب المال أو العامل لأن من حق أي فرد في المجتمع أن يتصرف بماله ويستغل طاقته، ولا تتدخل الدولة في النشاط الاقتصادي إلا بالقدر الذي يتطلبه حفظ النظام العام وتوطيد الأمن، وهذا يحقق للرأسماليين ما يطمحون إليه من تنمية الثروة الكلية للمجتمع وبالتالي حل المشكلة الاقتصادية كما يزعون (٢).
وفي المذهب الماركسي تكمن المشكلة الاقتصادية في عدم تطور علاقات التوزيع مع شكل الإنتاج، ومهمة علماء الاقتصاد في نظر ماركس اكتشاف قوانين التطور التي جرى التاريخ وفقا لها والتي لا دخل للإنسان فيها مما يفرض على المجتمع تغييرا في علاقات
стр. 13108
التوزيع. وقد ذكر ماركس في البيان الشيوعي الأول أن تاريخ الجماعات كافة ليس إلا تاريخ الصراع الطبقي (١). وذكر في كتابه رأس المال أن طريقة التوزيع تختلف تبعا لاختلافات في طبيعة الجهاز الاجتماعي الذي يقوم بعلمية الإنتاج وتبعا لما يطابقه من مستوى التطور التاريخي الذي بلغه المنتجون (٢) وهذا مثال يوضح مذهب ماركس في التوزيع، ففي المرحلة الاشتراكية يجوز للمنتج أن يملك عوامل إنتاج فردية، لذا كان توزيع الثروة في هذه المرحلة حسب قاعدة (من كل حسب طاقته ولكل حسب عمله). وأما في المرحلة الشيوعية فإن الإنتاج يتطور في مفهومه ووسائله بحيث لا يجوز للمنتج أن يملك وسيلة إنتاج فردية، لذا تطور عندهم مفهوم توزيع الثروة فقالوا: (من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته).
والنظامان الرأسمالي والماركسي لم يحسنا تحديد المشكلة الاقتصادية وبالتالي كان علاجهما لها خاطئا مما زاد المشكلة تعقيدا.
فالنظام الرأسمالي الذي يهدف كغيره من الأنظمة الاقتصادية إلى زيادة الإنتاج ووضع حل للمشكلة الاقتصادية فإنه يهتم بالثروة الكلية للمجتمع بغض النظر عما يلحق كل فرد من هذه الثروة، ومن هنا جاز في المفهوم الرأسمالي أن يستغني صاحب المصنع عن آلاف العمال وأن يحل محلهم الرجل الآلي والحاسبات الآلية إذا كان هذا الأمر يزيد في ربحه ويزيد في الثروة الكلية للمجتمع. مع أن هذا الاستغناء يلحق الأذى في كل من
стр. 13109
استغني عنه من العمال، الأمر الذي يترتب عليه سوء في توزيع الثروة وتفاوت شديد بين دخل الأفراد. وقد قام معهد هرش بالولايات المتحدة الأمريكية بدراسة كانت نتيجتها حسب ما يتوقعون أن العالم سنة ٢٠٠٠ سيقسم إلى أربع مجموعات بحسب التقدم الصناعي في دول العالم وسيكون متوسط الدخل في دول المجموعة الأولى وهي الدول المتقدمة صناعيا خمسين مثلا للدخل الموجود في دول المجموعة الرابعة وهي الدولة التي فيها تصنيع جزئي (١) وقد صدرت صيحات من المفكرين الرأسماليين تنادي بضرورة إعادة توزيع الدخل لتخفيف حدة التفاوت بين دخل الأغنياء ودخل الفقراء وذلك بحسب بعض المبالغ النقدية من الدخول العالية لحساب الدخول المحدودة عن طريق الضرائب التصاعدية (٢).
وقد استغل أصحاب رؤوس الأموال في المذهب الرأسمالي الحرية استغلالا سيئا جعلهم ينظرون إلى مصالحهم الشخصية فينتجون ما شاءوا من السلع وإن كانت حاجة المجتمع لغيرها أشد ما دام الربح يتحقق لهم بشكل أكبر في إنتاجها، وأخذوا يحتكرون السلع حتى ترتفع أسعارها فيزداد ربحهم، كما أنهم تحكموا في العمال وفرضوا عليهم شروطا قاسية لقبولهم في مصانعهم مع ضعف الأجور وسوء المعاملة وسوء التغذية وسوء الرعاية الصحية.
والنظام الرأسمالي الذي يرى أن الأصل التملك الفردي وأن التوزيع العادل يجب أن يقوم على أساس فردي اضطر إلى الاعتراف بالملكية الجماعية وملكية الدولة فلجأ إلى التأميم استجابة لمطالب العمال ولتقديم الخدمات بشكل جيد وبأسعار مناسبة. ففي إنجلترا اضطرت الحكومة بعد الحرب العالمية الثانية سنة ١٩٤٥ م إلى تأميم الصناعات المتصلة بالوقود والقوى المحركة والنقل وصناعة الحديد والصلب واستيراد وبيع القطن الخام والخدمات الطبية. وصدر قانون سنة ١٩٤٦م بتأميم بنك إنجلترا وصناعة الفحم وصدر قانون سنة ١٩٤٧م بتأميم النقل بالسكك الحديدية والقنوات الداخلية. وصدر قانون سنة ١٩٤٨م جعل ملكية صناعة الغاز للدولة. وكانت بريطانيا قد أممت الإذاعة
стр. 13110
قبل الحرب العالمية الثانية وأسندت جميع شئونها لهيئة عامة مسئولة عن وضع الخطط وتنفيذها لتحقيق الصالح العام. وكان نتيجة هذه التأميمات أنه بلغ حجم العمالة في الصناعات والخدمات المؤممة في إنجلترا سنة ١٩٥٠م ١٠. ٣% من مجموع العاملين.
والمذهب الماركسي جاء رد فعل لسوء الرأسمالية، ولكنه لم يحسن تشخيص الداء أيضا وبالتالي كان علاجه للمشكلة الاقتصادية علاجا خاطئا. فقد قامت الثورة الشيوعية سنة ١٩١٧م ولم تقض على سوء الرأسمالية كما كانوا يحلمون بل ازداد الوضع في الاتحاد السوفيتي سوءا. فبينما كان الإنتاج يساوي سنة ١٩١٣م، مائة بالمائة انخفض سنة ١٩٢٠م إلى ١٣% بسبب نقص رؤوس الأموال وانخفاض إنتاجية العمال. وبعد أن وزعت الحكومة الأراضي الزراعية على الفلاحين انخفضت المساحة المزروعة من ١٠٥ مليون هكتار عام ١٩١٣ إلى ٧٧ مليون هكتار عام ١٩٢٢م.
وعلى إثر الخطة الأولى التي وضعها الماركسيون في روسيا سنة ١٩٢٩ م انخفض استهلاك الفرد إلى ٣ كيلو جرامات من اللحم وخمسة كيلو جرامات من السكر بينما كان استهلاك الفرد في إنجلترا في ذلك الحين ٦٣ كيلو جراما من اللحم و٤٥ كيلو جراما من السكر (١) وقد اضطر الاتحاد السوفيتي إلى عقد اتفاقية مع الولايات المتحدة الأمريكية سنة ١٩٧٢ لتزويده بالقمح لسد حاجة الاستهلاك المحلي، علما بأن مساحة الأرض في روسيا تمثل ثلاث مرات حجم الأرض في الولايات المتحدة الأمريكية (٢). . هذا عن الزراعة وسوء الإنتاج. أما بالنسبة للأجور فقد ازداد التفاوت فيها لدرجة لم يعرفها النظام الرأسمالي، فبلغت نسبة هذا التفاوت من ١ - ٥٠ (٣).
стр. 13111
وقد أثبتت التقارير التي كان يقدمها كبار الشيوعيين فشلهم سواء في زيادة الإنتاج أو في زيادة البناء أو في القضاء على الإهمال مما جعلهم يتراجعون عن بعض مبادئهم ويعلنون أنه لا بد من اتباع الحوافز المادية لتحسين وزيادة الإنتاج. فقد جاء في تقرير قدمه خروتشوف إلى الحزب (لدينا نواح ومقاطعات اكتسبت حق عدم تنفيذ البرامج. اكتسبت إن جاز القول حق الوجود في قائمة المستهلكين لا المنتجين ويقول كوسيجن: " إن برنامج بناء المساكن في الآونة الأخيرة رغم الحاجات الماسة لم يتم تحقيقه بصورة منهجية ومنتظمة مع أن الموارد المالية والوسائل الضرورية لذلك متوفرة (١). ويقول (ويوجد في البناء الاقتصادي نواقص تعزى إلى حالات الإهمال في برمجة وإدارة الاقتصاد " (٢). ويقول أيضا: (لكي يزداد اهتمام الشغيلة أيضا على أساس الحافز المادي بتحسين خدمة الجمهور علينا القيام على نطاق واسع بنقل هؤلاء الشغلية من الأجر المحدد إلى مكافأة العمل تبعا للربح) (٣). وقد أكد هذا المعنى بريجنيف في خطاب له بقوله: يقتضي مع التوطيد المتواصل للوعي الشيوعي أن يجمع جمعا صحيحا بين الحوافز المادية والمعنوية للعمل) (٤).
لقد اضطر كبار الماركسيين إلى التصريح بما قالوه لأن الواقع والأرقام فرضا عليهم ذلك. فقد قرر المعهد الاقتصادي الاشتراكى العالمي التابع لأكاديمية العلوم في الاتحاد السوفيتي أن معدل زيادة الدخل القومي في جميع الدول الاشتراكية كان ١٠% في الفترة من سنة ١٩٥١ - ١٩٥٥ م، ٨. ٨% في الفترة من سنة ١٩٥٦ - ١٩٦٠ م، ٤. ٢ % في الفترة من سنة ١٩٦١ - ١٩٦٥ م. وأنه في ذلك الوقت من ٤. ٢ % إلى ٤. ٦ % في
стр. 13112
الولايات المتحدة ومن ٢. ٧ - ٣. ٨ في إنجلترا. ومن ٥ - ٥. ٢% في ألمانيا الغربية (١).
وقد تراجع الماركسيون عن أهم مبادئهم، فبعد أن ألغت المادة الأولى في حكومة لينين من الدستور الروسي الملكية الخاصة للأراضي وللمصانع سنة ١٩١٨م واعتبرتها ملكية للدولة اضطرت الحكومة أن تتراجع عن قراراها بعد ثلاث سنوات فقط فأجازت ملكية المصانع التي تستخدم أقل من عشرين عاملا وأقامت أسواقا حرة لتزويدها بحاجاتها من الخامات والموارد الأولية (٢). وقد جاء نص المادة التاسعة في الدستور السوفيتي الصادر سنة ١٩٣٦م إلى جانب النظام الاقتصادي الاشتراكي الذي هو الطابع السائد في اقتصاد الاتحاد السوفياتي يسمح القانون بالمشاريع الاقتصادية الصغيرة الخاصة بالفلاحين القرويين وبالحرفيين على أن يقوموا بعملهم شخصيا أن لا يستغلوا فيه جهد الآخرين (٣).
وقد ذكرت مجلة الإكسبريس الفرنسية أن الاتحاد السوفيتي سمح لبعض المزارعين بتملك بعض المزارع الخاصة وهذه المزارع تقدر بـ ٣ % من مجموع أراضي الدولة وقد تبين أن هذه المزارع تعطي أكثر من ٥٠% من محصول البطاطا الذي تنتجه أراضي الدولة جمعاء.
إن إلغاء الملكية الخاصة واتباع سياسة خاطئة في توزيع الثروة هو السبب الرئيسي في فشل الخطة السبعية في الاتحاد السوفيتي التي انتهت سنة ١٩٦٥ ولم تحقق إلا ١٠% مما قدر لها.
стр. 13113
وما حصل في الاتحاد السوفيتي من خطأ في تحديد المشكلة الاقتصادية وبالتالي الفشل في القضاء عليها حصل في الصين مما اضطرهم سنة ١٩٧٨م إلى السماح للأجانب من بريطانيين وفرنسيين ويابانيين بامتلاك ٤٩% من أي مصنع صيني.
أما في الإسلام فالمشكلة الاقتصادية ليست كما قال الرأسماليون بأنها الندرة ولا كما قال الشيوعيون بأنها عدم تطور علاقات التوزيع مع شكل الإنتاج بل المشكلة الاقتصادية في الإسلام تكمن في الإنسان الذي يظلم نفسه ويظلم الآخرين باتباع سياسة خاطئة في توزيع الثروة لم يشرعها الله سبحانه وفي كفران الإنسان للنعمة بعدم استغلال كل ما سخره الله له في هذه الأرض وقد بين القرآن ذلك، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾ (١) ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ (٢) ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤) ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ (٦) ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ (٧) ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ (٨) ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ (٩) ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ (١٠) ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ (١١) ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ (١٢) ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ (١٣) ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ (١٤) ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا﴾ (١٥) ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ (١٦).
وقد توصل إلى هذا المعنى الذي قرره القرآن قبل خمسة عشر قرنا غير المسلمين وأثبتوا هذا في تقاريرهم المبنية على دراسة علمية لا على أسس فكرية. فقد جاء في تقرير لفريق البنك الدولي عن الدراسة التي قدمها نادي روما تحت عنوان: حدود النمو سنة
стр. 13114
١٩٧٢ م: (إن سوء توزيع موارد العالم وليس النقص المطلق فيها هو المشكلة الحقيقية التي تواجه البشرية (١).
стр. 13115
وفي إطار تحديد القرآن الكريم للمشكلة الاقتصادية عالجت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية هذه المشكلة علاجا شاملا متكاملا من جميع الجوانب المادية والمعنوية ومبنية خطأ تحديد المشكلة الاقتصادية بغير ما حدده الله سبحانه في كتابه ويظهر ذلك في النقاط التالية:
أولا: بين الله سبحانه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ أن كل ما في هذا الكون ملك لله يجب على الناس التصرف فيه في إطار المشروع وما أباحه الله. وأن الإنسان مستخلف في هذه الأرض لعمارتها وهي مذللة له.
قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (٥) وقال ﷺ : «إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها (٦)». . . .
стр. 13116
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (٢) مع ملاحظة أن الأرض مذللة للمسلم ولغير المسلم قال رسول الله ﷺ : «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء (٣)» وأما المسلم فإن حظه الوفير يكون في الآخرة.
стр. 13117
ثانيا: أباح الإسلام التملك المشروع وحدد له أسبابا تلبية لغريزة حب التملك التي أودعها الله في الإنسان، وبين ما يجوز تملكه وما لا يجوز. وقد ذكر الفقهاء في كتبهم أسباب التملك المشروع. قال ابن نجيم: (أسباب التملك: المعاوضات المالية، والأمهار، والخلع، والميراث، والهبات، والصدقات، والوصايا، والوقف، والغنيمة، والاستيلاء على المباح، والإحياء، وتملك اللقطة بشرطه، ودية القتيل يملكها أولا ثم تنقل إلى الورثة، ومنها الغرة يملكها الجنين فتورث عنه. . .) (١) وقال الحصكفي: اعلم أن أسباب الملك ثلاثة: ناقل كبيع وهبة، وخلافة كإرث، وأصالة وهو الاستيلاء حقيقة بوضع اليد أو حكما بالتهيئة كنصب شبكة الصيد) (٢).
ويمكن حصر أسباب التملك المشروع التي اتفق عليها الفقهاء بما يلى:.
أ - إحراز المباح والاستيلاء عليه كالصيد وإحياء الموات والغنائم.
стр. 13118
ب - العقود الناقلة للملكية كالبيع والهبة والوصية.
جـ - الميراث.
د - التعويض كالدية وكضمان ما يتلفه الإنسان من مال غيره.
هـ- التولد من المملوك كنتاج الحيوان وثمر الزرع.
وهذا التحديد لأسباب التملك المشروع لا بد منه حتى لا ينساق الإنسان مع غريزته في حب التملك فيملك بسبب مشروع أو غير مشروع. وقد بين الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ أن الإنسان مفطور على حب التملك، قال تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾ (١) ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ (٢) وقال الرسول ﷺ : «لو كان لابن آدم واديان من ذهب لأحب أن يكون له ثالث ولا يملأ فاه إلا التراب ويتوب الله على من تاب (٣)».
وبين الفقهاء ما لا يجوز تملكه وهي الأعيان التي تشمل على منفعة محرمة كالميتة ولحم الخنزير وما ذبح وذكر عليه غير اسم الله والخمر والأصنام والكلب والسنور وآلات اللهو المحرمة وآلة الحجامة، وكل مالا يوجد فيه منفعة مقصودة كالحشرات وهوام الأرض وكل ما فيه منفعة تافهة ولم يعتبرها الناس في عرفهم الصحيح محلا للملك كحبة قمح أو شمة وردة. وبشكل عام فإن كل ما حرمه الله لا يجوز للمسلم أكل ثمنه ولا تملكه لأنه ليس محلا للملك. قال تعالى في بيان بعض المحرمات: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٤) وذكر الشوكاني في كتاب البيوع أبواب ما يجوز بيعه وما لا يجوز. ثم ذكر باب: ما جاء في بيع النجاسة وآلة المعصية وما لا نفع
стр. 13119
فيه عن جابر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام (١)». . . وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه (٢)». وعن أبي جحيفة أنه اشترى حجاما فأمر فكسرت محاجمه وقال: «إن رسول الله ﷺ حرم ثمن الدم وثمن الكلب وكسب البغي (٣)». . . (٤)
стр. 13120
ثالثا: أقر الإسلام الملكيتين الخاصة والعامة وجعل كل واحدة منهما أصلا فيما تصلح فيه، ولم يعالج الإسلام التفاوت بين دخل الأفراد بنزع الملكية من يد الأغنياء كما أنه لم يترك الفقراء عالة على الأغنياء بل جعل للحاكم المسلم حق التصرف في أموال الدولة ومصادر بيت المال الجديدة بما يحقق المصلحة ويعالج التفاوت الشديد بين دخل الأفراد ويظهر ذلك في النقاط التالية:
الأولى: «أن الرسول ﷺ وزع فيء بني النضير على المهاجرين لحاجاتهم ولم يعط إلا رجلين من الأنصار كانا ذوي حاجة (١)»، وقد جاء النص على ذلك في الحديث الذي رواه أبو داود:. . فأعطى النبي ﷺ أكثرها - يعني فيء بني النضير - للمهاجرين وقسمها بينهم وقسم منها لرجلين من الأنصار وكانا ذوي حاجة لم يقسم لأحد من الأنصار غيرهما. . .
стр. 13121
الثانية: «أن الرسول ﷺ لما قدم المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار (١)» وقد مدح الله الأنصار على قيامهم بواجبهم خير قيام قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) واعتبر القرآن من صفات المؤمنين أنهم يطعمون الطعام للمحتاج على حبهم إياه وشهوتهم له ابتغاء وجه الله. قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (٣) ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ (٤).
الثالثة: حث الرسول ﷺ على إحياء الأرض الموات وجعلها ملكا لمن يحييها فقال ﵊: «من أعمر أرضا ليست لأحد فهو أحق (٥)» وهذا الحديث يدل بوضوح على أن سبب ملك الأرض إعمارها وإحياؤها لا مجرد التحجير عليها ولذلك كان عمر يقول: (من عطل أرضا ثلاث سنين لم يعمرها فجاء غيره فهي له) (٦) وتحجير الأرض ثلاث سنين فأكثر بدون تعميرها لا يكون إلا من الأغنياء عادة لعدم حاجتهم الماسة لإعمارها بخلاف الفقير فإنه لا ينتظر هذه الفترة، فهو يستغل الأرض من أول يوم بتعميرها حتى يستفيد من إنتاجها الذي هو في أمس الحاجة إليه.
стр. 13122
الرابعة: أعطى الإسلام لولي الأمر الحق في إقطاع من يرى من الرعية أرضا لا مالكا لها. وكان عمر ﵁ يرى أن يؤخذ من المقطع له ما عجز عن عمارته. وتوزيعه على المسلمين المحتاجين مراعاة للمصلحة العامة ولمنع زيادة التفاوت الشديد بين دخل الأفراد، وقد فعل عمر ذلك (١). وقد رفض عمر ﵁ أن يختم على الكتاب الذي كتبه أبو بكر لعيينة بن حصن وفيه أنه أقطعه قطيعة وعلل عمر رفضه بقوله: (لا أختم. أهذا كله لك دون الناس (٢) وفي رواية أخرى أن عمر ﵁ بصق في الكتاب ومحاه وعندما رجع عيينة لأبي بكر ليجدد له الكتاب قال ﵁: (لا والله لا أجدد شيئا رده عمر) (٣).
الخامسة: أن عمر بن الخطاب ﵁ رفض قسمة أرض سواد العراق بين المقاتلين وبقي يتدارس الأمر مع الصحابة حتى وصلوا إلى إبقائها في يد أصحابها على أن يدفعوا الخراج. وكان مما قاله عمر: (لولا آخر الناس ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها كما قسم النبي ﷺ أرض خيبر). وفعل عمر وموافقة الصحابة له ﵃ جميعا كان في دائرة نصوص ومقاصد الشرع فقد كان ﵁ حريصا على أن يبقي مصدرا ثابتا ومتجددا لمالية الدولة الإسلامية يساعد منه كل محتاج في كل زمان ومكان وقد استدل عمر ﵁ لما ذهب إليه بآيات سورة الحشر ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٤) ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (٥) ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٦) ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٧)
стр. 13123
قال القرطبي: (قرأ عمر ﵁ هذه الآية ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ (١) فقال هذه لهؤلاء. ثم قرأ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٢) فقال هذه لهؤلاء ثم قرأ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ (٣) حتى بلغ ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ (٤) ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ (٥) ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٦) ثم قال: لئن عشت ليأتين الراعي وهو بسرو حمير (٧) نصيبه منها لم يعرق فيها جبينه. وقيل: إنه دعا المهاجرين والأنصار واستشارهم فيما فتح الله عليه من ذلك وقال لهم: تثبتوا الأمر وتدبروه ثم اغدوا علي. ففكر في ليلته فتبين له أن هذه الآيات في ذلك أنزلت، فلما غدوا عليه قال: قد مررت البارحة بالآيات التي في سورة الحشر وتلا ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ (٨) إلى قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ (٩) فلما بلغ قوله ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (١٠) قال: ما هي لهؤلاء فقط وتلا قوله ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (١١) إلى قوله: ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١٢) ثم قال: ما بقي أحد من أهل الإسلام إلا وقد دخل في ذلك) (١٣).
السادسة: أن عمر بن الخطاب ﵁ حمى أرضا بالربذة لنعم الصدقة. وقد ثبت في صحيح البخاري أنه قال لمولاه وكان يدعى هنيا: (يا هني اضمم جناحك عن المسلمين واتق دعوة المظلوم فإن دعوة المظلوم مستجابة
стр. 13124
وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة وإياي ونعم ابن عوف ونعم ابن عفان فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى نخل وزرع وإن رب الصريمة ورب الغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتني ببنيه فيقول يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين. . .).
والمتأمل في قول عمر ﵁ يلاحظ أن الأرض حميت لنعم الصدقة كي يستفيد منها الفقراء دون الأغنياء، وهذا يسهم في علاج التفاوت الشديد بين دخل الفقراء ودخل الأغنياء من غير اعتداء على مال الغني.
والإسلام وإن كان منهجه علاج التفاوت الشديد بين دخل الأفراد بما لا يترتب عليه ظلم لأحد يؤكد أن الناس خلقوا متفاوتين في الكفاءة والقدرات وأن الله سبحانه بسط الرزق لمن يشاء ويقدر. قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ (٢) وقد بين الله سبحانه أن تفاوت الناس في الرزق لحكمة وهي ابتلاء الله الناس وعمارة البشر لهذا الكون كل ضمن طاقته وقدرته، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٤)
стр. 13125
ومع أن الإسلام أقر الملكيتين الخاصة والعامة فإنه يمنع الملكية الخاصة لبعض الثروات الطبيعية التي لا دخل للناس في إيجادها من جهة وضرورية لهم بحيث تتعلق بها مصلحة الجماعة من جهة أخرى، «عن أبيض بن حمال أنه وفد إلى رسول الله ﷺ فاستقطعه الملح فقطع له. فلما أن ولى قال رجل من المجلس: أتدري ما قطعت له؟ إنما قطعت له الماء العد. قال: فانتزعه منه (١)». وقد ذكر الرسول ﷺ بعض الثروات التي لا تملك ملكية خاصة. فقال ﷺ «ثلاث لا يمنعن: الماء والكلأ والنار (٢)». . وذكر الشوكاني هذا الحديث وحديث: «المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار (٣)» ثم قال: (واعلم أن أحاديث الباب تنتهض بمجموعها فتدل على الاشتراك في الأمور الثلاثة مطلقا ولا يخرج شيء من ذلك إلا بدليل يخصص به عمومها) (٤) وقد فصل العلماء في هذه المسألة فقالوا:
- ماء الأنهار غير المستخرجة والسيول حق إجماعا.
- ماء الأنهار والعيون والقناة المحتفرة في البئر ملك لصاحبها في الراجح ويجب عليه بذل ما زاد عن حاجته منه لقول النبي ﷺ : «لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ (٥)».
стр. 13126
ويلحق بالماء والكلأ والنار والملح التي ذكرت في الأحاديث واعتبرت ملكية عامة زمن النبي ﷺ كل ما يجد في هذا الزمان من ثروات طبيعية لا دخل للناس في إيجادها وضرورية لهم بحيث تتعلق بها مصلحة الجماعة. وقد ذكر الفقهاء بعض الأعيان التي لا يجوز أن تملك ملكية خاصة.
يقول ابن قدامة: (وأما المعادن الجارية كالقار والنفط والماء فهل يملكها من ظهرت في ملكه. فيه روايتان أظهرهما لا يملكها لقول النبي ﷺ : «الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار (١)» رواه الخلال ولأنها ليست من أجزاء الأرض فلم يملكها بملك الأرض كالكنز. . .) (٢) وقد ذهب المالكية في أحد القولين إلى أن المعادن سواء كانت جارية أو غير جارية لا تملك ملكية خاصة حتى وإن كانت في أرض مملوكة ملكية خاصة (٣).
وإذا تعارضت المصلحة الخاصة مع المصلحة العامة قدم الإسلام المصلحة العامة على المصلحة الخاصة وهذا الأمر يتمشى مع عدالة التوزيع التي شرعها الإسلام في أحكامه حتى لا تكون هناك مشكلة اقتصادية.
والدليل على تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة في الإسلام:
أ - ما سبق ذكره في أن الإسلام يمنع الملكية الخاصة في بعض الثروات الطبيعية التي لا دخل للإنسان في ايجادها وتتعلق بها مصلحتهم كالماء والكلأ والنار والملح. على تفصيل في هذه المسألة كما سبق ذكره.
ب - أن الرسول ﷺ «نهى عن التلقي وأن يبيع حاضر لباد (٤)». مع أن في ذلك مصلحة خاصة للبادي وللسمسار الذي يبيع له إذا كان ذلك بطريق الوكالة ومع ذلك قدمت مصلحة أهل الحضر عامة.
جـ - أن النبي ﷺ أخبر أن الله بريء من المحتكر زجرا له عن الاحتكار تقديما لمصلحة المسلمين عامة على مصلحة المحتكر فقال ﵇: «من احتكر
стр. 13127
طعاما أربعين ليلة فقد برئ من الله تعالى وبرئ الله منه (١)». . .
د - أجاز الحنفية التسعير في الأقوات إذا تعدى الأرباب عن القيمة تعديا فاحشا وتوسع أبو يوسف فأجاز التسعير في غير القوتين أيضا إذا تعدى أربابها وظلموا العامة (٢). وأجاز أشهب من المالكية التسعير أيضا بحسب ما يرى الإمام تحقيقا لمصلحة البائع والمبتاع (٣) وأيد ابن تيمية وتلميذه ابن القيم التسعير إذا امتنع أرباب السلع عن بيعها مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة. وقالا رحمهما الله: يجب التسعير في مثل هذه الحالة وإلزام الناس في بيعهم وشرائهم بثمن المثل (٤) وفي جواز التسعير بل إيجابه في بعض الحالات تحقيق لمصلحة عامة الناس على مصلحة البائع.
هـ - ذكر بعض فقهاء الأحناف جواز نزع الملكية الخاصة للمصلحة العامة فأجازوا استملاك الأرض المجاورة للمسجد لتوسعته إذا ضاق بالمصلين ودفع قيمة الأرض لأصحابها رضوا أم أبوا (٥). وقد أمر عمر بن الخطاب ﵁ شراء الدور المحيطة بالكعبة، ولما أبى بعض أصحابها بيعها أخذها ﵁ جبرا عنهم ووضع قيمتها بخزانة الكعبة ليأخذها أصحاب الدور وقال لهم: (إنما نزلتم على الكعبة وهذا فناؤها ولم تنزل الكعبة عليكم) (٦).
ولا يقتصر نزع الملكية الخاصة لتوسعة المسجد تحقيقا لمصلحة عامة المسلمين بل
стр. 13128
يجوز نزع الملكية الخاصة لكل ما يحقق نفعا عاما للناس. يقول الأستاذ مصطفى الزرقا: (وقانون الاستملاك للنفع العام لدينا يسوغ نزع الملكية الجبري عن كل عقار تقرر السلطة الإدارية العليا وجود النفع العام في استملاكه لمصلحة من المصالح العامة كمدرسة أو مستشفى أو حديقة وذلك بقيمته التي تقدرها له لجنة خبراء) (١).
وهذا المعنى الذي قرره العلماء بتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة عند التعارض يتوافق مع القواعد التي وردت في مجلة الأحكام العدلية في هذا الموضوع: فنص المادة ٢٦: يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام. والمادة ٢٧: الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف. والمادة ٢٨: إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما (٢).
стр. 13129
رابعا: جعل الإسلام توزيع الثروة يقوم على أساسين: العمل والحاجة (١)، فكل من يعمل عملا مباحا يملك ثمرة عمله وإن زادت عن حاجته تلبية لغريزة حب التملك وتشجيعا على العمل. وإذا لم يستطع الإنسان تأمين ضرورياته وحاجاته عن طريق العمل فإن الدولة تعينه على تأمين ضرورياته وحاجاته وذلك ضمانا لحد الكفاية لكل فرد في المجتمع الإسلامي، ويظهر ذلك في النقاط التالية:
الأولى: أوجب الله سبحانه نفقة القريب الفقير على قريبه الغني، قال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ (٣)، وقال تعالى ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ (٤)
стр. 13130
وقال ﷺ : «إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ من القطيعة. قال: نعم. أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى. قال فذلك لك. ثم قال رسول الله ﷺ : اقرءوا إن شئتم (٤)». وقال ﷺ : «لا يدخل الجنة قاطع رحم (٥)» «وقال ﵊ لمن سأله من أبر؟ قال أمك وأباك وأختك وأخاك ومولاك الذي يلي ذاك حق واجب ورحم موصولة (٦)» فهذه الأدلة وغيرها مما ذكره العلماء يفيد وجوب النفقة لأن الله سبحانه سمى ما ينفق " حقا" وأضافه إلى الفقير بقوله: حقه وأخبر النبي ﷺ بأنه حق واجب. ولا معنى لصلة الرحم بغير النفقة على المحتاج منهم.
وقد نص الفقهاء على أن حد هذه النفقة الكافية قال الكاساني: "وأما بيان مقدار الواجب من هذه النفقة فنفقة الأقارب مقدرة بالكفاية بلا خلاف لأنها تجب للحاجة فتقدر بقدر الحاجة وكل من وجبت عليه نفقة غيره يجب عليه له المأكل والمشرب والملبس والسكنى والرضاع إن كان رضيعا لأن وجوبها للكفاية لأن الكفاية تتعلق بهذه