← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 13371–13410 · переход к 13376.

стр. 13371

على ما عرف عن إمامه أو عن أصحابه العارف بمطلق الآراء في المذهب ومقيدها وعامها وخاصها وغامضها وواضحها، لكنه لم يبلغ درجة التخريج أو الترجيح وهذا يجوز أن يولى القضاء للضرورة، وعليه أن يحكم بالراجح في مذهب إمامه الذي انتسب إليه وعرف تفاصيل مذهبه، فإن فعل ذلك نفذ حكمه، وإن حكم بالضعيف في مذهب إمامه أو حكم بغير مذهب إمامه لم ينفذ حكمه لبطلانه، فإنه يعتقد صحة مذهب إمامه، وتقديم الراجح في مذهبه، فإذا حكم بخلاف ذلك كان حاكما بغير ما يعتقد فكان حكمه باطلا، وعليه أن يبين مستنده في جميع أحكامه، وقيل: لا يجور توليته القضاء، فإن قلده الإمام القضاء كانت توليته القضاء باطلة، وكان حكمه باطلا، وإن وافق الراجح في مذهب إمامه، وكانت التبعة في ذلك عليه لقبوله ما ليس أهلا له وعلى من ولاه لتوليته إياه، وذهب الماوردي وجماعته إلى جواز حكم المقلد بغير مذهب إمامه، وجمع بينهما الأذرعي بحمل كل من القولين على حال من أحوال المقلد. رابعا: مجتهد المذهب وهو من له قدرة على استنباط الأحكام من الأدلة الشرعية بناء على أصول الإمام الذي انتسب إليه، أو استنباطها من قواعد إمامه منصوصة أو مستنبطة من كلامه، أو استنباطها بالقياس على منصوصة لشبه معتبر بينهما، أو لعدم وجود فارق مؤثر، وله قدرة أيضا على الترجيح بين الروايات والأقوال والوجوه. وهذا بأنواعه له شبه بالمجتهد المطلق من ناحية قدرته على استنباط الأحكام في الجملة، وله شبه بالمقلد من ناحية وقوفه عند أصول إمامه والتزامه لطريقته في التخريج والترجيح، ولذا اختلف في حكم توليته القضاء، فمن غلب جهة شبهه بالمجتهد المطلق أجاز توليته القضاء، ولو مع وجود المجتهد المطلق فتصح ولايته ويقضي بما ترجح لديه من الآراء، وحكمه نافذ ورافع للخلاف فيما حكم فيه من القضايا، ومن غلب فيه جهة شبهه بالمقلد وسماه مقلدا وإن كان تقليده غير محض، لم يصحح ولايته إلا عند عدم وجود مجتهد مطلق، والمعتمد الأول عند كثير من الفقهاء ولكن ينبغي تولية الأمثل فالأمثل. خامسا: مجتهد الفتوى وهو من لديه قدرة على الترجيح بين الأقوال أو

стр. 13372

الروايات والوجوه المروية عن الإمام أو أصحابه ولا قوة له على التخريج على أقوالهم المعتبرة في المذهب، إلا ما كان قياسا مع عدم الفارق المؤثر، وما وضح اندراجه في قواعد المذهب وأصوله وما كان تفضيلا لقول مجمل ذي وجهين، وحكم محتمل لأمرين منقول عن إمام المذهب أو أحد أصحابه المجتهدين، فإنه يقوى على مثل ذلك. وهذا القسم وإن كانت في المرتبة دون من قبله من مجتهدي المذهب إلا أنه ملحق به في توليته القضاء وما يحكم به ونفاذ حكمه ورفعه للخلاف في القضية التي حكم فيها.

стр. 13373

الثاني: الدواعي إلى تدوين الراجح من أقوال الفقهاء وإلزام القضاة الحكم به لما كان علماء الصحابة والتابعين وتابعي التابعين من ذوي البصيرة وكمال الفقه في الشريعة والأمانة في الدين، وكانوا أبعد الناس عن اتباع الهوى ومواطن الريبة، ولم تكن شقة الخلاف بينهم واسعة، ولا التباين في الآراء كثيرا فاشيا وثق الناس بفتواهم، واطمأنت نفوسهم إلى قضائهم، ورضوا بحكمهم فيما شجر بينهم من نزاع في المعاملات، وبذلك انحلت مشاكلهم، ولم تداخلهم الريب والظنون، ولم يفكر أحد من العلماء أو الحكام، في تدوين أحكام تختار ليلزم القضاة بالحكم بها في قضايا النزاع والفصل على ضوئها في الخصومات. ولما ضعفت القريحة، وقصر النظر، وبعدت شقة الخلاف بين العلماء، وكثرت آراؤهم، وتباينت فتاواهم وأحكامهم في القضايا، وجدت الريبة في الأحكام، والشك في العلماء طريقا إلى القلوب وتسلطت الظنون على النفوس، ولهذا وغيره فكر بعض من يعنيهم الأمر في تدوين أحكام مختارة من آراء الفقهاء في المعاملات، يرجع إليها القضاة في أحكامهما ويلزم الحكم بمقتضاها منعا للاضطراب في الأحكام، وإزالة للأوهام والشكوك من نفوس المتحاكمين إلى المحاكم الشرعية، وقضاء على الظنون الكاذبة في الشريعة الإسلامية وفي علمائها، وتبرئة لها مما وصمت به زورا وبهتانا من أنها غير صالحة للفصل بها في

стр. 13374

الخصومات وحل مشاكل الناس، وحماية للأمة وحكومتها من العدول عن التحاكم إلى المحاكم الشرعية إلى التحاكم للقوانين الوضعية. وفيما يلي نقل في بيان الدواعي إلى تدوين أحكام فقهية وإلزام القضاة أن يحكموا بها. قال محمد سلام مدكور في بيان منشأ الضرورة إلى ذلك ودواعيه (١): الذي نراه أن منشأ ذلك إنما كان راجعا في عصورهم لشيء من الاضطراب في التطبيق القضائي؛ لعدم معرفة الحكم الواجب التطبيق مع تعدد الأحكام في المسألة الواحدة نتيجة اختلاف آراء المجتهدين، وذلك جدير أن يبلبل أفكار الناس، وألا يسير بهم في جادة مستقيمة ومشرع واضح للجميع، ولقد كان من آثار ذلك الاضطراب في الماضي واختلاف القضاة المجتهدين في أحكام المسألة الواحدة في البلد الواحد أن يضل الناس في شئون حياتهم، رغم تحريهم الهداية والرشاد، ولكن عدم معرفة الحكم الواجب التطبيق بينهم على سبيل التعيين في المسألة الاجتهادية جعلهم قاطبة عرضة للخطأ في نظر القضاء. ولعل هذا هو السر في أن كثيرا من الأصوليين والعلماء أقفلوا باب الاجتهاد سدا لذريعة الفوضى والاضطراب والحكم بالهوى المقنع بالاجتهاد ووجهة النظر، وكانوا محقين إذ ذاك حتى يغلق باب الشرور ويكون القاضي في أحكامه ملزما بأحكام مذهبه فلا يحيد عنه، وملزما للناس بها حتى يعرفوها. ويقدر كل إنسان في تصرفاته حكم تصرفه أمام القضاء بحيث يستطيع أن يفهم إن كان في تصرفه خروج على حكم القضاء أم لا، وقد ترتب على هذا بحث الفقهاء في تقييد القاضي بمذهب معين بل بالرأي الراجح من المذهب، كما بحثوا أمر تقييد السلطان لقضائه بالمذهب الذي ينبغي أن يستمد منه القاضي أحكامه، وقد كان هذا الاتجاه نواة وأساسا للتفكير في وضع الأحكام الشرعية في مواد

стр. 13375

قانونية محدودة واضحة ما أمكن لا يلتبس الناس غالبا في شيء من أمرها. إلى أن قال: أما القضاة فوظيفتهم هي تطبيق الأحكام الشرعية وتنفيذها بسلطان القضاء، ولا شك في أن الأحكام الواجبة التطبيق إذا كانت محدودة مبينة معروفة للقاضي وللمتقاضي كان ذلك أدعى إلى تحقيق العدالة والتيسير على الناس، وأكفل لتحقيق المساواة بينهم، وطمأنة نفوسهم بالنسبة للقضاء، فلم يكن بد من وضع الأحكام الشرعية القضائية في صيغ قانونية تتولاها طائفة من فقهاء الأمة من أهل الرأي والاجتهاد، وقد بينا عند الكلام عن الاجتهاد أن العصر لا يخلو منهم ثم تصبح قانونا واجب الاتباع والتنفيذ، ولا ضير في ذلك ما دامت هذه الأحكام مستمدة من الفقه الإسلامي بمختلف مذاهبه وآرائه، ومسايرة لمصالح الناس، ولا ضير في أن تعتبر هذه القوانين كالنصوص القطعية من ناحية عدم مخالفة القاضي لها وإلزامه باتباعها، فليس هناك مجال إذا لاجتهاد القاضي معها إلا في حدود ضيقة وهي عند وجود إبهام في انطباقها على بعض النوازل والأحداث، ومع هذا فإن العدل إذا كان مصدره هو النصوص التشريعية وما أجمع عليه من أحكام فإن القاضي عند التطبيق فيما يحتاج إلى اجتهاد يعتبر أيضا مصدرا من مصادر العدالة. اهـ. مما تقدم يتبين أن الدواعي إلى تدوين القول الراجح وإلزام القضاة به هي: ١ - وقوع أحكام اجتهادية متناقضة في قضايا متماثلة، أدت إلى اتهام القضاة باتباع الهوى فيما يقضون، أو برميهم بالقصور في علمهم أو تطبيقهم لما عرفوا من الأحكام الشرعية على ما رفع إليهم من القضايا الجزئية المتنازع فيها. ٢ - عدم وجود كتاب سهل العبارة في المعاملات يتعرف منه الناس أحكام المعاملات؛ ليراعوا تطبيقها ويوفقوا بينها وبين أعمالهم عند الإقدام حتى لا يقعوا فيما يعرضهم للحكم عليهم وإدانتهم إذا حصل النزاع ورفعت القضية للقضاء، وإضافة إلى ذلك يكون هذا الكتاب عونا للقضاة على أداء مهمتهم وأدعى إلى وحدة الأحكام وتناسقها بدلا من تضاربها.

стр. 13376

٣ - تهرب بعض الناس من رفع قضاياه للمحاكم الشرعية بالمملكة إلى رفعها لمحاكم في دول أجنبية نتيجة لما تقدم ذكره، والخوف من أن يتزايد ذلك حتى ينتهي - عياذا بالله - إلى استبدال قوانين وضعية بالأحكام الشرعية. لذا فكر بعض المسلمين في إلزام القضاة أن يحكموا بأقوال في المعاملات تختار لهم وتدون في كتاب مع أدلتها، أو إلزامهم أن يحكموا بالراجح والمعتمد من مذهب معين إعانة للقضاة على التمكن من معرفة ما يحكمون به في القضايا، وتقريبا بين معارفهم في الأحكام ومنعا للتناقض فيها، ولتبلبل أفكار الأمة وإبعادا للتهمة عنهم، وقضاء على ما يزعم بعض الناس من اتباع بعض القضاة للهوى، وتمكينا للجمهور من أن يوفقوا بين أعمالهم وبين ما دون ليكون مرجعا للقضاة في الأحكام فيكونوا بذلك على بصيرة فيما يقدمون عليه من أعمال قد يكون فيها خصومة. وستأتي مناقشة هذه الدواعي عند مناقشة الأدلة.

стр. 13377

الثالث: بدء هذه الفكرة ووجودها قديما وحديثا: أ - محاولة (١) ابن المقفع في القرن الهجري الثاني في بدء العهد العباسي، كتب ابن المقفع إلى أبي جعفر المنصور رسالة جاء فيها: ومما ينظر فيه أمير المؤمنين من أمر هذين المصرين وغيرهما من الأمصار والنواحي اختلاف هذه الأحكام المتناقضة التي قد بلغ اختلافها أمرا عظيما في الدماء والفروج والأموال. ومضى إلى أن قال: فلو رأى أمير المؤمنين أن يأمر بهذه الأقضية والسير المختلفة فترفع إليه في كتاب، ويرفع معها ما يحتج به كل قوم من سنة وقياس، ثم نظر في ذلك أمير المؤمنين وأمضى في كل قضية رأيه الذي يلهمه الله ويعزم عليه عزما، وينهى عن القضاء بخلافه، وكتب ذلك كتابا جامعا، لرجونا أن يجعل الله هذه الأحكام

стр. 13378

المختلطة الصواب بالخطأ حكما واحد صوابا، لرجونا أن يكون اجتماع السير قرينة لإجماع الأمر برأي أمير المؤمنين وعلى لسانه، ثم يكون ذلك من إمام آخر الدهر إن شاء الله. انتهى. قال (١) محمد سلام مدكور تعليقا على ذلك: غير أن هذا الاقتراح لم يجد له رواجا في ذلك الحين لإباء الفقهاء أن يتحملوا تبعة إجبار الناس على تقليدهم، وهم الذين يحذرون تلاميذهم التعصب لآرائهم، كما أنهم تورعوا وخافوا أن يكون في اجتهادهم خطأ، وليس هذا تقنينا وضعيا وإنما هم بصدد شريعة سماوية. ب - محاولة الخليفتين أبي جعفر المنصور وهارون الرشيد مع الإمام مالك بن أنس. ١ - لما حج أبو جعفر المنصور سنة ١٤٨ هـ اجتمع بالإمام مالك، ودار بينهما بحث هذا الموضوع ونحن نسوق ذلك: قال (٢) عيسى بن مسعود الزواوي في أثناء الكلام الذي دار بين الإمام مالك وبين أبي جعفر المنصور، قال مالك ثم قال لي: قد أردت أن أجعل هذا العلم علما واحدا أكتب به إلى أمراء الأجناد وإلى القضاة فيعملون به، فمن خالف ضربت عنقه. فقلت: يا أمير المؤمنين أو غير ذلك إن النبي ﷺ كان في هذه الأمة فكان يبعث السرايا، وكان يخرج فلم يفتح من البلاد كثيرا حتى قبضه الله ، ثم قام أبو بكر ﵁ فلم يفتح من البلاد كثيرا، ثم قام عمر ﵁ ففتحت البلاد على يديه فلم يجد بدا أن يبعث أصحاب محمد ﷺ معلمين، فلم يزل يؤخذ عنهم كابرا عن كابر إلى يومنا هذا فإن ذهبت تولهم عما يعرفون إلى ما لا يعرفون رأوا ذلك كفرا، فأقر أهل كل بلد على ما فيها من العلم وخذ هذا العلم لنفسك، فقال لي: ما أبعدت هذا القول اكتب

стр. 13379

هذا العلم لمحمد. وقال (١) الزواوي أيضا نقلا عن الشافعي: بعث أبو جعفر المنصور إلى مالك لما قدم المدينة فقال له: إن الناس قد اختلفوا في العراق فضع للناس كتابا تجمعهم عليه، فوضع الموطأ، وقال الزواوي أيضا: " وقال غيره " - أي الشافعي - إن أبا جعفر لما قال لمالك ضع كتابا في العلم نجمع الناس عليه، قال له مع ذلك: اجتنب فيه شواذ ابن عباس وشذوذ أبي عمر ورخص ابن مسعود، فقال له مالك: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين أن تحمل الناس على قول رجل واحد يخطئ ويصيب، وإنما الحق من رسول الله ﷺ ، وقد تفرقت أصحابه في البلدان، وقلد أهل كل بلد من صار إليهم فأقر أهل كل بلد على ما عندهم. وقال الزواوي تعليقا على ذلك: فانظر إنصاف مالك ﵁ وصحة دينه، وحسن نظره للمسلمين، ونصيحته لأمير المؤمنين، ولو كان غيره من الأغبياء المقلدين والعتاة المتعصبين، والحسدة المتدينين لظن أن الحق فيما هو عليه، ومقصور على من ينسب إليه، وأجاب أمير المؤمنين إلى ما أراد، وأثار بذلك الفتنة وأدخل الفساد. ٢ - وفي سنة ١٦٣ هـ وقد ذهب أبو جعفر المنصور للحج مرة أخرى فأعاد عرض فكرته الأولى على الإمام مالك فاقتنع مالك ﵀ ووافقه أبو جعفر ﵀ يبين ذلك ما نقله جلال الدين السيوطي قال: وقال ابن سعد في الطبقات أخبرنا الواقدي قال: سمعت مالك بن أنس يقول: لما حج أبو جعفر المنصور دعاني فدخلت عليه فحادثته، فسألني فأجبته فقال: إني عزمت أن آمر بكتابك هذا الذي وضعته - يعني الموطأ - فينسخ منه نسخ ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها ولا يتعدونه إلى غيره ويدعوا ما سوى ذلك من هذا العلم المحدث فإني رأيت أهل العلم رواة

стр. 13380

أهل المدينة وعلمهم. فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل هذا، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل وسمعوا أحاديث ورددوا روايات، وأخذ كل قوم مما سبق إليهم وعملوا به ودانوا به من اختلاف الناس وغيرهم وأن ردهم عما اعتقدوا شديد، فندع الناس وما هم عليه وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم. فقال: لعمري لو طاوعتني على ذلك لأمرت به. ٣ - وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن عبد الحكم قال: سمعت مالك بن أنس يقول: شاورني هارون الرشيد في أن يعلق الموطأ في الكعبة، ويحمل الناس على ما فيه. . . إلخ، فقلت: يا أمير المؤمنين أما تعليق الموطأ في الكعبة فإن أصحاب رسول الله ﷺ اختلفوا في الفروع فافترقوا في البلدان وكل عند نفسه مصيب. . إلخ، فقال: وفقك الله يا أبا عبد الله. وأخرج الخطيب في رواة مالك عن إسماعيل بن أبي المجالد قال: قال هارون الرشيد لمالك: يا أبا عبد الله نكتب هذه الكتب ونفرقها في آفاق الإسلام، فنحمل هذه الأمة على ما فيها، فقال: يا أمير المؤمنين رضي الله عنك، إن اختلاف العلماء رحمة من الله على هذه الأمة كل يتبع ما صح عنده، وكل على هدى وكل يريد الله والدار الآخرة. جـ - محاولة (١) محمد عالمكير: قال محمد سلام مدكور، وفي القرن الحادي عشر الهجري ألف السلطان محمد عالمكير أحد ملوك الهند لجنة من مشاهير علماء الهند برئاسة الشيخ نظام؛ لتضع كتابا جامعا لظاهر الروايات التي اتفق عليها في المذهب الحنفي، فجمعوا ذلك في كتاب معروف بالفتاوي الهندية، ومع هذا فلم يكن هذا الجمع شبه الرسمي ملزما للمفتين والقضاة، كما أن الجمع والتدوين والتبويب لم يكن على نمط التقنين، وإنما هي فروع فقهية واقعية ومفترضة تذكر فيها الآراء. ثم يتبع ذلك بالقول الذي تختاره اللجنة للفتوى.

стр. 13381

د - بدء تنفيذ الفكرة: ظهور مجلة الأحكام العدلية وقانون المعاملات وغير ذلك. قال (١) الأستاذ مصطفى الزرقا: ولما بدئ بتأسيس المحاكم النظامية في الدولة العثمانية وأصبح يعود إليها اختصاص النظر في أنواع من الدعاوى، وكانت قبل ذلك ترجع إلى المحاكم الشرعية، ودعت الحاجة إلى تيسير مراجعة الأحكام الفقهية على الحكام غير الشرعيين، وتعريفهم بالأقوال القوية المعمول بها من الضعفية المتروكة دون أن يغوصوا على ذلك في كتب الفقه المعمول بها، صدرت إرادة سنية سلطانية بتأليف لجنة لوضع مجموعة من الأحكام الشرعية التي هي أكبر من غيرها دورانا في الحوادث. فوضعت اللجنة في سنة ١٢٨٦ للهجرة هذه المجموعة منتقاة من قسم المعاملات من فقه المذهب الحنفي الذي عليه عمل الدولة. وقد أخذت بعض الأقوال المرجوحة في المذهب للمصلحة الزمنية التي اقتضتها. . وقد صدرت الإرادة السنية السلطانية في شعبان سنة ١٢٩٣ هـ بلزوم العمل بها وتطبيق أحكامها في محاكم الدولة. ٢ - وقال (٢) أيضا تحت فقرة (٨٢) بدء تنفيذ الفكرة في تقنين الأحوال الشخصية قال: ثم بدئ رسميا بتنفيذ هذه الفكرة. فكرة الاستفادة من مختلف المذاهب الفقهية عن طريق التقنين في أحكام الأحوال الشخصية أواخر العهد العثماني، إذ وضعت الحكومة العثمانية قانون حقوق العائلة في سنة ١٣٣٣ رومية، وأخذت فيه من المذهب المالكي حكم التفريق الإجباري القضائي بين الزوجين عن طريق التحكم المنصوص عليه في القرآن عند اختلافهما، وتوسعت فيه.

стр. 13382

٣ - وقال (١). أيضا في سنة ١٩٢٩ م خطت الحكومة المصرية خطوة واسعة في الأخذ من مختلف الاجتهادات مما وراء المذاهب الأربعة، فأصدرت قانونا تحت رقم ٢٥ ألغت فيه تعليق الطلاق بالشرط في معظم حالاته، كما اعتبرت تطليق الثلاث أو الثنتين بلفظ واحد طلقة واحدة عملا برأي ابن تيمية ومستنده الشرعي، وذلك بإقرار مشيخة الأزهر. انتهى المقصود. ٤ - وقال (٢) محمد سلام مدكور تحت عنوان " مصر وتقنين الفقه الإسلامي والنهوض بدراسته " قال: لم تختلف مصر عن غيرها في النهضة الفقهية ومحاولة تقنين الأحكام الفقهية التي تهم الناس في معاملاتهم وأحوالهم الشخصية، وإخراجها في مواد حتى يسهل الرجوع إليها، وحتى تنصرف الأذهان عن التطلع إلى الغرب، ورفض الخديوي إسماعيل الأخذ بقانون مجلة الأحكام العدلية حبا في الاستقلال وتخلصا من التبعية للدولة العثمانية، واتجه إلى قانون نابليون بحجة أن كتب الفقه الإسلامي بوضعها لا يمكن التقنين منها فأحدث ذلك ضجة في الرأي العام، وظهر رأي بإمكان التقنين من الفقه الإسلامي، وقام الفقيه القدير قدري باشا بعمل مجموعة من القوانين أخذها من المذهب الحنفي مسترشدا في عمله بمجلة الأحكام العدلية. ٥ - وقال (٣) أيضا تحت عنوان " القوانين المصرية المختارة من الفقه الإسلامي " عملت الحكومة على تأليف لجنة من كبار الفقهاء والمشرعين لوضع قوانين تؤخذ من الفقه الإسلامي من غير تقيد بمذهب معين، مع مراعاة روح العصر. فألفت لجنة من كبار علماء المذاهب الأربعة برئاسة وزير الحقانية في ذاك العهد لوضع قانون الأحوال الشخصية

стр. 13383

فوضعت اللجنة مشروع قانون للزواج والطلاق وما يتعلق بهما طبع سنة (١٩١٦ م) ثم أعيد طبعه بعد تنقيح فيه سنة (١٩١٧ م) ومع هذا فقد كان المعارضة في إخراجه قوية من بعض رجال الدين ومن تأثروا بهم، لذا لم يخرج هذا المشروع إلى التنفيذ ولم يصدر به القانون، وإنما اكتفى ولاة الأمر بمعالجة بعض الأمور التي وضح عدم مطابقة المذهب الحنفي فيها لمصالح الناس فصدر القانون رقم ٢٥ سنة (١٩٢٠ م) والقانون رقم ٥٦ سنة (١٩٢٣ م) بوضع حد أدنى لسن الزواج والقانون ٢٥ سنة (١٩٢٩ م) وكل هذه القوانين نظمت بعض مسائل الأحوال الشخصية المتعلقة بالزواج وبالنفقة والعدة والطلاق والنسب والمهر والحضانة والمفقود وما إلى ذلك، وإن كان القانون الأول ٢٥ سنة (١٩٢٠ م) أخذ من المذاهب الأربعة فإن القانونين الآخرين الصادرين في سنة (١٩٢٣ م) وسنة (١٩٢٩ م) لم يتقيدا بالمذاهب الأربعة فقد أخذ القانون ٥٦ لسنة ١٩٢٣ برأي آخر للإمام أبي حنيفة. وبفتوى عبد الله بن شبرمة، وعثمان البتي، وأبي بكر الأصم، وأما القانون ٢٥ سنة (١٩٢٩ م) فقد جاء في مذكرته التفسيرية بأنه موافق لآراء بعض المسلمين ولو من غير أهل المذاهب الأربعة، وأنه ليس هناك مانع شرعي من الأخذ بقول غيرهم خصوصا إذا ترتب عليه نفع عام. . وفي سنة (١٩٣١) صدر القانون (٧٨) بتنظيم المحاكم الشرعية وقد احتوى على بعض القوانين غير مقيد فيها بمذهب معين، ثم خطت مصر خطوة جديدة نحو التخلص من التقيد المذهبي. ففي ٩ ديسمبر سنة (١٩٣٦ م) وافق مجلس الوزراء على مذكرة لوزارة العدل اقترحت فيها تشكيل لجنة بها تقوم بوضع مشروع قانون لمسائل الأحوال الشخصية وما يتفرع عنها، والأوقاف والمواريث والوصية وغيرها، ولا تتقيد بمذهب دون آخر بل تأخذ من آراء الفقهاء ما هو أكثر ملاءمة لمصالح الناس وللتطور الاجتماعي، ولها أن تبدأ بما ترى أن الشكوى منه أعم والحاجة إليه أمس وقد بدأت بالنظر في مشروع قانون المواريث لأن التغيير فيه ضئيل

стр. 13384

فخرج في سنة ١٩١٣ م برقم ٧٧ شاملا لجميع أحكام الإرث حتى ما كان مأخوذا من أحكام قطعية، كالخاصة بأصحاب الفروض والعصبات، وهذه لم يكن للجنة فيها إلا الصياغة فقط، أما الحكم نفسه فلم تتعرض له ولم تكن تملك أن تتعرض له، ومن أهم القواعد التي جاء بها القانون مغايرا ما كان عليه العمل توريث الأخوة والأخوات مع الجد الصحيح بعد أن كان حاجبا لهم، وكذلك الرد على أي الزوجين بما بقي بعد فرضه إذا لم يوجد للمتوفى أي قريب يرثه فهو أولى بما بقي من العاصب السببي. كما اعتبر القانون التسبب في القتل مانعا من الإرث دون القتل الخطأ وما جرى مجراه، بعكس ما كان عليه العمل إلى غير ذلك مما يدرس تفصيلا في موضعه. ثم في سنة ١٩٤٦ م صدر القانون رقم ٤٨ معدلا لبعض أحكام الوقف، وقد أخذ هذا القانون في الغالب أحكامه من أقوال الفقهاء في سائر المذاهب، متوخيا ما يحقق مصلحة الناس، ولا يعرقل نظمهم الاقتصادية، ومن أهم قواعد هذا القانون أنه قرب أحكام الوقف من أحكام الميراث، وعلى كل فقد ألغى الوقف الأهلي كله بالقانون ١٨٠ لسنة ١٩٥٢. ثم صدر القانون (٧١) في سنة ١٩٤٦ م أيضا بأحكام الوصية دون تقيد بمذهب معين ولا حتى بالمذاهب الأربعة، ومن أهم قواعده القول بالوصية الجبرية، وهي أن يكون للأحفاد الذين حجبوا عن الميراث من جدهم أو جدتهم حق واجب في التركة، هو نصيب أصلهم لو كان حيا، بحيث لا يزيد على ثلث التركة، وألا يكون أوصى لهم جدهم أو جدتهم بشيء، وقد أخذ هذا الحكم من فقهاء التابعين ومن فقه الأباضية، كما أجاز القانون الوصية للوارث في حدود ثلث التركة دون توقف على إجازة باقي الورثة. . انتهى المقصود.

стр. 13385

٦ - قال صبحي محمصاني بعد أن بسط الكلام على مراحل التدوين ملخصا ذلك قال (١): إن التدوين بمراحل خمس: أولا: مرحلة التبني للمذهب الرسمي وكانت مرحلة صعبة لم ينجح فيها ابن المقفع ولا أبو جعفر المنصور، ولكن نجحت فيها الدولة العثمانية وغيرها من الدول العربية على غرارها. المرحلة الثانية: كانت مرحلة جمعت المؤلفات لا على شكل قانون رسمي، بل في شكل كتاب شبه رسمي يسهل المطالعة وفهم الأمور على الطالبين من قضاة وعلماء وتلامذة، وهذا قد ذكرت له أمثلة وهي ملتقى الأبحر، والفتاوى الهندية، وسيدي خليل، ومدونات قدري باشا. ثم المرحلة الثالثة دون المذهب الرسمي في مدونات رسمية إلزامية كمجلة الأحكام العدلية العثمانية التي أخذت عن المذهب الحنفي وحده. ثم مرحلة رابعة اتبعت طريقة أخرى وهي أن يؤخذ مذهب واحد كأصل الاقتباس من المذاهب الأخرى في بعض المسائل، مثاله ما جرى في قانون حقوق العائلة العثمانية، ومجلة الجنايات والأحكام العرفية التونسية القديمة، ومجلة الالتزامات والعقود التونسية وما جرى في مدونات الأحوال الشخصية في البلاد العربية التي أشرنا إليها، وقد ذكرنا أن بعضها أيضا قد ابتعد عما جرى في الشريعة كما فعلت العراق في مسائل المواريث التي نوهنا بها أي في هذه المحاضرة. وأخيرا في المرحلة الخامسة اقتبست بعض القوانين عن المدونات الغربية فكان هذا الاقتباس أحيانا موفقا بحيث لم يخالف روح التشريع الإسلامي، وأحيانا كان مخالفا لما جاء في هذا التشريع. . انتهى. وسيأتي ما في هذه النقول من المناقشة عند المناقشة لأدلة الأقوال في إلزام القضاة الحكم بالراجح.

стр. 13386

قرار هيئة كبار العلماء رقم (٨) تدوين الراجح من أقوال الفقهاء لإلزام القضاة العمل به الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين محمد ﷺ ، وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان السالكين لمنهجهم القويم. وبعد: فبناء على أمر جلالة الملك - وفقه الله - بالنظر من قبل هيئة كبار العلماء في أمر جواز تدوير الراجح من أول الفقهاء لإلزام القضاة العمل به، وقبل الدخول في صلب البحث وتقرير ما هو الحق الذي تشهد له قواعد الشريعة وعليه عمل السلف ﵏ نقول: أولا: إنه مما لا شك فيه لدى كل عارف أن إمام المسلمين - وفقه الله - وثبته على الحق ونصره به لم يكن له من هدف في هذا الأمر سوى الخير والحرص على جلب المصالح وتكثيرها ودرء المفاسد وتقليلها، ولما بلغه - حفظه الله - أن فيما يصدر من بعض القضاة ما يلفت النظر ويدعو إلى البحث من صدور أحكام قد يظن بعض الناس أنها متناقضة، مع أن قضاياها متماثلة وهي في الحقيقة ليست كذلك مما قد يدعو إلى اتهام القضاة باتباع الهوى، أو رميهم بالقصور في تطبيق أحكام الشريعة على ما يرفع لهم من القضايا، وأن ذلك ربما كان

стр. 13387

من أجل عدم وجود كتاب على قول واحد يحكم به القضاة، ويتعرف الناس منه أحكام المعاملات ليوفقوا بينها وبين أعمالهم عند الإقدام على عمل ما، حتى لا يقعوا فيما يعرضهم للحكم عليهم عند حدوث ترافع قضائي، وأنه قد يدعو إلى تهرب بعض الناس من رفع قضاياهم للمحاكم الشرعية في المملكة والذهاب بها لمحاكم في دول أجنبية من أجل هذا، وحرصا من جلالة الملك - وفقه الله - على صيانة الشريعة وبقاء الحكم بها بين الناس أمر - حفظه الله - بعرض موضوع التدوين المشار إليه لإلزام القضاة الحكم به على هيئة كبار العلماء ليبينوا حكم الشريعة في جواز ذلك أو عدمه. ثانيا: يحسن أن نذكر شيئا مما من الله به على هذه البلاد من باب التحدث بنعمة الله التي غمرنا بها فنقول: إنه غير خاف على أحد من أهل المعرفة ما كانت عليه بلادنا قبل تأسيس هذه الدولة المباركة من الفوضى، والاضطراب، واللصوصية المغرقة، والخوف المتافقم، والفرقة المتمكنة، حتى هيأ الله سليل بيت المجد والسؤدد الملك عبد العزيز ﵀ فقام بلم شعثها وجمع شملها المتفرق، وبناء كيانها على أساس من منهج السلف الصالح الذي ورثه عن آبائه الكرام حماة الدعوة السلفية وبناة حصونها في هذه البلاد، وهي الدعوة التي دعا إليها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ فضرب الأمن في ربوع الجزيرة أطنابه بعد أن كان مفقودا، وانتشر العدل بين الناس، وآمنوا على أنفسهم وأموالهم، واتصلوا بالعالم الخارجي اتصالا واسعا، وعرفت حال البلاد عند سائر الدول، وتعامل أهلها مع أولئك منذ مدة طويلة والبلاد في تقدم مستمر، ولله الحمد لم يضرها بقاؤها في منهاج القضاء على ما كان عليه السلف الصالح ﵏ وفهم نظامها القضائي لدى سائر أمم الأرض المتحضرة، واشتهر الأمن فيها حتى صار مضرب المثل ومثار العجب عند كل منصف، رغم اتساع رقعة البلاد وعدم تعلم غالبية أهلها، وما ذاك إلا بفضل الله سبحانه، ثم بفضل تمسك هذه الدولة بشريعة الإسلام وسيرها على محجة سلف الأمة الذين نشروا الإسلام وساسوا العباد بالعدل وحكموا فيهم الشرع،

стр. 13388

وفوضوا إلى قضاتهم الحكم بما فهموه من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وما استنبطه العلماء منهما فصلحت بذلك أحوالهم، واستقامت أمورهم ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. وقد اشتهرت وقد اشتهرت نزاهة القضاء في بلادنا ولله الحمد، وعدالته وبساطته، ومسايرته للفطرة وتمشيه مع مقتضى المصلحة الحقة، حتى صار معلوما عند الموافق والمخالف، ولا يسعنا إزاء هذه النعمة العظيمة التي من الله علينا بالتمسك بها حين تخلى عنها الأكثرون إلا أن نشكره جل وعلا ونسأله أن يثبتنا على ما نحن عليه من الحق ويرزقنا الإعانة والتوفيق. ثالثا: نظرت الهيئة في الموضوع فرأت أن دواعي الإصلاح قائمة، وأنه لا بد من إيجاد حل للمشكلة وإصلاح لما تخشى عواقبه، غير أن الهيئة بأكثريتها ترى أنه لا يجوز تدوين الأحكام على الوجه المقترح لإلزام القضاة الحكم به؛ لأنه ليس طريقا للإصلاح ولا يحل المشكلة ولا يقضي على الخلاف في الأحكام، أو على ظنون بعض الناس في القضاة ما دام هناك محكوم عليه؛ لأن اتهام القاضي في حكمه لم يسلم منه أحد حتى خير الخلق ﷺ ، فقد قال له بعض الناس: اعدل فإنك لم تعدل، وفي رواية: إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله. ومع ذلك فإن التدوين المراد يفضي إلى ما لا تحمد عاقبته وذلك لأمور: ١ - إن إلزام القضاة أن يحكموا بما اختير لهم مما يسمى بالقول الراجح عند من اختاره يقتضي أن يحكم القاضي بخلاف ما يعتقد، ولو في بعض المسائل، وهذا غير جائز ومخالف لما جرى عليه العمل في عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين ومن بعدهم من السلف الصالح، ويسبب التحول عن سبيلهم، ولقد سبق أن وجدت هذه الفكرة في خلافة بني العباس وعرضها أبو جعفر المنصور على الإمام مالك ﵁ فردها وبين فسادها، فهي فكرة مرفوضة لدى السلف، ولا خير في شيء اعتبر في عهد السلف من المحدثات. ٢ - إن إلزام القضاة أن يحكموا بما يدعى أنه القول الراجح فيه حجر عليهم، وفصل لهم في قضائهم عن الكتاب والسنة، وعن التراث الفقهي

стр. 13389

الإسلامي، وتعطيل لهذه الثروة التي هي خير تراث ورثناه عن السلف الصالح، وفي ذلك أيضا مخالفة صريحة لما دل عليه كتاب الله تعالى من وجوب الرجوع فيما اختلف فيه من الأحكام إلى الكتاب والسنة، وإن عدم الرد إليهما عند الاختلاف ينافي الإيمان بالله تعالى قال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (١). ٣ - إن الإلزام بما يدون يفضي إلى نفس النتيجة التي وصل إليها من سبقنا إلى هذه التجربة من الدول الإسلامية المتأخرة، فقد جربوا هذا التقنين وألزموا القضاة العمل به فلم يأتهم بخير، ولم يرفع اختلاف القضاة في الأحكام، وإنما أدى بهم إلى الحكم بالقوانين الوضعية فيما عدا الأحوال الشخصية، وبعض العقوبات - فسدا لذريعة الفساد، ومحافظة على البقاء في التحاكم على شريعة الله، وإبقاء على إظهار شعار أمتنا الإسلامية يجب علينا أن نفكر في طريق آخر للإصلاح سليم من العواقب الوخيمة. ٤ - إن إيجاد كتاب يشمل على قول واحد هو الراجح في نظر من اختاره يكون موحد الأرقام مسلسل المواد لا يمكن أن يقضي على الخلاف، ويوجد الاتفاق في الأحكام في كل القضايا لاختلاف القضاة في مداركهم وفي فهم المواد العلمية، ومدي انطباقها على القضايا التي ترفع لهم، ولاختلاف ظروف القضايا وما يحيط بها من أمارات ويحف بها من أحوال، فقد اختلف الناس في مدلول بعض النصوص الشرعية من الكتاب والسنة مع وضوحها وجلائها وعلم مصدرها الذي ليس علمه كعلم من يختار القول الراجح المراد. ٥ - المحاكم المدنية في الدول التي تحكم بالقوانين الوضعية دونت قوانينها على هيئة مواد موحدة مسلسلة الأرقام، ومع ذلك اختلفت أحكام قضاتها، ووقع في بعضها التناقص والخطأ، واستؤنف بعض الأحكام فنقض في محاكم الاستئناف فلم يكن ذلك التنظيم والإلزام به مانعا من الخطأ

стр. 13390

والتناقض، واتهام القضاة، ونقض الأحكام ما دام القضاة متفاوتين في الأفكار والأفهام، وبعد النظر والقدرة على تطبيق الأحكام على القضايا والوقائع. ٦ - لا يصلح للتخلص من الآثار السيئة التي ترتبت على إلزام القضاة بما يدون لهم إعطاؤهم حق الرفع فيما يخالف فيه اعتقادهم ما دون إلى مرجعهم؛ فإن ذلك يدعو إلى التواكل وتدافع القضايا والتهرب من المسئولية وتعويق المعاملات، وتكدسها، وفتح باب الاحتيال للتخلص من بعض القضايا لأمر ما، ولا يعدم من أراد ذلك أن يجد في وجهة نظر المخالفين لما دون ما يسند رأيه لأن الرجحان أمر نسبي مختلف فيه ولكل قول وجهته. ٧ - الواقع يشهد بأن معرفة الخصوم لما يرجع إليه القاضي تفصيلا ليس بضروري، ولا شرط لقبول حكم القاضي ولا نفاذه، لا من جهة الشرع ولا من جهة القانون، فإن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يحكمون بين الناس في الخصومات، ولم يكن الفقه مدونا، وكثير من المتخاصمين لا يحفظ القرآن كله ولا كثيرا من السنة، وإنما يعرفون إجمالا أن القاضي سيحكم فيما يرفع إليه من القضايا مما فهمه من الكتاب والسنة. . كما أن الدول التي تحكم بقوانين وضعية لا يعرف السواد الأعظم فيها ما يرجع إليه القضاة من القوانين، ولذلك يقيمون المحامين ليرافعوا عنهم في قضاياهم، فلم يكن تدوين الأحكام على النهج المقترح ليوفق المتحاكمون أعمالهم معها ضروريا، ومع ذلك فالأحكام الشرعية مدونة ومن أرادها أمكنه الوصول إليها ومعرفتها، ومع معرفته لها فإنه لا يأمن أن يخالفه القاضي في فهمها وتطبيقها على قضيته، سواء في ذلك من يرجع في تحاكمه إلى الشرع ومن يرجع إلى القانون الوضعي، لأن الأحكام لو دونت لا يكون فيها ذكر جميع الجزيئات من القضايا وإنما يجتهد كل قاض في تطبيق النص على القضية التي ترفع إليه.

стр. 13391

فيما سبق ذكره وغيره مما لم يذكر من الآثار السيئة التي تنشأ عن إلزام القضاة الحكم بما يختار لهم يجب التماس طريق آخر لعلاج الوضع وحل المشكلة وهو ما يلي: ١ - إعداد القضاة والعناية بهم وتأهيلهم علميا وتدريبهم عمليا على أعمال القضاء، ولو بدورات دراسية وتدريبية لمن يحتاج لذلك ممن على رأس العمل. ٢ - تقليل المحاكم وتركيزها في المدن وعواصم المناطق، ويكتفى بتعيين متعلمين في القرى ليقوموا بشئون المساجد وعقود الأنكحة والوعظ والإرشاد وكتابة الوثائق وتلقي استخلافات القضاة ونحو ذلك، ويساعد على هذا سهولة المواصلات اليوم ووجود مرافق في المدن يستريح فيها الغريب ويرتفق بها ولو أقام أياما، ويسهل ذلك على القضاة في المدن الاجتماع لدراسة القضايا وهضمها، ويمنع من الترافع في الأمور التافهة البسيطة، ويدعو إلى الصلح بين الناس وهو أنفع من التمادي في الخصومات حتى البت في القضايا. ٣ - حسن اختيار القضاة بمراعاة ما تحلوا به من قوة في العلم ورجاحة في العقل مع حلم وأناة وبعد نظر وصدق وأمانة وابتعاد عن مظان الريبة، إلى غير ذلك من الصفات التي ينبغي أن تتوفر في القاضي، وسيساعد على سهولة الاختيار الاقتصار على تركيز المحاكم في المدن كما أشرنا إليه سابقا. ٤ - تأليف لجنة من العلماء لبحث المسائل القضائية الهامة التي ربما يشتبه الحكم فيها على بعض القضاة فتبين بالأدلة وجه الحكم فيها وتوضح تطبيقها بأمثلة، خاصة القضايا التي حدثت في عصرنا، وليس هذا لإلزام القضاة بما انتهى إليه البحث، بل ليكون عونا لهم في القيام بمهمتهم

стр. 13392

ونموذجا لهم في دراسة القضايا، وحل مشكلها، والدقة في تطبيق الأحكام فيها فبذلك تضيق شقة الخلاف وتتحقق المصلحة المرجوة. أما ارتفاع أصل الخلاف فلا سبيل إليه ولو توحد المرجع العلمي للقضاة باختيار قول واحد وألزم القضاة الحكم به لما تقدم بيانه. ومع ذلك فإن الحكومة وفقها الله قد بذلت مجهودا تشكر عليه فجعلت محاكم تمييز تدرس الأحكام الصادرة من المحاكم، وتوجه القضاة فيما تراهم قد قصروا فيه، وجعلت وراء ذلك هيئة قضائية عليا تدقق الأحكام التي يحصل حولها اختلاف بين القضاة وهيئات التمييز، كل ذلك حرصا من ولي الأمر - وفقه الله - على براءة الذمة وإراحة الناس وإيصال الحقوق إلى أصحابها. ٥ - إن الاختلاف في الأحكام قد وجد في عهد الخلفاء الراشدين والسلف الصالح حتى من القاضي الواحد في قضيتين متماثلتين، ظهر له في الثانية ما لم يظهر له في الأولى، فحكم به ولم ينقض حكمه السابق، ولم يكن ذلك داعيا إلى التفكير في مثل التدوين المقترح ولا إلزام القضاة الحكم بقول واحد، وهم كانوا أحرص منا على حفظ الدين وعلى سمعته وسمعة المسلمين ما وسعهم، ولا يجوز أن يكون هذا الاختلاف مثار ريبة وتهمة للقاضي فالأصل فيمن يختار للقضاء أن يكون عالما أمينا على مستوى المسئولية. ٦ - مما تقدم يعلم أن العلاج السليم للمشكلة في غير التدوين المذكور الذي لا تؤمن عاقبته ونتيجته غير مضمونة، ويفضي إلى فصل الناس عن مصادر شريعتهم وثروة أسلافهم الفقهية كما سبق بيانه، فتعين سلوك الطريق السليم العاقبة، المأمون النتيجة الذي استقامت عليها حياة الأمة الإسلامية وأحوالها في قرونها السالفة.

стр. 13393

ونسأل الله أن يحفظ لأمتنا دينها، ويتم عليها الأمن والاستقرار، ويثبت إمام المسلمين ويسدده ويعينه بالبطانة الصالحة، ويمد في أجله على عمل صالح إنه سميع مجيب، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. هيئة كبار العلماء

стр. 13394

صفحة فارغة

стр. 13395

الفتاوى إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في هذه الزاوية تجيب اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما يرد إليها من أسئلة واستفتاءات تهم المسلمين في شئونهم الدينية والاجتماعية.

стр. 13396

أقسام التوحيد فتوى رقم ٩٧٧٢ س: ما المقصود بتوحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات والذات؟ جـ: توحيد الربوبية هو توحيد الله بأفعاله من الخلق والرزق والإحياء والإماتة ونحو ذلك، وتوحيد الألوهية هو إفراد الله بالعبادة من صلاة وصوم وحج وزكاة ونذر وذبح ونحو ذلك، وتوحيد الأسماء والصفات أن تصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ ، وتسميه بما سمى به نفسه أو سماه به رسوله ﷺ ، من غير تشبيه ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 13397

من الفتوى رقم ٨٩٤٣ س: ما هي أنواع التوحيد مع تعريف كل منها؟ جـ: أنواع التوحيد ثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. فتوحيد الربوبية هو إفراد الله تعالى بالخلق والرزق والإحياء والإماتة وسائر أنواع التصريف والتدبير لملكوت السماوات والأرض، وإفراده تعالى بالحكم والتشريع بإرسال الرسل وإنزال الكتب قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) وتوحيد الألوهية: هو إفراد الله تعالى بالعبادة فلا يعبد غيره ولا يدعى سواه ولا يستغاث ولا يستعان إلا به ولا ينذر

стр. 13398

ولا يذبح ولا ينحر إلا له. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢) وقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٣) وتوحيد الأسماء والصفات هو وصف الله تعالى وتسميته بما وصف وسمى به نفسه، وبما وصفه وسماه به رسوله ﷺ في الأحاديث الصحيحة، وإثبات ذلك له من غير تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تأويل ولا تعطيل، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 13399

التصرف في الكون من الفتوى رقم ٩٢٧٢ س: هل من يعتقد تصرف أحد في الكون سوى الله كافر؟ جـ: من يعتقد ذلك كافر لأنه أشرك مع الله غيره في الربوبية، بل هو أشد كفرا من كثير من المشركين الذين أشركوا مع الله غيره في الألوهية. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 13400

من الفتوى رقم ٧٨٢ س: (عندنا أولاد ونريدهم يتفكرون بما خلق الله ، هل الأرض التي على سطح الماء ماذا يحملها عن الماء، وقالوا: إن الأرض من سبع طبقات، وكل طبقة بها سكان، ومن عرض ما قالوا لنا: إن من طبقات الأرض سجين أحر من النار يحط - يضع - الله بها أرواح المذنبين والكفار، وقالوا لنا: هاروت وماروت إنهم في الأرض ملائكة معذبين جزاكم الله خيرا ما هو عذابهم)؟ جـ: أولا ليس هناك أرض على سطح الماء حتى تسأل عما يحملها عن الماء، وإنما فوق الماء الهواء والسماء، وقد تماسكت الكونيات كلها ولزم كل منها مكانة بقدرة الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (١) وقد يكون هذا التماسك بسر أودعه الله الكائنات يعرفه من هيأ الله له أسباب معرفته من علماء السنن الكونية وغيرهم، وفي صحيح البخاري عن علي ﵁: «حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله (٢)». ثانيا: أخبر الله بأن الأرض سبع طبقات فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ (٣) الآية، والعلماء الذين قالوا باجتهادهم إنها طبقات بعضها فوق بعض بينها هواء، ويسكن كل طبقة خلق من خلق الله مستدلين بقوله تعالى: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤) الآية، ومنهم من قال إنها سبع طبقات متلاصقة بعضها فوق بعض ويستدلون بحديث: «من اقتطع شبرا من أرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين (٥)».

стр. 13401

ثالثا: سجين من الأمور الغيبية يجب علينا أن نمسك عن الخوض فيها إلا بقدر ما بين الله في كتابه أو رسوله ﷺ وقد قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ (١) ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ (٢) ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ (٣) فيجب أن نؤمن بذلك ولا نزيد عليه قولا من عند أنفسنا، وإلا وقعنا فيما نهى الله عنه بقوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٤). رابعا: هاروت وماروت ملكان من ملائكة الله، امتحن الله بهما عباده، ولم يفعلا إلا ما أمرهما الله به فكانا بذلك مطيعين لله فيما كلفا ولله أن يختبر عباده ويمتحنهم بما شاء كيف شاء، لا منازع له في قضائه وشرعه. قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (٥) الآية. وأما أنهما كانا ملكين ومسخا رجلين وأنهما أساءا بارتكاب المعاصي وحجبا عن السماء، وأنهما يعذبان في الدنيا، أو معلقان من شعورهما فكل هذا وأمثاله من كلام الكذابين من القصاص، فيجب على المسلم ألا يقبله منهم، وأن يتجنب القراءة في الكتب التي ليست مأمونة مثل كتاب بدائع الزهور في وقائع الدهور، فإن مؤلفه وأمثاله هم الذين يذكرون مثل هذه الافتراءات. والله أعلم. س: صخرة المقدس التي ركب المعراج عليها يوم يعرج النبي ﷺ قالوا لنا إنها معلقة بالقدرة أفتونا جزاكم الله خيرا؟ جـ: كل شيء قائم في مقره بإذن الله سواء في ذلك السماوات وما فيها

стр. 13402

والأرضون وما فيهن حتى الصخرة المسئول عنها قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ (٢). وليست صخرة بيت المقدس معلقة في الفضاء وحولها هواء من جميع نواحيها بل لا تزال متصلة من جانب بالجبل التي هي جزء منه متماسكة معه، وهي وجبلها قائمان في مقرهما للأسباب الكونية العادية المفهومة، شأنهما في ذلك شأن غيرهما من الكائنات ولا ننكر قدرة الله على أن يمسك جزءا من الكونيات في الفضاء، فمجموع المخلوقات كلها قائمة في الفضاء بقدرة الله كما تقدم، وقد رفع الله الطور فوق قوم موسى حينما امتنعوا من العمل بما أتاهم به موسى من الشرائع، وكان محمولا بقدرة الله، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٣). وقال: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٤). ولكن القصد بيان الواقع، وأن الصخرة التي في بيت المقدس ليست معلقة في الفضاء من جميع جوانبها منفصلة عن الجبل انفصالا كليا، بل هي متصلة به متماسكة معه. وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي

стр. 13403

من الفتوى رقم ٨٨٠٥ س: هل يوجد في القرآن الكريم الأرضون السبع أو عن النبي ﷺ ، لأن فيه اختلافا بيننا، وفي أي سورة من القرآن الكريم أو حديث عن النبي ﷺ جزاكم الله خير الجزاء؟ ج: ثبت في القرآن الكريم أن الله تعالى خلق سبع أرضين كما خلق سبع سماوات. قال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (١) آية ١٢، سورة الطلاق. وثبت أيضا في الحديث الصحيح أن الأرضين سبع، فقد روى البخاري ومسلم عن سعيد بن زيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوقه يوم القيامة من سبع أرضين (٢)» وفي الصحيحين عن عائشة مرفوعا مثله. وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 13404

من الفتوى رقم ١٥٤٢ س: نشاهد ونقرأ في بعض الصحف العربية عن عمليات يقوم بها بعض الأطباء في أوروبا يتحول بها الذكر إلى أنثى والأنثى إلى ذكر فهل ذلك صحيح، ألا يعتبر ذلك تدخلا في شئون الخالق الذي انفرد بالخلق والتصوير، وما رأى الإسلام في ذلك؟ جـ: لا يقدر أحد من المخلوقين أن يحول الذكر إلى أنثى ولا أنثى إلى ذكر، وليس ذلك من شئونهم ولا في حدود طاقتهم مهما بلغوا من العلم بالمادة

стр. 13405

ومعرفة خواصها. إنما ذلك إلى الله وحده قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ (١) ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (٢). فأخبر سبحانه في صدر الآية بأنه وحده هو الذي يملك ذلك ويختص به. وختم الآية ببيان أصل ذلك الاختصاص وهو كمال علمه وقدرته، ولكن قد يشتبه أمر المولود فلا يدري أذكر هو أم أنثى، وقد يظهر في بادئ الأمر أنثى وهو في الحقيقة ذكر أو بالعكس. ويزول الإشكال في الغالب وتبدو الحقيقة واضحة عند البلوغ فيعمل له الأطباء عملية جراحية تتناسب مع واقعة من ذكورة أو أنوثة، وقد لا يحتاج إلى شق ولا جراحة، فما يقوم به الأطباء في هذه الأحوال إنما هو كشف عن واقع حال المولود بما يجرونه من عمليات جراحية، لا تحويل الذكر إلى أنثى، ولا الأنثى إلى ذكر، وبهذا يعرف أنهم لم يتدخلوا فيما هو من شأن الله إنما كشفوا للناس عما هو من خلق الله. والله أعلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 13406

من الفتوى رقم ٩٦٨٨ س: هل هناك من الإنسان من يجري الرزق إلى غيره من المخلوقات أو يدفع الضر عنه؟ جـ: الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه

стр. 13407

ويكشف السوء ويدفع الضر. أما الإنسان الحي فقد يجعله الله سببا في كسب الرزق لإنسان آخر، ودفع الضر عنه بإذن الله تعالى، أما هو في نفسه فلا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 13408

من الفتوى رقم ١٠٩٠٩ س: يقول بعض الناس كيف يكون الرزق كله من الله وأنا يمكنني أن أزيد في عملي اليوم من أجل أن أحصل على رزق أكثر فكيف يكون مقدرا علي الرزق ومكتوبا علي لا دخل لي في زيادته أو نقصانه، وهل هناك كتب تبحث في مثل هذه القضايا لتدلوننا عليها؟ جـ: الرزق عند الله إيجادا وتقديرا وإعطاء وكسبا وتسببا، فالعبد يباشر السبب أيا كان صعبا أو سهلا كثيرا أو قليلا، والله يقدر السبب ويوجده فضلا منه ورحمة فينسب الرزق إلى الله تقديرا وإعطاء، وإلى العبد تسببا وكسبا. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 13409

كيفية خلق الإنسان من الفتوى رقم ٢٦١٢ س: هل نفهم من نفخ الروح في الجنين بعد أربعة أشهر أن الحيوان المنوي المتحد ببيضة المرأة والذي يتكون الجنين منه لا روح فيه أو ماذا؟ جـ: لكل من الحيوان المنوي وبويضة المرأة حياة تناسبه إذا سلم من الآفات

стр. 13410

تهيأ كل منهما بإذن الله وتقديره للاتحاد بالآخر. وعند ذلك يتكون الجنين إن شاء الله ذلك ويكون حيا أيضا حياة تناسبة، حياة النمو والتنقل في الأطوار المعروفة فإذا نفخ فيه الروح سرت فيه حياة أخرى بإذن الله اللطيف الخبير، ومهما بذل الإنسان وسعة ولو كان طبيبا ماهرا فلن يحيط علما بأسرار الحمل وأسبابه وأطواره، إنما يعرف عنه بما أوتي من علم وفحص وتجارب بعض الأعراض والأحوال. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ (١) ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ (٣). وصلى الله وسلم على نبينا محمد. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
следующие страницы →