← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 13336–13375 · переход к 13341.

стр. 13336

الأولى: طبقة المجتهدين في الشرع كالأئمة الأربعة ومن سلك مسلكهم في تأسيس قواعد الأصول واستنباط أحكام الفروع عن الأدلة الأربعة من غير تقليد لأحد، لا في الفروع ولا في الأصول. الثانية: طبقات المجتهدين في المذهب كأبي يوسف ومحمد، وسائر أصحاب أبي حنيفة القادرين على استخراج الأحكام عن الأدلة المذكورة على حسب القواعد التي قررها أستاذهم، فإنهم وإن خالفوه في بعض أحكام الفروع لكنهم يقلدونه في قواعد الأصول. الثالثة: طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب، كالخصاف وأبي جعفر الطحاوي - إلى أن قال - فإنهم لا يقدرون على مخالفة الإمام لا في الأصول ولا في الفروع، لكنهم يستنبطون الأحكام من المسائل التي لا نص فيها عنه على حسب أصول قررها ومقتضى قواعد بسطها. الرابعة: طبقة أصحاب التخريج من المقلدين كالرازي وأضرابه فإنهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلا، لكنهم لإحاطتهم بالأصول وضبطهم المأخذ يقدرون على تفصيل قول مجمل ذي وجهين، وحكم محتمل لأمرين منقول عن صاحب المذهب وعن أحد من أصحابه المجتهدين برأيهم ونظرهم في الأصول، والمقاييس على أمثاله ونظائره من الفروع، وما وقع في بعض المواضع من الهداية من قوله كذا في تخريج الكرخي وتخريج الرازي من هذا القبيل. الخامسة: طبقة أصحاب التخريج من المقلدين كأبي الحسن القدوري وصاحب الهداية وأمثالهما، وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض آخر بقولهم هذا أولى وهذا أصح رواية، وهذا أوضح وهذا أوفق للقياس وهذا أرفق للناس.

стр. 13337

السادسة: طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين الأقوال، والقوي والضعيف، وظاهر الرواية وظاهر المذهب، والرواية النادرة كأصحاب المتون المعتبرة كصاحب الكنز، وصاحب المختار، وصاحب الوقاية وصاحب المجمع وشأنهم ألا ينقلوا في كتبهم الأقوال المردودة والروايات الضعيفة. السابعة: طبقة المقلدين الذين لا يقدرون على ما ذكر، ولا يفرقون بين الغث والسمين ولا يميزون الشمال من اليمين، بل يجمعون ما يجدون كحاطب ليل فالويل لمن قلدهم كل الويل. ٢) قال (١) الآمدي: أما الاجتهاد فهو في اللغة عبارة عن استفراغ الوسع في تحقيق أمر من الأمور مستلزم للكلفة والمشقة. . ثم قال: وأما في اصطلاح الأصوليين فمخصوص باستفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحسن من النفس العجز عن المزيد عليه - وبعد أن شرح التعريف قال - وأما المجتهد فهو من اتصف بصفة الاجتهاد - وبعد أن ذكر الشرط الأول من شرطي المجتهد المطلق قال - الشرط الثاني أن يكون عالما عارفا بمدارك الأحكام الشرعية وأقسامها وطرق إثباتها، ووجوه دلالاتها على مدلولاتها، واختلاف مراتبها المعتبرة فيها على ما بيناه، وأن يعرف جهات ترجيحها عند تعارضها، وكيفية استثمار الأحكام منها، قادرا على تحريرها وتقريرها، والانفصال من الاعتراضات الواردة عليها - إلى أن قال - هذا كله يشترط في حق المجتهد المطلق المتصدي للحكم والفتوى في جميع مسائل الفقه، وأما الاجتهاد في حكم بعض المسائل فيكفي فيه أن يكون عارفا بما يتعلق بتلك المسألة وما لا بد منه فيها، ولا يضره جهله في ذلك بما لا تعلق له به مما يتعلق بباقي المسائل الفقهية. كما أن المجتهد المطلق قد يكون مجتهدا

стр. 13338

في المسائل المستكثرة بالغا رتبة الاجتهاد فيها، وإن كان جاهلا ببعض المسائل الخارجة عنها، فإنه ليس من شرط المفتي أي يكون عالما بجميع أحكام المسائل ومداركها؛ فإن ذلك مما لا يدخل تحت وسع البشر. ٣) قال (١) محمد الأمين الجكني الشنقيطي ما حاصلة: المجتهد المطلق الناظر في الأدلة الشرعية من غير التزام مذهب إمام معين مذهبه سواء كالأئمة الأربعة، أما مجتهد المذهب فهو مجتهد أصوله أصول إمام مذهبه، سواء كانت منصوصة للإمام المقلد أم مستنبطة من كلامه، فكثيرا ما يستخرج أهل المذهب الأصول، أي القواعد، وفاقية أو خلافية من كلام إمامهم، وشرطه المحقق له أن يكون له قدرة على استنباط الأحكام من نصوص ذلك الإمام الملتزم هو له، كأن يقيس ما سكت عنه على ما نص عليه لوجود معنى ما نص عليه فيه، سواء نص إمامه على ذلك المعنى أو استنبطه هو من كلامه، أو كان يستخرج حكم المسكوت عنه من عموم ذلك، أو قاعدة ذكرها، وأما مجتهد الفتيا فهو المتبحر في مذهب إمامه المتمكن من أن يرجح قولا على قول آخر لم ينص ذلك الإمام على ترجيح واحد منهما، والمجتهد في المذهب أعلى رتبة من مجتهد الفتوى، والمقلد هو القائم بحفظ المذهب وفهمه في الواضح والمشكل، العارف بعامه وخاصه ومطلقه ومقيده، المستوفي لحفظ ما فيه من الروايات والأقوال وعلم خاصها وعامها ومطلقها ومقيدها. قال: نحو هذا نقله الخطاب، وقال: العلم بذلك متعذر، والظاهر أنه يكفي في ذلك غلبة الظن بأن وجد المسألة في التوضيح، وفي ابن عبد السلام انتهى كلامه، وهذا له أن يفتي في حدود ما نقل مستوفى، وفيما لا يجده منقولا إن وجد في المنقول معناه، بحيث يدرك بغير كبير فكر أنه لا فرق، وكذا ما يعلم اندراجه تحت قاعدة من مذهبه، وما ليس كذلك يجب إمساكه عن الفتوى به، ولا بد أيضا من شدة الفهم وكونه ذا حظ كبير من الفقه.

стр. 13339

٤) قال (١) شيخ الإسلام نقلا عن ابن الصلاح، وذلك بعد أن ذكر كلاما في المجتهد المطلق يتفق مع ما ذكره الآمدي، قال: وللمفتي المنتسب أحوال أربع: أحدها: ألا يكون مقلدا لإمامه لا في المذهب ولا في دليله، وإنما انتسب إليه لسلوك طريقه في الاجتهاد. . إلخ، وفتوى المنتسبين في هذه الحال في حكم فتوى المجتهد المستقل المطلق يعمل ويعتبر بها في الإجماع والخلاف. الحال الثانية: أن يكون مجتهدا مقيدا في مذهب إمامه، يستقل بتقرير مذهبه بالدليل غير أنه لا يتجاوز في أدلته أصول إمامه وقواعده، ولا بد أن يكون عالما بأصول الفقه، لكنه قد أخل ببعض الأدوات كالحديث واللغة، فإذا استدل بدليل إمامه لا يبحث عن معارض له، ولا يستوفي النظر في شروطه، وقد اتخذ أصول إمامه أصولا يستنبط منها كما يفعل المجتهد المستقل بنصوص الشارع والعامل بفتيا هذا مقلد لإمامه. قال: والذي رأيته من كلام الأئمة يشعر بأن فرض الكفاية لا يتأدى بمثل هذا قال: وأقول يتأدى به فرض الكفاية في الفتوى ولا يتأدى به إحياء العلوم التي منها استمداد الفتوى؛ لأنه قائم مقام المطلق والتفريغ، على جواز تقليد الميت وهو الصحيح، وقد يوجد منه الاستقلال في مسألة خاصة أو باب خاص، ويجوز له أن يفتي فيما لم يجده من أحكام الوقائع منصوصا لإمامه بما يخرجه على مذهبه، هذا هو الصحيح الذي عليه العمل وإليه مفزع المفتين من مدد مديدة، وهو في مذهب إمامه بمنزلة المجتهد في الشريعة، وهو أقدر والمستفتى فيما يفتيه من تخريجه مقلد لإمامه لا له، قطع به أبو المعالي قال: وأنا أقول ينبغي أن يخرج هذا على خلاف حكاه أبو إسحاق الشيرازي (في أن ما يخرجه أصحاب الشافعي على مذهبيه هل يجوز أن ينسب إليه أم لا؟)

стр. 13340

والذي اختاره أبو إسحاق أنه لا ينسب إليه، قال: وتخريجه تارة من نص معين، وتارة تخريجه على وفق أصوله بأن يجد دليلا من جنس ما يحتج به إمامه، والأولى إذا وجد نص بخلافه يسمى ما خرجه قولا مخرجا، وإن وقع الثاني في مسألة قد قال فيها بعض الأصحاب غير ذلك يسمى وجها، وشرط التخريج أن لا يجد بين المسألتين فارقا، وإن لم يعلم العلة الجامعة كالأمة مع العبد في السراية، ومهما أمكن الفرق بين المسألتين لم يجز له على الأصح التخريج، ولزمه تقرير النصين على ظاهرهما، وكثيرا ما يختلفون في القول بالتخريج في مثل ذلك لاختلافهم في إمكان الفرق. الحال الثالثة: أن يكون حافظا للمذهب عارفا بأدلته لكنه قصر عن درجة المجتهدين في المذهب؛ لقصور في حفظه أو تصرفه أو معرفته بأصول الفقه، وهي مرتبة المصنفين إلى أواخر المائة الخامسة، قصروا عن الأولين في تمهيد المذهب، وأما في الفتوى فبسطوا بسط أولئك وقاسوا على المنقول والسطور غير مقتصرين على القياس الجلي وإلغاء الفارق. الحال الرابعة: أن يحفظ المذهب ويفهمه في واضحات المسائل ومشكلاتها، غير أنه مقتصر في تقرير أدلته، فهذا يعتمد نقله وفتواه في نصوص الإمام وتفريعات أصحابه المجتهدين في مذهبه، وما لم يجده منقولا فإن وجد في المنقول ما يعلم أنه مثله من غير فصل يمكن كالأمة بالنسبة للعبد في سراية العتق، أو علم اندراجه تحت ضابط منقول ممهد في المذهب جاز له إلحاقه والفتوى به، وإلا فلا، قال: ويندر عدم ذلك، كما قال أبو المعالي بعد أن تقع واقعة لم ينص على حكمها في المذهب، ولا هو في معنى شيء من المنصوص عليه فيه من غير فرق، ولا هي مندرجة تحت شيء من ضوابطه، ولا بد في هذا أن يكون فقيه النفس يصور المسائل على وجهها، وينقل أحكامها بعد استتمام تصويرها جليها وخفيها، قال: ولا تجوز الفتوى لغير هؤلاء الأصناف الخمسة، كما قطع به أبو المعالي في الأصولي الماهر المتصرف في الفقه أنه يجب عليه الاستفتاء. انتهى.

стр. 13341

٥ - قال (١) علي بن سليمان المرداوي ما ملخصه: المجتهد ينقسم إلى أربعة أقسام: مجتهد مطلق، ومجتهد في مذهب إمامه أو في مذهب إمام غيره، ومجتهد في نوع من العلم، ومجتهد في مسألة أو مسائل. القسم الأول: المجتهد المطلق، وهو الذي اجتمعت فيه شروط الاجتهاد التي ذكرها المصنف في آخر كتاب القضاء على ما تقدم هناك، إذا استقل بإدراك الأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية العامة والخاصة، وأحكام الحوادث منها ولا يتقيد بمذهب أحد، وقيل: يشترط أن يعرف أكثر الفقه. . وكذا ما يتعلق بالاجتهاد من الآيات والآثار وأصول الفقه والعربية وغير ذلك. وقيل: المفتي من تمكن من معرفة أحكام الوقائع على يسر من غير تعلم آخر. القسم الثاني: مجتهد في مذهب إمامه أو إمام غيره وأحواله أربعة: الحالة الأولى: أن يكون غير مقلد لإمامه في الحكم والدليل، لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتوى، ودعا إلى مذهبه وقرأ كثيرا منه على أهله فوجده صوابا، وأولى من غيره وأشد موافقة فيه وفي طريقه. . . وفتوى المجتهد المذكور كفتوى المجتهد المطلق في العمل بها والاعتداد بها في الإجماع والخلاف. الحالة الثانية: أن يكون مجتهدا في مذهب إمامه مستقلا بتقريره بالدليل، ومضى في الكلام إلى أن قال: والحاصل أن المجتهد في مذهب إمامه هو الذي يتمكن من التفريع على أقواله كما يتمكن المجتهد المطلق من التفريع على كل ما انعقد عليه الإجماع ودل عليه الكتاب والسنة والاستنباط، فهذه صفة المجتهدين أرباب الأوجه والتخاريج والطرق. الحالة الثالثة: ألا يبلغ به رتبة أئمة المذهب أصحاب الوجوه والطرق، غير أنه فقيه النفس حافظ لمذهب إمامه عارف بأدلته قائم بتقريره

стр. 13342

ونصرته يصور ويحرر ويمهد ويقوي ويزيف ويرجح، لكنه قصر عن درجة أولئك، إما لكونه لم يبلغ، في حفظ المذهب مبلغهم، وإما لكونه غير متبحر في أصول الفقه ونحوه، على أنه لا يخلو مثله في ضمن ما يحفظه من الفقه ويعرفه من أدلته عن طرف من قواعد أصول الفقه ونحوه. وإما لكونه مقصرا في غير ذلك من العلوم التي هي أدوات الاجتهاد الحاصل لأصحاب الوجوه والطرق. وهذه صفة كثير من المتأخرين الذين رتبوا المذاهب وحرروها وصنفوا فيها تصانيف، بها يشتغل الناس اليوم غالبا، ولم يلحقوا من يخرج الوجوه ويمهد الطرق في المذاهب. وأما فتاويهم فقد كانوا يستنبطون فيها استنباط أولئك أو نحوه، ويقيسون غير المنقول على المنقول والمسطور. . ولا تبلغ فتاويهم فتاوى أصحاب الوجوه. وربما تطرق بعضهم إلى تخريج قول، واستنباط وجه، أو احتمال، وفتاويهم مقبولة. الحالة الرابعة: أن يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه، فهذا يعتمد نقله وفتواه به فيما يحكيه مسطورات مذهبه، من منصوصات إمامه، وتفريعات أصحابه المجتهدين في مذهبه وتخريجاتهم. . . ثم إن هذا الفقيه لا يكون إلا فقيه النفس. . . ويكفي استحضاره أكثر المذاهب مع قدرته على مطالعة بقيته. القسم الثالث: المجتهد في نوع العلم، فمن عرف القياس وشروطه فله أن يفتي في مسائل منه قياسية لا تتعلق بالحديث، ومن عرف الفرائض فله أن يفتي فيها وإن جهل أحاديث النكاح وغيره وعليه الأصحاب. القسم الرابع: المجتهد في مسائل أو مسألة وليس له الفتوى في غيرها. ٦ - قال ابن القيم (١) المفتون الذين نصبوا أنفسهم للفتوى - أربعة

стр. 13343

أقسام - أحدهم العالم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأقوال الصحابة فهو المجتهد في أحكام النوازل يقصد فيها موافقة الأدلة الشرعية حيث كانت. . . إلخ. النوع الثاني: مجتهد مقيد في مذهب من ائتم به فهو مجتهد في معرفة فتاويه وأقواله ومآخذه وأصوله عارف بها متمكن من التخريج عليها وقياس ما لم ينص من ائتم به عليه على منصوصه من غير أن يكون مقلدا لإمامه في الحكم ولا في الدليل، لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتيا ودعا إلى مذهبه ورتبه وقرره، فهو موافق له في مقصده وطريقه معا. . . إلخ. النوع الثالث: من هو مجتهد في مذهب من انتسب إليه مقرر له بالدليل، متقن لفتاويه عالم بها لكنه لا يتعدى أقواله وفتاويه ولا يخالفها، وإذا وجد نص إمامه لم يعدل عنه إلى غيره البتة. . . إلخ. النوع الرابع: طائفة تفقهت في مذاهب من انتسبت إليه وحفظت فتاويه وفروعه، فأقرت على نفسها بالتقليد المحض من جميع الوجوه. . . إلخ. ففتاوى القسم الأول من جنس توقيعات الملوك وعلمائهم، وفتاوى النوع الثاني من جنس توقيعات نوابهم وخلفائهم، وفتاوى النوع الثالث، والرابع من جنس توقيعات خلفاء نوابهم، ومن عداهم فمتشبع بما لم يعطه متشبه بالعلماء محاك للفضلاء.

стр. 13344

ب: حكم تولية كل منهم القضاء أما حكم تولية كل منهم القضاء فمختلف تبعا لاختلاف أحوالهم: أ - المذهب الحنفي: ١ - قال (١) علي بن خليل الطرابلسي في الكلام على الركن الأول في شروط

стр. 13345

القضاء. قال: وإذا أراد الإمام تولية أحد اجتهد لنفسه وللمسلمين، ومضى إلى أن قال: وأهل القضاء من كان عالما بالكتاب والسنة واجتهاد الرأي لقوله ﵊ لمعاذ حين بعثه قاضيا إلى اليمن: «بم تقضي يا معاذ (١)» الحديث. ولأن القاضي مأمور بالقضاء بالحق إذا كان عالما بالكتاب والسنة واجتهاد الرأي؛ لأن الحوادث ممدودة والنصوص معدودة، فلا يجد القاضي في كل حادثة نصا يفصل به الخصومة، فيحتاج إلى استنباط المعنى من المنصوص عليه، وإنما يمكنه ذلك إذا كان عالما بالاجتهاد، ومضى إلى أن قال: ولا ينبغي أن يكون صاحب حديث لا فقه عنده أو صاحب فقه لا حديث عنده، عالما بالفقه والآثار، وبوجه الفقه الذي يؤخذ منه الحكم. قال عمر بن عبد العزيز: من راقب الله تعالى فكانت عقوبته أخوف في نفسه من الناس وهبه الله السلامة. ٢ - قال (٢) الكاساني في الكلام على من يصلح للقضاء بعد أن ذكر جملة من الشروط: وأما العلم بالحلال والحرام وسائر الأحكام فهل هو شرط جواز التقليد؟ عندنا ليس بشرط الجواز بل شرط الندب والاستحباب، وعند أصحاب الحديث كونه عالما بالحلال والحرام وسائر الأحكام مع بلوغ درجة الاجتهاد في ذلك شرط جواز التقليد، كما قالوا في الإمام الأعظم، وعندنا هذا ليس بشرط الجواز في الإمام الأعظم؛ لأنه يمكنه أن يقضي بعلم غيره بالرجوع إلى فتوى غيره من العلماء فكذا القاضي، لكن مع هذا لا ينبغي أن يقلد الجاهل بالأحكام؛ لأن الجاهل بنفسه ما يفسد أكثر مما يصلح، بل يقضي بالباطل من حيث لا يشعر به - وبعد سياقه الحديث " القضاة ثلاثة " قال: إلا أنه لو قلد جاز عندنا؛ لأنه يقدر على القضاء بالحق بعلم غيره بالاستفتاء من الفقهاء، فكان تقليده جائزا في نفسه فاسد المعنى في غيره، والفاسد لمعنى في غيره

стр. 13346

يصلح للحكم عندنا مثل الجائز حتى ينفذ قضاياه التي لم يجاوز فيها حد الشرع، وهو كالبيع الفاسد، إنه مثل الجائز عندنا في حق الحكم كذا هذا. انتهى. ٣ - قال (١) عثمان بن علي الزيلعي على قول صاحب الكنز: والاجتهاد شرط الأولوية، قال: لأنه أقدر على الحكم بالحق، واختلفوا في حد الاجتهاد. قيل: أن يعلم بمعانيه، والسنة بطرقها، والمراد: يعلمها علم ما يتعلق به الأحكام منه، ومعرفة الإجماع والقياس ليمكنه استخراج الأحكام الشرعية، واستنباطها من أدلتها بطريقها. ولا يشترط معرفة الفروع التي استخرجها المجتهدون بآرائهم، وقال بعضهم: يشترط مع هذا أن يكون عارفا بالفروع المبنية على اجتهاد السلف كأبي حنيفة والشافعي وغيرهما من المجتهدين، وقال بعضهم: من حفظ المبسوط ومذهب المتقدمين فهو من أهل الاجتهاد والأشبه أن يكون صاحب حديث له معرفة بالفقه يعرف معاني الآثار، وصاحب فقه له معرفة بالحديث كيلا يشتغل بالقياس في المنصوص عليه. وقيل: لا بد مع هذا من أن يكون صاحب قريحة يعرف بها عادات الناس لأن كثيرا من الأحكام مبني عليها. انتهى.

стр. 13347

ب - المذهب المالكي: ١ - يشترط (١) في القاضي أن يكون مجتهدا فلا تنعقد إلا له إن وجد وإلا فمقلد، ويجب عليه العمل بالمشهور في مذهب إمامه، واعلم أنه أراد بالمجتهد المطلق، وأما غير المطلق فهو داخل في المقلد، وهو قسمان: مجتهد مذهب وهو الذي يقدر على إقامة الأدلة، ومجتهد الفتوى وهو الذي يقدر على الترجيح، وما ذكره من أن تولية المقلد مع جود المجتهد باطل قول، والقول الآخر: أنها صحيحة، وعليه طائفة أيضا كالمازري وغيره.

стр. 13348

وعليه العمل في زمن مالك وغيره ممن قبله وممن بعده من المجتهدين، فكان ينبغي الاقتصار عليه. ٢ - يشترط (١) في صحة تعيين القاضي أن يكون مجتهدا مطلقا إن وجد، وإلا فمجتهد مذهب أو فتوى، وهو الذي يضبط المسائل المنقولة ويقوى على استخراج ما ليس فيه نص بقياس على المنقول في مذهب إمامه، وباعتبار قاعدة كلية، وقيل: الاجتهاد المطلق شرط كمال التولية وتقديم الأمثل وهو مجتهد المذهب على المقلد المحض ليس بشرط صحة في التولية على الأصح، بل قال بعضهم يصح تولية غير العالم حيث شاور العلماء.

стр. 13349

جـ - المذهب الشافعي: قال الماوردي: ولا يجوز أن يقلد القضاء إلا من تكاملت فيه شروطه التي يصح معها تقليده وينفذ بها حكمه وهي سبعة - إلى أن قال: والشرط السابع: أن يكون عالما بالأحكام الشرعية وعلمه يشتمل على أصولها والارتياض بفروعها. ثم فصل الكلام بما ينطبق على المجتهد المطلق، ثم قال بعد ذلك: فإذا أحاط علمه بهذه الأصول الأربعة في أحكام الشريعة صار بها من أهل الاجتهاد في الدين، وجاز له أن يفتي ويقضي، وجاز له أن يستفتى ويستقضى، وإن أخل بها أو بشيء منها خرج من أن يكون من أهل الاجتهاد، فلم يجز أن يفتي ولا أن يقضي، فإن قلد القضاء فحكم بالصواب أو الخطأ كان تقليده باطلا، وحكمه وإن وافق الصواب مردود وتوجه الحرج فيما قضى به عليه وعلى من قلده الحكم والقضاء، وجوز أبو حنيفة تقليد القضاء من ليس من أهل الاجتهاد ليستفتى في أحكامه وقضاياه والذي عليه جمهور الفقهاء أن ولايته باطلة وأحكامه مردودة، ولأن التقليد في فروع الشريعة ضرورة فلم يتحقق إلا في ملتزم الحق دون ملزمه، ثم قال: ويجوز لمن اعتقد

стр. 13350

مذهب الشافعي أن يقلد القضاء من اعتقد مذهب أبي حنيفة لأن للقاضي أن يجتهد برأيه في قضائه، ولا يلزمه أن يقلد في النوازل والأحكام من اعتزى إلى مذهبه، فإذا كان شافعيا لم يلزمه المصير في أحكامه إلى أقاويل الشافعي حتى يؤديه اجتهاده إليها، فإن أداه اجتهاده إلى الأخذ بقول أبي حنيفة عمل عليه وأخذ به، وقد منع بعض الفقهاء من اعتزى إلى مذهب أن يحكم بغيره، فمنع الشافعي أن يحكم بقول أبي حنيفة ومنع الحنفي أن يحكم بمذهب الشافعي، إذا أداه اجتهاده إليه لما يتوجه إليه من التهمة والممايلة في القضاء والأحكام، وإذا حكم بمذهب لا يتعداه كان أنفى للتهمة وأرضى للخصوم، وهذا وإن كانت السياسة تقتضيه فأحكام الشرع لا توجبه؛ لأن التقليد فيها محظور والاجتهاد فيها مستحق، وإذا نفذ قضاؤه وتجدد مثله من بعد أعاد الاجتهاد فيه وقضى بما أداه اجتهاده إليه، وإن خالف ما تقدم من حكمه فإن عمر رضي الله تعالى عنه قضى في المشتركة بالتشريك في عام، وترك التشريك في غيره، فقيل له: ما هكذا حكمت في العام الماضي فقال: تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي. ٢ - وبعد (١) أن ذكر الرملي أن الاجتهاد شرط في تولية القضاء قال بعد ذلك: فلا يتولى جاهل بالأحكام الشرعية ولا مقلد، وهو من حفظ مذهب إمامه لكنه غير عارف بغوامضه، وقاصر عن تقرير أدلته؛ لأنه لا يصلح للفتوى، فالقضاء أولى- ومضى إلى أن قال: واجتماع ذلك كله إنما هو شرط للمجتهد المطلق الذي يفتي في جميع أبواب الفقه، إما مقلد لا يعدو مذهب إمام خاص فليس عليه غير معرفة قواعد إمامه، وليراع فيها ما يراعيه المطلق في قوانين الشرع فإنه مع المجتهد كالمجتهد في نصوص الشرع، ومن ثم لم يكن له العدول عن نص إمامه، كما لا يجوز له الاجتهاد مع النص " فإن تعذر جمع هذه الشروط " أو لم يتعذر كما

стр. 13351

هو ظاهر مما يأتي فذكر التعذر تصوير لا غير " فولى السلطان أو من له شوكة ". . . " فاسقا أو مقلدا " " ولو جاهلا " نفذ قضاؤه الموافق لمذهبه المعتد به، وإن زاد فسقه " للضرورة " لئلا تتعطل مصالح الناس. . . ويجب عليه رعاية الأمثل فالأمثل رعاية لمصلحة المسلمين، وما ذكر في المقلد محله إن كان ثم مجتهد وإلا نفذت تولية المقلد ولو من غير ذي الشوكة. . . ومعلوم أنه يشترط في غير الأهل معرفة طرف من الأحكام. . . ويلزم قاضي الضرورة بيان مستنده في سائر أحكامه، كما أفتى بذلك الوالد ﵀، ولا يقبل قوله: حكمت بكذا من غير بيان مستنده فيه، وكأنه لضعف ولايته. انتهى المقصود.

стр. 13352

د - المذهب الحنبلي: ١ - قال (١) في المنتهى وشرحه: فيجب على الإمام أن ينصب بكل إقليم قاضيا إلى أن قال: وعلى الإمام أن يختار لذلك أفضل من يجده علما وورعا؛ لأن الإمام ينظر للمسلمين فوجب عليه تحري الأصلح لهم. ٢ - وقال (٢) أيضا وله أن يولي قاضيا من غير مذهبه. ٣ - وقال (٣) أيضا بعد ذكره لشروط الاجتهاد فمن عرف أكثر ذلك فقد صلح للفتيا والقضاء، لتمكنه من الاستنباط والترجيح بين الأقوال، قال في آداب المفتي: ولا يفسر جهله بذلك لشبهة أو إشكال لكن يكفيه معرفة وجوه دلالة الأدلة، وكيفية أخذ الأحكام من لفظها ومعناها، وزاد ابن عقيل في التذكرة: ويعرف وجوه الاستدلال واستصحاب الحال والقدرة على إبطال شبه المخالف وإقامة الدليل على مذهبه. ٤ - وقال (٤) أبو يعلى: فأما ولاية القضاء فلا يجوز تقليد القضاء إلا لمن كملت فيه سبع شرائط - ومضى إلى أن قال - فإذا عرف ذلك صار

стр. 13353

من أهل الاجتهاد، ويجوز له أن يفتي ويقضي، ومن لم يعرف ذلك لم يعرف من أهل الاجتهاد ولم يجز له أن يفتي ولا أن يقضي، فإن قلد القضاء كان حكمه باطلا وإن وافق الصواب لعدم الشرط. ٥ - قال (١) الخرقي " ﵀ ": ولا يولى قاض حتى يكون بالغا عاقلا مسلما حرا عادلا عالما فقيها ورعا. ٦ - قال (٢) ابن قدامة ﵀: الشرط الثالث أن يكون من أهل الاجتهاد، وبهذا قال مالك والشافعي وبعض الحنفية، وقال بعضهم: يجوز أن يكون عاميا فيحكم بالتقليد؛ لأن الغرض منه فصل الخصائم، فإذا أحكمه ذلك بالتقليد جاز كما يحكم بقول المقومين. ولنا قول الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٣) ولم يقل بالتقليد، وقال: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (٤) وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٥) وروى بريدة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «القضاة ثلاثة، اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل جار في الحكم فهو في النار (٦)» رواه ابن ماجه. والعامي يقضي على جهل. ولأن الحكم آكد من الفتيا لأنه فتيا وإلزام، ثم المفتي لا يجوز أن يكون عاميا مقلدا فالحكم أولى. . . ويخالف قول المقومين؛ لأن ذلك لا يمكن الحاكم معرفته بنفسه بخلاف الحكم. وبعد أن شرح الاجتهاد قال: وقد نص أحمد على اشتراط ذلك للفتيا والحكم في معناه. فإن قيل: هذه شروط لا تجتمع فكيف يجوز

стр. 13354

اشتراطها؟. قلنا ليس من شرطه أن يكون محيطا بهذه العلوم إحاطة تجمع أقصاها، وإنما يحتاج إلى أن يعرف من ذلك ما يتعلق بالأحكام من الكتاب والسنة ولسان العرب، ولا أن يحيط بجميع الأخبار الواردة في هذا. فقد كان أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب خليفتا رسول الله ﷺ ووزيراه وخير الناس بعده في حال إمامتهما يسألان عن الحكم فلا يعرفان ما فيه من السنة يسألان الناس فيخبران، فسئل أبو بكر عن ميراث الجدة، فقال: ما لك في كتاب الله شيء، ولا أعلم لك في سنة رسول الله ﷺ شيئا، ولكن ارجعي حتى أسأل الناس، ثم قام فقال انشد الله من يعلم قضاء رسول الله ﷺ في الجدة؟ فقام المغيرة بن شعبة فقال أشهد أن رسول الله ﷺ أعطاها السدس. وسأل عمر عن أملاص المرأة، فأخبره المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ قضى فيه بغرة، ولا يشترط معرفة المسائل التي فرعها المجتهدون في كتبهم، فإن هذه فروع فرعها الفقهاء بعد حيازة الاجتهاد فلا تكون شرطا له وهو سابق عليها. وليس من شرط الاجتهاد في مسألة أن يكون مجتهدا في كل المسائل. . . ثم قال: وإنما المعتبر أصول هذه الأمور، وهو مجموع مدون في فروع الفقه وأصوله، فمن عرف ذلك ورزق فهمه كان مجتهدا، له الفتيا وولاية الحكم إذا وليه. انتهى. ٧ - يشترط (١) فيمن يولى القضاء أن يكون مجتهدا مطلقا إن تيسر، وإلا جاز تولية مجتهد مذهب للحاجة، فإن لم يتيسر جاز تولية المقلد للحاجة وإلا تعطلت أحكام الناس. اهـ. ٨ - جاء في الكشاف (٢) في أثناء الكلام على شروط القاضي " مجتهدا "

стр. 13355

إجماعا ذكره ابن حزم، ولأنهم أجمعوا على أنه لا يحل لحاكم ولا لمفت تقليد رجل لا يحكم ولا يفتي إلا بقوله؛ لأن فاقد الاجتهاد إنما يحكم بالتقليد والقاضي مأمور بالحكم بما أنزل الله (١). ولا المفتي لا يجوز أن يكون عاميا مقلدا فالحاكم أولى " ولو " كان اجتهاده " في مذهب إمامه " " إذا لم يوجد غيره " " لضرورة " لكن في الإفصاح أن الإجماع انعقد على تقليد كل من المذاهب الأربعة، وأن الحق لا يخرج عنهم ثم ذكر أن الصحيح في هذه المسألة أن قول من قال: إنه لا يجوز تولية غير مجتهد، فإنه إنما عنى به ما كانت الحال عليه قبل استقرار ما استقرت عليه هذه المذاهب. وقال الموفق في خطبة المغني: النسبة إلى إمام في الفروع كالأئمة الأربعة ليست بمذمومة، فإن اختلافهم رحمة، واتفاقهم حجة قاطعة " واختار في الإفصاح والرعاية أو مقلدا ". قال في الإنصاف: " وعليه عمل الناس من مدة طويلة وإلا تعطلت أحكام الناس وكذا المفتي ". قال ابن يسار ما أعيب على من يحفظ خمس مسائل لأحمد يفتي بها، وظاهر نقل عبد الله مفت غير مجتهد، ذكره القاضي وحمله الشيخ تقي الدين على الحاجة " فيراعي كل منهما ألفاظ إمامه، ويراعي من أقواله " متأخرا ويقلد كبار مذهب في ذلك ويحكم به ولو اعتقد خلافه لأنه مقلدا " ولا يخرج عن الظاهر عنه. ٩ - وقال (٢). شيخ الإسلام ابن تيمية: وسئل بعض العلماء إذا لم يوجد من يولى القضاء إلا عالم فاسق أو جاهل دين فأيهما يقدم؟ فقال: إن كانت الحاجة إلى الدين أكثر لغلبة الفساد قدم الدين، وإن كانت الحاجة إلى العلم أكثر لخفاء الحكومات قدم العالم.

стр. 13356

وأكثر العلماء يقدمون ذا الدين، فإن الأئمة متفقون على أنه لا بد في المتولي من أن يكون عدلا أهلا للشهادة، واختلفوا في اشتراط العلم: هل يجب أن يكون مجتهدا أو يجوز أن يكون مقلدا، أو الواجب تولية الأمثل فالأمثل كيفما يتيسر؟ على ثلاثة أقوال. . . إلخ. ١٠ - وقال (١) أيضا: وكذلك ما يشترط في القضاة والولاة من الشروط يجب فعله بحسب الإمكان. . . كل ذلك واجب مع القدرة، فأما مع العجز فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها. وجاء (٢). معنى ذلك عن ابن القيم ﵀.

стр. 13357

جـ - أقوال فقهاء الإسلام فيما يحكم به كل منهم إذا تولى القضاء مجتهدا كان أم مقلدا أ - المذهب الحنفي: ١ - قال (١). ابن عابدين: لو قضى في المجتهد فيه مخالفا لرأيه فيه ناسيا نفذ عنده، وفي العامد روايتان، وعندهما لا ينفذ في الوجهين، واختلف الترجيح. قال في الفتح والوجه الأول أن يفتي بقولهما؛ لأن التارك لمذهبه عمدا لا يفعله إلا لهوى باطل، وأما الناسي فلأن المقلد ما قلده إلا فيما حكا بمذهبه لا بمذهب غيره هذا كله في القاضي المجتهد، أما القاضي المقلد فإنما ولاه ليحكم بمذهب أبي حنيفة، فلا يملك المخالفة فيكون معزولا بالنسبة إلى ذلك الحكم. ٢ - وقال أيضا تحت مطلب قضاء القاضي بغير مذهبه ما نصه. وحاصل هذه المسألة أنه يشترط لصحة القضاء أن يكون موافقا لرأيه أي لمذهبه مجتهدا كان أو مقلدا فلو قضى بخلافه لا ينفذ لكن في البدائع إذا كان

стр. 13358

مجتهدا ينبغي أن يصح ويحمل على أنه اجتهد فأداه اجتهاده إلى مذهب الغير. انتهى. ٣ - وقال (١). أيضا تحت مطلب الحكم بما خالف الكتاب والسنة والإجماع، قلت: لكن قد علمت أن عدم النفاذ في متروك التسمية بني على أنه لم يختلف فيه السلف، وأنه لا اعتبار بوجود الخلاف بعدهم، وحينئذ فلا يفيد احتمال الآية أوجها من الإعراب، نعم على ما يأتي من تصحيح اعتبار اختلاف ما بعدها يقوي ما في هذا البحث ويؤيده ما في الخلاصة من أن القضاء بحل متروك التسمية عمدا جائز عندهما لا عند أبي يوسف، وكذا ما في الفتح عند المنتقى من أن العبرة في كون المحل مجتهدا فيه اشتباه الدليل لا حقيقة الخلاف. ٤ - " ويأخذ " (٢). القاضي كالمفتي " بقول أبي حنيفة على الإطلاق، ثم بقول أبي يوسف، ثم بقول محمد، ثم بقول زفر، والحسن بن زياد " وهو الأصح " منية وسراجية وعبارة النهر، ثم بقول الحسن فتنبه وصحح في الحاوي اعتبار قوة المدرك والأول اضبط. نهر " ولا يخير إلا إذا كان مجتهدا، بل المقلد متى خالف معتمد مذهبه لا ينفذ حكمه وينقض هو المختار للفتوى كما بسطه المصنف في فتاويه وغيره. . . وفي القسهتاني وغيره. اعلم أن كل موضع قالوا الرأي فيه للقاضي فالمراد قاضي له ملكة الاجتهاد. انتهى، وفي الخلاصة وإنما ينفذ القضاء في المجتهد فيه إذا علم أنه مجتهد فيه وإلا فلا. ٥ - قال ابن عابدين على قول صاحب الدر " والأول اضبط " قال: لأن ما في الحاوي خاص فيمن له اطلاع على الكتاب والسنة وصار له ملكة النظر

стр. 13359

في الأدلة واستنباط الأحكام منها ذلك هو المجتهد المطلق أو المقيد بخلاف الأول فإنه يمكن لمن هو دون ذلك. وقال أيضا على قول صاحب تنوير الأبصار " ولا يخير إلا إذا كان مجتهدا " أي لا يجوز له مخالفة الترتيب المذكور إلا إذا كان له ملكة يقتدر بها على الاطلاع على قوة المدرك، وبهذا رجع القول الأول إلى ما في الحاوي من العبرة في المفتي المجتهد لقوة المدرك، نعم فيه زيادة تفصيل سكت عنها الحاوي، فقد اتفق القولان على أن الأصح هو أن المجتهد في المذهب من المشايخ الذين هم أصحاب الترجيح لا يلزمه الأخذ بقول الإمام على الإطلاق، بل عليه النظر في الدليل وترجيح ما رجح عنده دليله، ونحن نتبع ما رجحوه واعتمدوه كما لو افتوا في حياتهم. . . إنه إن لم يكن مجتهدا فعليه تقليدهم واتباع رأيهم فإذا قضى بخلافه لا ينفذ حكمه. ٦ - قال (١) الكاساني: فأما إذا لم يكن من أهل الاجتهاد فإن عرف أقاويل أصحابنا وحفظها على الاختلاف والاتفاق عمل بقول من يعتقد قوله حقا على التقليد، وإن لم يحفظ أقاويلهم عمل بفتوى أهل الفقه في بلده من أصحابنا، وإن لم يكن في البلد إلا فقيه واحد، فمن أصحابنا من قال له أن يأخذ بقوله، ونرجو ألا يكون عليه شيء لأنه إذا لم يكن من أهل الاجتهاد بنفسه وليس هناك سواه من أهل الفقه مست الضرورة إلى الأخذ بقوله، قال الله ﵎: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) ولو قضى بمذهب خصمه وهو يعلم ذلك فلا ينفذ قضائه، لأنه قضى بما هو باطل عنده في اعتقاده فلا ينفذ كما لو كان مجتهدا، فترك رأي نفسه وقضى برأي مجتهد يرى رأيه باطلا؛ فإنه لا ينفذ قضاؤه

стр. 13360

لأنه قضى بما هو باطل في اجتهاده، كذا هنا ولو نسي القاضي مذهبه فقضى بشيء على ظن أنه مذهب نفسه، ثم تبين أنه مذهب خصمه، ذكر في شرح الطحاوي أن له أن يبطله ولم يذكر الخلاف؛ لأنه إذا لم يكن مجتهدا تبين أنه قضى بما لا يعتقده حقا، فتبين أنه وقع باطلا كما لو قضى وهو يعلم أن ذلك مذهب خصمه. ٧ - قال (١) علي بن خليل الطرابلسي في معرض بحثه " الركن الثاني من أركان القضاء، والمقضي به واجتهاد القاضي في القضاء " قال ما نصه: ثم لا بد من معرفة فصلين أحدهما إذا اتفق أصحابنا في شيء، قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏ لا ينبغي للقاضي أن يخالفهم برأيه؛ لأن الحق لا يعدوهم فإن أبا يوسف كان صاحب حديث حتى روي أنه قال: احفظ عشرين ألف حديث من المنسوخ فإذا كان يحفظ من المنسوخ هذا القدر فما ظنك بالناسخ، وكان صاحب فقه ومعنى أيضا، ومحمد صاحب قريحة يعرف أحوال الناس وعاداتهم وصاحب فقه ومعنى، ولهذا قل رجوعه في المسائل، وكان مقدما في معرفة اللغة، وله معرفة في الأحاديث أيضا. وأبو حنيفة ﵀ كان مقدما في ذلك كله، إلا أنه قلت روايته لمذهب خاص له في باب الحديث، وهو أنه إنما تحل رواية الحديث عنده إذا كان يحفظ الحديث من حين سمع إلى أن يروى. ثم ذكر بعد ذلك طريقة الأخذ فيما إذا اختلف بعضهم عن بعض. ٨ - وقال (٢) أيضا في معرض بحثه نقض القاضي أحكام نفسه قال ما نصه

стр. 13361

وذكر القاضي أبو بكر الرازي الخلاف فيما إذا قضى بخلاف مذهبه، وقد نسيه فأما متى يحكم بخلاف مذهبه حال ذكر مذهبه لا يجوز حكمه بالإجماع. . أما إذا لم يكن للقاضي رأي وقت القضاء فقضى برأي غيره، ثم ظهر للقاضي رأي بخلاف ما قضى هل ينقض قضاؤه؟ قال محمد: ينقض قضاؤه؛ لأن رأيه في حق وجوب القضاء عليه بمنزلة النص؛ لأنه يوجب القضاء عليه كالنص، ولو قضى برأيه ثم تبين نص بخلافه ينقض قضاؤه، فكذلك هذا، وقال أبو يوسف لا ينقض.

стр. 13362

ب - المذهب المالكي: ١ - ويجب (١) على كل من الخليفة والقاضي إذا لم يكن مجتهدا مطلقا أن يحكم بالراجح من مذهب إمامه أو أصحاب إمامه، لا بمذهب غيره ولا بالضعيف من مذهبه، وكذا المفتي، فإن حكم بالضعيف نقض حكمه إلا إذا لم يشتهر ضعفه، وكان الحاكم به من أهل الترجيح وترجح عنده ذلك الحكم فلا ينقض، وإن حكم بغير مذهب إمامه لم ينفذ حكمه، لكن القول بأنه يلزمه الحكم بمذهب إمامه ليس متفقا عليه، حتى قيل ليس مقلده رسولا أرسل إليه، بل حكوا خلافا إذا اشترط السلطان عليه ألا يحكم إلا بمذهب إمامه، فقيل: لا يلزمه الشرط، وقيل: بل ذلك يفسد التولية، وقيل: يمضي الشرط للمصلحة. ٢ - وسئل (٢) القرافي هل يجب على الحاكم ألا يحكم إلا بالراجح عنده كما يجب على المجتهد ألا يفتي إلا بالراجح عنده، أو له أن يحكم بأحد القولين وإن لم يكن راجحا عنده؟ فأجاب قائلا: إن الحاكم إن كان مجتهدا فلا يجوز له أن يحكم أو يفتي إلا بالراجح عنده وإن كان مقلدا جاز له

стр. 13363

أن يفتي بالمشهور من مذهبه، وأن يحكم به وإن لم يكن - راجحا عنده مقلدا في رجحان القول المحكوم به إمامه الذي يقلده، كما يقلده في الفتيا، وأما اتباع الهوى في الحكم أو الفتيا فحرام إجماعا. . . إلخ. ٣ - جاء في الشرح الكبير والدسوقي ما ملخصه: ونقض القاضي ما تبين له خطؤه من أحكامه أو أحكام غيره، وبين السبب فهذا إما مطلقا أو مجتهد مذهب، وذلك فيما إذا خالف نصا قاطعا أو جليا كتاب أو سنة أو خالف إجماعا، وله أمثلة كثيرة منها ما لو خرج عن رأيه إذا كان مجتهدا وادعى أنه أخطأ فينقضه فقط. وأما لو ثبت ببينة أنه أخطاء أو بقرينة؛ فإنه ينقضه هو وغيره، أو خرج المقلد عن رأي إمامه خطأ وادعى أنه أخطأ وصار ما حكم به قول عام، وقد كان قاصدا الحكم بقول غيره، وكان مفوضا في الحكم بأي قول قوي من أقوال علماء مذهبه فينقضه فقط. وأما إن صادف حكمه قول غير عالم لم يقصد الحكم بقول عالم معين، أو قصد الحكم بقول عالم فحكم بغيره فينقض حكمه هو وغيره، وإن تجدد المماثل فالاجتهاد فيها مطلوب إن كان الحاكم مجتهدا، وإن كان مقلدا فلا يتعدى حكمه الأول أيضا إلى المماثل، بل يحكم بمثل ما حكم به أولا لحكمه بقول إمامه دائما إلا أن يكون من أهل الترجيح في المذهب فله مخالفة الأول، إن ترجح عنده مقابله.

стр. 13364

جـ - المذهب الشافعي: ١ - قال (١) النووي وجلال الدين المحلي: " ويحكم باجتهاده إن كان مجتهدا أو اجتهاد مقلده " بفتح اللام " إن كان مقلدا " بكسرها حيث ينفذ قضاء المقلد.

стр. 13365

٢ - وقال (١) قليوبي على قول النووي: " أو اجتهاد مقلده " أي المعتمد عند مقلده إن لم يكن هو متبحرا، وإلا فباعتماده ولا يجوز له الحكم بغير مذهبه. ٣ - وقال (٢) الرملي على قول النووي " مجتهد " قال: فلا يتولى جاهل بالأحكام الشرعية ولا مقلد - ومضى إلى أن قال: بعد بيان صفة المجتهد المطلق، اجتماع ذلك كله إنما هو شرط للمجتهد المطلق، الذي يفتي في جميع أبواب الفقه، أما مقلد لا يعدو مذهب إمام خاص فليس عليه غير معرفة قواعد إمامه، وليراع فيها ما يراعيه المطلق في قوانين الشرع، فإنه مع المجتهد كالمجتهد في نصوص الشرع، ومن ثم لم يكن له العدول عن نص إمامه. كما لا يجوز له الاجتهاد مع النص. ٤ - قال (٣) الإمام فخر الدين في كتابه ملخص البحر: لا يجوز لمفت على مذهب إمام أن يعتمد إلا على كتاب موثوق بصحته في ذلك المذهب، وأما المقلد فلا يجوز له الحكم بغير مذهب مقلده، إذا ألزمناه اتباعه. ذكره الغزالي واقتصر عليه في الروضة وغيرها، وقال ابن الصلاح: لا يجوز لأحد في هذا الزمان أن يحكم بغير مذهبه؛ فإن فعل نقض لفقد الاجتهاد. وكذا في أدب القضاء للغزي كلام ابن الصلاح ومرادهم بالمقلد من حفظ مذهب إمام ونصوصه لكن عاجز عن تقويم - وفي نسخة تقديم - أدلته غير عارف بغوامضه. اهـ بواسطة المنقور.

стр. 13366

د - المذهب الحنبلي: سبقت نقول عن ابن قدامة ﵀ وغيره من الحنابلة على هذه المسألة في أثناء الكلام على حكم التولية للمجتهد ومن ذكر معه، وفيما يلي نقول أخرى.

стр. 13367

١ - وعلى المقلد (١) أن يراعي ألفاظ إمامه ومتأخرها، ويقلد كبار مذهبه في ذلك ويحكم به، ولو اعتقد خلافه لأنه مقلد، ومخالفة المقلد في فتواه نص إمامه كمخالفة المفتي نص الشارع. وقال الشيخ تقي الدين: يحرم الحكم والفتيا بالهوى إجماعا، ويقول: أو وجه من غير نظر في الترجيح إجماعا، يجب أن يعمل بموجب اعتقاده فيما له أو عليه إجماعا. ٢ - فوائد (٢) ملخصها: لو أداه اجتهاده إلى حكم لم يجز له تقليد غيره إجماعا، وإن لم يجتهد لم يجز له أن يقلد غيره أيضا مطلقا على الصحيح من المذهب. قال ابن مفلح في أصوله: قاله أحمد وأكثر الصحابة. وعنه يجوز مع ضيق الوقت، وقيل: يجوز تقليد من هو أعلم منه وفي هذه المسألة للعلماء عدة أقوال غير ذلك، وليس لمن انتسب إلى مذهب إمام في مسألة ذات قولين أو وجهين أن يتخير فيعمل أو يفتي بأيهما شاء، بل إن علم بتاريخ القولين عمل بالمتأخر منهما. إذا وجد من ليس أهلا للتخريج بالدليل اختلافا بين أئمة المذهب في الأصح من القولين أو الوجهين، فينبغي أن يرجع في الترجيح إلى صفاتهم الموجبة لزيادة الثقة بآرائهم. الناظر المجرد يكون حاكيا لا مفتيا. إن كان الفقيه مجتهدا أو عرف صحة الدليل كتب الجواب عن نفسه، وإن كان ممن لا يعرف الدليل قال: مذهب أحمد كذا، ومذهب الشافعي كذا، فيكون مخبرا لا مفتيا. قال الشيخ تقي الدين ﵀ في الأخذ برخص المذهب وعزائمه طاعة غير الرسول ﷺ في كل أمره ونهيه وهو خلاف الإجماع، وقال أيضا إن خالفه لقوة الدليل وزيادة علم أو تقوى فقد

стр. 13368

أحسن ولا يقدح في عدالته بلا نزاع، وقال أيضا: بل يجب في هذه الحال وأنه نص الإمام أحمد ﵀ وهو ظاهر كلام ابن هبيرة. ٣ - ومن حاشية ابن قندس قوله (١): " فعلى هذا يراعي ألفاظ إمامه ومتأخرها ويقلد كبار مذهبه في ذلك " ظاهره وجوب مراعاة ألفاظ إمامه ووجوب الحكم بمذهب إمامه، وعدم الخروج عن الظاهر عنه، وهذا كله يدل على أنه لا يصح حكمه بغير ذلك لمخالفته الواجب عليه - إلى أن قال: وظاهر ما ذكره المصنف هنا وجوب العمل بقول إمامه والمنع من تقليد غيره، وظاهره ترجيح القول من منع تقليد غيره، وهذا هو اللائق لقضاة الزمان ضبطا للأحكام ومنعا من الحكم بالتشهي، فإن كثيرا من القضاة لا يخرجون من مذهب إمام بدليل شرعي، بل لرغبة في الدنيا وكثرة الطمع، فإذا ألزم بمذهب إمامه كان أضبط وأسلم، وإنما يحصل ذلك إذا نقض حكمه بغير مذهب إمامه، وإلا فمتى أبقيناه حصل مراد قضاة السوء ولم تنحسم مادة السوء، ويرشح ذلك بأن يقال هذه مسألة خلافية، فبعضهم ألزم بذلك وبعضهم لم يلزمه، والإمام إذا ولاه الحكم على مذهب إمامه دون غيره فهو حكم من الإمام بإلزامه بذلك فيرتفع الخلاف - إلى أن قال: وظاهره أن المقلد يجب عليه العمل بقول من يقلده، وهو إمامه، وأن لا يخرج عن قوله إلى أن قال: قال بعض أصحابنا: مخالفة المفتي إمامه الذي قلده كمخالفة المفتي نص الشارع. إلى أن قال: قال النووي في الروضة: فرع إذا استقضي مقلدا للضرورة فحكم بغير مذهب مقلده، قال الغزالي: إن قلنا لا يجوز للمقلد تقليد من شاء بل عليه اتباع مقلده نقض حكمه، وإن قلنا له تقليد من شاء لا ينقض - ثم قال: الذي تقرر أن مذهبنا إن الحاكم لا يجوز له الحكم بغير مذهبه بخلاف الشافعية، فيجوز أن يحكم بغير مذهب إمامه، قاله شيخنا.

стр. 13369

٤ - قال. شيخ الإسلام: وأولو الأمر صنفان " الأمراء والعلماء وهم الذين إذا صلحوا صلح الناس، فعلى كل منهم أن يتحرى بما يقوله ويفعله طاعة الله ورسوله، واتباع كتاب الله، ومتى أمكن في الحوادث المشكلة معرفة ما دل عليه الكتاب والسنة كان هو الواجب، وإن لم يمكن لضيق الوقت وعجز الطالب أو تكافؤ الأدلة عنده أو غير ذلك، فله أن يقلد من يرتضي علمه ودينه، هذا أقوى الأقوال، وقد قيل: ليس التقليد بكل حال، وقيل: له التقليد بكل حال، والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد.

стр. 13370

الخلاصة يتلخص من النقول المتقدمة ما يأتي: أولا: إن المجتهد المطلق هو من لديه قدرة على استنباط الأحكام من أدلتها بناء على أصول ارتضاها لنفسه وليس تابعا فيها لغيره، فكان بذلك أهلا للإفتاء والقضاء، وكان رأيه معتدا به في الوفاق والخلاف، وإذا ولاه إمام المسلمين أو نائبه القضاء وجب عليه أن يحكم بما وصل إليه باجتهاده فيما رفع إليه من القضايا، ونفذ فيه حكمه وارتفع به الخلاف في القضايا الاجتهادية التي حكم فيها. ثانيا: المجتهد المنتسب هو من انتمى إلى مجتهد مستقل لسلوكه طريقه في الاجتهاد من غير أن يكون مقلدا له في قوله أو في دليله، وحكمه حكم المجتهد المطلق في أهليته للقضاء والحكم في القضايا باجتهاده. . . إلى آخر ما تقدم في المجتهد المطلق. ثالثا: المقلد المتعلم هو المتبحر في مذهب إمامه، المتمكن من تقرير أدلته

стр. 13371

على ما عرف عن إمامه أو عن أصحابه العارف بمطلق الآراء في المذهب ومقيدها وعامها وخاصها وغامضها وواضحها، لكنه لم يبلغ درجة التخريج أو الترجيح وهذا يجوز أن يولى القضاء للضرورة، وعليه أن يحكم بالراجح في مذهب إمامه الذي انتسب إليه وعرف تفاصيل مذهبه، فإن فعل ذلك نفذ حكمه، وإن حكم بالضعيف في مذهب إمامه أو حكم بغير مذهب إمامه لم ينفذ حكمه لبطلانه، فإنه يعتقد صحة مذهب إمامه، وتقديم الراجح في مذهبه، فإذا حكم بخلاف ذلك كان حاكما بغير ما يعتقد فكان حكمه باطلا، وعليه أن يبين مستنده في جميع أحكامه، وقيل: لا يجور توليته القضاء، فإن قلده الإمام القضاء كانت توليته القضاء باطلة، وكان حكمه باطلا، وإن وافق الراجح في مذهب إمامه، وكانت التبعة في ذلك عليه لقبوله ما ليس أهلا له وعلى من ولاه لتوليته إياه، وذهب الماوردي وجماعته إلى جواز حكم المقلد بغير مذهب إمامه، وجمع بينهما الأذرعي بحمل كل من القولين على حال من أحوال المقلد. رابعا: مجتهد المذهب وهو من له قدرة على استنباط الأحكام من الأدلة الشرعية بناء على أصول الإمام الذي انتسب إليه، أو استنباطها من قواعد إمامه منصوصة أو مستنبطة من كلامه، أو استنباطها بالقياس على منصوصة لشبه معتبر بينهما، أو لعدم وجود فارق مؤثر، وله قدرة أيضا على الترجيح بين الروايات والأقوال والوجوه. وهذا بأنواعه له شبه بالمجتهد المطلق من ناحية قدرته على استنباط الأحكام في الجملة، وله شبه بالمقلد من ناحية وقوفه عند أصول إمامه والتزامه لطريقته في التخريج والترجيح، ولذا اختلف في حكم توليته القضاء، فمن غلب جهة شبهه بالمجتهد المطلق أجاز توليته القضاء، ولو مع وجود المجتهد المطلق فتصح ولايته ويقضي بما ترجح لديه من الآراء، وحكمه نافذ ورافع للخلاف فيما حكم فيه من القضايا، ومن غلب فيه جهة شبهه بالمقلد وسماه مقلدا وإن كان تقليده غير محض، لم يصحح ولايته إلا عند عدم وجود مجتهد مطلق، والمعتمد الأول عند كثير من الفقهاء ولكن ينبغي تولية الأمثل فالأمثل. خامسا: مجتهد الفتوى وهو من لديه قدرة على الترجيح بين الأقوال أو

стр. 13372

الروايات والوجوه المروية عن الإمام أو أصحابه ولا قوة له على التخريج على أقوالهم المعتبرة في المذهب، إلا ما كان قياسا مع عدم الفارق المؤثر، وما وضح اندراجه في قواعد المذهب وأصوله وما كان تفضيلا لقول مجمل ذي وجهين، وحكم محتمل لأمرين منقول عن إمام المذهب أو أحد أصحابه المجتهدين، فإنه يقوى على مثل ذلك. وهذا القسم وإن كانت في المرتبة دون من قبله من مجتهدي المذهب إلا أنه ملحق به في توليته القضاء وما يحكم به ونفاذ حكمه ورفعه للخلاف في القضية التي حكم فيها.

стр. 13373

الثاني: الدواعي إلى تدوين الراجح من أقوال الفقهاء وإلزام القضاة الحكم به لما كان علماء الصحابة والتابعين وتابعي التابعين من ذوي البصيرة وكمال الفقه في الشريعة والأمانة في الدين، وكانوا أبعد الناس عن اتباع الهوى ومواطن الريبة، ولم تكن شقة الخلاف بينهم واسعة، ولا التباين في الآراء كثيرا فاشيا وثق الناس بفتواهم، واطمأنت نفوسهم إلى قضائهم، ورضوا بحكمهم فيما شجر بينهم من نزاع في المعاملات، وبذلك انحلت مشاكلهم، ولم تداخلهم الريب والظنون، ولم يفكر أحد من العلماء أو الحكام، في تدوين أحكام تختار ليلزم القضاة بالحكم بها في قضايا النزاع والفصل على ضوئها في الخصومات. ولما ضعفت القريحة، وقصر النظر، وبعدت شقة الخلاف بين العلماء، وكثرت آراؤهم، وتباينت فتاواهم وأحكامهم في القضايا، وجدت الريبة في الأحكام، والشك في العلماء طريقا إلى القلوب وتسلطت الظنون على النفوس، ولهذا وغيره فكر بعض من يعنيهم الأمر في تدوين أحكام مختارة من آراء الفقهاء في المعاملات، يرجع إليها القضاة في أحكامهما ويلزم الحكم بمقتضاها منعا للاضطراب في الأحكام، وإزالة للأوهام والشكوك من نفوس المتحاكمين إلى المحاكم الشرعية، وقضاء على الظنون الكاذبة في الشريعة الإسلامية وفي علمائها، وتبرئة لها مما وصمت به زورا وبهتانا من أنها غير صالحة للفصل بها في

стр. 13374

الخصومات وحل مشاكل الناس، وحماية للأمة وحكومتها من العدول عن التحاكم إلى المحاكم الشرعية إلى التحاكم للقوانين الوضعية. وفيما يلي نقل في بيان الدواعي إلى تدوين أحكام فقهية وإلزام القضاة أن يحكموا بها. قال محمد سلام مدكور في بيان منشأ الضرورة إلى ذلك ودواعيه (١): الذي نراه أن منشأ ذلك إنما كان راجعا في عصورهم لشيء من الاضطراب في التطبيق القضائي؛ لعدم معرفة الحكم الواجب التطبيق مع تعدد الأحكام في المسألة الواحدة نتيجة اختلاف آراء المجتهدين، وذلك جدير أن يبلبل أفكار الناس، وألا يسير بهم في جادة مستقيمة ومشرع واضح للجميع، ولقد كان من آثار ذلك الاضطراب في الماضي واختلاف القضاة المجتهدين في أحكام المسألة الواحدة في البلد الواحد أن يضل الناس في شئون حياتهم، رغم تحريهم الهداية والرشاد، ولكن عدم معرفة الحكم الواجب التطبيق بينهم على سبيل التعيين في المسألة الاجتهادية جعلهم قاطبة عرضة للخطأ في نظر القضاء. ولعل هذا هو السر في أن كثيرا من الأصوليين والعلماء أقفلوا باب الاجتهاد سدا لذريعة الفوضى والاضطراب والحكم بالهوى المقنع بالاجتهاد ووجهة النظر، وكانوا محقين إذ ذاك حتى يغلق باب الشرور ويكون القاضي في أحكامه ملزما بأحكام مذهبه فلا يحيد عنه، وملزما للناس بها حتى يعرفوها. ويقدر كل إنسان في تصرفاته حكم تصرفه أمام القضاء بحيث يستطيع أن يفهم إن كان في تصرفه خروج على حكم القضاء أم لا، وقد ترتب على هذا بحث الفقهاء في تقييد القاضي بمذهب معين بل بالرأي الراجح من المذهب، كما بحثوا أمر تقييد السلطان لقضائه بالمذهب الذي ينبغي أن يستمد منه القاضي أحكامه، وقد كان هذا الاتجاه نواة وأساسا للتفكير في وضع الأحكام الشرعية في مواد

стр. 13375

قانونية محدودة واضحة ما أمكن لا يلتبس الناس غالبا في شيء من أمرها. إلى أن قال: أما القضاة فوظيفتهم هي تطبيق الأحكام الشرعية وتنفيذها بسلطان القضاء، ولا شك في أن الأحكام الواجبة التطبيق إذا كانت محدودة مبينة معروفة للقاضي وللمتقاضي كان ذلك أدعى إلى تحقيق العدالة والتيسير على الناس، وأكفل لتحقيق المساواة بينهم، وطمأنة نفوسهم بالنسبة للقضاء، فلم يكن بد من وضع الأحكام الشرعية القضائية في صيغ قانونية تتولاها طائفة من فقهاء الأمة من أهل الرأي والاجتهاد، وقد بينا عند الكلام عن الاجتهاد أن العصر لا يخلو منهم ثم تصبح قانونا واجب الاتباع والتنفيذ، ولا ضير في ذلك ما دامت هذه الأحكام مستمدة من الفقه الإسلامي بمختلف مذاهبه وآرائه، ومسايرة لمصالح الناس، ولا ضير في أن تعتبر هذه القوانين كالنصوص القطعية من ناحية عدم مخالفة القاضي لها وإلزامه باتباعها، فليس هناك مجال إذا لاجتهاد القاضي معها إلا في حدود ضيقة وهي عند وجود إبهام في انطباقها على بعض النوازل والأحداث، ومع هذا فإن العدل إذا كان مصدره هو النصوص التشريعية وما أجمع عليه من أحكام فإن القاضي عند التطبيق فيما يحتاج إلى اجتهاد يعتبر أيضا مصدرا من مصادر العدالة. اهـ. مما تقدم يتبين أن الدواعي إلى تدوين القول الراجح وإلزام القضاة به هي: ١ - وقوع أحكام اجتهادية متناقضة في قضايا متماثلة، أدت إلى اتهام القضاة باتباع الهوى فيما يقضون، أو برميهم بالقصور في علمهم أو تطبيقهم لما عرفوا من الأحكام الشرعية على ما رفع إليهم من القضايا الجزئية المتنازع فيها. ٢ - عدم وجود كتاب سهل العبارة في المعاملات يتعرف منه الناس أحكام المعاملات؛ ليراعوا تطبيقها ويوفقوا بينها وبين أعمالهم عند الإقدام حتى لا يقعوا فيما يعرضهم للحكم عليهم وإدانتهم إذا حصل النزاع ورفعت القضية للقضاء، وإضافة إلى ذلك يكون هذا الكتاب عونا للقضاة على أداء مهمتهم وأدعى إلى وحدة الأحكام وتناسقها بدلا من تضاربها.
следующие страницы →