← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 13511–13550 · переход к 13516.

стр. 13511

منافع دينية ومنافع دنيوية لا تدخل تحت حصر - ولهذا أجملها الله سبحانه ولم يحددها - ومنها ذكر الله في الأيام المعلومات والأيام المعدودات بالتكبير والتلبية والوقوف بعرفة والمزدلفة وذبح القرابين ورمي الجمار والطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة والمبيت بمنى والأكل والشرب من ضيافة الله في أيام التشريق، ومن منافع الحج العظيمة تعارف المسلمين حين التقائهم في تلك البقاع الطاهرة والمشاعر المقدسة في المسجد الحرام وفي صعيد عرفات وساحات مزدلفة وفج منى المبارك، يلتقون في زمن واحد، وفي مكان واحد، لأداء عبادة واحدة، لرب واحد: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (١). استمر الحج بعد إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام، ولكن مع تطاول الزمن دخله بعض التغيير في عهد الجاهلية، فكانوا يضمنون تلبيتهم الشرك بالله حيث يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك) فجعلوا لله شريكا من عبيده يأنفون ذلك لأنفسهم. فرد الله عليهم بقوله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢) وكانوا يطوفون بالبيت عراة ويرون أن ذلك طاعة أمر الله بها - فرد الله عليهم بقوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣). وأمر سبحانه باللباس وستر العورة في الصلاة والطواف وغيرهما فقال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٤) وكان سكان الحرم

стр. 13512

لا يقفون مع الناس في عرفة، وإنما يقفون في المزدلفة لأنهم بزعمهم من أهل الحرم ولا يجوز لهم الخروج منه فرد الله عليهم ذلك، وأمر بالوقوف بعرفة لجميع الحجاج فقال سبحانه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (١) فأعاد الله سبحانه الحج كما كان على ملة إبراهيم على يد محمد خاتم النبيين وعلى التوحيد الخالص وباللباس الساتر، والوقوف بالمشاعر، وأعلن ﷺ للناس قبل أن يحج بقوله: «لا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان (٢)» عملا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٣) وبقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٤) وهكذا يجب أن يكون البيت والحرم دائما وأبدا طاهرا مطهرا من الشرك والبدع؛ ليكون مباءة للتوحيد ومصدرا للعقيدة الصحيحة السليمة إلى سائر بقاع الأرض، فحج ﷺ في العام العاشر للهجرة بعدما طهر الله بيته من أوزار الشرك وعادات الجاهلية، وبذلك تمت أركان الإسلام وأنزل الله عليه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٥) (الآية ٣ / المائدة). أيها الإخوة: لقد أوجب الله الحج على الناس كافة وحكم بالكفر على من امتنع منه مع قدرته عليه فقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (٦) لقد جعله الله أحد أركان الإسلام وخامس مبانيه العظام، كما قال النبي ﷺ : «الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا (٧)» وقال ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء

стр. 13513

الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلا (١)». وبين ﷺ أن هذه الفريضة بالنسبة للأفراد تتمثل بأداء الحج مرة واحدة في العمر وما زاد عنها فهو تطوع. وذلك أنه ﷺ أمر بالحج فقال بعض أصحابه: أكل عام يا رسول الله فقال: «لا، الحج واحدة فمن زاد فهو تطوع (٢)» فالحج من العبادات العظيمة التي تؤدى جماعة في مواقيت مخصوصة هي أشهر الحج المعلومات، فالصلوات الخمس يتكرر الاجتماع لأدائها في اليوم والليلة خمس مرات في المساجد، والجمعة يتكرر الاجتماع لأدائها كل أسبوع في الجوامع الكبار، والحج يتكرر الاجتماع لأدائه كل عام في المسجد الحرام والمشاعر، وهكذا كل اجتماع أكبر من الآخر - وكلما كان الاجتماع أكثر وأشق كان تكرره أقل دفعا للمشقة والحرج. والحج وإن كان يؤدى في أيام معدودات كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (٣) إلا أن الله سبحانه وسع وقت الإحرام به حيث يقول سبحان: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٤) والمراد بهذه الأشهر - شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة. فإذا أحرم بالحج في هذه الأشهر صح إحرامه من غير خلاف. وإذا أحرم به في غيرها فمحل خلاف - ليس من غرضنا الآن الدخول في تفاصيله - إلا أننا نقول إن المسلم إذا أحرم بالحج فله حالة تختلف عما قبل الإحرام، وإن كانت كل أحوال المسلم ينبغي أن تكون على الاستقامة والتقى والسداد، إلا أنه بإحرامه ينتقل إلى حال أفضل، فإن المحرم يمنع من مزاولة أشياء كانت مباحة له في غير حالة الإحرام من أمور الرفاهية والتوسع، فيتعين على المحرم تجنب المحرمات العامة والمحرمات الخاصة بالإحرام، ولهذا قال سبحانه: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (٥).

стр. 13514

ومعنى (فرض) أحرم، عبر عن الإحرام بالفرض لينبه على أن المحرم يجب عليه أداء النسك الذي أحرم به، ولا يجوز له رفضه، وإن كان هذا النسك قبل الإحرام به ليس بواجب عليه. . ثم نهى سبحانه عن تعاطي الأمور التي تتنافى مع الإحرام من الأقوال والأفعال فقال سبحانه: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (١). وجاء هذا النهي بصيغة النفي ليكون آكد وأبلغ في الابتعاد عن هذه الأمور. والرفث معناه: الجماع ودواعيه من النظر والمباشرة والتحدث به، بل قد نهي حال الإحرام عن الخطبة وعقد النكاح، قال الإمام ابن كثير: أي من أحرم بالحج أو العمرة فليجتنب الرفث وهو الجماع. كما قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (٢). وكذا يحرم تعاطي دواعيه من المباشرة والتقبيل ونحو ذلك. وكذلك التكلم به بحضرة النساء. انتهى. والفسوق: جميع المعاصي فلا يجوز للمسلم فعلها في جميع الأحوال. ولكن نهي عنها المحرم خصوصا لأنها تؤثر على الإحرام، وإثمها فيه أشد، ولأن المفترض في المحرم أن يشتغل بالطاعات لا بضدها، ولأن الإحرام مظنة التوبة من المعاصي، فإذا فعلها المحرم دل على إصراره عليها وهذا ما يتنافى مع الغرض المطلوب من الإحرام، وقد فسر الفسوق بأنه فعل شيء من محظورات الإحرام. وفسر بأنه إتيان المعاصي في الحرم. وفسر بأنه السباب، وفسر بأنه الذبح للأصنام، ولا تنافي بين هذه التفاسير، فإن لفظ الفسوق يشملها كلها فهي من أفراد الفسوق، قال الإمام الشوكاني: ولا يخفى على عارف أن إطلاق اسم الفسوق على فرد من أفراد المعاصي لا يوجب اختصاصه به. انتهى. أقول: ومن أعظم الفسوق محاولة جعل موسم الحج وساحات المشاعر المقدسة مجالا للمهاترات والمظاهرات والهتافات والشعارات القومية وإحياء

стр. 13515

العنصريات الجاهلية والدعاية للأشخاص أو المذاهب أو رفع الصور للزعماء والرؤساء. فإن هذا فعل أهل الجاهلية حيث كانوا يجعلون موسم الحج مجالا للمفاخرة بآبائهم وأمجادهم وغاراتهم وثاراتهم، فنهى الله عن ذلك وأمر بذكره قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ (١) قال الإمام الشوكاني: لأن العرب كانوا إذا فرغوا من حجهم يقفون عند الجمرة فيذكرون مفاخر آبائهم ومناقب أسلافهم، فأمرهم الله بذكره مكان ذلك الذكر. انتهى. وأما الجدال فهو المخاصمة والمماراة والمنازعة وهو يشمل الجدال في موضع الحج كما كانوا في الجاهلية يختلفون في الموضع الذي يقفون فيه. فمنهم من يقف في عرفة ومنهم من يقف في المزدلفة ويشمل الجدال بمعنى المخاصمة التي توغر الصدور وتشغل عن ذكر الله، قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: وقوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (٢) أي يجب أن تعظموا الإحرام بالحج وخصوصا الواقع في أشهره، وتصونوه عن كل ما يفسده أو ينقصه من الرفث وهو الجماع ومقدماته والقولية، خصوصا عند النساء بحضرتهن. والفسوق وهو جميع المعاصي ومنها محظورات الإحرام. والجدال وهو المماراة والمنازعة والمخاصمة لكونها تنشر الشر وتوقع العداوة، والمقصود من الحج الذل والانكسار لله والتقرب إليه بما أمكن من القربات، والتنزه عن مقارفة السيئات فإنه بذلك يكون مبرورا، والمبرور ليس له جزاء إلا الجنة، وهذه الأشياء وإن كانت ممنوعة في كل زمان ومكان فإنه يتغلظ المنع منها في الحج. . انتهى.

стр. 13516

وأقول: ويستثنى من الجدال ما كان لبيان حق أورد على باطل فإنه واجب في الحج وغيره لقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) ثم لما نهى الله عن هذه الأشياء أمر بالاشتغال بالطاعة فقال: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ (٢) فحثهم على حسن الكلام مكان الفحش، وعلى البر والتقوى مكان الفسوق والجدال، لأنه لا يتم فعل الأوامر إلا بترك المنهيات، ولما كان الحج يحتاج إلى سفر وتنقلات وذلك يحتاج إلى نفقة ومؤنة أمر سبحانه بالاستعداد لذلك بأخذ الزاد والنفقة التي تمون تلك الاحتياجات حتى لا يحتاج الإنسان إلى ما بيد غيره. فقال سبحانه: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ (٣) وقد كان ناس يحجون بلا زاد ويقولون نحن المتوكلون فيصبحون عالة على غيرهم، فأمرهم الله بأخذ الزاد الذي يغنيهم، ولما أمر سبحانه باتخاذ الزاد الحسي لسفر الدنيا أمر باتخاذ الزاد المعنوي لسفر الآخرة فقال: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (٤) فمن ترك هذا الزاد انقطع عن الوصول إلى الجنة، وختم سبحانه الآية بقوله: ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبََابِ﴾ (٥) وهذا نداء عام لأصحاب العقول أن يتقوا الله في الحج وغيره. ولقد أمر الله بأداء الحج والعمرة خالصين له فقال سبحانه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٦) مما يدل على أن كل حج وعمرة لا يتوفر فيهما توحيد الله بالعبادة فليسا بمقبولين عند الله . ومن مظاهر هذا التوحيد في الحج: رفع الأصوات بعد الإحرام بالتلبية لله، ونفي الشريك عنه، وإعلان انفراده بالحمد والنعمة والملك: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك) يرددها الحجاج بين كل فترة وأخرى حتى يشرعوا في أداء المناسك.

стр. 13517

ومن مظاهر هذا التوحيد في الحج: أن أعظم الذكر الذي يقال في يوم عرفة: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) (١). كما قال النبي ﷺ : «خير الدعاء دعاء عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير (٢)». فهذا إعلان في هذا المجمع العظيم وفي هذا اليوم المبارك لتوحيد الله بالعبادة من خلال النطق بهذه الكلمة وتكرارها لأجل أن يستشعر الحاج مدلولها ويعمل بمقتضاها؛ فيؤدي أعمال حجه خالصة لله من جميع شوائب الشرك. ومن مظاهر توحيد الله في الحج: أن الله أمر بالطواف ببيته فقال تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٣) مما يدل على أن الطواف خاص بهذا البيت فلا يجوز الطواف ببيت غيره على وجه الأرض، لا بالأضرحة ولا بالأشجار والأحجار. ومن هنا يعلم الحاج أن كل طواف بغير البيت العتيق فهو باطل، وليس عبادة لله ، وإنما هو عبادة لمن شرعه وأمر به من شياطين الإنس والجن. . ومن مظاهر توحيد الله في الطواف بالبيت العتيق: أن الطائف حين يستلم الركن اليماني والحجر الأسود يعتقد أنه يستلمهما لأنهما من شعائر الله فهو يستلمهما طاعة لله واقتداء برسوله ﷺ ، ولهذا قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ حينما استلم الحجر وقبله: والله إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر. ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك. ومن هنا يعلم المسلم أنه لا يجوز التمسح بشيء من الأبنية والأحجار إلا بالركن اليماني والحجر الأسود، فلا يتمسح بجدران الأضرحة ولا بغيرها، لأن ذلك مخالف لشرع الله ولأنها ليست من شعائر الله.

стр. 13518

ومن مظاهر توحيد الله في الحج: أن الحاج حينما يفرغ من الطواف ويصلي الركعتين فإنه يقرأ في الأولى بعد الفاتحة سورة الكافرون وفي الثانية يقرأ سورة الإخلاص، لما تشتمل عليه هاتان السورتان من توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، ففي السورة الأولى البراءة من دين المشركين وإفراد الله بالعبادة. وفي السورة الثانية إفراد الله بصفات الكمال وتنزيهه عن صفات النقص، وبذلك يعرف العبد ربه ويخلص له العبادة ويتبرأ من عبادة ما سواه من خلال هذا الدرس العملي العظيم. ومن مظاهر توحيد الله في السعي بين الصفا والمروة: أن العبد يسعى بينهما امتثالا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (١). ومن ذلك يتعلم المسلم أنه لا يحل السعي في أي مكان من الأرض إلا بين الصفا والمروة؛ لأنهما من شعائر الله وأن السعي بينهما إنما هو بأمر الله، فكل سعي في مكان غيرهما فليس عبادة لله، لأنه سعي بغير أمره وبغير شعائر. ومن مظاهر توحيد الله في الحج: ما شرعه الله في يوم العيد وأيام التشريق. قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (٢) وذكر الله في هذه الأيام يتجلى في الشعائر العظيمة التي تؤدى في أيام منى، من رمي الجمار، وذبح الهدي، وأداء الصلوات الخمس في هذا المشعر المبارك والأيام المباركة، كل هذه الأعمال ذكر لله . فرمي الجمار ذكر لله، ولهذا يقول المسلم عند رمي كل حصاة: (الله أكبر)، وذبح الهدي ذكر لله كما قال تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (٣).

стр. 13519

وقال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١) ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢) ومن هنا يتعلم المسلم أن الذبح عبادة لا يجوز صرفها لغير الله فلا يجوز أن يذبح لقبر ولا لولي أو أي مخلوق، لأن الذبح عبادة وصرف العبادة لغير الله شرك. ومن مظاهر العبادة في الحج: أن الله أمر بذكره أثناء أداء مناسكه وبعد الفراغ منه ونهى عن ذكر غيره من الرؤساء والعظماء الأحياء والأموات، وعن المفاخرة في الأحساب والأنساب. فقال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ (٣) ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ (٥) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٦) ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٧) ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (٨) إن الحج ليس رحلة استطلاعية أو متعة ترفيهية أو مجرد مظاهر وشعارات، ولكنه دروس وعبر وتعليم عمل للعقيدة الصحيحة ونبذ للعقائد الجاهلية. لقد شرع الله الاستغفار في ختام الحج وغيره من العبادات ليجبر ما يقع من نقص وخلل، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٩) كما شرع الله الاستغفار في ختام قيام الليل قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (١٠) ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (١١) فلنستغفر الله في ختام حجنا وفي ختام جميع أعمالنا وأعمارنا، لعل الله أن يغفر لنا خطايانا ويكفر عنا سيئاتنا. . وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 13520

الدعوة إلى الله مكانتها وكيفيتها وثمراتها الدكتور صالح بن فوزان الفوزان (١) الحمد لله رب العالمين، أمر المسلمين بأن تكون منهم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد خير من دعا إلى الله وبشر وأنذر، وعلى آله وأصحابه الذين قاموا بنشر هذا الدين عن طريق الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله حتى تحقق وعد الله بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (٢) أما بعد: فإنني بحول الله سأتناول في كلمتي هذه ما تيسر من بيان الدعوة إلى الله من حيث: ١ - أهميتها ومكانتها في الإسلام. ٢ - كيفية الدعوة ومجالاتها. ٣ - الصفات التي يجب أن يتحلى بها الداعية إلى الله. ٤ - ثمرة الدعوة إلى الله ونتائجها. وأسأل الله أن يوفقني وجميع المسلمين لقول الحق والعمل به، وأن يجعل من هذه الكلمة إسهاما في أداء الواجب وخطوة في طريق الخير.

стр. 13521

تعريف الدعوة إلى الله الدعوة والدعاء لغة: الطلب. والدعاء إلى الشيء: الحث على قصده، والدعوة إلى الله - هي طلب الإيمان به وعبادته وحده لا شريك له والعمل بطاعته وترك معصيته، فإن الله سبحانه خلق الخلق لعبادته كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ (٢) ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٣) وهذا مقتضى العقول والفطر السليمة، فإن العبادة لا يستحقها إلا الذي يقدر على الخلق والرزق. كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ (٥) ولما كانت الفطر قد تتغير فينحرف بعض المخلوقين إلى عبادة غير الله بحكم التربية السيئة أو البيئة الفاسدة أو بسبب دعاة السوء من شياطين الإنس والجن، كما قال ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه (٦)» وقال ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال: «خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن فطرتهم (٧)» وقد أمر الله بالهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام من أجل مفارقة البيئة الفاسدة، لما كانت هذه العوامل هي سبب ضلال الخلق مع تأثير النفوس الأمارة بالسوء، أمر الله بالدعوة إلى الله لرد الشاردين وتعليم الجاهلين وتذكر الغافلين فأنزل كتبه وأرسل رسله من أجل الدعوة إليه، ودعا عباده إلى الرجوع إليه بهما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ (٨). ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ (٩). ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (١٠).

стр. 13522

وجاءت النداءات المتكررة منه سبحانه في كتابه الكريم (يا أيها الناس - يا أيها الذين آمنوا - يا عباد) يدعوهم إلى الخير وينهاهم عن الضر.

стр. 13523

١ - أهمية الدعوة ومكانتها في الإسلام منذ حصل الانحراف في البشرية عن عقيدة التوحيد في قوم نوح - والله سبحانه يرسل الرسل لدعوة الخلق إلى التوحيد والإيمان كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١) وبين مهمتهم في قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٢)، ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ (٣). ولما كانت هذه الأمة المحمدية وارثة الرسالات والكتب السماوية بما جعل الله نبيها خاتم الرسل ومبعوثا للناس كافة، وجعل كتابها المهيمن على الكتب وجعلها وارثة هذا الكتاب العظيم كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ (٤) فإنها يجب عليها نحو البشرية أكثر مما يجب على غيرها ممن سبقها من الأمم لما أعطاها الله من الإمكانيات العظيمة التي لم تعطها أمة غيرها، بل هي المسئولة الوحيدة عن القيام بدعوة البشرية وتبليغها دعوة الله، وجهاد من لم يقبل هدى الله أو صد عن سبيل الله. كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٦) وقد كلف الله رسول هذه الأمة

стр. 13524

محمدا ﷺ بدعوة البشرية كلها. قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (١). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢) ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٤) وقد كلفت هذه الأمة بما كلف به رسولها ﷺ من القيام بدعوة البشرية إلى الله قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ (٥). قال الحافظ ابن كثير ﵀: يقول تعالى لرسوله ﷺ إلى الثقلين: الإنس والجن آمرا له أن يخبر الناس أن هذه سبيله: أي طريقته ومسلكه وسنته وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك ويقين وبرهان، هو وكل من اتبعه يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ على بصيرة ويقين وبرهان عقلي وشرعي اهـ. فالدعوة إلى الله تعالى واجبة على هذه الأمة وحق للبشرية عليها، وهذا الوجوب يكون فرض كفاية إذا قام به من يكف من الأمة سقط الإثم عن الباقين، وإن لم يقم به أحد أو قام به من لا تحصل به الكفاية أثم كل أفراد الأمة ممن عنده الاستطاعة قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٦). قال الحافظ ابن كثير ﵀: والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبا على كل فرد من الأمة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم

стр. 13525

يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (١)». وفي رواية: «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل (٢)» انتهى. وأخبر أن الدعاة إلى الله هم أحسن الناس قولا، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣). قال الحافظ ابن جرير ﵀: يقول تعالى ذكره: ومن أحسن أيها الناس ممن قال ربنا الله ثم استقام على الإيمان به والانتهاء إلى أمره ونهيه، ودعا عباد الله إلى ما قال وعمل به من ذلك. وقال الإمام الشوكاني: والأولى حمل الآية على العموم كما يقتضيه اللفظ، فكل من جمع بين دعاء العباد إلى ما شرعه الله وعمل عملا صالحا وهو تأدية ما فرض الله عليه مع اجتناب ما حرمه الله عليه، وكان من المسلمين دينا لا من غيرهم فلا شيء أحسن منه، ولا أوضح من طريقته، ولا أكثر ثوابا من عمله. . انتهى. إن الدعوة إلى الله تعالى لها مكانة عظيمة في الإسلام فهي أعظم المهمات التي بعث من أجلها الرسول ﷺ وكلف بها هو وأتباعه قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٤) والدعوة إلى الله تسبق القتال في سبيل الله فقد كان ﷺ يدعو الكفار إلى الله قبل أن يقاتلهم، وكان يوصي قواده وجيوشه وسراياه أن يبدءوا عدوهم بالدعوة قبل القتال فإن استجابوا قبلوا منهم وإلا قاتلوهم. إن الدعوة إلى الله في هذا الزمان تشتد الحاجة إليها بسبب كثرة التضليل والإلحاد ونشاط دعاة الشر والفساد والإباحية واستخدامهم مختلف الوسائل، فها هم دعاة التنصير ينتشرون في العالم ويلجون في الأدغال النائية ويستغلون جهل الشعوب وفقرها لبث شرهم، وها هي أحكام القرآن تنحى وتجعل بديلا عنها الأحكام القانونية في غالب الدول الإسلامية، ووسائل الإعلام في أغلب

стр. 13526

دول العالم تبث سمومها مستخدمة هذه الوسائل المرئية والمسموعة والمقروءة، وأخطر من ذلك نشاط الفرق الضالة التي تتسمى بالإسلام وهي تكيد له من داخله بالتشكيك في أصوله، ومعاداة السنن وأهلها، ونشر البدع والخرافات وبغض الصحابة والابتعاد عن عقيدة السلف، فأصبح المسلمون مهددين من الداخل والخارج مما يتطلب من الدعاة المخلصين ومن علماء المسلمين مضاعفة الجهود لمقاومة هذه الجيوش الزاحفة على الإسلام وأهله؛ لرد كيدهم في نحورهم، وتبصير المسلمين بدينهم، وبيان كيد عدوهم، ويوم يتنبه دعاة الإسلام لصد هذا الهجوم فإن النصر بإذن الله سيكون حليفهم فإن معهم الحق، والله تعالى يقول: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (١). ويقول تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (٢) ويكفينا قدوة ما قام به رسول الله ﷺ لما بعثه الله رسولا من مقاومة جحافل الشرك والكفر والطغيان، فقد كان الشرك والكفر حين بعثته يعم وجه الأرض، حتى جللت الأصنام الكعبة المشرفة، فكان فوقها ثلاثمائة وستون صنما، والصور تكسو حيطانها من الداخل، فما زال ﷺ يدعو إلى الله ويجاهد المشركين إلى أن دخل مكة عام الفتح، واتجه إلى الكعبة فأزال ما عليها وما حولها من الأصنام، وجعل يطعن فيها بالقضيب وهي تتهاوى على وجوهها وهو يقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا إن في هذا درسا للدعاة اليوم وهم يواجهون تحديات الكفر والإلحاد في أن يضاعفوا الجهود في دعوتهم، ويصبروا ويصابروا، والنصر قريب بإذن الله. قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٤).

стр. 13527

٢ - كيفية الدعوة ومجالاتها ١ - أما كيفية الدعوة فيجب على الداعية إلى الله أن يصلح نفسه أولا ومحيطه من أهل بيته وأقاربه، ثم يتجه إلى دعوة الناس. قال تعالى عن نبيه شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (٢). وقال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٣) قال الإمام العلامة ابن القيم ﵀ في زاد المعاد (٣/ ١٥٨): أول ما أوحى إليه ربه ﵎ أن يقرأ باسم ربه الذي خلق. وذلك أول نبوته فأمره أن يقرأ في نفسه ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ. ثم أنزل عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ (٤) ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ (٥) فنبأه بقوله: (اقرأ) وأرسله بقوله: (يا أيها المدثر) ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين، ثم أنذر قومه، ثم أنذر من حولهم من العرب، ثم أنذر العرب قاطبة، ثم أنذر العالمين. انتهى. ومن هنا نعلم أن الدعاة الذين يتجاوزون بلادهم ومن حولهم، بل يتجاوزون أهل بيوتهم وأقاربهم، وهم على الشرك والكفر أو المعاصي، ويذهبون في محيط بعيد عنهم أنهم مخالفون لهدي النبوة في الدعوة. وعلى الداعية أن يبدأ بالأمور المهمة، فيبدأ أولا بإصلاح العقيدة؛ لأنها هي الأساس الذي تنبني عليه سائر الأعمال، فالأعمال مهما بلغت إذا لم تكن مبنية على عقيدة صحيحة سليمة من الشرك فإنها لا قيمة لها ولا فائدة منها، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٦) ومن هنا كانت دعوات الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - أول ما تتجه إلى إصلاح العقيدة بالدعوة إلى التوحيد وترك الشرك.

стр. 13528

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١) وكل نبي يقول لقومه أول ما يدعوهم: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (٢) وهكذا كانت دعوة نبينا محمد ﷺ ، فقد لبث ثلاث عشرة سنة في مكة قبل الهجرة يدعوهم إلى التوحيد وينهاهم عن الشرك، قبل أن يأمرهم بصلاة أو زكاة أو صيام أو حج، مما يدل على أن منهج الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - في الدعوة منهج واحد، وهو البداءة بالدعوة إلى التوحيد والنهي عن الشرك، ثم إلى بقية الأحكام، وحتى لو كان المجتمع إسلاميا فإنه لا يخلو من وجود أنواع من الشرك في بعض الناس وبعض البلاد، بسبب الجهل وبسبب انتشار المشعوذين والدجالين الذين يحاولون إفساد عقائد الناس، وفي مجتمعنا المعاصر كما تعلمون الكثير والكثير من أنواع الشرك الأكبر المتمثل بعبادة الأضرحة في كثير من البلاد الإسلامية، ولم يتجه إلى إنكاره إلا قليل من الدعاة على كثرتهم، وهذا خلل عظيم في منهج الدعوة. ثم على الدعاة كذلك أن يهتموا بإنكار البدع المحدثة في العبادات، وبتعليم الناس السنن الصحيحة - لأن البدع من أعظم ما يفسد الدين بعد الشرك - فالمبتدع يشرع في الدين ما لم يأذن به الله، والبدع كلها مرفوضة مردودة على أصحابها مهما أتعبوا أنفسهم وأنفقوا أموالهم وضيعوا أوقاتهم في إقامتها، قال ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٣)» وقال: «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة (٤)» فعلى الدعاة أن يهتموا بدعوة الناس إلى إحياء السنن وترك البدع وإماتتها - فهذا من أعظم مجالات الدعوة. ثم بعد ذلك يتجه الدعاة إلى الدعوة إلى أداء الفرائض وترك المعاصي

стр. 13529

والمحرمات وتصحيح المعاملات؛ لأن المعاصي سبب لهلاك العباد والبلاد قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١) ووجود الدعاة والمصلحين أمان من العذاب والهلاك قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (٢) وعدم وجود الدعاة والمصلحين سبب الهلاك. وعلى الدعاة أن يراعوا أحوال المدعوين، فالجاهل له معاملة في الدعوة والعالم له معاملة والمعاند له معاملة، فيعاملوا كلا بما يليق به، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣) وذلك أن المدعو له حالات يعامل في كل حالة بما يناسبها: الحالة الأولى: أن يكون جاهلا بالحق ولو بين له لأخذ به، فهذا يدعى بالحكمة واللين واللطف والرأفة. الحالة الثانية: من إذا بين له الحق لم يسرع لقبوله والعمل به، بل يكون عنده كسل وفتور، فهذا يحتاج مع البيان إلى موعظة بأن يخوف ويبين له ثواب المطيعين وعقاب العاصين. الحالة الثالثة: من إذا بين له الحق لم يقبله، وحاول رده بالشبهات، فهذا يجادل بالتي هي أحسن لكشف شبهاته وبيان خطئه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢/ ٤٥): الناس ثلاثة أقسام: إما أن يعترف بالحق ويتبعه فهذا صاحب الحكمة. وإما أن يعترف به لكن لا يعمل به، فهذا يوعظ حتى يعمل. وإما ألا يعترف به فهذا يجادل بالتي هي أحسن؛ لأن الجدال في مظنة الإغضاب فإذا كان بالتي هي أحسن حصلت منفعته بغاية الإمكان كدفع الصائل. . انتهى. وقال الإمام ابن القيم في مفتاح دار السعادة: جعل الله مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق، فالمستجيب القابل الذكي الذي لا يعاند الحق ولا يأباه يدعى بطريق الحكمة - والقابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر يدعى بالموعظة

стр. 13530

الحسنة - وهي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب - والمعاند الجاحد يجادل بالتي هي أحسن. انتهى. وهذا لأن الداعية كالطبيب يراعي حالة المريض في علاجه له. ٢ - وأما مجالات الدعوة فهي كثيرة يجب أن تستغل كلها وتشغل بالدعوة إلى الله، منها: ١ - مجال التعليم سواء كان على نظام الحلق في المساجد أو على نظام الفصول الدراسية، فالمدرس يجب أن يكون داعية إلى الله بالقول والعمل والقدوة الحسنة، ولا يقتصر عمله على إلقاء درسه فقط، فإن الطالب يتأثر بمدرسه ويقبل منه، ويقتدي به أكثر من غيره، فليستغل المدرسون هذا الانقياد من طلابهم فيقودوهم إلى الخير، ويذودوهم عن الشر. ٢ - إمامة المسجد وخطبة الجمعة، وهما مجال واسع ومتكرر يوميا وأسبوعيا يستطيع من خلاله الإمام والخطيب أن يوجه وينبه وأن يدعو إلى الله على بصيرة، وكان غالب تعليمات الرسول ﷺ توجه إلى الناس بعد الصلوات وفي خطب الجمعة، فلو استغل هذا المجال استغلالا حسنا لأثمر خيرا؛ لأن الناس يجتمعون في بيت من بيوت الله بقلوب مؤمنة متطلعة إلى التوجيه والتعليم، ومن هنا يجب أن يكون الإمام والخطيب على مستوى طيب من العلم والرغبة في الدعوة والتوجيه؛ لينفع الله به، فيجب أن يختار للإمامة من هو على هذا المستوى. ٣ - موسم الحج - هذا الموسم العظيم الذي يجتمع فيه المسلمون من جميع أقطار الأرض في مكان واحد مما يوفر على الدعاة كثيرا من عناء السفر إلى مشارق الأرض ومغاربها، ويتيح لهم الفرصة أن يلتقوا بأكبر عدد ممكن من المدعوين، ولا شك أن الحجاج يتقبلون التوجيه أكثر من غيرهم، لأنهم جاءوا بقلوب مؤمنة متطلعة إلى الخير والتوجيه الحسن، وقد كان النبي ﷺ يأتي إلى الحجاج في منازلهم فيعرض دعوته عليهم، وكان يلقي خطبه في عرفات وأيام التشريق.

стр. 13531

٤ - في الدوائر الحكومية والأعمال الوظيفية، فيجب على رئيس الدائرة والمصلحة الحكومية أن يسهم في الدعوة في محيط منسوبيه، بأن يوجه من يحتاج إلى توجيه في دينه، ويتفقدهم عند حضور الصلاة، ويناقش من يتخلف منهم، فليس هو مسئولا عنهم في الأعمال الوظيفية فقط، بل هو مسئول عنهم من الناحية الدينية في الدرجة الأولى. قال ﷺ : «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته (١)»، وكذلك الموظف مع زملائه، ومع رئيسه يجب عليه أن يقوم بالمناصحة والدعوة. قال النبي ﷺ : «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله، قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (٢)». وهذا نبي الله يوسف ﵊ لما دخل السجن صار يدعو السجناء إلى الله ويقول: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهََّّارُ﴾ (٣) ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٤). وهكذا المؤمن في كل مجال يجب أن يدعو إلى الله كلما سنحت فرصة وحصلت مناسبة. ٥ - في أمكنة التجمعات العامة، فيجب على الداعية أن يغشى التجمعات العامة في المساجد والمدارس ومدرجات الجامعات والنوادي وتجمعات الأسواق بالدعوة إلى الله من خلال هذه التجمعات. ٦ - من خلال وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة - فيجب على الداعية أن يسهم في البرامج الدينية في الإذاعة، ويكتب في الصحف والمجلات الهادفة؛ لأن هذه الوسائل تغزو كل مكان، وتدخل كل بيت وتصاحب المسافر والسائر في الطريق، فيجب أن تحمل الدعوة إلى الله والتوجيه

стр. 13532

الصالح، وإذا تركت استغلها أهل الشر فأصبحت معاول تدمير وفتنة. ٧ - يجب على أفراد البعثات الدراسية والدبلوماسية في الخارج أن يمثلوا الإسلام أمام البلاد الخارجية تمثيلا صحيحا في أقوالهم وأفعالهم وأخلاقهم، وأن يكونوا دعاة صادقين لدينهم وأمتهم حتى يعرف من يسمعهم ويراهم رسالة الإسلام على الوجه الصحيح، فإن الناس ينظرون إليهم ويعتبرون ما يصدر عنهم هو التطبيق العملي للإسلام. ٨ - تجب مناصحة ولاة الأمور بما فيه الخير لهم ولرعيتهم وبما يعينهم على القيام بمهامهم. قال ﷺ : «الدين النصيحة (١)» ثلاث مرات «قالوا: لمن يا رسول الله قال: لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم (٢)».

стр. 13533

الصفات التي يجب أن يتحلى بها الداعية إلى الإسلام لما كانت الدعوة إلى الله منصبا جليلا وجب ألا يتقدم للقيام به إلا من توفرت فيه شروط، وتحلى بصفات تليق بهذا المنصب ومنها: ١ - أن يكون على علم بما يدعو إليه. قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ (١) فالرسول ﷺ يدعو إلى الله على بصيرة، وأتباعه يدعون إلى الله على بصيرة. والبصيرة هي العلم، فلا بد للداعية من العلم بما يشرع وما لا يشرع بأن يميز بين السنة والبدعة والحسنة والسيئة، والحلال والحرام، وأن يعرف الشرك والتوحيد، وما هو الكفر والفسوق والعصيان حتى يعامل المدعوين بحسب ما عندهم من الخلل، فهو يحتاج إلى العلم الذي يستطيع به إقناع المعارض وإفحام المناظر ودحض الشبهة. لأن الله تعالى يقول: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) وقال النبي ﷺ لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: «إنك تأتي قوما

стр. 13534

من أهل الكتاب (١)» نبهه على ذلك ليتهيأ لمناظرتهم ويعد الأجوبة الصائبة لامتحانهم له؛ لأنهم أهل علم سابق بخلاف المشركين وعبدة الأوثان الذين لا علم عندهم. ومخاطبة العالم ليست كمخاطبة غيره، فالجاهل لا يصلح أن يكون داعية لأنه يهدم ولا يبني، ويفسد ولا يصلح، ويقف عند أدنى شبهة وينقطع عند أدنى خصومة، فلا يحصل المقصود. أو يتكلم بجهل أو يحكم بغير علم، والله تعالى قد حرم القول عليه بلا علم وجعله عديلا للشرك، وقد انتمى إلى الدعوة اليوم أناس لا علم عندهم فنخشى أن يحدثوا آثارا سلبية، فالواجب أن يقفوا عند حدهم ولا يدخلوا فيما ليس من اختصاصهم، وأن يستبدلوا بأهل العلم والبصيرة. ٢ - على الداعية أن يكون عاملا بما يدعو الناس إليه من الخير؛ لأن الناس ينظرون إلى عمله قبل أن يستمعوا إلى قوله، وقد ذكر الله سبحانه عن نبيه شعيب ﵇ أنه قال لقومه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ (٢). قال شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: يفهم من هذه الآية الكريمة أن الإنسان يجب عليه أن يكون منتهيا عما ينهى عنه غيره مؤتمرا بما يأمر به غيره، وقد بين سبحانه ذلك في مواضع أخر كقوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ (٣) الآية. وقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٤) وفي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد ﵄ أن النبي ﷺ قال: «يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فيتجمع عليه أهل النار فيقولون يا فلان ألست كنت تأمرنا

стр. 13535

بالمعروف وتنهانا عن المنكر. فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه (١)» وقد قال الشاعر: لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم ٣ - على الداعية أن يكون مخلصا لله في دعوته لا يريد بها رياء ولا سمعة ولا مدحا من الناس ولا إظهارا لنفسه. وإنما يريد إظهار دين الله وإعلاء كلمته، ونفع المدعوين وهدايتهم إلى الخير وهذا يؤخذ من قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) سورة يوسف آية ١٠٨. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: فيها التنبيه على الإخلاص لأن كثيرا ولو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه - يعني أنه يريد الظهور والمدح من الناس، وهذا ينافي الإخلاص. ٤ - على الداعية أن يتحلى بالصبر والحلم لأنه سيتعرض في سبيل الدعوة لمشاق وسيواجه صعوبات، وما لم يتحل بالصبر والحلم فإنه سيقف في أول الطريق. ولهذا لما أمر الله نبيه محمد بالدعوة أمره بالصبر فقال: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ (٣). وقال لقمان لابنه: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٤). ٥ - على الداعية أن يوقن بأن العاقبة الحميدة للحق ولو تأخرت، ولا يقنط ولا ييأس من حصول النتائج الحميدة، ولو على الأقل إقامة الحجة وبراءة الذمة. كما ذكر الله سبحانه عن الذين أنكروا على أصحاب السبت فعلتهم الشنيعة وقال لهم من قال: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٥). قال الإمام الشوكاني ﵀: أي موعظتنا معذرة إلى الله حتى لا يؤاخذنا بترك الأمر

стр. 13536

بالمعروف والنهي عن المنكر اللذين أوجبهما الله علينا، ولرجاء أن يتعظوا فيتقوا ويقلعوا عما هم فيه من المعصية.

стр. 13537

ثمرة الدعوة إلى الله ونتائجها لا شك أن كل عمل من أعمال الخير لا بد أن تكون له آثار طيبة ونتائج حميدة، والدعوة إلى الله من أجل أعمال الخير، وهي وظيفة الرسل وأتباعهم، فلها آثار حميدة منها: امتثال أمر الله تعالى بقوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ (١) وبقوله: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ (٢) قوله: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (٣). . والأمر للرسول ﷺ أمر لأمته ما لم يدل دليل على اختصاصه به، فكما أنه ﷺ مأمور بالدعوة فأمته مأمورة بذلك، بل قد أمرها الله بذلك في قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ (٤). ومنها الاقتداء برسول الله ﷺ كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٥) فأتباع الرسول يدعون إلى الله على بصيرة كما دعا الرسول ﷺ إلى الله على بصيرة، ومن لم يدع كان اتباعه ناقصا، ومنها: تبليغ دين الله إلى الناس وقد أمرنا النبي ﷺ بذلك فقال: «بلغوا عني ولو آية (٦)». ومن لم يبلغ ما علمه من دين الله كان كاتما، وقد توعد الله الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى باللعنة. ومنها هداية من أراد الله هدايته بسبب الدعوة وحصول الأجر العظيم لما دعاه، كما قال ﷺ : «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا (٧)».

стр. 13538

ومن لم يقبل الدعوة قامت عليه الحجة واستحق القتال. وفي الختام أسأل الله أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، وينصر أولياءه، ويخذل أعداءه، ويهدي ضال المسلمين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 13539

مخطوطة "حجة التحذير في المنع من لبس الحرير " تأليف عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب ١١٩٣ - ١٢٨٥ هـ بتحقيق الوليد بن عبد الرحمن بن محمد آل فريان مقدمة . . . ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ (١) اللهم واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها قابليها، وأتمها علينا (٢). ليس باستطاعة أي إنسان كائنا من كان أن يحيط بنعم الله، وهو يتقلب في أفيائها المتصلة المتدفقة الشاملة لأدق تفاصيل حياته اليومية ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ (٣) غير أن النعمة موصولة بالشكر، والشكر معلق بالمزيد، وهما مقرونان في قرن (٤). فالشكر إلى جانب كونه عبادة من أعظم العبادات كما قال تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٥) وأجره مدخر لصاحبه كما قال: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ (٦). فهو سبب أساس في زيادة النعم

стр. 13540

واستمرارها ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (١). وسبب أيضا في صرف غضب الله ونقمته ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ (٢). ولا يقتصر الشكر على النطق باللسان فحسب، وإنما المداومة على الطاعات، كما كان ﷺ يفعل دون ملل أو ضجر، حتى إنه كان يقول لمن لامه على كثرة القيام والتهجد: «أفلا أكون عبدا شكورا (٣)». وظهور أثر النعمة على العبد كما قال ﷺ : «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده (٤)». واستخدامها فيما يرضي الله، أو فيما أباحه دون تخط للحدود أو تطاول على الشرع ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ (٥) ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (٦) ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٧) كلها مظاهر أصيلة تعبر عن الشكر. وحين يذهب الإنسان إلى استثمار نعم الله في معاصيه، فقد أخل إخلالا عظيما بواجب الشكر، وكفر النعمة. وهناك مع الأسف بين المسلمين - ممن أفاء الله عليهم - من ينفق أمواله في وجوه السرف والمخيلة والتباهي، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٨) ويقول: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ (٩). وفي الحديث: «كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في

стр. 13541

غير إسراف ولا مخيلة (١)». ومن الصور القاتمة لهذا الداء - الدخيل على المجتمع - أننا نجد من يصرف بسخاء المبالغ الطائلة في اقتناء فرش الحرير. وهي مما يحرم على المسلم الجلوس عليه أو استعماله بنص السنة، يقول حذيفة ﵁: «نهانا النبي ﷺ عن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه (٢)». وقال سعد بن أبي وقاص ﵁: لأن أقعد على جمر الغضا أحب إلي من أن أقعد على مجلس حرير (٣). ونجد أيضا من الناس من يجتهد في تغطية جدران بيته بالأقمشة الفاخرة، ويتفنن في اجتلاب أجمل (الموديلات) دون أن يعبأ بإنكار النبي ﷺ وقوله: «إن الله لم يأمرنا فيما رزقنا أن نكسو الحجارة واللبن (٤)»!!. إلى غير ذلك من النماذج المتخمة بالعلو والاستكبار، والتي نتمنى أن تزول سريعا من بيننا، ويعود الناس إلى هدي الكتاب والسنة، يستمتعوا بنفحاتهما، ويحققوا شكر الله على نعمه التي لا تنقطع.

стр. 13542

موضوع الرسالة يهتم أئمة الدعوة اهتماما شديدا بكل ما يتعلق بشئون مجتمعهم، ويحرصون دائما على تواجد مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حياتهم، ولا يفرطون أبدا في تطبيقه متى تطلبت الأمور ذلك. ولما بدأت بعض الملابس المصنوعة من القز، أو التي يدخل القز في صناعتها تغزو ديارهم، وتنتشر فيما بين الناس أيام حكم الإمام عبد العزيز بن محمد بن

стр. 13543

سعود (ت ١٢١٨) وعلموا ما تعنيه كلمة القز، أنكروا ما وسعهم الإنكار، وكتب أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والشيخ حمد بن ناصر بن معمر (ت ١٢٢٥) الرسالة التالية: علامة القزية مغفول عنها مدة طويلة، وسبب الغفلة عدم استحضارنا أنها حرير، وأنها مما نهى عنه رسول الله ﷺ . ثم تبين لنا أنها حرير، ونبيكم أخبر أن لبس الحرير حرام على الرجال. . . إلى آخر الرسالة. وقام الإمام عبد العزيز ﵀ ببعثها إلى أنحاء البلاد، وكتب معها ما يلي: هذا كتاب آل الشيخ، تشرفون على ما فيه من الأدلة التي لا تنكر، في مسألة العلامة التي تجعل في العبي وغيرها من الحرير. فيكون عندكم معلوما أن إخوانكم من أهل الدرعية عملوا على ما في الورقة، فأنتم اعملوا على مثل ما عملوا، ومن وجد دليلا يخالف ما فيها فالحق مقبول متبوع، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل (١).!! واستمر التواصل بين العلماء والقادة وأفراد المجتمع على هذا المنوال، مترسمين خطا إمام الدعوة ومن سبقه من أئمة الهداية والصلاح. ورسالتنا التي نسعد بالتقديم لها، تعالج أمرا يشبه تماما ما وقع في صدر الدعوة، حيث أخذت المحارم المسماة أخضر قز تنتشر بين الناس، دون أن يشعروا بما تنطوي عليه من مخالفة، مما دفع الشيخ عبد الرحمن إلى كتابة هذه الرسالة. وقد استهلها بذكر جملة من الأدلة على تحريم استعمال الحرير على الرجال، بوجه عام. ثم ناقش قول من قال بحرمته على الرجال والنساء معا، ومن قال بإباحته للجميع، وردهما ردا مبنيا على الدليل، وأورد بعد ذلك الخلاف في مقدار ما يحل استعماله بالنسبة للرجال. واختار التحريم سواء وجد الحرير منفردا أو مختلطا إلا ما استثناه الشارع،

стр. 13544

وهو مقدار أربعة أصابع فما دون، سواء كان مجتمعا أو مفرقا، واحتج له بالنصوص الصريحة التي لا تقبل التأويل. وأشار إلى تحريم استعمال المحارم المسماة أخضر قز؛ لأن ما فيها من الحرير يزيد على المقدار المشروع. ثم بين ضابط المقدار المشروع، وختم رسالته بجواب للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين. وهكذا أنهى رسالته، متحريا الدقة التامة، والاستدلال لكل مسألة، والمناقشة الهادئة المشبعة بالصدق والبحث عن الحق حيث كان.

стр. 13545

المؤلف هو العلامة الكبير الحافظ المفسر الفقيه الداعية: أبو الحسن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب التميمي. ولد سنة ١١٩٣ هـ في بلدة الدرعية الواقعة إلى الشمال من مدينة الرياض، وقد هيأ الله له أسرة علمية كريمة تربى في ظلها، وانطلق منذ وقت مبكر إلى طلب العلم ومجالسة العلماء، وأخذ عن جده الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب (ت ١٢٠٦ هـ) وأعمامه: الشيخ عبد الله (ت ١٢٤٣) والشيخ حسين (ت ١٢٢٤) والشيخ علي (ت ١٢٤٥) وغيرهم من العلماء. ولاه سعود بن عبد العزيز القضاء في الدرعية، واستمر على ذلك وعلى إلقاء الدرس وتعليم الطلاب، والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشجاعة نادرة مع التواضع الجم، ولم يثنه قط ابتعاده عن بلاده أيام فتنة الدرعية عن مواصلة الطلب وتكريس أوقاته للعلم والعلماء. ولما عاد إلى نجد سنة ١٢٤١ اجتهد في إزالة آثار الفتنة، وسعى إلى توحيد الصف، وقام بتأليف الكتب والمنافحة عن الدعوة، إلى أن لقي الله بعد مديد قضاه في ساحة الجهاد سنة ١٢٨٥، فارتاع الناس لفقده وبكته القلوب، ﵀ رحمة واسعة.

стр. 13546

وصف النسخ: تمكنت عند الشروع في تحقيق الرسالة من الحصول على نسختين خطيتين وهما كما يلي: الأولى وذكر في بدايتها ما نصه: حجة التحذير في المنع من لبس الحرير. تصنيف شيخنا الشيخ أبي حسن عبد الرحمن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب (كذا) أجزل الله لهم الثواب. وبجانبها كلمات منقولة عن كتاب الإقناع. وتقع في نحو ست ورقات ومسطرتها ٢٢ سطرا، وأصلها محفوظ في مكتبة الرياض السعودية بدون رقم. مكتوبة بقلم نسخي جيد مشكول أحيانا، غير أنها خلت من اسم الناسخ وتاريخ النسخ، وإن كنت أرجح أنها كتبت في حياة المؤلف. وهي نسخة تامة ومقابلة ومصححة، ولذلك جعلتها أصلا. الثانية: وتقع في نحو ست ورقات أيضا ومسطرتها ٢١ سطرا وسجل على طرتها ما نصه: حجة التحذير في المنع من لبس الحرير. تصنيف شيخنا الشيخ أبي حسن عبد الرحمن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب (كذا) أجزل الله لهم الثواب آمين. وبجانبها الأيسر نفس الكلمات المنقولة من كتاب الإقناع. كتبت بقلم نسخي واضح، وخلت عن اسم الناسخ وتاريخ النسخ، وأصلها محفوظ في مكتبة الرياض السعودية برقم ٦٥٩. ويبدو أنها منقولة من النسخة الأولى، لاتفاقهما كثيرا. . ورمزت لها بحرف (ض).

стр. 13547

التوثيق نص على نسبتها إلى المؤلف ابن بشر، قال: وله مصنف فيما يحل ويحرم من الحرير، دل على سعة علمه الغزير، رد فيه على من أباح لبس المحرمة الروغان التي ابتلي الناس بلبسها في هذا الزمان (١). بالإضافة إلى ما سجل على طرة

стр. 13548

الأصلين المذكورين. وهما وإن نسباها إلى أبي حسن عبد الرحمن بن محمد فهو خطأ محض ربما أوقعهما فيه العجلة في النقل، والله أعلم. وقد أورد الشيخ عبد الرحمن بن قاسم (ت ١٣٩٣) في الدرر السنية ٣/ ١١٧ - ١٢٨ جوابين منسوبين إلى الشيخ عبد الرحمن، وهما يشبهان بمجموعهما رسالتنا هذه. ولا أدري هل اعتمد على نسخة مضطربة اضطرته إلى ذلك، أو أنه تصرف في النص، على أني أرجح الاحتمال الأول؟ لأمانته التي يعرفها الجميع. وعلى أي حال، فقد استفدت منهما واستأنست بما جاء فيهما، دون أن أدرجهما ضمن النسخ المعتمدة.

стр. 13549

منهج التحقيق: اعتمدت النسخة الأولى، لقدمها وعارضت بها الأخرى، وأثبت ما بينهما من فروق، ولم أتصرف في النص إلا ما رأيت الضرورة تفرضه فألحقته بالصلب بين حاصرتين، وقمت بترقيم الآيات الكريمة وتخريم الأحاديث والآثار. ونقل ما قاله أهل العلم فيها. كما ترجمت لغير المشاهير وفسرت الغامض. أسأل الله تعالى أن يجعل فيها الخير والنفع، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا، ويرزقنا الثبات على الحق إلى أن نلقاه على أحسن حال إنه جواد كريم، والحمد لله حمدا كثيرا طيبا كما يحب. كتبه الوليد بن عبد الرحمن الفريان / ١٠/ ١٤٠٩ هـ الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية

стр. 13550

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أحل الحلال وحرم الحرام، وأحكم الشرائع وشرع الأحكام، ونهى العباد عن قربان حدوده، رحمة منه بهم كيلا يقعوا في الآثام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شديد الانتقام، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي أكمل (١) قواعد الشريعة وأحكمها غاية الإحكام؛ فأكمل الله به الدين (٢) وأتم به علينا نعمة الإسلام. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وصحبه الأئمة الأعلام وسلم تسليما، أما بعد: فإن الأحاديث النبوية والآثار السلفية، قد تواترت وتظاهرت بتحريم استعمال الحرير، على ذكور هذه الأمة، وسأذكر إن شاء الله جملة منها، مع الإشارة إلى شرحها ومذاهب الأئمة في مقدار ما يباح بحمل مطلقها على مقيدها، فأقول وبالله التوفيق: أخرج الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، عن أبي موسى الأشعري ﵁، أن النبي ﷺ قال: «أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها (٣)». وخرج أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن علي ﵁، قال: «رأيت رسول الله ﷺ أخذ حريرا فجعله في يمينه، وذهبا فجعله في شماله، ثم قال: إن هذين حرام على ذكور أمتي (٤)». زاد ابن ماجه: «حل لإناثهم (٥)». وأخرج البخاري، ومسلم، والنسائي، عن حذيفة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا
следующие страницы →