وصف النسخ:
تمكنت عند الشروع في تحقيق الرسالة من الحصول على نسختين خطيتين وهما كما يلي:
الأولى وذكر في بدايتها ما نصه: حجة التحذير في المنع من لبس الحرير. تصنيف شيخنا الشيخ أبي حسن عبد الرحمن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب (كذا) أجزل الله لهم الثواب. وبجانبها كلمات منقولة عن كتاب الإقناع.
وتقع في نحو ست ورقات ومسطرتها ٢٢ سطرا، وأصلها محفوظ في مكتبة الرياض السعودية بدون رقم. مكتوبة بقلم نسخي جيد مشكول أحيانا، غير أنها خلت من اسم الناسخ وتاريخ النسخ، وإن كنت أرجح أنها كتبت في حياة المؤلف. وهي نسخة تامة ومقابلة ومصححة، ولذلك جعلتها أصلا.
الثانية: وتقع في نحو ست ورقات أيضا ومسطرتها ٢١ سطرا وسجل على طرتها ما نصه: حجة التحذير في المنع من لبس الحرير. تصنيف شيخنا الشيخ أبي حسن عبد الرحمن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب (كذا) أجزل الله لهم الثواب آمين. وبجانبها الأيسر نفس الكلمات المنقولة من كتاب الإقناع.
كتبت بقلم نسخي واضح، وخلت عن اسم الناسخ وتاريخ النسخ، وأصلها محفوظ في مكتبة الرياض السعودية برقم ٦٥٩. ويبدو أنها منقولة من النسخة الأولى، لاتفاقهما كثيرا. . ورمزت لها بحرف (ض).
стр. 13547
التوثيق
نص على نسبتها إلى المؤلف ابن بشر، قال: وله مصنف فيما يحل ويحرم من الحرير، دل على سعة علمه الغزير، رد فيه على من أباح لبس المحرمة الروغان التي ابتلي الناس بلبسها في هذا الزمان (١). بالإضافة إلى ما سجل على طرة
стр. 13548
الأصلين المذكورين. وهما وإن نسباها إلى أبي حسن عبد الرحمن بن محمد فهو خطأ محض ربما أوقعهما فيه العجلة في النقل، والله أعلم.
وقد أورد الشيخ عبد الرحمن بن قاسم (ت ١٣٩٣) في الدرر السنية ٣/ ١١٧ - ١٢٨ جوابين منسوبين إلى الشيخ عبد الرحمن، وهما يشبهان بمجموعهما رسالتنا هذه. ولا أدري هل اعتمد على نسخة مضطربة اضطرته إلى ذلك، أو أنه تصرف في النص، على أني أرجح الاحتمال الأول؟ لأمانته التي يعرفها الجميع. وعلى أي حال، فقد استفدت منهما واستأنست بما جاء فيهما، دون أن أدرجهما ضمن النسخ المعتمدة.
стр. 13549
منهج التحقيق:
اعتمدت النسخة الأولى، لقدمها وعارضت بها الأخرى، وأثبت ما بينهما من فروق، ولم أتصرف في النص إلا ما رأيت الضرورة تفرضه فألحقته بالصلب بين حاصرتين، وقمت بترقيم الآيات الكريمة وتخريم الأحاديث والآثار. ونقل ما قاله أهل العلم فيها. كما ترجمت لغير المشاهير وفسرت الغامض.
أسأل الله تعالى أن يجعل فيها الخير والنفع، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا، ويرزقنا الثبات على الحق إلى أن نلقاه على أحسن حال إنه جواد كريم، والحمد لله حمدا كثيرا طيبا كما يحب.
كتبه
الوليد بن عبد الرحمن الفريان
/ ١٠/ ١٤٠٩ هـ
الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية
стр. 13550
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أحل الحلال وحرم الحرام، وأحكم الشرائع وشرع الأحكام، ونهى العباد عن قربان حدوده، رحمة منه بهم كيلا يقعوا في الآثام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شديد الانتقام، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي أكمل (١) قواعد الشريعة وأحكمها غاية الإحكام؛ فأكمل الله به الدين (٢) وأتم به علينا نعمة الإسلام. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وصحبه الأئمة الأعلام وسلم تسليما، أما بعد:
فإن الأحاديث النبوية والآثار السلفية، قد تواترت وتظاهرت بتحريم استعمال الحرير، على ذكور هذه الأمة، وسأذكر إن شاء الله جملة منها، مع الإشارة إلى شرحها ومذاهب الأئمة في مقدار ما يباح بحمل مطلقها على مقيدها، فأقول وبالله التوفيق:
أخرج الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، عن أبي موسى الأشعري ﵁، أن النبي ﷺ قال: «أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها (٣)».
وخرج أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن علي ﵁، قال: «رأيت رسول الله ﷺ أخذ حريرا فجعله في يمينه، وذهبا فجعله في شماله، ثم قال: إن هذين حرام على ذكور أمتي (٤)». زاد ابن ماجه: «حل لإناثهم (٥)».
وأخرج البخاري، ومسلم، والنسائي، عن حذيفة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا
стр. 13551
في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما. فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة (١)».
وأخرج الإمام أحمد، والحافظ الضياء، عن أبي أمامة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يستمتع بالحرير من يرجو أيام الله تعالى (٢)».
وأخرج البخاري، ومسلم، وأهل السنن، [١ / ب] عن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما يلبس الحرير من لا خلاق له (٣)». زاد البخاري، وابن ماجه، والنسائي - في رواية - في الآخرة.
والخلاق: النصيب. وقيل: الحظ، أي: لا نصيب له، ولا حظ له في الآخرة.
وأخرج الإمام أحمد، والنسائي، عن المقدام بن معدي كرب، قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الحرير والذهب ومياثر النمور (٤)». وأخرج الدارمي، والطيالسي، في مسنديهما (٥) عن أبي عبيدة بن الجراح ﵁، قال: «قال رسول الله ﷺ : إن الله بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة، وكائنا خلافة ورحمة، وكائنا ملكا عضوضا، وكائنا عتوا وجبرية وفسادا في الأمة، يستحلون الفروج، والخمور، والحرير، ويرزقون مع ذلك، وينصرون، حتى يلقوا الله (٦)». قال الحافظ السخاوي: حديث حسن.
стр. 13552
فهذه الأحاديث: منها ما هو صريح في التحريم، ومنها ما هو ظاهر فيه. والذي لم نذكره من الأحاديث أضعاف أضعاف ما ذكرناه.
قال بعض العلماء - لما ذكر بعضا من أحاديث هذا الباب: وإذا لم تفد هذه الأدلة التحريم فما في الدنيا محرم. انتهى.
وقد أجمع المسلمون على تحريم الحرير - في الجملة - على الرجال دون النساء إلا ما ذكر عن ابن الزبير أنه نهى عنه النساء، مستدلا بعموم النهي (١).
وحكى غير واحد من الأئمة: الإجماع - بعد ابن الزبير - على تحريمه على الرجال، دون النساء.
قال أبو عمر بن عبد البر (٢): أجمع المسلمون على تحريم الحرير. وقال القاضي عياض (٣): حكي عن قوم إباحته. وقال غيره: الخلاف في ذلك منسوب إلى ابن علية (٤)، وقد انعقد الإجماع بعده على التحريم. انتهى (٥).
قال في الفروع - عن هذا القول، وقول ابن الزبير: هما شاذان. وما أخرجه البخاري، ومسلم، عن المسور بن مخرمة: «أنها قدمت للنبي ﷺ أقبية، فذهب هو وأبوه إلى النبي ﷺ لشيء منها، وخرج النبي ﷺ وعليه قباء مزرور، وقال: يا مخرمة خبأنا لك هذا وجعل يريه محاسنه (٦)».
стр. 13553
فقد أجيب عنه: بأنه فعل، والأقوال صريحة بالتحريم فلا [٢ / أ] يعارضها. وبأن النبي ﷺ : لبس الحرير ثم نزعه ونهى عنه؛ كما في حديث جابر: «لبس النبي ﷺ قباء من ديباج أهدي له، ثم أوشك (٢)». أخرجه أحمد والنسائي.
ولأحمد، والبخاري، ومسلم، وابن حبان، عن عقبة بن عامر، قال: «أهدي إلى النبي ﷺ فروج (٥)».
وأخرج أحمد - أيضا - عن أنس بن مالك، «أن أكيدر دومة (٧) أو ديباج - قبل أن ينهى عن الحرير - فلبسها، فتعجب الناس منها، فقال: والذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ
стр. 13554
في الجنة أحسن منها».
فهذه الأحاديث مصرحة بالنهي عن الحرير، [وقد] (١) وقع بعد ذلك (٢) فيكون هذا الاستعمال منسوخا بأحاديث النهي المصرحة بالتحريم. على أن من العلماء من قال: إن [الذي] (٣) استعمله رسول الله ﷺ قبل النهي ليس حريرا كله، وإنما فيه اليسير منه.
قال أبو حاتم، ابن حبان (٤)، لما ذكر حديث عقبة: فروج الحرير. هو الثوب الذي يكون على دروزه حرير، دون أن يكون الكل من الحرير. ولو كان الكل حريرا ما لبسه ولا صلى فيه، وهذا (٥) معنى خبر عمر: إلا إصبعين أو ثلاث أو أربع (٦) انتهى كلام ابن حبان - رحمه الله تعالى (٧).
فتبين بهذا أنه لا متمسك لمن قال: يجوز استعمال الحرير للذكور. وأن قول ابن الزبير، وما نسب إلى ابن علية: قولان متقابلان، شاذان مردودان، بالسنة والإجماع.
стр. 13555
ثم اعلم أنه قد وقع الاختلاف بين العلماء في مقدار ما يحل من الحرير. فذهب كثير [٢ / ب] من الحنابلة والشافعية وغيرهم - في المختلط بالحرير -
стр. 13556
إلى أن الاعتبار بالقلة والكثرة. ولهم طريقان:
أحدهما: اعتبار القلة والكثرة بالظهور. فإذا كان الحرير أكثر ظهورا حرم، وإن (١) كان غيره أكثر ظهورا لم يحرم.
وهذا هو المعتمد عند الحنابلة (٢)، واختاره بعض الحنفية، وجزم به الزيلعي (٣) في شرح الكنز (٤)، واختاره القفال (٥) في جمع من الشافعية.
الثاني: أن الاعتبار بالوزن، واعتمده كثير من متأخري الشافعية. وإن استويا ظهورا: فوجهان، اختلف الترجيح فيهما عندهم. أحدهما: أنه جائز (٦) والثاني: هو حرام (٧).
قال ابن عقيل، والشيخ تقي الدين ابن تيمية: الأشبه أنه محرم؛ لعموم الخبر. قال: والأشبه بكلام أحمد التحريم.
وقال ابن عقيل: لأن النصف كثير، وليس تغليب التحليل بأولى من التحريم. انتهى (٨).
هذا إذا كان الحرير أو بعضه ظاهرا في اللحمة (٩). أما إذا كان في السدى (١٠) دون اللحمة، فإنه جائز عند جمهور العلماء. نص عليه الإمام أحمد ﵀.
стр. 13557
وهو الخز، قال المجد في شرحه: الخز: ما سدي بالإبريسم، وألحم بوبر أو صوف أو نحوه، لغلبة اللحمة على الحرير. انتهى (١).
قال في الإنصاف وغيره: فرق الإمام، بأنه لبس الصحابة (٢)، وبأنه لا سرف فيه ولا خيلاء (٣) وذهب ابن حزم ﵀: إلى أنه لا يجوز لبس الخز.
وأجاب عما ذكره أصحابنا - رحمهم الله تعالى: بأنه قد جاء تحريمه عن بعض الصحابة كابن عمر، فإنه قال: اجتنبوا من الثياب ما خالطه الحرير وذكر عن بعض الصحابة نحو هذا.
ثم قال: ولا يصح (في) (٤) الرخصة في ثوب سداه حرير خبر أصلا، لأن الرواية فيه عن ابن عباس، انفرد بها خصيف (٥) وهو ضعيف. انتهى (٦) قلت: وممن قال بقول ابن عمر هنا من التابعين: الحسن، وابن سيرين (٧) قاله (٨) في فتح الباري (٩).
стр. 13558
ومن حجتهم: ما تقدم من حديث عمر، وحديث أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا يرجو أن يلبسه في الآخرة (١)».
قال الحسن: فما بال أقوام يبلغهم هذا عن نبيهم، فيجعلون حريرا في ثيابهم وبيوتهم.
وهذا الحديث: أخرجه الإمام أحمد (٢)، من طريق [٣ / أ] مبارك بن فضالة (٣)، عن الحسن البصري (٤).
وأخرجه الإمام أحمد رحمه الله تعالى - أيضا - بسنده عن علي بن زيد، قال: قدمت المدينة، فدخلت على سالم بن عبد الله، وعلي جبة خز، فقال سالم: ما تصنع بهذه الثياب؟! سمعت أبي، يحدث عن عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ قال: «إنما يلبس الحرير من لا خلاق له (٥)».
ثم اعلم: أن محل الخلاف عند من اعتبر القلة والكثرة بالظهور أو الوزن، إنما هو في الحرير المخالط لغيره، الممتزج به، غير المتحد الخالص.
على أنه ليس معهم من الحجة لما ذهبوا إليه إلا حديث واحد، وهو ما أخرجه أحمد، وأبو داود، عن ابن عباس ﵄، أنه قال: «إنما نهى رسول الله ﷺ عن الثوب المصمت من الحرير، فأما العلم من الحرير وسدى
стр. 13559
الثوب فلا بأس بها (١)».
وهذا الحديث: لا ينهض لمعارضة ما تقدم من الأحاديث الصحيحة الصريحة في تحريم ماهية الحرير؛ لوجوه:
أولها: أن في إسناده خصيف بن عبد الرحمن، وقد ضعفه غير واحد. قال الحافظ ابن حجر: هو صدوق سيئ الحفظ، خلط بآخره، ورمي بالإرجاء (٢).
ثانيها: أن لفظة إنما، لا تفيد الحصر الحقيقي عند أكثر النحاة.
سلمنا: إفادتها للحصر، فابن عباس أخبر بما بلغه من قصر النهي على المصمت، وغيره أخبر بما هو أعم من ذلك، كما تقدم في الأحاديث.
ثالثها: أنه لا قائل بمفهوم هذا الحديث. فإن الثوب من الحرير إذا كان فيه جزء يسير من غيره، لا يسمى مصمتا، فيلزم المستدل به تجويز هذا، وإلا بطل استدلاله.
رابعها: أنه استثنى المباح، بقوله: فأما العلم من الحرير وسدى الثوب فلا بأس بها. فمفهومه: أن ما زاد على ذلك فيه بأس. فترك أهل هذا القول مفهوم هذه الجملة، كما تركوا مفهوم الجملة قبلها، فصار الحديث حجة عليهم لا لهم.
ثم يقال لهم: فأين الحجة من الحديث على [ما] (٣) ذهبتم إليه من اعتبار الكثرة بالوزن أو الظهور. فهذا الدليل لا يستلزم المدعى.
قال [٣ / ب] في شرح المنتقى - في شرح حديث ابن عباس هذا بعد
стр. 13560
ذكره الأحاديث الدالة على تحريم ماهية الحرير -: وقد عرفت مما سلف، الأحاديث (١) الواردة في تحريم الحرير دون تقييد. والظاهر منها: تحريم ماهية الحرير، سواء وجدت منفردة أو مختلطة بغيرها. ولا يخرج عن التحريم إلا ما استثناه الشارع من مقدار الأربع الأصابع من الحرير. وسواء وجد ذلك المقدار مجتمعا كما في القطعة الخالصة، أو مفرقا كما في الثوب المشوب.
حديث ابن عباس: لا يصلح لتخصيص (٢) تلك العموميات، ولا لتقييد تلك الإطلاقات، ولا متمسك للقائلين بحل المشوب (٣) إذا كان الحرير مغلوبا إلا قول ابن عباس فيما أعلم.
فانظر أيها المنصف: هل يصلح كونه جسرا تذاد عنه الأحاديث الواردة قي تحريم مطلق الحرير ومقيدة؟!.
وهل ينبغي التعويل عليه في مثل هذا الأصل العظيم، مع ما في إسناده من الضعف الذي يوجب سقوط الاستدلال به، على فرض تجرده عن المعارضات. انتهى (٤).
وقوله: إلا ما استثناه الشارع. إلى آخره.
يشير إلى ما أخرجه الشيخان، وأهل السنن، قال البخاري - رحمه الله تعالى - في صحيحه: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا قتادة، قال: سمعت أبا عثمان النهدي (٥) قال: أتانا كتاب عمر، ونحن مع عتبة بن فرقد (٦) بأذربيجان، «أن رسول الله ﷺ : نهى عن الحرير إلا هكذا، وأشار
стр. 13561
بإصبعيه اللتين تليان الإبهام (١)». قال: فيما علمنا أنه يعني الأعلام.
حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهر، حدثنا عاصم، عن أبي عثمان، قال: كتب إلينا عمر ونحن بأذربيجان، «أن النبي ﷺ : نهى عن لبس الحرير إلا هكذا، وصف لنا النبي ﷺ إصبعيه (٢)»، ورفع زهير الوسطى والسبابة.
قال في فتح الباري: ولم يقع في رواية أبي عثمان في الصحيح [في] (٣) استثناء ما يجوز إلا ذكر الإصبعين. لكن وقع عند أبي داود، من طريق حماد بن سلمة، عن عاصم الأحول - في هذا الحديث - أن النبي ﷺ : «نهى عن الحرير [٤ / أ] إلا ما كان هكذا وهكذا، إصبعين أو ثلاث أو أربع (٤)».
ولمسلم، من طريق سويد بن غفلة - بفتح (٥) المعجمة والفاء واللام الخفيفتين - أن عمر خطب، فقال: «نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع (٦)» وأو هنا للتنويع والتخيير. وقد وقع عند النسائي، في رواية سويد: «لم يرخص في الديباج إلا في موضع أربع أصابع (٧)» الحديث. . انتهى (٨).
قلت: وهذه الأحاديث احتج بها العلماء - رحمهم الله تعالى - على أنه لا يباح من الحرير في الثوب ونحوه إلا مقدار أربع أصابع فما دون؛ لأن التحديد بالأربع الأصابع يمنع الزائد عليها.
وهذا الحكم لا يختص به العرض دون الطول، لعدم التقييد في التقدير (٩)
стр. 13562
والتحديد. وتخصيص أحدهما بالحكم دون الآخر، لا دليل عليه أصلا. وظاهر هذه الأحاديث: أن هذا الحكم عام فيما إذا وجد الحرير في الثوب، سواء كان مجتمعا أو مفرقا؛ تقدم لشارح المنتقى. وهذا اختيار ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى.
ومن الحجة لهذا القول: ما أخرجه البخاري، وأبو داود، والنسائي، «عن عمر بن الخطاب رضي الله: أنه رأى حلة سيراء تباع، فقال: يا رسول الله، لو ابتعتها؟ تلبسها للوفد إذا أتوك، والجمعة، فقال: إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة (١)».
ولهم، ولمسلم، عن علي ﵁ قال: «أهديت إلى رسول الله ﷺ حلة سيراء، فبعث بها إلي فلبستها، فعرفت الغضب في وجهه، وقال: إني لم أعطكها لتلبسها فأمرني فأطررتها بين نسائي (٢)» قال أبو داود، والنسائي: السيراء: المضلع بالقز (٣).
قال ابن الأثير (٤) السيراء: بكسر السين وفتح الياء، المد، نوع من البرود يخالطه حرير كالسيور (٥).
ونقل العيني (٦) في شرح البخاري، عن الأصمعي، والخليل، وآخرين: أنها ثياب فيها خطوط من حرير، وقز، وإنما قيل لها سيراء، لتسير الخطوط كأنها السيور، وقيل: هي وشي من حرير (٧)، وقيل: حرير محض.
стр. 13563
والصحيح الأول، [٤ / ب]، لما روى ابن أبي شيبة، وابن ماجه، والبيهقي، وغيرهم، عن علي ﵁، قال: «أهدى أمير بأذربيجان إلى النبي ﷺ حلة مسيرة بحرير، إما سداها وإما لحمتها، فبعث بها إلي فأتيته، فقلت: يا رسول الله ألبسها، فقال: لا، أكره لك ما أكره لنفسي (١)».
والكراهة - في لسان الشرع - يراد بها: التحريم غالبا، في هذا الحديث، بدليل ما تقدم من رؤية الغضب في وجهه ﷺ لما رآه قد لبسها. وفي التنزيل: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ (٢) والإشارة: إلى ما تقدم في الآيات من ذكر المحرمات.
وأخرج مسلم، وأبو داود، والترمذي، واللفظ لمسلم، عن علي ﵁، قال: «نهانا رسول الله ﷺ عن القسي، وعن المياثر الحمر (٣)». قال: أما القسي فثياب مضلعة فيها حرير، وفيها أمثال الأترج (٤).
قال البخاري: قال عاصم، عن أبي بردة، قلنا لعلي: ما القسية؟ قال: ثياب أتتنا من الشام أو من مصر، مضلعة فيها حرير، وفيها أمثال الأترج. والمثيرة: كانت النساء تصنعه لبعولتهن، مثل القطائف يصنعونها. وقال جرير، عن (٥) يزيد - في حديثه: القسية: ثياب مضلعة يجاء بها من مصر، فيها الحرير. والمثيرة: جلود السباع (٦).
ثم ساق حديث (٧) البراء - بسنده - قال: «نهانا رسول الله ﷺ عن المياثر الحمر، وعن القسي (٨)».
стр. 13564
وقال الخطابي (١): القسي، ثياب يؤتى بها من مصر، فيها حرير. وإنما حرمت هذه على الرجال دون النساء. انتهى (٢).
قال في النهاية: القسي، ثياب من كتان مخلوط بحرير، يؤتى بها من مصر، نسبة إلى قرية على ساحل البحر قريبا من تنيس، يقال لها: القسى، بفتح القاف. انتهى (٣). .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى: حديث السيراء والقسي يستدل به على تحريم ما فيه الحرير، لأن ما فيه خيوط حرير أو سيور لا بد أن تنسج مع غيرها من الكتان والقطن. فالنبي ﷺ حرمها لظهور الحرير فيها، ولم يسأل: هل وزن ذلك الموضع من الكتان والقطن أكثر أم لا، مع أن العادة أنه أقل. انتهى.
وقال في فتح الباري [٥ / أ]: واستدل بالنهي عن لبس القسي على منع لبس ما خالطه الحرير من الثياب؛ لتفسير القسي بأنه ما خالط غير الحرير فيه الحرير، ويؤيده عطف الحرير على القسط في حديث البراء.
ووقع كذلك في حديث علي، عند أحمد، وأبي داود، والنسائي - بسند صحيح على شرط الشيخين - من طريق عبيدة بن عمرو، عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: «نهاني رسول الله ﷺ عن القسي والحرير (٤)». فعلى هذا: يحرم لبس الثوب الذي خالطه الحرير. انتهى (٥).
ومن هنا: يتبين أن هذه المحارم المسماة أخضر قز (٦)، لا يجوز استعمالها
стр. 13565
لبسا ولا افتراشا (١)، لقول النبي ﷺ : «أحل الذهب والحرير لإناث أمتي، وحرم على ذكورها (٢)».
وأنت ترى الحرير الخالص في أربعة مواضع منها، كل موضع يبلغ خمسين إصبعا، فمبلغ جميعه نحو مائتي إصبع، بعرض الأصابع، لأن التقدير إنما هو بعرضها، كما هو ظاهر الأحاديث المتقدم ذكرها.
ونص عليه الفقهاء رحمهم الله تعالى، قال في شرح العمدة: وتعتبر الأصابع عرضا لا طولا.
قال في الإنصاف: ويباح علم الحرير في الثوب، إذا كان أربع أصابع فما دون، يعني مضمومة. هذا المذهب ونص عليه، وجزم به في المغني والشرح (٣).
وقال في المبدع: ويباح العلم الحرير - وهو طراز الثوب - إذا كان أربع أصابع مضمومة فما دون، أي: فأقل. نص عليه (٤). ومثله في الفروع (٥) وغيره.
وقال في حاشية المنتهى: وفي الإقناع ما معناه: لو كان في ثياب قدر يعفى عنه من الحرير، وضم بعضه إلى بعض كان كثيرا، فلا بأس. انتهى. أي: فلو كان في ثوب حرم ذلك. انتهى من الحاشية.
وهو صريح في ضم المتفرق من الحرير إذا كان في ثوب، وهو ظاهر الأحاديث السابقة.
يوضحه: ما أخرجه أبو داود بسند صحيح، من طريق قتادة، عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال: «لا أركب أرجوان، ولا ألبس المعصفر، ولا ألبس القميص المكفف بالحرير (٨)» قال - يعني قتادة -: وأومأ (٩) الحسن
стр. 13566
إلى جيب قميصه.
وأخرج البزار، والطبراني، عن معاذ بن جبل ﵁، قال: «رأى رسول الله ﷺ جبة مجيبة بحرير، فقال: طوق من نار يوم القيامة (١)» قال المنذري - في هذا الحديث: رواته كلهم ثقات. وأخرج الحاكم - وقال صحيح الإسناد - من حديث عبد الله بن عمرو (٢).
قال: «أتى النبي ﷺ أعرابي عليه جبة من طيالسة مكفوفة، أو مزرورة بالديباج، فقال: إن صاحبكم هذا يريد أن يرفع كل راع وابن راع، ويضع كل فارس وابن فارس، فقام النبي ﷺ مغضبا، فأخذ بمجامع ثوبه، فاجتذبه، وقال: لا أرى عليكم ثياب من لا يعقل (٤)».
وأخرج أبو داود، من حديث أبي ريحانة - رجل من الصحابة: «نهى رسول الله ﷺ عن عشر: عن الوشم، والوشر، والنتف، وعن مكامعة الرجل الرجل بغير شعار، وعن مكامعة المرأة المرأة بغير شعار، وأن يجعل الرجل في أسفل ثيابه حريرا مثل الأعاجم، أو يجعل على منكبيه حريرا مثل الأعاجم، وعن ركوب النمور (٥)». . الحديث.
وفي المواهب اللدنية: «وقدم على النبي ﷺ وفد كندة في ثمانين أو ستين راكبا، فدخلوا عليه مسجده قد رجلوا جممهم، وتسلحوا ولبسوا الجباب
стр. 13567
الحبرات مكففة بالحرير، فلما دخلوا، قال ﷺ : أو لم تسلموا؟! قالوا بلى! قال: فما هذا الحرير في أعناقكم فشقوه فنزعوه وألقوه (٢)».
وبهذه الأحاديث: يندفع ما قد يورده بعضهم، من أن العلماء أباحوا الزيق المحيط بالعنق طويلا، وكذا سجف (٣). الفراء ونحوهما. وهذا لا يصلح أن تعارض به السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ .
ولو سلمنا أن ما ذكر من الزيق والسجف. فيه طول، فيجب أن ينقص من عرضه بقدر طوله، بحيث لا يزيد مجموعه على أربع أصابع طولا وعرضا. وإنما تتبين حقيقة الحال عند الاعتبار بالضم، فإن زاد منع وإلا فلا؛ وذلك لأنهم أباحوا السجف ونحوه قياسا على العلم، وهو مقيد بأربع أصابع كما علمت، فيجب أن يقيد الفرع بقيد أصله المقيس عليه.
وقد نص العلماء - رحمهم الله تعالى - على ذلك. قال في جمع الجوامع: ولبنة الجيب، وسجف الفراء، كالعلم ١/ ٦١، في الإباحة والقدر.
وقال الشيخ عثمان (٤) في حاشية المنتهى - على قول المصنف: لا فوق أربع أصابع -: يعنى أن ما ذكر من العلم والوقاع والسجف ولبنة الجيب، إنما يباح إذا كان أربع أصابع معتدلة مضمومة فما دون، لا إن كان أكثر منها انتهى (٥).
стр. 13568
وبمجموع ما ذكرناه يرتفع الإيراد من أصله، ولله الحمد والمنة. ثم اعلم:
أنه لم يوجد في حديث ما، ولا عن أحد من العلماء ما يقتضي تخصيص التقدير بأربع أصابع بعرض الحرير دون طوله.
فلا يظن أن قول شارح العمدة: وتعتبر الأصابع عرضا لا طولا. يومئ إلى تخصيص العرض بهذا الحكم؛ لأن صريح هذه العبارة، ينادى على أن المعنى هو: أن اعتبار (١) المباح إنما يكون بعرض الأصابع لا بطولها؛ لما في الطول من الزيادة. فلو اعتبر بطول الأصابع لزيد في المباح ما ليس منه، ولأن التقدير بالطول غير منقول ولا معهود ولا معقول.
وأيضا، فيلزم على هذا التأويل البعيد: أن الشارح المشار إليه ارتكب مجاز الحذف، وهو خلاف استعمال الفقهاء، فإنهم لا يستعملون المجاز في كتبهم أصلا. والله أعلم.
وهنا سؤال: وهو أنه إذا كان في ثوب ما يزيد على أربع أصابع من حرير، وبين موضع كل أصبعين منها فاصل من غيره، فهل يؤثر ذلك في إباحة ما زاد أم لا؟.
الجواب: هذا السؤال، قد ورد على صاحبنا الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن، فأجاب - وفقنا الله وإياه لما يحبه ويرضاه - بما نصه: إذا كان بين قدر كل أصبعين أو ثلاث (٢) فاصل غير الحرير، فلا شك أنه يضم
стр. 13569
بعض ذلك إلى بعض؛ لئلا يلزم جعل الثوب كله حريرا ويفصل بين كل ثلاث أصابع بفاصل غير حرير. انتهى.
وهو في غاية القوة، ودليله من السنة ما تقدم في حديث القسي والسيراء ونحوهما، والله أعلم.
وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. انتهى.
стр. 13570
الفقيه المفتي
زيد بن ثابت
﵁ من مفتي الصحابة
بقلم
د / محمد رواس قلعه جي.
أستاذ الفقه بالدراسات العليا
في جامعة الملك سعود
الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا. وأصلي وأسلم على رسول الهدى والرحمة سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. . وبعد:
فإن الهدى والنور الذي جاء به محمد ﷺ قد تلقفه أصحابه رضوان الله عليهم، فحمل كل واحد منهم من هذا النور ما قدر على حمله، كما ومضمونا، فمنهم من أوقر قلبه وعقله منه كله، ومنهم من أخذ لونا من ألوانه فأوقر قلبه وعقله منه، وحذق كل بما أخذ بقدر ما بذل من جهد وأوقف النفس في هذا السبيل.
وكان من الذين أخذوا كل لون من هدى رسول الله ومن النور الذي جاء به زيد بن ثابت ﵁ الذي كان أحد الستة الذين آلت إليهم الفتوى
стр. 13571
من أصحاب رسول الله ﷺ . ويسعدني أن أقدمه اليوم للقارئ الكريم راجيا من الله تعالى أن ينفعنا بعلمه إنه سميع مجيب.
стр. 13572
ا - زيد بن ثابت:
هو الصحابي الجليل زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو (١) بن عبد مناف - أو عوف - بن غنم بن مالك بن النجار، الأنصاري الخزرجي (٢) وكنيته أبو سعيد على الأشهر، وقيل: أبو ثابت، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل أبو خارجة (٣) وأمه هي: النوار بنت مالك بن معاوية بن عدي بن عامر بن غنم من بني عدي بن النجار (٤) وفي طبقات ابن سعد: هي النوار بنت مالك بن صرمه بن مالك بن عدي بن عامر (٥) وتزوجت النوارة بعد مقتل والد زيد بن ثابت عمارة بن حزم بن زيد بن لوذان وولدت له مالكا، فمالك أخو زيد بن ثابت لأمه (٦) وعلى هذا فهو عربي صريح، خزرجي، أنصاري.
ولد قبل الهجرة بإحدى عشرة سنة، إذ أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة المنورة مهاجرا إليها كان عمر زيد إحدى عشرة سنة (٧) وتوفي سنة ٤٥ للهجرة على أرجح الأقوال، وله من العمر. ست وخمسون سنة (٨) وكانت وفاته في المدينة المنورة.
نشأ في المدينة المنورة يتيما، لأن والده قتل يوم بعاث - قبل الهجرة بخمس سنين - وكان زيد في السادسة من عمره (٩). .
стр. 13573
تزوج زيد بن ثابت أم جميل فولدت له سعيدا. وتزوج أم سعد جميلة ابنة سعد بن الربيع ووحيدته ودخل بها في خلافة عمر بن الخطاب، وقال لها: إن كنت تريدين أن تتكلمي في ميراثك من أبيك فتكلمي، فإن أمير المؤمنين عمر ورث، وكان أبوها قتل يوم أحد وهي حمل فولدت له: خارجة، وسليمان، ويحيى، وعمارة، وإسماعيل، وسعدا، وعبادة، وإسحق، وحسنة، وعمرة، وأم إسحاق، وأم كلثوم. وتزوج عمرة بنت معاذ بن أنس، فولدت له: إبراهيم، ومحمدا، وعبد الرحمن، وأم حسن. وكانت له أم ولد، فولدت له: زيدا، وعبد الرحمن، وعبيد الله، وأم كلثوم. وكانت له أم ولد أخرى، فولدت له: سليطا، وعمران، والحارث، وثابتا، وصفية، وقريبة، وأم محمد (١). .
стр. 13574
٢ - إسلامه:
أسلم زيد بن ثابت صغيرا، ولعل أمه كانت سببا في إسلامه مبكرا، فهي قد أسلمت قبله وبايعت النبي ﷺ (١) وذلك قبل هجرة رسول الله ﷺ إلى المدينة المنورة، حتى إن الرسول ﷺ لما قدم المدينة المنورة كان زيد يكتب الوحي (٢)، ويحفظ شيئا من القرآن، وكان يجيد قراءة سبع عشرة سورة من القرآن الكريم (٣).
стр. 13575
٣ - ذكاؤه:
كان زيد بن ثابت ﵁ ذكيا متميزا بين أقرانه، حتى قال الذهبي: كان زيد أحد الأذكياء (١). .
стр. 13576
ومما يدل على هذا الذكاء المتميز أنه كان يتقن القراءة والكتابة إتقانا يؤهله لكتابة الوحي، مع كل ما تتطلبه هذه المهمة من نباهة ودقة وهو في سن الحادية عشرة.
وقد رأى فيه الرسول الكريم مخايل الذكاء حين قدم الرسول المدينة مهاجرا من مكة، فكلفه بتعلم لغة اليهود - رغم صغر سنه - لأنه ﵊ كان لا يأمن أن يدس عليه اليهود في معاهداتهم معه شيئا وهو لا يعلم، فأقبل زيد على تعلم لغة اليهود، فتعلمها تحدثا وكتابة في سبعة عشر يوما فقط، وهذا أمر لا يتأتى إلا لشخص خارق الذكاء، قوي الحافظة، روى ابن حجر في الإصابة، عن خارجة بن زيد، عن أبيه زيد بن ثابت قال: أتي بي النبي ﷺ مقدمه المدينة، فقيل هذا من بني النجار. وقد قرأ سبع عشرة سورة، فقرأت عليه، فأعجبه ذلك، فقال: «تعلم لغة يهود، فإني ما آمنهم على كتابي (١)»، ففعلت، فما مضى لي نصف شهر حتى حذقته، فكنت أكتب إليه، وإذا كتبوا إليه قرأت له. وفي رواية: إني أكتب الحقوق فأخاف أن يزيدوا علي أو ينقصوا، فتعلم السريانية، فتعلمتها في سبعة عشر يوما (٢). .
وما أظن أن إنسانا يتعلم لغة قوم تحدثا وكتابة في سبعة عشر يوما إلا وهو في الغاية من الذكاء وحدة الذهن.
стр. 13577
٤ - فكاهته:
لا يخل بقدر الرجل أن يكون فكها مزاحا بين أهله وذوي خاصته، إذا كان جادا وقورا في مجالس الجد، وفي غير أهله وخاصته، وكذلك كان زيد بن ثابت ﵁، فإنه كان في أهله فكها مزاحا، يؤنسهم بحديثه ويفرج عنهم، ويزرع البسمة على وجهوههم. أما إذا جلس في مجالسه العامة التي
стр. 13578
يحضرها القريب والغريب، أو جلس إلى القضاء التزم الوقار وما حدث إلا بالجد من القول، وبهذا وصفه ثابت بن عبيد عندما قال: " كان زيد من أفكه الناس في بيته، وأزمتهم إذا خرج إلى الرجال " (١). وهو لا يريد بقوله: (أزمتهم) إلا التزام الوقار، ولذلك جاء في الإصابة: " ما رأيت رجلا أفكه في بيته، ولا أوقر في مجلسه من زيد بن ثابت " (٢). .
стр. 13579
٥ - جهاده:
لما قدم رسول الله ﷺ المدينة المنورة مهاجرا من مكة كانت سن زيد بن ثابت إحدى عشرة سنة (١). ولكنه كان فتى مؤمنا صادق الإيمان، وبحلول رسول الله المدينة المنورة واحتضانه زيد بن ثابت منذ حلوله وتكليفه بأعباء تنوء عنها الرجال كتعلم لغة اليهود، وكتابة الوحي، قد نما الإيمان في قلب زيد، وزادت الرؤية عنده وضوحا في معرفة الحق وأهل الحق، والباطل وأهل الباطل، واشتد الحماس لديه للحق وأهله، وأن الحق يجب أن يعلو ويظهر بقوة الحجة التي يحملها، وإلا فبالقوة إن استعملت القوة في إخفاء صوت الحق وتحطيم أهله.
ولذلك رأينا يوم بدر - في السنة الثانية من الهجرة - زيد بن ثابت وهو لم يتم الخامسة عشرة من عمره يتقدم بكل ثقة ليكون بين صفوف المجاهدين في بدر، ولاحظ رسول الله وجود زيد بن ثابت بين صفوف المجاهدين، فاستصغره ورده صلوات الله وسلامه عليه، (٢)، لأن الحرب لا يفلح فيها إلا ذو زند مفتول، وزيد لما يبلغ ذلك بعد.
ولما كان يوم أحد - في السنة الثالثة للهجرة - اشترك فيه زيد بن ثابت - كما تذكر بعض الروايات، وإن كانت بعض الروايات الأخرى تقول
стр. 13580
إن أول مشاهده كان يوم الخندق (١).
وقد ساهم ﵁ في حفر الخندق والدفاع عنه، وكان ممن ينقل التراب مع المسلمين، فأعياه التعب فنعس فنام، فجاء عمارة بن حزم فأخذ سلاحه وهو لا يشعر، فلما استيقظ زيد ولم يجد سلاحه ذعر وتغيرت حاله، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال له: يا أبا رقاد ويومئذ «نهى رسول الله ﷺ أن يروع المؤمن، ولا يؤخذ متاعه جادا ولا لاعبا (٢)».
ونحن لا نشك في أنه اشترك في وقائع تلت الخندق، ولم يرد له اسم فيها لأنه لم يكن له فيها دور مميز.
واشترك يوم تبوك، وكانت راية بني النجار يوم تبوك مع عمارة بن حزم، فأخذها الرسول ﷺ من عمارة ودفعها إلى زيد بن ثابت، فتكدر لذلك عمارة وقال لرسول الله ﷺ : يا رسول الله أبلغك عني شيء؟ فقال ﵊: لا، ولكن القرآن مقدم، وزيد أكثر أخذا للقرآن منك واشترك في قتال المرتدين في أيام أبي بكر، مع مجموعة من أولاده، ووقعت فيهم مقتلة عظيمة يوم ذاك، قتل فيها من أولاد زيد بن ثابت فيما أحصيت: ابنه سعد بن زيد (٣). ويحيى بن زيد، وسليمان بن زيد (٤).، وسليط بن زيد، وعبد الرحمن بن زيد، وعبد الله بن زيد، وزيد بن زيد (٥). وأصيب فيها زيد بن ثابت بسهم في كتفه، ولكنه لم يضره (٦). .
стр. 13581
٦ - علمه:
كان زيد بن ثابت ﵁ متعدد جوانب المعرفة، فهو لم يحصر نفسه في جانب من جوانبها، بل تناول العلوم المعروفة في عصره، فتعلمها وبرع فيها، ساعده على ذلك ذكاؤه الوقاد، ورغبته الصادقة، ومما برع فيه من العلوم ما يلي:
(أ) الكتابة والخط:
تذهب بعض الروايات إلى أن زيد بن ثابت ﵁ كان قد تعلم الكتابة قبل قدوم رسول الله ﷺ إلى المدينة المنورة - وكان عمره عند قدوم رسول الله إحدى عشرة سنة - وكان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ (١). ولكن ابن سعد يروي في الطبقات عن محمد بن الصباح قال: أخبرنا شريك عن قريش عن عامر قال: كان فداء أهل بدر أربعين أوقية، فمن لم يكن عنده، علم عشرة من المسلمين الكتابة، فكان زيد بن ثابت ممن علم (٢). .
ونرى أنه لا تناقض بين الروايتين، فزيد بن ثابت كان مع نفر قليل من المسلمين يعرفون الكتابة، ولكن كثيرا منهم لا يتقنونها، وإن من يباشر مهمة عظيمة ككتابة الوحي لا بد وأن يكون على درجة عظيمة من إجادة الكتابة، ولذلك نجد الرسول ﷺ يدفع زيد بن ثابت ﵁ كاتب الوحي - إلى من يجيد الكتابة من هؤلاء الأسرى ليزداد إتقانه للكتابة، وتصقل موهبته فيها، وهكذا كان، والله أعلم.
стр. 13582
(ب) لغة العرب وشعرها:
كان زيد بن ثابت ﵁ عالما بشعر العرب حافظا له، وقد ذكر سعيد بن سليمان بن زيد بن ثابت، أن جده زيد بن ثابت روى من شعر
стр. 13583
كعب بن مالك تسعين قصيدة (١).، وإن من يروي تسعين قصيدة لشاعر واحد، لا بد وأن يحفظ ويروي الكثير لغيره من الشعراء.
وقد كان لزيد بن ثابت مجالس مع حافظي الشعر ورواته يتناشدون فيها الأشعار، وقد بقي ﵁ محافظا على هذه المجالس حتى أواخر أيامه، قال محمد بن كثير بن أفلح: إن آخر مجلس جالسنا فيه زيد بن ثابت مجلس تناشدنا فيه الشعر (٢). .
стр. 13584
(جـ) اللغات الأجنبية:
كان زيد بن ثابت ﵁ يحسن لغتين - على الأقل - إلى جانب لغته العربية، أما اللغة الأولى فهي السريانية، وهي اللغة التي يتحدث بها اليهود آنذاك، وقد تضافرت الأخبار على أنه كان يجيد هذه اللغة قراءة وكتابة، وأنه تعلمها بتوجيه من الرسول ﷺ ، وأنه كان يقرأ لرسول الله الكتب التي ترده بهذه اللغة، وأنه يكتب له بها حين يريد أن يكتب بها. وإن كنا لا نعرف أن رسول الله ﷺ قد وجه كتابا معينا بهذه اللغة لأحد، ولا تحفظ لنا الآثار النبوية شيئا من هذا فيما نعلم.
وقد اختلف في الزمن الذي أمر فيه الرسول ﷺ بتعلم السريانية، فقد ذكر الطبري في تاريخه في حوادث السنة الرابعة للهجرة فقال: وفي هذه السنة أمر رسول الله ﷺ زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب يهود، وقال لا آمن أن يبدلوا كتابي (١). .
ولكن روى الإمام أحمد في المسند وابن حجر في الإصابة ما يفيد أن
стр. 13585
الرسول ﷺ أمر زيد بن ثابت بتعلم السريانية قبل هذا التاريخ، وأعادت هذه الرواية أن تعلمه يعود إلى مقدم الرسول من مكة إلى المدينة، فقد روى خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه زيد بن ثابت، قال: أتي بي النبي مقدمه المدينة - وفي رواية الإمام أحمد: «لما قدم الرسول المدينة - فقيل: هذا غلام من بني النجار، وقد قرأ سبع عشرة سورة، فقرأت عليه، فأعجبه ذلك، فقال: هل تحسن السريانية؟ قلت: لا، فقال: تعلم لغة يهود، فإني ما آمنهم على كتابي - ففعلت فما مضى لي نصف شهر - وفي رواية: سبعة عشر يوما - حتى حذقته، فكنت أكتب له إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له (١)». .
فقوله في هذه الرواية: «أتي النبي مقدمه المدينة» تفيد فور مقدمه المدينة أو بعيد مقدمه إليها بقليل، وهذا هو الأرجح، والله أعلم.
وأما اللغة الثانية: فهي اللغة الفارسية، وقد عرفنا ذلك من رواية ساقها الطبري في تاريخه في سياق حديثه عن إسلام القائد الفارس الهرمزان، وخلاصة ذلك: أنه أتي عمر بن الخطاب بالهرمزان بعد أسره، فجعل عمر يحاوره، فطلب الهرمزان الأمان من عمر بن الخطاب حتى يشرب كأس ماء طلبها، فأعطاه عمر الأمان حتى يشربها، فألقاها الهرمزان فلم يشربها، وحصل على الأمان من عمر بالحيلة والمكر، وكان الترجمان بين عمر بن الخطاب والهرمزان - الذي يتكلم الفارسية - هو المغيرة بن شعبة إلى أن جاء الترجمان، وكان المغيرة يفقه شيئا من الفارسية، فقال عمر للمغيرة: قل له من أي أرض أنت؟ فقال المغيرة - مترجما: أز كدام أرضي، فقال: مهرجاني، فقال عمر: تكلم بحجتك يا هرمزان، فقال الهرمزان: كلام حي أو ميت؟ قال عمر: بل كلام حي، قال الهرمزان: قد أمنتني، قال عمر: خدعتني، إن للمخدوع في الحرب حكمه، لا الله لا أؤمنك حتى تسلم، فأيقن أنه القتل أو الإسلام، فأسلم، ففرض له عمر على ألفين، وأنزله المدينة، وقال للمغيرة: ما أراك حاذقا - أي