ب - تعريف المنكر ومثاله وحكمه:
لقد جاء في تعريف المنكر ما يلي: " إنه الفرد الذي ليس في روايته من الثقة والإتقان ما يحتمل معه تفرده " (١) أو: " إنه المنفرد المخالف لما رواه الثقات " (٢) وهذا التعريف الأخير هو الذي اختاره الحافظ ابن حجر.
ولقد بين ابن حجر أوجه التشابه والاختلاف بين المنكر والشاذ بقوله: " هما مشتركان في كون كل واحد منهما على قسمين، وإنما اختلافهما في مراتب الرواة، فالضعيف إذا انفرد بشيء لا متابع له ولا شاهد، ولم يكن عنده من الضبط ما يشترط في حد الصحيح والحسن، فهذا أحد قسمي الشاذ، فإن خولف فيما هذه صفته مع ذلك كان أشد شذوذا وربما سماه بعضهم منكرا، وإن بلغ تلك المرتبة في الضبط، ولكنه خالف من هو أرجح منه في الثقة والضبط، فهذا القسم الثاني وهو المعتمد في تسميته، وأما إذا انفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ بشيء لا متابع له ولا شاهد عليه فهذا أحد قسمي المنكر، وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث، وإن خولف في ذلك فهو القسم الثاني وهو المعتمد على رأي الأكثرين ".
فبان بهذا فصل المنكر عن الشاذ، وأن كلا منها قسمان، ويجمعهما مطلق التفرد أو منع قيد المخالفة. . وعرف بهذا. . أن بينهما عموما وخصوصا من وجه، وهو أنه يعتبر في كل منهما شيء لا يعتبر في الآخر، ويعتبر في كليهما شيء آخر، حيث اعتبر في كليهما مخالفة الأرجح، وفي الشاذ مقبولية الراوي، وفي المنكر ضعفه؛ لأن بينهما اجتماعا في اشتراط المخالفة. وافتراقا في أن الشاذ رواية ثقة أو صدوق والمنكر ضعيف، أي لسوء حفظه أو جهالته أو نحو ذلك " (٣).
أما مثال المنكر على التعريف الأول الذي أورده السيوطي فهو كالآتي: " ما رواه النسائي وابن ماجه من رواية أبي زكير يحيى بن محمد بن قيس، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعا: «كلوا البلح بالتمر فإن ابن آدم
стр. 13757
إذا أكله غضب الشيطان (١)». . . الحديث، قال النسائي: هذا حديث منكر (٢) تفرد به أبو زكير وهو شيخ صالح، أخرج له مسلم في المتابعات غير أنه لم يبلغ مبلغ من يحتمل تفرده. . . " (٣).
أما مثال المنكر حسب تعريف ابن حجر فقد أورده السيوطي أيضا كالآتي: ما رواه ابن أبي حاتم من طريق حبيب. عن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «من أقام الصلاة وآتى الزكاة وحج وصام وقرى الضيف دخل الجنة». قال أبو حاتم: هو منكر؛ لأن غيره من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفا وهو المعروف " (٤).
أما حكم المنكر فهو الرد؛ لأن الحديث المنكر حسب مقاييس علماء المصطلح يعد ضعيفا كما سبق أن رأينا.
стр. 13758
جـ - تعريف المضطرب ومثاله وحكمه:
لقد عرف ابن الصلاح الحديث المضطرب بما يلي: " هو الذي تختلف الرواية فيه فيرويه بعضهم على وجه، وبعضهم على وجه آخر مخالف له، وإنما نسميه مضطربا إذا تساوت الروايتان. أما إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى، بأن يكون راويها أحفظ وأكثر صحبة للمروي عنه، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات المعتمدة، فالحكم للراجحة، ولا يطلق عليه حينئذ وصف المضطرب، وقد يقع ذلك من راو واحد، وقد يقع من رواة له جماعة. والاضطراب موجب ضعف الحديث لإشعاره بأنه لم يضبط (١).
أما مثال الحديث المضطرب فهو حديث البسملة الذي أخرجه مسلم في صحيحه من رواية الوليد بن مسلم قال: حدثنا الأوزاعي عن قتادة أنه كتب
стр. 13759
إليه يخبره عن أنس بن مالك أنه حدثه قال: «صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا آخرها (١)». وقد علق على هذا الحديث الدكتور صبحي الصالح في مؤلفه (علوم الحديث) بما يلي: " فهذه الرواية الأخيرة التي ينص فيها الراوي على نفي قراءة البسملة هي المتن المضطرب في هذا الحديث؛ لأن مسلما والبخاري اتفقا على إخراج رواية أخرى في الموضوع نفسه، لا يتعرض فيها لذكر البسملة بنفي أو إثبات، وإنما يكتفي الراوي بقوله: " فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين " يقصد أن الفاتحة هي السورة التي كانوا يستفتحون بها، ولو وقف الأمر عند هذا الحد لأمكن ترجيح الحديث المتفق عليه، فلم نصف الحديث الأول بالاضطراب، ولكن رواية ثالثة عن أنس تفيد أنه سئل عن الافتتاح بالتسمية فأجاب: أنه لا يحفظ في ذلك شيئا عن رسول الله ﷺ ، وتردد مثله في هذه المسألة يحسب له حسابه، فأصبح عسيرا أو متعذرا ترجيح ما يتعلق بالبسملة إثباتا أو نفيا، وتعذر الترجيح كان السبب المباشر في وصفنا لمتن الحديث الأول بالاضطراب " (٢).
أما حكم الحديث المضطرب بصورة عامة فهو الرد إلى أن يظهر مرجح يرجح إحدى الروايتين على الأخرى.
стр. 13760
د - تعريف المنسوخ ومثاله وحكمه:
يعتبر المحدثون معرفة ناسخ الحديث ومنسوخه من الفنون المهمة التي خاضها كبار العلماء، وخدموا بها السنة النبوية الشريفة، وعن هذا الموضوع جاء في
стр. 13761
تدريب الراوي ما يلي: " ناسخ الحديث ومنسوخة، فن مهم صعب، فقد مر على علي قاص فقال: تعرف الناسخ من المنسوخ، فقال: لا، فقال: هلكت وأهلكت. . . وقد روينا عن الزهري قال: أعيا الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ الحديث من منسوخه. وكان للشافعي فيه يد طولى وسابقة أولى، فقد قال الإمام أحمد بن حنبل لابن وارة وقد قدم من مصر: كتبت كتب الشافعي؟ قال: لا، قال: فرطت، ما علمنا المجمل من المفسر ولا ناسخ الحديث من منسوخه حتى جالسنا الشافعي " (١).
والنسخ في اصطلاح المحدثين هو: " رفع الشارع حكما منه متقدما بحكم منه متأخر " (٢).
قال السيوطي في شرحه لهذا التعريف: " فالمراد برفع الحكم قطع تعلقه عن المكلفين، واحترز به عن بيان المجمل، وبإضافته للشارع عن إخبار بعض من شاهد النسخ من الصحابة، فإنه لا يكون نسخا، وإن لم يحصل التكليف به لمن لم يبلغه قبل ذلك إلا بإخباره، وبالحكم عن رفع الإباحة الأصلية، فإنه لا يسمى نسخا، وبالمتقدم عن التخصيص المتصل بالتكليف، كالاستثناء ونحوه، وبقولنا بحكم منه متأخر، عن رفع الحكم بموت المكلف أو زوال تكليفه بجنون ونحوه، وعن انتهائه بانتهاء الوقت كقوله ﷺ : «إنكم ملاقو العدو غدا، والفطر أقوى لكم فافطروا (٣)»، فالصوم بعد ذلك اليوم ليس نسخا (٤).
أما أنواع الأحاديث المنسوخة فهي كثيرة ومتعددة، فمنها ما يعرف بتصريح من رسول الله ﷺ كالحديث الذي أخرجه الإمام أحمد بن حنبل من حديث علي ﵁ «أن رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور وعن الأوعية، وأن تحبس لحوم الأضاحي بعد ثلاث (٥)».
стр. 13762
ولقد علم بأن هذا الحديث منسوخ بأحاديث أخرى، منها ما أخرجه مسلم بسنده من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فامسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكرا (١)».
قال النووي عن هذا الحديث الأخير: " هذا الحديث مما صرح فيه بالناسخ والمنسوخ جميعا " (٢) ومنها ما يعرف بقول صحابي، ومن أمثلة ذلك ما أخرجه مسلم بسنده من حديث عبد الله بن إبراهيم بن قارظ أنه وجد أبا هريرة ﵁ يتوضأ في المسجد فقال: إنما أتوضأ من أثوار أقط أكلتها؛ لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «توضئوا مما مست النار (٣)».
هذا الحديث نسخ بأحاديث أخرى منها ما أخرجه أبو داود بسنده من حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: «كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار (٤)».
ومنها ما عرف بالتاريخ فيكون السابق منسوخا واللاحق ناسخا. ومن أمثلة ذلك ما أخرجه الإمام أبو داود بسنده من حديث شداد بن أوس «أن رسول الله ﷺ أتى على رجل بالبقيع وهو يحتجم، وهو آخذ بيدي، لثمان عشرة خلت من رمضان، فقال: أفطر الحاجم والمحجوم (٥)»
стр. 13763
وهذا الحديث نسخ بأحاديث وردت بعده منها الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري بسنده من حديث ابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم (١)».
قال ابن حزم: " صح حديث أفطر الحاجم والمحجوم بلا ريب، ولكن وجدنا من حديث أبي سعيد: أرخص النبي ﷺ في الحجامة للصائم، وإسناده صحيح فوجب الأخذ به؛ لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة، فدل على نسخ الفطر بالحجامة سواء كان حاجما أو محجوما " (٢).
ومنها ما نسخ بدلالة الإجماع. كقتل شارب الخمر إن كرر شربها أربع مرات، ويدلنا على ذلك الحديث الآتي الذي أخرجه الإمام أبو داود بسنده من حديث قبيصة بن ذؤيب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه فإن عاد في الثالثة أو الرابعة فاقتلوه، فأتي برجل قد شرب فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به فجلده، ورفع القتل، وكانت رخصة (٣)».
والإجماع لا ينسخ ولكن يدل (٤) على ناسخ. قال النووي (٥): في شرح مسلم أنه منسوخ بدلالة الإجماع. وقال الصنعاني في تعقب النووي بأنه لا إجماع إذ قال ابن عمر بالعمل به، وقال به ابن حزم، وقال الشافعي: القتل منسوخ بهذا الحديث وغيره ".
стр. 13764
أما كل من الناسخ والمنسوخ إن صحا فحكمهما القبول، إلا أنه يترك العمل بالحديث المنسوخ ويعمل بالحديث الناسخ.
стр. 13765
ثانيا: المتون المتعارضة ظاهريا:
لقد عرف النووي مختلف الحديث وبين أهميته بقوله: " هو أن يأتي حديثان متضادان في المعنى ظاهريا، فيوفق بينهما أو يرجح أحدهما. . وهذا فن من أهم الأنواع ويضطر إلى معرفته جميع العلماء من الطوائف. . وإنما يكمل له الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه، والأصوليون الغواصون على المعاني. وصنف فيه الشافعي - رحمه الله تعالى - ولم يقصد استيفاءه بل ذكر جملة منه ينتبه بها على طريقته ".
ويجب في الحديثين المختلفين أن يكونا متساويين في القوة، فإن كان أحدهما قويا والآخر ضعيفا أو أقل منه قوة فإن الحديث الأقوى يترجح، ولا يؤبه بالحديث الأضعف، ولا يدخل هذا تحت دائرة مختلف الحديث، وإن لم يستطع علماء المصطلح التوفيق بين الحديثين يتركان معا ويكون الحديث مضطربا، وإن أولهما العلماء وجمعوا بينها جمعا مقبولا فحينئذ يؤخذ بالحديثين معا إن انطبقت عليهما شروط الصحة المتفق عليها في الحديث المقبول المعمول به.
ويتضح لنا ذلك بصورة أوضح إذا تأملنا ما جاء في فتح المغيث حيث ورد في هذا الشأن الآتي: " الجمع إن أمكن باعتبار الناسخ والمنسوخ، والترجيح إن تعين، ثم التوقف عن العمل بأحد الحديثين، والتعبير بالتوقف أولى من التعبير بالتساقط؛ لأن خفاء ترجيح أحدهما على الآخر إنما هو بالنسبة للمعتبر في الحالة الراهنة مع احتمال أن يظهر لغيره ما خفي عليه، وفوق كل ذي علم عليم.
стр. 13766
وإن لم يكن في المتن ما ينافيه بل سلم من مجيء خبر يضاده فهو المحكم وأمثلته كثيرة " (١).
وسوف أقوم هنا بإبراز بعض الأحاديث التي ظاهرها التعارض مما أثار حوله المستشرقون بعض الشكوك، ثم أقوم باستعراض أقوال بعض العلماء حولها بما يدل على أنهم قد أوردوا فيها بيانا شافيا وآراء سديدة توفق بين كل حديثين ظاهرهما التعارض، مما يجعل هذه الأحاديث النبوية الشريفة متوافقة ومقبولة.
لقد سبق لنا أن رأينا أن المستشرق نيكلسون قد استشهد بالأحاديث الواردة في شأن الأمر بقتل الكلاب والأحاديث التي تنهى عن ذلك؛ ليدلل على تضارب متون بعض الأحاديث النبوية الصحيحة وعجز العلماء عن التوفيق بينها. لكن العلماء قد تمكنوا من الجمع بين هذه الأحاديث بما يزيل صور التعارض الظاهري، ويوفق بينها بصورة منطقية مقبولة، ومن بين هؤلاء العلماء ابن قتيبة الدينوري الذي قال في مؤلفه: (تأويل مختلف الحديث) حول هذا الموضوع ما يلي: " وأما قتله كلاب المدينة فليس فيه نقض لقوله: لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها؛ لأن المدينة في وقته ﷺ مهبط وحي الله تعالى مع ملائكته، والملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ولا صورة كما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «قال جبريل ﵇: لم يمنعني من الدخول عليك البارحة إلا أنه كان على باب بيتك سترا فيه تصاوير، وكان في بيتك كلب فمر به فليخرج، وكان الكلب جروا للحسن والحسين تحت نضد لهم (٢)». وهذا دليل على أنها كما تكره الكلاب في البيوت تكرهها أيضا في المصر فأمر النبي ﷺ بقتلها أو بالتخفيف منها فيما قرب منها، وأمسك عن
стр. 13767
سائرها مما بعد من مهبط الملائكة ومنزل الوحي " (١).
أما حديث أبي هريرة الوارد في شأن كلب الزرع فهو حديث صحيح أخرجه مسلم بسنده من حديث ابن عمر، «أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب إلا كلب صيد، أو كلب غنم، أو ماشية، فقيل لابن عمر أن أبا هريرة يقول: أو كلب زرع فقال ابن عمر: إن لأبي هريرة زرعا (٢)».
ولقد وضح النووي معنى العبارة الأخيرة الواردة في الحديث، أي قوله: إن لأبي هريرة زرعا، بقوله ما يلي في شرحه لصحيح الإمام مسلم: " وقال سالم في الرواية الأخرى، وكان أبو هريرة يقول: أو كلب حرث، وكان صاحب حرث. قال العلماء: ليس هذا توهينا لرواية أبي هريرة ولا شكا فيها، بل معناه أنه لما كان صاحب زرع وحرث اعتنى بذلك وحفظه وأتقنه، والعادة أن المبتلى بشيء يتقنه مما لا يتقنه غيره، ويتعرف من أحكامه ما لا يعرفه غيره. وقد ذكر مسلم هذه الزيادة وهي اتخاذه للزرع من رواية ابن المغفل، ومن رواية سفيان ابن أبي زهير عن النبي ﷺ ، وذكرها مسلم أيضا من رواية ابن الحكم. . فيحتمل أن ابن عمر كما سمعها من أبي هريرة وتحققها عن النبي ﷺ ، رواها عنه بعد ذلك وزادها في حديثه الذي كان يرويه بدونها، ويحتمل أنه تذكر في وقت أنه سمعها من النبي ﷺ فرواها ونسيها في وقت وتركها. . والحاصل أن أبا هريرة ليس منفردا بهذه الزيادة بل وافقه جماعة من الصحابة في روايتها عن النبي ﷺ ، ولو انفرد بها لكانت مقبولة مرضية مكرمة" (٣).
أما حديث: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة (٤)» والحديثان الآخران اللذان ادعى غيوم أنهما يعارضان هذا الحديث وهما: «لا يدخل الجنة من كان في
стр. 13768
قلبه مثقال ذرة من كبر (١)» و «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن (٢)» فقد وردت في الكتب الصحيحة كالآتي:
أ - أخرج البخاري بسنده من حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أتاني آت من ربي فأخبرني، أو قال: بشرني أنه من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. فقلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق (٣)».
ب - أخرج مسلم بسنده من حديث عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس (٤)».
جـ - أخرج ابن ماجه بسنده من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه أبصارهم، حين ينتهبها، وهو مؤمن (٥)».
ولقد أفلح العلماء في التوفيق بين هذه الأحاديث وإزالة التعارض الظاهري بينها. فحديث: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر (٦)» لا يتعارض مع حديث: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة (٧)».
ولقد جمع ابن قتيبة بين هذين الحديثين بقوله: ليس هاهنا اختلاف، وهذا الكلام خرج مخرج الحكم، يريد ليس حكم من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان أن يدخل النار، ولا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر أن يدخل الجنة؛ لأن الكبرياء لله تعالى ولا تكون لغيره، فإذا نازعها الله تعالى
стр. 13769
لم يكن حكمه أن يدخل الجنة، والله تعالى يفعل بعد ذلك ما شاء، ومثل ذلك من الكلام قولك في دار رأيتها صغيرة: لا ينزل في هذا الدار أمير، تريد حكمها وحكم أمثالها ألا ينزلها الأمراء، وقد يجوز أن ينزلوها. وقولك: هذا بلد لا ينزله حر: تريد ليس حكمه أن ينزله الأحرار، وقد يجوز أن ينزلوه، وكذلك قوله: من صام الدهر ضيقت عليه جهنم؛ لأنه رغب عن هدية الله تعالى وصدقته، ولم يعمل برخصته ويسره، والراغب عن الرخصة كالراغب عن العزم، وكلاهما مستحق للعقوبة إن عاقبه الله . وكذلك قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ (١)، أي أن حكمه أن يجزيه بذلك والله تعالى يفعل ما يشاء، وهو على حديث أبي هريرة من وعده الله تعالى على عمل ثوابا فهو منجزه له، ومن أوعده على عمل عقابا فهو فيه بالخيار. . عن قريش بن أنس قال: سمعت عمرو بن عبيد يقول: يؤتى بي يوم القيامة، فأقام بين يدي الله فيقول لي: لم قلت أن القاتل والمقتول في النار؟ فأقول: أنت قلت يا رب، ثم تلا الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ (٢) قلت له وما في البيت أصغر مني: أرأيت إن قال لك، فإني قد قلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٣)، من أين علمت أني لا أشاء أن أغفر له؟ قال: فما استطاع أن يرد شيئا. اهـ (٤).
أما حديث: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن (٥)» فلا يتعارض أيضا مع حديث: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة (٦)». ولقد وفق ابن قتيية بين هذين الحديثين أيضا بقوله: ليس هاهنا بنعمة الله تناقض ولا اختلاف؛ لأن الإيمان في اللغة التصديق بقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ (٧): أي بمصدق لنا، ومنه قول الناس ما أؤمن بشيء كما تقول:
стр. 13770
أي ما أصدق به. والموصفون بالإيمان ثلاثة نفر: رجل صدق بلسانه دون قلبه كالمنافق، فيقول آمن كما قال الله تعالى في المنافقين: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ (١)، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾ (٢) ثم قال: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٣)؛ لأنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر، إنما أراد المنافقين الذين آمنوا بألسنتهم والذين هادوا والنصارى. ولا تقول له مؤمن كما أن لا يقول للمنافقين مؤمنون، وإن قلنا قد آمنوا؛ لأن إيمانهم لم يكن عن عقد ولا نية، وكذلك تقول لعاصي الأنبياء صلى الله عليهم وسلم عصى وغوى، ولا نقول عاص ولا غاو؛ لأن ذنبه لم يكن عن إرهاص ولا عقد كذنوب أعداء الله .
ورجل صدق بلسانه وقلبه مع تدنس بالذنوب وتقصير في الطاعات من غير إصرار غير إصرار فنقول: قد آمن وهو مؤمن تناهى عن الكبائر، فإذا لابسها لم يكن في حالة الملابسة مؤمنا (يريد) مستكمل الإيمان، ألا ترى أنه ﷺ قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن (٤)» يريد في وقته ذلك؛ لأنه غير مصر فهو مؤمن تائب. ومما يزيد في وضوح هذا الحديث الآخر: إذا زنى الزاني سلب عنه فإن تاب ألبسه.
ورجل صدق بلسانه وقلبه، وأدى الفرائض واجتنب الكبائر، فذلك المؤمن حقا المستكمل شرائط الإيمان. وقد قال رسول الله ﷺ : «لم يؤمن من لم يأمن جاره بوائقه (٥)». يريد ليس بمستكمل الإيمان. وقال: «لم يؤمن من لم يأمن المسلمون من لسانه ويده (٦)». أي ليس بمستكمل الإيمان. . والناس يقولون: فلان لا عقل له، يريدون ليس هو مستكمل العقل، ولا دين له، أي ليس بمستكمل الدين.
أما قوله ﷺ : «من قال: لا إله إلا الله فهو في الجنة، وإن زنى وإن سرق (٧)»، فإنه لا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون قاله على العاقبة يريد إن عاقبة
стр. 13771
أمره إلى الجنة وإن عذب بالزنا والسرقة. والآخر: أن تلحقه رحمة الله وشفاعة رسول الله ﷺ فيصير إلى الجنة بشهادة لا إله إلا الله. اهـ (١).
أما الأحاديث التي وردت في النهي عن الشرب قائما، والأحاديث التي وردت في أنه قد شرب ﷺ قائما فقد جاءت في الكتب الصحيحة أيضا كما يلي: أخرج مسلم بسنده من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ «أنه نهى أن يشرب الرجل قائما. قال قتادة: فقلنا: والأكل. قال: ذاك أشر أو أخبث (٢)».
كما أخرج الإمام البخاري بسنده من حديث ابن عباس ﵁ قال: «شرب النبي ﷺ قائما من زمزم (٣)».
ومن حديث النزال قال: «أتى علي ﵁ على باب الرحبة بماء فشرب قائما فقال: إن ناسا يكره أحدهم أن يشرب وهو قائم، وإني رأيت النبي ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت (٤)».
ولقد وفق ابن قتيبة في الجمع بين الحديثين بقوله: " ليس هاهنا تناقض؛ لأن الحديث الأول نهى أن يشرب الرجل أو يأكل ماشيا، يريد أن يكون شربه وأكله على طمأنينة، وألا يشرب إذا كان مستعجلا في سفر أو حاجة وهو يمشي فيناله من ذلك شرق أو تعقد من الماء في صدره - والعرب تقول: قم في حاجتنا لا يريدون أن يقوم حسب، وإنما يريدون امش في حاجتنا اسع في حاجتنا. . وفي الحديث الثاني كان يشرب وهو قائم يراد غير ماش. . .، ولا بأس بذلك؛ لأنه يكون على طمأنينة فهو بمنزلة القاعد " (٥).
стр. 13772
أما حديث السيدة عائشة ﵂ في أنه ﷺ لم يبل واقفا قط، وحديث حذيفة أنه ﷺ بال واقفا، فقد ورد كل منهما في الكتب الصحيحة. أما الأول فقد أخرجه - الترمذي بسنده من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: «من حدثكم أن رسول الله ﷺ كان يبول قائما فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدا (١)».
أما الحديث الثاني فقد أخرجه البخاري بسنده من حديث حذيفة ﵁ قال: «أتى النبي ﷺ سباطة قوم فبال قائما، ثم دعا بماء، فجئته بماء فتوضأ (٢)».
ولقد جمع ابن قتيبة أيضا بين هذين الحديثين بما يلي: " قالوا حديثان متناقضان. . رويتم عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما بال رسول الله ﷺ قائما قط، ثم رويتم عن حذيفة: أنه بال قائما، وهذا خلاف ذاك. . ونحن نقول: ليس هاهنا - بحمد الله - اختلاف، ولم يبل قائما قط في منزله، والموضع الذي كانت تحضره فيه عائشة ﵂، وبال قائما في المواضع التي لا يمكن أن يطمئن فيها إما للشق في الأرض وطين أو قذر. وكذلك الموضع الذي رأى فيه رسول الله ﷺ حذيفة يبول قائما كان مزبلة لقوم، فلم يمكنه القعود فيه ولا الطمأنينة، وحكم الضرورة خلاف حكم الاختيار " (٣).
وهكذا يتضح لنا أن هذه الأحاديث ليست متعارضة في حقيقتها، ولم يعجز علماء المسلمين عن التوفيق بينها كما ادعى بعض المستشرقين، بل إن هؤلاء العلماء قد وفقوا أيما توفيق في تأويل هذه الأحاديث وغيرها بما يزيل عنها صور اللبس والإبهام، وكل ما قد يتبادر إلى الأذهان من شبهة التعارض، وهكذا استطاع العلماء من المحدثين وغيرهم الجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض، بما يحفظ سنة النبي ﷺ من الرد، وقبولها والعمل بما جاء في صحيحها.
стр. 13773
٦ - الرد على افتراءات المستشرقين حول أساليب المحدثين في العناية بمتون الأحاديث
لقد سبق أن رأينا إدعاء ألفريد غيوم وصاحبه ماكدونالد أن نهي رسول الله ﷺ عن كتابة السنة قد تسبب في إهمال المحدثين للسنة، ومن ثم ضياعها، ولقد اعتمدا في ذلك على حديث صحيح عن رسول الله ﷺ ورد فيه: «لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه (١)». . .
ومن الغريب في الأمر أن هذين المستشرقين قد تمسكا بحرفية هذا الحديث تمسكا أعمى، وتجاهلا أحاديث أخرى صحيحة، تدل على أن السنة كانت تدون بين يدي النبي ﷺ ، وأن النبي ﷺ كان قد أذن بكتابة حديثه كما جاء في حديث أبي هريرة حيث قال: " ليس أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثا عن رسول الله ﷺ مني إلا عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب ".
كما تجاهلا أيضا الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود من حديث عبد الله ابن عمرو وفيه: «اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا الحق (٢)»، والحديث الآخر الصحيح الذي أخرجه الترمذي، وفيه قول النبي ﷺ : «اكتبوا لأبي شاة (٣)».
وهذا يدل دلالة واضحة على أن هذين المستشرقين لا يعتمدان إلا الأحاديث التي توافق هواهما وميولهما الشخصية المعادية للإسلام ولسنة رسول الله ﷺ .
أما علماء المسلمين فإنهم يرفضون مثل هذا المنهج الواهي عند اعتماد الأحاديث أو ردها، ولقد نظروا في الأحاديث التي تدل على النهي عن كتابة السنة، والأحاديث التي فيها إذن بكتابة السنة، وعلموا أنها جميعا أحاديث
стр. 13774
صحيحة، فقاموا التوفيق بينها، واستقروا على إباحة كتابة الحديث كما رأينا من كلام النووي حيث قال: " إنه كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم، فكرهها كثيرون منهم، وأجازها أكثرهم وزال الخلاف ".
وليس هناك دليل على أن النهي عن كتابة السنة في أول الأمر قد أدى إلى ضياع السنة كما يدعي غيوم وصاحبه ماكدونالد، بل بالعكس فإن بعض السلف كان يرى أن عدم الكتابة يساعد على حفظ السنة، واستحضارها في القلب، والعمل بها، وعدم خلطها بغيرها من كتب أهل الكتاب وأساطيرهم.
ويدلنا على ذلك قول الخطيب البغدادي الذي ذكرناه آنفا وفيه: ". . . نهى عن الاتكال على الكتاب؛ لأن ذلك يؤدي إلى اضطراب الحفظ حتى يكاد يبطل، وإذا عدم الكتاب قوي لذلك الحفظ الذي يصحب الإنسان في كل مكان. ولهذا قال سفيان الثوري: بئس المستودع العلم القراطيس ".
كما يدلنا على ذلك أيضا ما أورده الخطيب البغدادي " في تقييد العلم " عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قال: " كنا نسمع الشيء فنكتبه، ففطن لنا عبد الله، فدعا أم ولده ودعا بالكتاب وبإجانة من ماء فغسله ".
ولقد أورد الخطيب البغدادي تعليقا حول ذلك حيث قال: " إنه لو كان من القرآن أو السنة لم يمحه، ولكنه كان من كتب أهل الكتاب ".
أما ادعاء فيليب حتى أن المحدثين قد نقلوا متون الأحاديث عن أهل الكتاب وبخاصة أناجيل النصارى، فيبطله ما رأيناه من توجيهات إلهية واردة في القرآن الكريم، والتي تحث المسلمين على طاعة الله ورسوله قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ (٢)
стр. 13775
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (٢).
ولقد حذر النبي ﷺ من الكذب عليه وتوعد الكاذبين والوضاعين بعذاب النار يوم القيامة، قال ﷺ : «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار (٣)»، وقال ﷺ : «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين (٤)».
كما حذر النبي ﷺ عن اتباع سنن أهل الكتاب والاقتداء بهم، وذلك في الحديث الذي أخرجه ابن ماجه بسنده من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لتتبعن سنة من كان قبلكم باعا بباع، وذراعا بذراع، وشبرا بشبر، حتى لو دخلوا في جحر ضب لدخلتم فيه، قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن إذا؟ (٥)».
ولقد استجاب المسلمون لهذه التوجيهات وتمسكوا بها، واجتهدوا كي يضعوها موضع التنفيذ، ومما يدل على ذلك القصة التي أوردناها آنفا من أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قد استدعى رجلا كان يستنسخ كتاب دانيال، فضربه وأمره أن يمحو ما كتبه بالحميم والصوف الأبيض وألا يقرأه ولا يقرئه أحدا من الناس.
ولقد بين سيدنا عمر بن الخطاب سبب نهيه عن استنساخ كتب النصارى واليهود وغيرهم عن طريق هذه القصة التي رواها عن نفسه: «انطلقت أنا
стр. 13776
فانتسخت كتابا من أهل الكتاب، ثم جئت به في أديم فقال لي رسول الله ﷺ : ما هذا في يدك يا عمر، قال: قلت: يا رسول الله، كتاب انتسخته لنزداد به علما إلى علمنا، فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرت وجنتاه، ثم نودي بالصلاه جامعة، فقالت الأنصار: أغضب نبيكم ﷺ ، السلاح السلاح، فجاءوا حتى أحدقوا بمنبر رسول الله ﷺ فقال: يا أيها الناس، إني أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه، واختصر لي اختصارا، لقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكوا ولا يقربكم المتهوكون، قال عمر: فقمت فقلت: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبك رسولا، ثم نزل رسول الله ﷺ ».
ولم يكتف المسلمون بتجنب الكذب على رسول الله ﷺ وتحاشي الأخذ عن أهل الكتاب فقط، إنما ابتكروا مناهج رصينة وطرائق سديدة لتمحيص متون الأحاديث والاعتناء بأسانيدها قبل اعتمادها، ومن ذلك: طلب توثيق النص المروي بسند آخر أو شاهد للتأكد من سلامته، ونقد الحديث بعرضه على القرآن الكريم والسنة الثابتة، والتدقيق في طرق تحمل الحديث وأدائه ومذاكرة الحديث مع أهل الفهم والمعرفة ليتضح صحيحه من سقيمه، والتزام صحة السند والتشدد في ذلك؛ لأن صحة السند من أكبر الأدلة على صحة المتن، والتحذير من الأخذ عن الضعفاء والمجهولين والمتروكين، وأهل البدع والوضاعين وأشباههم، ومقارنة المكتوب بالأصل، وعرض الكتاب على الشيخ، وغير ذلك من المناهج الدقيقة التي تبطل دعوى تسرب الأساطير الوثنية من قبل أهل الكتاب أو غيرهم إلى السنة المقبولة. وفي ضوء هذه المناهج الدقيقة قام المحدثون بغربلة الأحاديث التي وصلتهم وتقسيمها إلى درجات متفاوتة من حيث القوة والضعف، وبهذه الطريقة أمكن معرفة صحيح الحديث من سقيمه.
كما قاموا بالتصدي للوضع والوضاعين، وكشفوا من مخططاتهم حتى أنهم أفردوا مصنفات خاصة للأحاديث الموضوعة لتحذير المسلمين من شرها.
أما الحديثان اللذان استشهد بهما فيليب حتى ليدلل بهما على عدم جدية
стр. 13777
المحدثين في تمحيص السنة، وأن المحدثين كانوا يأخذون عن أناجيل النصارى فقد وردا في بعض الكتب الصحيحة منها سنن الترمذي وصحيح مسلم.
الحديث الأول أخرجه الترمذي بسنده من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، كم أعفو عن الخادم، فصمت رسول الله ﷺ ثم قال: يا رسول الله، كم أعفو عن الخادم فقال: كل يوم سبعين مرة (١)».
أما الحديث الثاني فقد أخرجه مسلم بسنده من حديث جابر بن عبد الله ﵁ يقول: «لما حفر الخندق رأيت برسول الله ﷺ خمصا، فانكفأت إلى امرأتي فقلت لها: هل عندك شيء فإني رأيت برسول الله ﷺ خمصا شديدا، فأخرجت لي جرابا فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة داجن قال: فذبحتها، ففرعت إلى فراغي فقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رسول الله ﷺ فقالت: لا تفضحني برسول الله ﷺ ومن معه. قال: فجئته فساررته، فقلت: يا رسول الله، إنا قد ذبحنا بهيمة لنا، وطحنت صاعا من شعير كان عندنا، فتعال أنت في نفر معك. فصاح رسول الله ﷺ وقال: يا أهل الخندق إن جابرا قد صنع لكم سورا فحيهلا بكم. وقال رسول الله ﷺ : لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء فجئت، وجاء رسول الله ﷺ يقدم الناس حتى جئت امرأتي فقالت: بك وبك، فقلت: قد فعلت الذي قلت لي. فأخرجت له عجينا فبصق فيها وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق فيها وبارك، ثم قال: ادعي خابزة فلتخبز معك، واقدحي من برمتك ولا تنزلوها وهم ألف، فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجينتنا - أو كما قال الضحاك لتخبز كما هو (٢)».
стр. 13778
إن الحديث الأول حسن، والثاني صحيح، مما يؤكد بأنهما قد نالا القبول من المحدثين في ضوء مناهجهم الدقيقة التي أشرنا إليها آنفا، أما ما ورد في الإنجيل من أقوال منسوبة لعيسى ﵇ تتشابه في وجه من الوجوه مع ما جاء في هذين الحديثين، فلا يدل على أن المسلمين قد أخذوا متن هذين الحديثين عن أناجيل النصارى؛ لأن جميع الأقوال الواردة في الأناجيل لا يمكن إثبات نسبتها لسيدنا عيسى ﵇؛ لانقطاع سلسلة السند بين سيدنا عيسى وبين مؤلفي هذه الأناجيل، ذلك باعتراف علماء اللاهوت أنفسهم.
وعليه فإن أقوال النصارى هذه تعد من قبيل الحديث المرفوض الذي لا يأبه به المحدثون؛ لأنهم يعتبرونه من قبيل الحديث الذي ليس له إسناد قائم.
وعليه فلا يعقل أن يعتمد المحدثون في مروياتهم على أناجيل النصارى التي لا سند لها، بجانب أن مناهج المحدثين تحتم عليهم عدم أخذ الحديث إلا عن العدل الضابط، وهو المسلم البالغ العاقل غير الفاسق ولا مخروم المروءة، وهذه الصفات كما هو معلوم لا تنطبق بحال من الأحوال على أهل الكتاب من اليهود والنصارى.
أما اتهام موريس سيل لابن حجر العسقلاني بأنه استعان بما جاء عند النصارى عندما (فسر كلمة الأريسيين بالفلاحين) فهو زعم خاطئ؛ لأن الأريسين هم فعلا أتباع آريوس، وقد كانوا يقطنون الشام ومصر وشمال أفريقيا، وهذه من البلاد الزراعية، فلا يستبعد أن يكون معظم أنصار هذه الطائفة كانوا من الفلاحين؛ لأن الزراعة هي الحرفة الرئيسة لسكان تلك المنطقة، وعليه فلا يتعارض تفسير ابن حجر مع الواقع التاريخي لأنصار هذه الطائفة، ولهذا فليس هناك أي مبرر موضوعي لهذا الهجوم الصارخ الذي شنه موريس سيل على هذا العالم الجليل.
стр. 13779
أما أحاديث الشفاعة التي أوتيها النبي ﷺ فإنها مخرجة في الكتب الصحيحة، وإنها تخالف ما جاء عند النصارى فيما يختص بسيدنا عيسى ابن مريم ﵇ تمام الاختلاف، لذا فإني سوف أورد هنا ما جاء في السنة الصحيحة عن الشفاعة، وما جاء في أسفار أعمال الرسل من أقوال حول هذا الموضوع ليتضح لنا فساد ما ساقه موريس سيل من افتراء حول تشابه الحديث الشريف مع ما جاء في تلك الأسفار.
أخرج الإمام البخاري بسنده من حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى عامة الناس (١)».
قال العيني: الشفاعة هي سؤال فعل الخير وترك الضرر عن الغير على سبيل الضراعة. وذكر الأزهري في تهذيبه عن المبرد: يغلب أن الشفاعة الدعاء، والشفاعة كلام الشفيع لملك عند حاجة يسألها لغيره. . وقال ابن دقيق العيد: الأقرب أن اللام فيه للعهد، والمراد الشفاعة العظمى في إراحة الناس من هول الموقف، ولا خلاف في وقوعها، وقيل الشفاعة التي اختص بها: أنه لا يرد فيما يسأل، وقيل الشفاعة لخروج من في قلبه ذرة من إيمان من النار، وقيل: في رفع الدرجات في الجنة، وقيل: قوم استوجبوا النار فيشفع في عدم دخولهم إياها. وقيل: إدخال قوم الجنة بغير حساب، وهي أيضا مختصة به ﷺ " (٢).
أما ما جاء في سفر أعمال الرسل حول موضوع شفاعة عيسى ابن مريم ففيه
стр. 13780
شرك صريح بالله تعالى حيث زعم مؤلف السفر أن هناك إلهين أحدهما (الأب) وهو الله ، أما الثاني فهو عيسى ﵇، وأنهما يشتركان في الألوهية، جاء في هذا السفر ما نصه: " قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أجعل أعدائك موطئا لقدميك، فليعلم يقينا جميع آل إسرائيل أن الرب جعل يسوع هذا الذي صلبتموه ربا ومسيحا " (١).
ولقد تشكك علماء اللاهوت الغربيون في صحة نسبة هذا السفر - الذي استشهد به موريس سيل - إلى كاتبه الذي يدعون أن اسمه لوقا، وليس هذا فحسب، بل إن عالم اللاهوت الغربي الشهير ميريل تيني (٢) قد صرح بأن كاتب هذا السفر غير معروف.
وبما أن علماء المصطلح يردون رواية مجهول العين ومجهول الحال حتى ولو كان مسلما، فلا يعقل أن يأبه هؤلاء المحدثون بما جاء في هذا السفر الذي لا يعرف راويه، وحتى لو عرف فإنه قطعا لا ينتمي لأمة الإسلام.
أما الحديث النبوي الذي ساقه المستشرق غيوم ليدلل به على أن الإجماع قد اتخذ بواسطة المحدثين كمبرر لتلفيق الأحاديث ونسبتها إلى رسول الله ﷺ زورا وبهتانا، فقد أخرجه الترمذي بسنده من حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله لا يجمع أمتي - أو قال: أمة محمد ﷺ على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار (٣)».
ولقد بين العلماء معنى الحديث، وأفاضوا في ذلك، منهم صاحب " الموقظة في علم مصطلح الحديث " حيث أورد في كتابه ما يلي: " ولكن هذا الدين مؤيد محفوظ من الله - تعالى - لم يجتمع علماؤه على ضلالة لا عمدا ولا خطأ
стр. 13781
فلا يجتمع اثنان على توثيق ضعيف، ولا على تضعيف ثقة، إنما يقع اختلافهم في مراتب القوة أو مراتب الضعف، والحاكم منهم يتكلم بحسب اجتهاده وقوة معارفه، فإن قدر خطؤه في نقده فله أجر واحد " (١).
ويظهر من هذا القول أن الإجماع المقصود ليس هو إجماع الرعاع والغوغاء حول رأي يصلون إليه كيفما اتفق، إنما الإجماع المقصود هنا هو إجماع أصحاب الحديث الذين لهم مناهجهم الدقيقة المحكمة في تحقيق المتن والسند فلا يعقل أن يجتمعوا على توثيق ضعيف أو تضعيف ثقة.
ونفس هذا المعنى تقريبا أورده أبو عيسى الترمذي عند إخراجه لهذا الحديث حيث يقول: " وتفسير الجماعة عند أهل العلم هم: أهل الفقه والعلم والحديث ".
وقال ابن العربي في العارضة في تعريفه للجماعة معلقا على هذا الحديث ما يلي: " إنما أراد عبد الله بن المبارك بالجماعة حيث يجتمع أركان الدين وذلك عند الإمام العادل أو الرجل العالم فهو الجماعة. . ".
فالإجماع إذن عند علماء المسلمين وفقهائهم ومحدثيهم لا يمكن أن يكون مدخلا أو مبررا لتلفيق الأحاديث ونسبتها لرسول الله ﷺ كما ادعى غيوم.
أما الحديث الآخر والذي أورده غيوم ليدلل به على أن علماء الحديث قد لفقوا بعض الأحاديث ونسبوها للرسول ﷺ ، والذي ورد فيه أن النبي ﷺ : قال: «إن جاء الحديث مطابقا للقرآن فانسبوه إلي، وإلا فاعلموا أنه لم يصدر عني»، فهو حديث موضوع. ولقد أورد الشيخ أبو زهو في كتابه " الحديث والمحدثون " حول هذا الحديث ما يلي: " حديث وضعه الخوارج والزنادقة. وهذا ليس ببعيد على قوم وقفوا على ظواهر الكتاب وردوا الحديث إذا جاء من غير من ينتمون إليه ".
стр. 13782
وبما أن هذا الحديث موضوع فلا يحل لأحد من المسلمين نسبته إلى رسول الله ﷺ أو الاستشهاد به أو العمل بما جاء فيه.
وعليه فإن المستشرق غيوم يكون قد استند على حديث موضوع، لا قيمة له في تهجمه على المحدثين الذين قاموا بجمع السنة النبوية الشريفة.
أما زعم غيوم أن سلطة الإجماع عند المسلمين تعادل سلطة المجامع الكنسية فهو محض افتراء؛ لأن المجامع الكنسية كما هو معروف لها السلطة المطلقة في التشريعات الدينية، بما في ذلك نسخ ما لا يروق لها من محتويات الأناجيل واستبداله بغيره على اعتبار أن روح القدس مازال يلهمهم ويسدد خطاهم، بجانب اعتقادهم أن رئيسهم البابا معصوم من الخطأ.
أما الإجماع عند المسلمين فهو المصدر الثالث للتشريع بعد القرآن والسنة، وهو بهذا لا ينسخ القرآن ولا الحديث، ولا يبطل أيا منهما، فكيف يدعي غيوم أن الإجماع عند المسلمين له سلطة النسخ والتمكن من إبطال مفعول نص قراني أو حديث نبوي كما تفعل المجامع الكنسية عند النصارى.
أما ادعاء كل من نيكلسون وغيوم أن السنة النبوية الصحيحة مليئة بالمتون المتعارضة بصورة أعيت المحدثين وحيرتهم فهو ادعاء باطل، ويظهر بطلان هذا الادعاء في ضوء الحقائق التي أوردناها آنفا في هذا البحث، والتي تدل على أن معظم الأحاديث الشريفة الصحيحة محكمة. أما المختلف فهو قليل ومع قلته فقد تصدى له جهابذة العلماء والمحدثون، ووفقوا في تأويله بصورة مقنعة، كما فعل ابن قتيبة في تأويله لكثير من الأحاديث التي ظاهرها التعارض بما في ذلك الأحاديث التي استشهد بها غيوم ونيكلسون وزعموا أنها أعيت المحدثين وأربكتهم.
ولقد رأينا أيضا كيف تعامل المحدثون مع الأحاديث المتعارضة كالشاذ والمحفوظ والمنكر والمعروف والمضطرب والناسخ والمنسوخ، وأصدروا الأحكام الصائبة في كل حالة حيث قبلوا المحفوظ والمعروف وردوا كلا من الشاذ
стр. 13783
والمنكر وتوقفوا عن العمل بالمضطرب إلى أن يظهر مرجح، وقبلوا كلا من الناسخ والمنسوخ إن توافرت فيهما شروط الصحة المعبرة في الحديث المقبول، وأجازوا العمل بالناسخ وتركوا العمل بالمنسوخ.
وعليه فيمكننا القول: إن علماء المسلمين لم يتحيروا ولم يرتبكوا عند مواجهتهم لهذه الأحاديث المتعارضة، بل اجتهدوا وبحثوا ودققوا ومحصوا وحكموا على الأحاديث الشريفة بما يليق بحالها في ضوء الأساليب التي اتخذوها للعناية بمتون الأحاديث وأسانيدها.
стр. 13784
الخاتمة ونتائج البحث
بعد استعراضنا للتهم الواهية التي أثارها المستشرقون حول أساليب المحدثين في العناية بمتون الأحاديث، ومحاولة تفنيدنا لهذه التهم وبيان فسادها وتهافتها، نورد فيما يلي أهم النتائج التي توصلنا إليها في هذا البحث:
ا - إن ادعاء كل من ماكدونالد وغيوم بأن النهي عن كتابة السنة أدى إلى ضياعها هو محض افتراء باطل؛ لأن هذا النهي لم يكن مطلقا قصد به تحريم كتابة السنة، وإنما كان نهيا مؤقتا له ما يبرره من أسباب موضوعية فلما زالت تلك الأسباب، اتفق المسلمون على كتابة السنة وتدوينها.
٢ - إن ادعاء كل من فيليب حتى وموريس سيل بأن المحدثين لم يولوا متون الأحاديث أي عناية، مما أدى إلى تلفيق الحديث وتسرب الأساطير الوثنية وأساطير أهل الكتاب إلى السنة النبوية الشريفة زعم باطل لا أساس له من الصحة. ويظهر ذلك مما أوردناه من عناية المحدثين بمتون الأحاديث وأسانيدها في ضوء المناهج الرصينة التي وضعوها وعملوا على تطبيقها في تنقية السنة من الشوائب والبدع. وهذا يدل بما لا يدع مجالا للشك أن الأحاديث المقبولة عند المحدثين خالية من الأساطير
стр. 13785
الوثنية وغيرها من أساطير أهل الكتاب، خاصة إن كتب النصارى التي ادعى كل من فيليب حتى وموريس سيل بأن المسلمين قد اقتبسوا عنها هي من المصادر الساقطة التي لا يعتد بها المسلمون ولا يستشهدون بها؛ لأن مؤلفيها مجهولو العين ومجهولو الحال؛ ولأنه ليس لها إسناد قائم.
٣ - إن زعم غيوم بأن سلطة الإجماع عند المسلمين شبيهة بسلطة المجامع الكنسية زعم باطل كما اتضح لنا ذلك من خلال هذا البحث. فالإجماع في الإسلام لا يمكن الاستناد عليه في إبطال نص قرآني أو حديث نبوي، وهذا يختلف بصورة جذرية عن الإجماع الكنسي الذي يمتلك مطلق الحرية في التشريع الديني للمسيحيين.
٤ - أما زعم نيكلسون بأن المحدثين قاموا بجمع كثير من المتون المتعارضة، وضمنوها السنة النبوية دون التمكن من تأويلها أو التوفيق بينها فهو زعم باطل كما رأينا من خلال هذا البحث للأسباب التالية:
أ - قلة عدد المتون المتعارضة بالمقارنة مع المتون المحكمة.
ب - ابتكار المسلمين لمناهج دقيقة ومعايير موضوعية لتنقية الأحاديث النبوية والعناية بها.
ج - تطبيق هذه المعايير في نقد أسانيد الأحاديث ومتونها، مما ساعدهم على تمييز الخبر المقبول من المردود، وعلى التوفيق بين الأحاديث المتعارضة ظاهريا، وإصدار الأحكام الصائبة على الأحاديث المتعارضة.
وهكذا يتضح لنا بأن هذه الافتراءات التي أثارها كل من الفريد غيوم، ودونيكان بلاك ماكدونالد، وفيليب حتى، وموريس سيل، ونيكلسون حول عناية المحدثين بمتون الأحاديث تهم باطلة ما أنزل بها الله من سلطان.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
стр. 13786
مراجع عربية
أ - أدب الإملاء والاستملاء، تأليف عبد الكريم بن محمد السمعاني باعتناء مكس وبويلز، طبع في ليدن، مطبعة بريل ١٩٥٢ م.
٢ - إغاثة اللهفان لابن قيم الجوزية، طبعة الميمنية بالقاهرة.
٣ - الاقتراح في بيان الاصطلاح للسيوطي، مطبعة دائرة المعارف بحيدر أباد، عام ١٣١٠ هـ.
٤ - التاريخ المجموع على التحقيق والتصديق لسعيد بن البطريق، مطبعة الآباء اليسوعيين، بيروت، لبنان، عام ١٩٠٥ م.
٥ - تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة الدينوري، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.
٦ - تدريب الراوي شرح تقريب النووي للسيوطي، طبعة مصر عام ١٣٠٧ هـ.
٧ - تذكرة الحفاظ لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي، طبعة الهند، عام ١٣٣٣ هـ.
٨ - التفسير الواضح، د. محمود حجازي، تحقيق يوسف العشي، دار إحياء السنة النبوية، الطبعة الثانية، عام ١٩٧٤ م.
٩ - تقييد العلم للخطيب البغدادي، تحقيق يوسف العشي، دمشق ١٩٤٩م.
١٠ - توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الآثار لمحمد بن إسماعيل الصنعاني، تحقيق محيي الدين عبد الحميد، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٣٦٦هـ.
١١ - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، مكتبة الخانجي بمصر، الطبعة الأولى، عام ١٣٦٦ هـ.
١٢ - تحذير الخواص من أكاذيب القصاص للإمام جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تحقيق محمد الصباغ، المكتب الاسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩٤ هـ - ١٩٧٤م.
стр. 13787
١٣ - الرحلة في طلب الحديث للخطيب البغدادي، تحقيق نور الدين عتر، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى عام ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ م.
١٤ - الرسالة لمحمد بن إدريس الشافعي بتحقيق وشرح أحمد محمد شاكر، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
١٥ - سنن ابن ماجه للحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، مطبعة عيسى البابي الحلبي وأولاده، القاهرة عام ١٣٧٢ هـ - ١٩٥٢ م.
١٦ - سنن الدارمي للحافظ أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، تصحيح وتحقيق السيد عبد الله هاشم يماني المدني، دار المحاسن للطباعة، القاهرة عام ١٣٨٦ هـ - ١٩٦٦ م.
١٧ - شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي، دار إحياء السنة النبوية ١٩٦٩ م.
١٨ - صحيح البخاري شرح كل من:
(أ) عمدة القارئ للبدر العيني، دار الفكر عام ١٣٩٩هـ - ١٩٥٩م.
(ب) فتح الباري لابن حجر العسقلاني، شركة ومكتبة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر عام ١٣٧٨ هـ - ١٩٥٩م.
١٩ - صحيح الترمذي شرح كل من:
(أ) تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي للمباركفوري، مراجعة عبد الرحمن محمد عثمان، مطبعة الفجالة الجديدة، القاهرة عام ١٣٨٥ هـ - ١٩٦٥ م.
(ب) عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي لابن العربي المالكي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
стр. 13788
٢٠ - صحيح مسلم بشرح النووي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية عام ١٣٩٢ هـ - ١٩٧٢ م.
٢١ - علم الحديث تأليف شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، تحقيق وتعليق موسى محمد علي، دار التوفيق النموذجية للطباعة، مصر الطبعة الأولى عام ١٣٩٠ هـ.
٢٢ - علوم الحديث ومصطلحه للدكتور صبحي الصالح، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان. الطبعة التاسعة عام ١٩٧٧ م.
٢٣ - الفتح الرباني بترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل، تأليف أحمد عبد الرحمن البنا، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.
٢٤ - فتح المغيث شرح ألفية الحديث، تأليف السخاوي، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، مطبعة العاصمة، القاهرة، الطبعة الثانية عام ١٣٨٨ هـ - ١٩٦٨ م.
٢٥ - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث لمحمد جمال الدين القاسمي، تحقيق وتعليق محمد بهجة البيطار، دار إحياء الكتب العربية، مطبعة عيسى الحلبي.
٢٦ - الكتاب المقدس، المطبعة الكاثوليكية، بيروت ١٩٦٠ م.
٢٧ - مختصر سنن أبي داود للحافظ المنذري، ومعالم السنن لأبي سليمان الخطابي، تهذيب الإمام ابن قيم الجوزية، تحقيق أحمد محمد شاكر ومحمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت، لبنان عام ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م.
٢٨ - المستدرك على الصحيحين للإمام الحافظ أبي عبد الله الحاكم النيسابوري، وبذيله التخليص للحافظ الذهبي، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.
٢٩ - مسند الإمام أحمد بن حنبل وبهامشه (منتخب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال) طبعة مطبعة المكتب الإسلامي، دار صادر بيروت.
٣٠ - مصطلح الحديث وأثره على الدرس اللغوي عند العرب، تأليف د. شرف الدين علي الراجحي، دار النهضة العربية، بيروت، لبنان عام ١٩٨٣ م.
стр. 13789
٣١ - معرفة علوم الحديث للحاكم بن عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ النيسابوري، تعليق أ. د. معتصم حسين، طبع دائرة المعارف العثمانية: حيدر أباد الدكن، الطبعة الثانية عام ١٣٩٧ هـ - ١٩٧٧ م.
٣٢ - النفيس في التمييز بين الصحيح والضعيف وشرح مصطلح الحديث لمحمد عبد العزيز الهلالي، دار العلوم للطباعة، القاهرة.
مراجع أجنبية
١ - A. D. Ajijala، Myth of the Cross Kazi Publication - U. S. A.، ١٩٧٩.
٢ - Alfred Guillaume، Islam Macmillan، New York، ١٩٧٦. .
٣ - Alfred Guillaume، The tradition of Islam New York ١٩٦٨. .
٤ - Dancan B. Macdonald، Muslim Theology، Juris prudence and constitutional Theory، Beirut Khayats، ١٩٦٥.
٥ - Merrill. C. Tenney، New Testament Survey، Michigan U. S. A. ١٩٨٢.
٦ - Morris. S. Seale، Muslim Theology London، ١٩٦٤.
٧ - Nicholsen، A Literary History of Arabs، London، ١٩٠٧.
٨ - Philip. K. Hitti، Islam and the West، New Jersey، U. S. A. ١٩٦٢. .
٩ - Werener George Kummel. Introdution to the New Testament، New York ١٩٧٥. .
стр. 13790
الشهادة بالحق في
مهرجان الجهاد
الحمد لله الذي جعل دفع الباطل بالحق سنة ماضية أبدا، لئلا تفسد الأرض بالظلم، وتهون كرامة الإنسان بالاضطهاد والعسف.
والحمد لله الذي جعل ذلك منهجا عمليا، فاستنهض همة المسلمين للدفاع عن المستضعفين. من الرجال والنساء والولدان.
والصلاة والسلام على خير من عرف الحق، والتزمه، وبينه. وخير من جاهد الظلم والطغيان، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.
استجابة لرغبة كريمة من المهتمين بالشأن العام للأمة، وبالمخاطر المحيطة بها في الحاضر والمستقبل.
وشعورا بفداحة الكارثة المزلزلة التي جرها على الأمة، وفجرها في أرضها، وبين بنيها النظام العراقي.
ومشاركة في الكفاح ضد ظلم القيادة العراقية وبغيها.
وتجلية للتفاعل العميق بين الشعب السعودي وقواته المسلحة.
وتضامنا إسلاميا عاما مع المملكة العربية السعودية وهي تواجه العدوان السافر من ذوي القربى، منكري المعروف وجاحديه.
وإحياء لمفاهيم الجهاد ومعانيه في حياة المسلمين.
стр. 13791
أقامت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية " مهرجان الجهاد " في هذه الظروف المفعمة بالتحديات الكبيرة، والنذر الخطرة.
وبحمد الله وفضله انتظم " مهرجان الجهاد " في الفترة من ٤ - ٦ شعبان ١٤١١ هـ، في المدينة الجامعية لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، في مدينة الرياض، بالمملكة العربية السعودية.
وقد افتتح المهرجان نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز، صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء، ووزير الدفاع والطيران والمفتش العام.
ووجه خادم الحرمين الشريفين كلمة ضافية إلى المهرجان، استعرض فيها تطورات أزمة الخليج، وجهد المملكة العربية السعودية الجاد والمخلص والمثابر في حلها سلميا منذ البداية. ولكن القيادة العراقية ضيعت كل فرصة للسلام، وكل جهد للمصالحة بسبب أنها كانت تنطوي على نية الغدر والعدوان.
ولما وقع العدوان، بادرت قيادة المملكة العربية السعودية - على الرغم من هول الكارثة - إلى بذل كل جهد من شأنه أن يحمي المنطقة من حرب ضروس مدمرة. وأمام تعنت القيادة العراقية ورفضها لكل مسعى مخلص وخير وحكيم، فإن المملكة تحملت مسئوليتها في مواجهة العدوان، سواء تمثل هذا العدوان في احتلال الكويت، أم في الحشد العسكري المعادي على حدود المملكة.
وحين نشبت الحرب، نهضت المملكة بواجبها القتالي. . والمملكة العربية السعودية ترى أن الحرب ستستمر ما دامت أسبابها قائمة وهي: الاحتلال العراقي للكويت، وحشد قواته الباغية على حدود المملكة، كما ترى المملكة أن القيادة العراقية تستطيع أن تجنب بلادها والمنطقة كلها المزيد من الخسائر
стр. 13792
والدمار إذا هي اتخذت القرار الواضح بسحب جيشها من الكويت، ومن حدود المملكة العربية السعودية.
وقد حيت كلمة خادم الحرمين الشريفين المهرجان وأهدافه النبيلة، ومن خطط له ونفذه، وهو جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، كما حيت الكلمة السامية المشاركين في المهرجان من خارج المملكة وداخلها.
وفي مناخ التفاعل الكريم بين قيادة المملكة والمشاركين في المهرجان، أتيح للمشاركين في مهرجان الجهاد فرصة لقاء خادم الحرمين الشريفين حيث تحدث إليهم مباشرة عن أزمة الخليج وتداعياتها ومضاعفاتها بصراحة وشمول. كما أتيحت للمشاركين فرص لقاء صاحب السمو الملكي الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس الحرس الوطني، وصاحب السمو الملكي الأمر نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية.
ولقد حفل المهرجان بمناشط متنوعة، أثرته وأعانته على تحقيق أهدافه وبلوغ غاياته، إذ انتظم المهرجان مناشط عسكرية وثقافية وفكرية وأدبية وإعلامية، فشارك في المهرجان فصائل مختارة من الحرس الوطني، ووزارة الدفاع والطيران، والأمن العام. وأدت هذه الفصائل عملا حيا ومتألقا من خلال الاستعراض العسكري، ومشاهد الفروسية.
وحفل المهرجان بالكثير من الندوات والقاعات الثقافية والفكرية والأدبية والإعلامية التي دارت حول قضايا رئيسة وعميقة. . قضايا الجهاد في الخليج دفاع عن الدين والمقدسات، وحرب الخليج صراع بين الحق والباطل، والإعلام وأثره في الحرب، وصمود الجبهة الداخلية وأثره في تحقيق النصر، والشعر في ميدان الجهاد.
стр. 13793
وقد أم المهرجان وشارك فيه جموع كبيرة من رجالات المملكة من مختلف المواقع: المدنية والعسكرية: شعورا بالمسئولية، وتفاعلا مع الحدث، وتحفزا لأداء الواجب.
وشهد المهرجان وشارك فيه نخبة من رجال العلم والدعوة والفكر والرأي والقلم في العالم الإسلامي، انبعاثا من قيم الإسلام، وتضامنا مع المملكة العربية السعودية.
وبعد ثلاثة أيام من النشاط العلمي والفكري والثقافي والأدبي والإعلامي، أصدر المشاركون في مهرجان الجهاد " شهادة الحق " التالية:
стр. 13794
الشهادة بالحق في مهرجان الجهاد
نشهد أنه في الحادي عشر من شهر المحرم ١٤١١ هـ الموافق الثاني من أغسطس عام ١٩٩٠ م، احتل النظام العراقي بلدا عربيا مسلما هو الكويت، وأخرج أهله من ديارهم وأموالهم.
وأن هذا النظام، على أثر احتلاله للكويت، حشد جيشه المعادي على حدود المملكة العربية السعودية تأهبا للعدوان عليها. وهذا كله ظلم وبغي وعدوان.
ونشهد بأن النظام العراقي قد نودي - على مدى ما يقرب من نصف عام - أن كف عن العدوان، وانسحب من الكويت، ومن حدود المملكة العربية السعودية.
وأن هذه النداءات قد صدرت عن علماء الإسلام ودعاته - فرادى ومجتمعين - وعن المؤسسات الإسلامية والعربية الدولية، وعن المنظمات العالمية.
стр. 13795
ولكن النظام العراقي لم يستجب لأي نداء.
وبذلك يكون النظام العراقي قد ناشر أسباب الحرب غير مرة.
باشرها باحتلاله للكويت، وتهديده لأمن المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى.
وباشرها بالإصرار على عدم الانسحاب.
وكان لا بد - والحالة هذه - من مجاهدة الظلم والبغي والعدوان.
إن الظلم والباطل لا يقومان إلا على أنقاض الحق والعدل. . وهذا شذوذ عن سنن الله في الكون والحياة.
فقد عظم الله تعالى شأن الحق والعدل، وأقام عليهما السماوات والأرض وما بينهما:
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ (١).
﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (٢) ومن مقاصد بعث النبيين والمرسلين تقرير الحق، ونصب موازين العدل، وبالتالي إبطال الباطل ومقاومة الظلم.
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (٣).