← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 13721–13760 · переход к 13726.

стр. 13721

وضيعت " (١).

стр. 13722

ثالثا: توفيق العلماء بين اختلاف الروايات في شأن تدوين السنة: لقد وفق الله كثيرا من العلماء إلى فهم الروايات التي وردت في شأن النهي عن كتابة السنة والروايات التي وردت في الإذن بكتابتها، مما جعل هذا الأمر مفهوما لدى كثير من المسلمين، وسوف أقوم هنا بإيراد أقوال بعض العلماء في هذا الشأن لكي يزداد الأمر وضوحا: جاء في مختصر سنن أبي داود من قول ابن القيم ﵀ ما يلي: قد صح عن النبي ﷺ النهي عن الكتابة والإذن فيها، والإذن متأخر فيكون ناسخا لحديث النهي، فإنه ﷺ ، قال في غزاة الفتح: «اكتبوا لأبي شاة (١)» يعني خطبته التي سأل أبو شاة كتابتها " وأذن لعبد الله بن عمرو في الكتابة، وحديثه متأخر عن النهي لأنه لم يزل يكتب، ومات وعنده كتابته وهي الصحيفة التي كان يسميها الصادقة ولو كان النهي عن الكتابة متأخرا لمحاها عبد الله، لأمر النبي ﷺ بمحو ما كتب عنه غير القرآن، فلما لم يمح وأثبتها دل على أن الإذن في الكتابة متأخر عن النهي عنها، وهذا واضح والحمد لله، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال لهم في مرض موته: ائتوني باللوح والدواة والكتف؛ لأكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا - وهذا إنما يكون كتابة كلامه بأمره وإذنه. وكتب النبي ﷺ لعمرو بن حزم كتابا عظيما فيه الديات وفرائض الزكاة وغيرها، وكتبه في الصدقات معروفة. . . وإنما نهى النبي ﷺ عن كتابة غير القرآن في أول الإسلام لئلا يختلط القرآن بغيره فلما علم القرآن وتميز وأفرد بالضبط والحفظ، وأمنت عليه مفسدة الاختلاط أذن في الكتابة. وقد قال بعضهم: إنما كان النهي عن كتابة الحديث والقرآن في صحيفة واحدة خشية الالتباس، وكان بعضهم يرخص فيها حتى يحفظ، فإذا حفظ محاها. . . وقد وقع الاتفاق على جواز الكتابة وإبقائها، ولولا الكتابة ما كان

стр. 13723

بأيدينا اليوم من السنة إلا أقل القليل. اهـ (١). وقال الخطابي: يشبه أن يكون النهي متقدما وآخر الأمرين الإباحة. وقد قيل إنه إنما نهي أن يكتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط به ويشتبه على القارئ، فأما أن يكون نفس الكتاب محظورا وتقييد العلم منهيا عنه فلا. . . وقد أمر رسول الله ﷺ بالتبليغ وقال: ليبلغ الشاهد الغائب، فإذا لم يقيدوا ما يسمعونه منه تعذر التبليغ، ولم يؤمن ذهاب العلم، وأن يسقط أكثر الحديث، فلا يبلغ آخر القرون من الأمة، والنسيان من طبع أكثر البشر والحفظ غير مأمون عليه الغلط. «ولقد قال رسول الله ﷺ لرجل اشتكى إليه سوء الحفظ استعن بيمينك». . . وقد كتب رسول الله ﷺ كتبا في الصدقات والمعاقل والديات أو كتب عنه، فعملت بها الأمة، وتناقلها الرواة، ولم ينكرها أحد من علماء السلف والخلف، فدل ذلك على جواز كتابة الحديث والعلم. اهـ (٢). وقال الخطيب البغدادي: " وقد ثبت أن كراهة من كتب الكتاب من الصدر الأول، إنما هي لئلا يضاهي بكتاب الله تعالى غيره، أو يشتغل عن القرآن بسواه، ونهى عن الكتب القديمة التي تتخذ، لأنه لا يعرف حقها من باطلها، وصحيحها من فاسدها، مع أن القرآن كفى منها، وصار مهيمنا عليها. ونهي عن كتب العلم في صدر الإسلام وجدته لقلة الفقهاء في ذلك الوقت، والمميزين بين الوحي وغيره، لأن أكثر الأعراب لم يكونوا فقهوا في الدين، ولا جالسوا العلماء العارفين، فلم يؤمن أن يلحقوا ما يجدون من الصحف بالقرآن، ويعتقدوا أن ما اشتملت عليه من كلام الرحمن. . . وأمر الناس بحفظ السنن، إذ الإسناد قريب والعهد غير بعيد، ونهي عن الاتكال على الكتاب، لأن ذلك يؤدي إلى اضطراب الحفظ حتى يكاد يبطل، وإذا عدم الكتاب قوى

стр. 13724

لذلك الحفظ الذي يصحب الإنسان في كل مكان. ولهذا قال سفيان الثوري:. . . بئس المستودع العلم القراطيس. . . . وكان سفيان يكتب، أفلا ترى أن سفيان ذم الاتكال على الكتاب وأمر بالحفظ، وكان مع ذلك يكتب احتياطا واستيثاقا. . . . قال الأوزاعي: كان هذا العلم شيئا شريفا، إذ كانوا يتلقونه ويتذاكرونه بينهم. . فلما صار إلى الكتب ذهب نوره وصار إلى غير أهله. قلت إنما اتسع الناس في كتب العلم، وعولوا على تدوينه في الصحف بعد الكراهة لذلك، لأن الروايات انتشرت والأسانيد طالت، وأسماء الرجال وكناهم وأنسابهم كثرت وصار علم الحديث في هذا الزمان أثبت من علم الحافظ مع رخصة رسول ﷺ لمن ضعف حفظه في الكتاب، وعمل السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين بذلك. . اهـ (١). وقال الأبي: " كره كثير من السلف كتب العلم لهذا النهي - النهي عن كتابة الحديث - وأجازه الأكثر، ثم وقع الإجماع على جوازه. . . والحديث محمول عند بعضهم على كتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة خوف أن يختلط به ويشتبه على القارئ، ويحتمل أن النهي منسوخ " (٢). وجاء في شرح النووي أيضا ما يلي: " كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم، فكرهها كثيرون منهم، وأجازها أكثرهم، ثم أجمع المسلمون على جوازها وزال ذلك الخلاف " (٣). يتضح لنا مما سبق أن النهي عن كتابة السنة كان لأسباب وجيهة ومقبولة، منها الحيلولة دون خلط القرآن بالسنة، والدليل على ذلك زوال هذا النهي عندما أمن المسلمون الوقوع في مثل ذلك الخلط، ومنها أن النهي كان لترويض المسلمين على مذاكرة الحديث النبوي وتعهده بالحفظ وعدم إهمال السنة اعتمادا

стр. 13725

على أنها مدونة في القراطيس، هذا بجانب أن الإذن بالكتابة قد جاء متأخرا مما يدل على أنه ناسخ لأحاديث النهي عن الكتابة.

стр. 13726

٢ - بعض الأسباب التي دفعت المحدثين للعناية بمتون الحديث لقد كان اهتمام المسلمين وما يزال اهتماما فائقا بالسنة النبوية الشريفة؛ لاقتناعهم بأن الإلمام بالسنة النبوية الشريفة يؤدى إلى التعمق في فهم كتاب الله تعالى واستنباط أحكامه، وتفصيل مجمله وتقييد مطلقه، وتخصيص عامه، وبيان مراده بتفسير آياته، وتوضح كيفية تلاوتها. قال : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١). وقد تبين السنة النبوية الشريفة أيضا بعض الأحكام التي سكت عنها القرآن كالأحاديث النبوية الشريفة التي وردت في تحريم (٢) ربا الفضل وبيان أنواعه، والأحاديث التي وردت في تحريم لحوم الحمر الإنسية (٣)، وتحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير.

стр. 13727

ولقد فطن صحابة رسول الله ﷺ وتابعوهم إلى مكانة السنة في التشريع وأهميتها في الدين، فجدوا في طلبها والمحافظة عليها، وذلك امتثالا لأمر الله واستجابة لما ورد في القرآن الكريم من أوامر وتوجيهات توجب على المسلمين التفاني في طاعة الرسول ﷺ ، وامتثال أوامره المتضمنة في سنته ﷺ . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (٣). ولقد حذر رسول الله ﷺ من التنكر لسنته وإهمال العمل بها، وذلك في الحديث الشريف الذي أخرجه الترمذي بسنده من حديث المقدام بن معد يكرب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته فيقول بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالا استحللناه وما وجدنا فيه حراما حرمناه، وإن ما حرم رسول الله ﷺ كما حرم الله (٤)». ولقد امتثل صحابة رسول الله ﷺ وتابعوهم لهذا التوجيه الكريم فكانوا يزجرون كل من تسول له نفسه التنكر لسنة رسول الله ﷺ أو ترك العمل بها، ويدلنا على ذلك ما أورده السمعاني من حديث عمران بن الحصين حيث قال: " إنهم كانوا يتذاكرون الحديث، فقال رجل: دعونا من هذا وحدثونا بكتاب الله. فقال له عمران: إنك أحمق، أتجد في كتاب الله الصلاة مفسرة؟

стр. 13728

أتجد في كتاب الله الصوم مفسرا؟ إن القرآن أحكم ذلك والسنة تفسر ذلك " (١). ومن الأسباب التي دفعت المحدثين للعناية بمتون الأحاديث وتحري الصدق في تحملها وأدائها أن النبي ﷺ كان قد شدد الوعيد والنكير لكل من يكذب عليه متعمدا، وذلك في الحديث الشريف الذي تواتر عنه ﷺ : وفيه يقول: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار (٢)». ومن الأسباب التي دفعت المحدثين للعناية بمتون الأحاديث أيضا أن النبي ﷺ كان قد أوصى بنشر العلم وحذر من كتمانه، وذلك في الحديث الشريف الذي أخرجه ابن ماجه من حديث معاوية القشيري قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا ليبلغ الشاهد الغائب (٣)» ومن حديث هارون العبدي قال: «كنا إذا أتينا أبا سعيد الخدري ﵁ قال: مرحبا بوصية رسول الله ﷺ قال لنا: إن الناس لكم تبع وإنهم سيأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإذا جاءوكم فاستوصوا بهم خيرا (٤)». عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما من رجل يحفظ علما فيكتمه، إلا أتى به يوم القيامة ملجما بلجام من النار (٥)». قال الخطابي في شرحه للحديث السابق ما يلي: " هو في العلم الضروري

стр. 13729

كما لو قال: علمني الإسلام والصلاة، وقد حضر وقتها وهو لا يحسنها لا في نوافل العلم " (١). ولقد جاء في بعض طرق الحديث أن أبا هريرة ﵁ قال: " والله لولا آيتان من كتاب الله تعالى ما حدثت عنه- يعني عن النبي ﷺ شيئا أبدا، لولا قول الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (٢) إلى آخر الآيتين. ومن الأسباب التي دفعت المحدثين للعناية بمتون الأحاديث أيضا ما ورد في القرآن الكريم من آيات بينات تحث المسلمين على طلب العلم والتفقه في الدين، قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (٣). ومن المعلوم أن التفقه في الدين لا يكتمل إلا عن طريق فهم الآيات القرآنية والأحاديث القدسية والنبوية التي قد يشكل معناها على الأفهام، مما يستدعي طلب العون للإحاطة بمراميها من رسول الله ﷺ الذي خصه الله بهذه الرسالة الخاتمة. ويقول الدكتور محمود حجازي في معرض تفسيره للآية المذكورة أعلاه. ما يلي: " فلولا خرج من كل فرقة كبيرة كالقبيلة أو البلد جماعة قليلة يقدر عددها بقدر الظروف والملابسات وذلك ليتأتي للمؤمنين في جملتهم التفقه في الدين، والوقوف على أسرار التنزيل، فيكونون حول النبي ﷺ جماعة يتعلمون منه الأحكام ويأخذون عنه القرآن " (٤). ومن الأسباب التي دفعت المحدثين للعناية بمتون الأحاديث كذلك حرصهم

стр. 13730

الشديد على استيعاب السنة النبوية الشريفة والإفادة منها وتدوينها قبل أن ترفع ويقبض أهلها؛ لإخبار النبي ﷺ بذلك في الحديث الذي أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو، وفيه قول النبي ﷺ : «إن الله لا ينزع العلم من الناس انتزاعا ولكن يقبض العلماء فيرفع العلم معهم (١)». . . . وجاء في سنن الدارمي من حديث ابن مسعود قال: " تعلموا العلم قبل أن يقبض، وقبضه أن يذهب أهله (٢) ألا وإياكم والتنطع والتعمق والبدع وعليكم بالعتيق ". ولقد امتثل الصحابة رضوان الله عليهم وتابعوهم لهذا الأمر وجدوا في الاستجابة له. ويدلنا على ذلك ما أورده الخطيب البغدادى من أن عليا ﵁ قال: " تزاوروا وتذاكروا الحديث فإنكم إلا تفعلوا يدرس" (٣) وعن عمرو بن العاص أنه أتى على حلقة من قريش فقال: " ما لكم قد طرحتم هذه الأغيلمة؟ لا تفعلوا، وأوسعوا لهم في المجالس، وأسمعوهم الحديث، وأفهموهم إياه، فإنهم صغار قوم أوشك أن يكونوا كبار قوم، وقد كنتم صغار قوم، فأنتم اليوم كبار قوم " (٤). ولقد كان ابن عباس يحث المسلمين على مذاكرة الحديث وحفظه وتبليغه بقوله: " تذاكروا هذا الحديث لا ينفلت منكم، فإنه ليس بمنزلة القرآن، القرآن مجموع محفوظ وإنكم إن لم تذاكروا هذا الحديث تفلت منكم، ولا يقل أحدكم حدثت أمس لا أحدث اليوم، بل حدث أمس وحدث اليوم وحدث غدا " (٥).

стр. 13731

من الأسباب التي دفعت المحدثين للعنايه بمتون الأحاديث خاصة بعد عصر الفقه - ظهور الزنادقة والملاحدة ومناصري العصبيات والقوميات وغيرهم من أعداء الله ومحاولتهم دس الأحاديث الموضوعة وإشاعتها وسط المسلمين مما جعل المحدثين يتشددون في اعتماد الأسانيد والمتون ويسألون عن حال الرواة رجلا رجلا، ولقد أورد الإمام الذهبي في مؤلفه " تذكرة الحفاظ، عن هذا الأمر ما يلي: " إن الرشيد أخذ رجلا من الزنادقة ليقتله فقال: أين أنت من ألف حديث وضعتها؟ فقال له الرشيد: أين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري وابن المبارك ينخلانها ويخرجانها حرفا حرفا " (١). ومن الأسباب التي أدت إلى مضاعفة جهود المحدثين في العناية بمتون الأحاديث وأسانيدها أنهم قد اضطروا للرحلة في طلب الحديث بعد توسع الدولة الإسلامية وتفرق الصحابة بالأمصار، فكان على المحدثين أن يرحلوا إليهم طلبا للإسناد العالي، وتوثيق نصوص الأحاديث وتقويتها بكثرة الطرق. ولقد بين الخطيب (٢) البغدادي في مؤلفه " الرحلة " معظم من رحل منهم كأبي العالية الذي رحل ليسمع من الصحابة رضوان الله عليهم. وكزر بن حبييش الذي رحل في خلافة عثمان ﵁ ليسمع من الصحابة، ونقل قول عامر الشعبي: " لو أن رجلا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن، فحفظ كلمة تنفعه فيما يستقبله من عمره ما ضاعت رحلته " (٣).

стр. 13732

٣ - بعض المناهج التي اتبعها المحدثون للعناية بمتون الأحاديث لقد اتبع المحدثون مناهج عديدة في جمع السنة النبوية الشريفة وتوثيقها، وتقسيم ما وصلهم من أحاديث إلى مستويات متعددة تتراوح ما بين الصحيح

стр. 13733

والحسن والضعيف ثم الموضوع، ولقد انصبت جهودهم على تمحيص ونقد أسانيد الأحاديث ومتونها، وقد ترتب على عنايتهم بالسند أن بحثوا في رجال السند وحكموا على كل منهم بما يليق بحاله، من حيث التوثيق أو الجرح، وترتب على ذلك ظهور علوم كثيرة تتعلق بسند الحديث كعلم الجرح والتعديل، وعلم طبقات الرواة، والبحث في الكنى والألقاب وغيرها. أما فيما يتعلق بعنايتهم بالمتن وهو موضوع بحثنا هذا فقد اتبع المحدثون مناهج فريدة من نوعها أيضا، متينة في أسسها، وقوية في أركانها؛ لصيانة متون الأحاديث الشريفة كأسانيدها تماما من الوهم والنسيان والعوارض البشرية، ومن التزيد والوضع والدس وتشويه الحقائق. ولقد اهتم المحدثون بفحص المرويات اهتماما بالغا، فكان كل منهم يعرض ما يجمعه من أحاديث على زملائه من المحدثين للتأكد من سلامتها وخلوها من العلل. ويدلنا على ذلك ما أورده الخطيب البغدادي في مؤلفه " الكفاية " حيث روى عن الأوزاعي قوله: كنا نسمع الحديث ونعرضه على أصحابنا، كما يعرض الدرهم الزائف، فما عرفوا منه أخذناه وما أنكروا منه تركناه، قال جرير: كنت إذا سمعت الحديث جئت به إلى المغيرة فعرضته عليه فما قال لي ألقه ألقيته " (١). ولم ينته القرن الرابع الهجري إلا وقد جمعت معظم متون الأحاديث النبوية الشريفة ودونت في مصنفات، ثم انصب نشاط المحدثين بعد ذلك في العناية بهذه المصنفات والعمل على ترتيبها وتبويبها وشرحها والتعليق والاستدراك عليها، وتحقيقها، وما إلى ذلك من ضروب الأنشطة التي توضح مدى اهتمام المحدثين بسنة رسول الله ﷺ وكثرة عنايتهم بها وتفانيهم في خدمتها. وسوف نورد فيما يلي بعضا من المناهج التي أتبعوها في ذلك:

стр. 13734

ا - الإقلال من رواية الحديث النبوي الشريف، وذلك لأسباب عديدة جمعها الشيخ محمد أبو زهو في مؤلفه " الحديث والمحدثون " وفيه يقول: " نظر الخلفاء الراشدون، وتابعهم سائر الصحابة إلى السنة الشريفة، فألفوها كنوزا ثمينة في صدور الذين أوتوا العلم فلم يشاءوا أن يعرضوها في سوق الرواية، لئلا يتخذ المنافقون من شيوع الحديث ذريعة للتزيد فيه، وسلما لتزييف الحديث عن رسول الله ﷺ من حيث لا يشعرون. كما كرهوا أن يشتغل الناس برواية الحديث وينصرفوا عن تلاوة القرآن، ولما تيسر حفظه لكثير منهم، لذلك نجدهم قد أنفقوا من السنة في كتاب أبي الزهو بقدر حسب ما يعن لهم من مسائل الفتوى والقضاء. . . وهذا أبو هريرة يمسك عن التحديث في زمن عمر بن الخطاب، مع أنه معدود في المكثرين من الصحابة لرواية الحديث، ولكنه اتباعا لسنة الشيخين في التقليل من الرواية يكف عنها، ثم لما طالت به الأيام واحتيج إلى ما عنده من العلم حدث به وأظهره للناس " (١). ٢ - طلب توثيق وتأكيد النص المروي بشاهد وسند يقويه ويعضده، ومما يدلنا على ذلك أن سيدنا عمر بن الخطاب كان يطلب البينة على المروي تأكيدا وتقوية له، لا شكا في صحابة رسول الله ﷺ ، ولقد أورد الإمام الذهبي في مؤلفه " تذكرة الحفاظ " في شأن تثبت سيدنا عمر بن الخطاب عن حديث سمعه من أبي بن كعب ما يلي " فقال عمر لأبي لتأتيني على ما تقول ببينة فخرج، فإذا ناس من الأنصار، قال: فذكر لهم قالوا: قد سمعنا هذا من رسول الله ﷺ فقال عمر: أما أني لم أتهمك ولكني أحببت أن أتثبت ". وبعد أن نقل الذهبي تثبت عمر عن حديث أبي موسى الأشعري حول

стр. 13735

الاستئذان وطلبه البينة، وإحضار أبي موسى لشاهد يقر بصحة روايته، يقول الذهبي معلقا: " أحب عمر أن يتأكد عنده خبر أبي موسى بقول صحابي آخر، ففي هذا دليل على أن الخبر إذا رواه ثقتان كان أقوى وأرجح مما انفرد به واحد، وفي ذلك حض على تكثير طرق الحديث؛ لكي يرتقي عن درجة الظن إلى درجة العلم، إذ الواحد يجوز عليه النسيان والوهم ولا يكاد يجوز ذلك على ثقتين لم يخالفهما أحد ". ٣ - اختبار مدى قوة حفظ الراوي وتمكنه من استحضار ما رواه من أحاديث متى طلب منه ذلك. ومما يدلنا على أن المسلمين كانوا يمارسون هذا المنهج في العناية بمتون الأحاديث ذلك الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم بسنده من حديث عروة بن الزبير قال: " قالت لي عائشة، يا ابن أختي بلغني أن عبد الله بن عمرو مار بنا إلى الحج فالقه فسائله فإنه قد حمل عن النبي ﷺ علما كثيرا، قال: فلقيته فساءلته عن أشياء يذكرها عن رسول الله ﷺ ، قال عروة: فكان فيما ذكر أن النبي ﷺ قال: «إن الله لا ينزع العلم من الناس انتزاعا، ولكن يقبض العلماء فيرفع العلم معهم، ويبقي في الناس رءوسا جهالا فيفتونهم بغير علم فيضلون (١)». قال عروة فلما حدثت عائشة بذلك أعظمت ذلك وأنكرته قالت: أحدثك أنه سمع النبي ﷺ يقول هذا؟ قال عروة حتى إذا كان قابل قالت له: إن ابن عمرو قد قدم، فالقه ثم فاتحه حتى تسأله عن الحديث الذي ذكره لك في العلم، قال: فلقيته فسألته فذكره لي نحو ما حدثني به في مرته الأولى، قال عروة: فلما أخبرتها بذلك قالت: ما أحسبه إلا قد صدق أراه لم يزد فيه شيئا ولم ينقص ".

стр. 13736

٤ - نقد الحديث بعرضه على القرآن الكريم والسنة الصحيحة المعروفة، ويدلنا على ذلك ما فعله كل من سيدنا عمر بن الخطاب ﵁، والسيدة عائشة ﵂، وذلك عندما بلغهما حديث فاطمة بنت قيس الوارد في شأن عدة المطلقة المبتوتة، فقاما برد الحديث لأنه غير متوافق مع ما جاء في القرآن الكريم والسنة الصحيحة المعلومة لديهما. ولقد أخرج الإمام مسلم الحديث المشار إليه بسنده من حديث الشعبي قال: «دخلت على فاطمة بنت قيس، فسألتها عن قضاء رسول الله عليها فقالت: طلقها زوجها ألبتة، فقالت: فخاصمته إلى رسول الله ﷺ في السكنى والنفقة، فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة، وأمرني أن أعتد في بيت ابن أم مكتوم (١)». وجاء في بعض طرق الحديث عن أبي إسحاق قال: كنت مع الأسود ابن يزيد جالسا في المسجد الأعظم، ومعنا الشعبي، فحدثت الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله ﷺ لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، ثم أخذ الأسود كفا من حصى فحصبه به فقال: ويلك تحدث بمثل هذا! قال عمر: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا ﷺ لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال الله : ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٢). اهـ. وأخرج البخاري بسنده من حديث عروة بن الزبير أنه قال لعائشة

стр. 13737

ألم ترين إلى فلانة بنت الحكم طلقها زوجها ألبتة فخرجت؟ فقالت: بئس ما صنعت. قال: ألم تسمعي قول فاطمة بنت قيس؟ قالت: أما أنه ليس لها خير في ذكر هذا الحديث " ((١). وأخرج البخاري تعليقا من حديث عروة أنه قال: عابت - يعني أن عائشة عابت حديث فاطمة - أشد العيب وقالت: إن فاطمة في مكان وحش فخيف على ناحيتها، فلذلك أرخص لها النبي ﷺ (٢). ٥ - التدقيق في طرق تحمل الحديث (٣) وأدائه سواء كان ذلك بالسماع من الشيخ أو بالقراءة عليه، أو بالإجازة منه، أو بالوجادة عنه وغير ذلك من طرق التحمل والأداء. ٦ - التشدد في مواصفات طالب الحديث من حيث عدالته وضبطه وعدم فساد عقيدته وفهمه وإتقانه وتبصره بالرجال، وغير ذلك من الصفات التي لا مندوحة عنها فيمن يتصدى لتحمل حديث رسول الله وأدائه. ويدلنا على ذلك ما جاء في " معرفة علوم الحديث " من قول يحيى بن سعيد ما يلي: لا ينبغي لصاحب الحديث أن يكون ثبت الأخذ، ويفهم ما يقال له، ويبصر الرجال، ثم يتعهد ذلك " (٤). وقال الحاكم: " ومما يحتاج إليه طالب الحديث في زماننا هذا أن يبحث عن أحوال المحدث أولا: هل يعتقد الشريعة والتوحيد، وهل يلزم نفسه طاعة الأنبياء والرسل صلى الله عليهم وسلم فيما أوحى إليهم ووصفوا

стр. 13738

من الشرع، ثم يتأمل حاله هل هو صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه؟ فإن الداعي إلى البدعة لا يكتب عنه ولا كرامة لإجماع أئمة المسلمين على تركه " (١). ٧ - مذاكرة الحديث مع أهل العلم لمعرفة علله. قال الحاكم في هذا الشأن ما يلي: " إن الصحيح لا يعرف بروايته فقط، وإنما يعرف بالفهم والحفظ، وكثرة السماع، وليس لهذا العلم عون أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة ليظهر ما يخفى من علل الحديث " (٢). ٨ - تحديد شروط واضحة تبين مدى صحة الحديث، وهي: اتصال السند، عدالة الرواة، ضبط الرواة، عدم الشذوذ، عدم العلة، وأضاف إلى ذلك الإمام البخاري شرطي المعاصرة واللقيا. ولقد وضع المحدثون لذلك معايير لقبول الرواية مطلقا أو مقيدا كما أوضح لنا ذلك ابن القيم بقوله: " إما أن تقبل روايته - أي الراوي - مطلقا أو مقيدا، فأما المقبول إطلاقا فلا بد أن يكون مأمون الكذب بالمظنة، وشرط ذلك العدالة وخلوه عن الأغراض والعقائد الفاسدة التي يظن معها جواز الوضع، وأن يكون مأمون السهو بالحفظ، والضبط، والإتقان " (٣). ٩ - إخلاص النية عند طلب الحديث، وتوخي الأمانة والدقة في أدائه، والتواضع لطلبة العلم، والامتناع عن التحديث عند الهرم خوف الاختلاط، واشتراط تأدب (٤) المحدث مع شيخه. ولقد التزم المحدثون بكل ذلك وحرصوا عليه. ويدلنا على ذلك أن الإمام البخاري كان قد أخلص النية عند جمع السنة، فقد بدأ صحيحه بالحديث الذي أخرجه بسنده من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن

стр. 13739

رسول الله ﷺ قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه (١)». قال ابن حجر في سبب تصدير البخاري لصحيحه بهذا الحديث ما يلي: " لم يقصد البخاري بإيراده سوى بيان حسن نيته في هذا التأليف " (٢). ١٠ - عدم الأخذ عن السفهاء والتحذير من الضعفاء والمتروكين. ويدلنا على ذلك ما أورده الخطيب البغدادي في مؤلفه (الكفاية) تحت باب (أن السفه يسقط العدالة) حيث أورد عن شعبة أنه قال: لم يكن شيء أحب إلي من أن أرى رجلا يقدم من مكة فأسأله عن أبي الزبير. حتى قدمت مكة، فسمعت منه فبينا أنا عنده، إذ جاء رجل فسأله عن شيء، فافترى عليه فقلت: تفتري على رجل مسلم؟ قال: إنه غاظني، قال: قلت: يغيظك فتفتري عليه؟ فآليت ألا أحدث عنه فكان - أي شعبة - يقول: في صدري منه أربعمائة لا والله لا أحدثنكم عنه بشيء أبدا " (٣). ١١ - إمعان النظر في نصوص المتون ونقد محتوياتها، وذلك تنقية للأحاديث مما قد يلحق بها من قلب (٤) أو إدراج (٥) أو تصحيف أو غير ذلك. ١٢ - البحث والتحري عن تاريخ مواليد ووفيات الرواة كوسيلة لتحديد مدى

стр. 13740

صدق الراوي من كذبه، ويدلنا على ذلك ما ورد في " الكفاية " في علم الرواية لمؤلفه الخطيب البغدادي، حيث ساق المؤلف حول هذا الموضوع ما يلي: " ومما يستدل به على كذب المحدث في روايته عمن لم يدركه معرفة تاريخ موت المروي عنه، ومولد الراوي. . . حدثنا عفير بن معدان الكلاني قال: قدم علينا عمر بن موسى حمص، فاجتمعنا إليه في المسجد، فجعل يقول: حدثنا شيخكم الصالح، فلما أكثر قلت له: من شيخنا هذا الصالح؟ سمه لنا لنعرفه؟. . . فقال: خالد بن معدان، قلت له: في أي سنة لقيته؟ قال: لقيته سنة ثمان ومائة، قلت: فأين لقيته؟ قال: لقيته في غزاة أرمينية، قال: فقلت له: اتق الله يا شيخ ولا تكذب!! مات خالد بن معدان سنة أربع ومائة، وأنت تزعم أنك لقيته بعد موته بأربع سنين!! وأزيدك أخرى أنه لم يغز أرمينية قط!! كان يغزو الروم. . . وقال سفيان الثوري: لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ. . . وقال حفص بن غياث: إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسنين: يعني احسبوا سنه وسن من كتب عنه. وإذا روى الراوي عن نفسه بأمر مستحيل سقطت روايته " (١). ١٣ - رد رواية من عرف بقبول التلقين أو من تساهل في سماع الحديث وروايته، وكذلك رد رواية من عرف بالشذوذ والغفلة. لقد رد المحدثون رواية من عرف بقبول التلقين، ويدلنا على ذلك ما أورده الخطيب البغدادي في الكفاية حيث يقول: إن أبا داود سليمان بن الأشعث قال: عطاء بن عجلان بصري يقال له عطاء العطار ليس بشيء، قال أبو معاوية: وصفوا له حديثا من حديثي، وقالوا له: قل حدثنا محمد بن حازم، فقال: حدثنا محمد بن حازم، فقلت: يا عدو الله أنا محمد بن حازم ما حدثتك بشيء. . . وقال يحيى بن سعيد: إذا

стр. 13741

كان الشيخ إذا لقنته قبل فذاك بلاء. . . وقال الحميدي: من قبل التلقين ترك حديثه الذي لقن فيه، وأخذ عنه ما أتقن حفظه، إذا علم ذلك التلقين حادثا في حفظه لا يعرف به قديما، وأما من عرف به قديما في جميع حديثه فلا يقبل حديثه ولا يؤمن أن يكون حفظه مما لقن " (١). لقد نقل لنا الخطيب أيضا آراء العلماء حول من عرف بالتساهل في السماع والرواية منها ما يلي: " قال أحمد بن حنبل: رأيت ابن وهب وكان يبلغني تسهيله - يعني في السماع - فلم أكتب عنه شيئا، وحديثه حديث مقارب الحق. . . وقال عثمان بن أبي شيبة رأيت عبد الله بن وهب. . . ينام نوما حسنا، وصاحبه يقرأ له على ابن عيينة، وابن وهب نائم قال: فقلت لصاحبه: أنت تقرأ وصاحبك نائم. قال: فضحك ابن عيينة، قال: فتركنا ابن وهب إلى يومنا هذا. . . . وقال يحيى بن حسان: جاء قوم ومعهم جزء فقالوا: سمعناه من ابن لهيعة، فنظرت فإذا ليس فيه حديث واحد من حديث ابن لهيعة، فجئت إلى ابن لهيعة فقلت: هذا الذي حدثت به ليس فيه حديث من حديثك، ولا سمعتها أنت قط، فقال: ما أصنع يجيئوني بكتاب ويقولون هذا من حديثك فأحدثهم به. . . وكان عبد الله بن لهيعة سيئ الحفظ واحترقت كتبه، وكان يتساهل في الأخذ، وأي كتاب جاءوا به حدث منه، فمن هناك كثرت المناكير في حديثه. . . ومن عرف بكثرة السهو والغفلة وقلة الضبط رد خبره، ويرد خبر من عرف بالتساهل في حديث رسول الله ﷺ " (٢). أما عن الراوي الذي يغلب على حديثه الشذوذ فقد أورد الخطيب من قول العلماء ما يلي: " من حمل شاذ العلماء فقد حمل شرا كثيرا ".

стр. 13742

وقال شعبة: لا يجيئك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ " (١). أما عن أحاديث أهل الغفلة فقد أورد الخطيب أيضا من قول ابن عباس ﵁ ما يلي: " لا يكتب عن الشيخ المغفل " (٢). ١٤ - رد رواية أهل المجون والخلاعة والالتزام بالأخذ عن المشهورين المشهود لهم بطلب الحديث مع تجنب التحديث إلا بعد الحفظ والإتقان، ويظهر لنا كل ذلك فيما أورده الخطيب البغدادي في مؤلفه الكفاية حيث يقول: " كانوا إذا أرادوا أن يأخذوا عن رجل نظروا إلى صلاته وإلى سمته وإلى هيئته. . . حدثنا العباس بن محمد قال: سمعت يحيى بن معين، وذكرت له شيخا كان يلزم سفيان بن عيينة يقال له ابن مناذر، فقال: أعرفه كان صاحب حديث، وكان يتعشق ابن عبد الوهاب الثقفي ويقول فيه الأشعار، ويشبب بالنساء، وطردوه من البصرة، وكان يرسل العقارب في المسجد حتى تلسع الناس، وكان يصب المداد بالليل في المواضع التي يتوضأ منها حتى يسود وجوه الناس، ليس يروي عنه رجل فيه خير. . . قال أبو نعيم: لا ينبغي أن يؤخذ الحديث إلا عن حافظ له، أمين عليه، عارف بالرجال، ثم يأخذ نفسه بدرسه وتكريره حتى يستقر له حفظه، ويجب أن يتثبت في الرواية حال الأداء، ويروي ما لا يرتاب في حفظه، ويتوقف عما عارضه الشك فيه. . . وعن محمد بن سيرين قال: التثبت نصف العلم. . . . وحدثنا أبو زرعة الدمشقي قال: رأيت أبا مسهر يكره للرجل أن يحدث إلا أن يكون عالما بما يحدث ضابطا له. . . قال عبد الرحمن بن مهدي: محرم على الرجل أن يروي حديثا في أمر الدين حتى يتقنه ويحفظه كالآية من القرآن وكاسم الرجل. والمستحب له أن يورد الأحاديث بألفاظها؛ لأن ذلك أسلم. . . فإن كان ممن يروى على

стр. 13743

المعنى دون اعتبار اللفظ، فيجب أن يكون توقيه أشد، وتحرزه أكثر خوفا من إحالة المعنى الذي به يتغير الحكم " (١). ١٥ - مقابلة النص المكتوب بالأصل أو عرضه على الشيخ وتصحيحه، والتدقيق في كيفية أداء النص بعد ذلك. ويصف لنا هذا المنهج الخطيب البغدادي بقوله: " عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه كان يقول: كتبت؟ قلت: نعم، قال: عرضت كتابك؟ قلت: لا. قال: لم تكتب. . . وعن يحيى بن كثير قال: من كتب ولم يعارض كمن دخل الخلاء ولم يستنج. . . وعن الأخفش قال: إذا نسخ الكتاب ولم يعارض ثم نسخ ولم يعارض خرج أعجميا. . . . ويستحب نظر جماعة السامعين في النسخة وقت قراءة المحدث لها، وخاصة لمن أراد النقل منها. . . ومن سمع من الراوي ولم يكن له في الحال نسخه، ثم نسخ من الأصل بعد ذلك، استحب له عرض ما نسخه على الراوي للتصحيح، وإن كان قد قابل به؛ لأنه يحتمل أن يكون في الأصل خطأ أو نقصان حروف وغير ذلك مما يعرفه الراوي " (٢). ١٦ - ضبط طرق التحمل والأداء بألفاظ مخصوصة تبين للسامع كيفية التحمل بأمانة تامة، وفي هذا الشأن أورد الخطيب البغدادي ما يلي: " عن يحيى بن سعيد قال: ينبغي للرجل أن يحدث الرجل كما سمع، فإن سمع يقول: حدثنا، وإن عرض يقول عرضت، وإن كان أجازه يقول: أجاز لي. وسئل الأوزاعي عن الرجل يقرأ على الرجل الحديث يقول حدثنا؟ قال: لا يقول كما صنع قرأت. . . وقال أحمد بن حنبل: إذا سمعت من المحدث فقل: حدثنا، وإذا قرأت عليه فقل: قرأت، وإذا قرئ عليه يقول: قرئ عليه " (٣).

стр. 13744

ومن هنا دقق المحدثون في استعمال العبارات عند الأداء بما يوضح صور التحمل، وتكلموا عن الإجازة وأنواعها وأحكامها وحكم العمل بها، وغيرها من ضروب المعارف (١) القيمة التي يشتمل عليها علم المصطلح بما يطول ذكره، ويعسر حصره في هذا البحث الموجز.

стр. 13745

٤ - بعض النتائج التي ترتبت على عناية المحدثين بمتون الحديث باستعراضنا للمناهج التي اتبعها المحدثون في العناية بمتون الأحاديث اتضح لنا أنهم اتبعوا مناهج في غاية الإحكام والدقة والموضوعية، مما مكنهم من بلوغ نتائج هامة تتصل بموضوع جمع الحديث النبوي الشريف وتوثيقه، نذكر منها ما يلي: ١ - تقسيم الحديث إلى قسمين: مقبول، ومردود. والمقبول يتراوح حسب تفاوت تمكنه من صفات القبول إلى الآتي: صحيح لذاته، صحيح لغيره، حسن لذاته، وحسن لغيره. أما الحديث المردود فهو الحديث الضعيف لفقدانه بعض شروط القبول التي اشترطها المحدثون لسلامة الحديث، وهو أيضا يتراوح في ضعفه إلى درجات حتى يصل إلى الواهي المتروك. وهناك أيضا الأحاديث الموضوعة، ولا اعتبار لها؛ لأنها الأحاديث المكذوبة المنسوبة زورا وبهتانا إلى رسول الله ﷺ ، والفرق بين الضعيف والموضوع هو أن الضعيف لم يترجح صدق المخبر به؛ لعدم وجود دليل على ذلك لدى الجامع، أما الموضوع فهو محض افتراء وتقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 13746

وهذا أدى بدوره إلى الاطمئنان إلى الأحاديث الصحيحة، وتجميعها في مصنفات سهلت الوصول إليها، والتمكن من معرفتها دون مشقة. ٢ - ظهور المصنفات (١) العديدة في مختلف أنواع الحديث كالمصنفات في الصحيح المجرد وفي الصحيح والحسن والضعيف، وفي الأحاديث الضعيفة فقط، وفي الأحاديث الموضوعة وغيرها، وظهور المستدركات التي تضيف أحاديث أخرى للمصنفات المعروفة مع مراعاة نفس شروط صاحب المصنف، والمستخرجات التي تكثر طرق الحديث وتزيده قوة، وقد تضيف إلى متون الأحاديث بعض الزيادات المفيدة. ٣ - توضيح الفروق والاختلافات بين الأحاديث المحفوظة والشاذة، والأحاديث المعروفة والمنكرة باعتبار أن الأحاديث المحفوظة والمعروفة تعد من ضمن الأحاديث المقبولة، أما الشاذة والمنكرة فتعد من الأحاديث المردودة. ولقد عرف جمال الدين القاسمي الشاذ والمنكر فيما يلي: " الشاذ هو ما رواه المقبول مخالفا لرواية من هو أولى منه، لا أن يروي ما لا يروي غيره، فمطلق التفرد لا يجعل المروي شاذا كما قيل، بل مع المخالفة المذكورة. . . والمنكر هو الحديث الفرد الذي لا يعرف متنه من غير راويه، وكان راويه بعيدا عن درجة الضابط. اعلم أن الشاذ والمنكر يجتمعان في اشتراط المخالفة لما يرويه الناس، ويفترقان في أن الشاذ رواية ثقة أو صدوق، والمنكر رواية ضعيف (٢) أما المحفوظ والمعروف فهما عكس الشاذ والمنكر كما يظهر ذلك من كلام جمال الدين القاسمي.

стр. 13747

٤ - معرفة العلل الغامضة الخفية التي تقدح في سلامة المتن والسند، وقد عرف علماء المصطلح العلة بما يلي: " هي سبب غامض خفي يقدح في سلامة الحديث مع أن الظاهر السلامة منه " (١)، ويتوصل المحدثون عادة إلى معرفة العلة في المتن بوسائل مختلفة، كجمع طرق الحديث ومقارنة متونه بعضها ببعض، والبحث في رواته، والموازنة بينهم من حيث الضبط والإتقان. ٥ - اكتشاف الأحاديث المدرجة سندا ومتنا، والذي يهمنا هنا الإدراج في المتن وهو في الاصطلاح: " ما أدخل في (٢) متنه ما ليس منه بلا فصل "، وقد يكون الإدراج في أول الحديث أو في وسطه أو في آخره. ومما أدرج في الحديث من كلام الصحابة قول أبي هريرة ﵁: «أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار (٣)» فصدر الحديث أي (أسبغوا الوضوء) من كلام أبي هريرة أما «ويل للأعقاب من النار (٤)» فهو الجزء المرفوع من الحديث. ولقد أدرك المحدثون ذلك بتتبع طرق الحديث والنظر في المتون. ٦ - اكتشاف الأحاديث المقلوبة (٥) والقلب في اصطلاح المحدثين هو: إبدال لفظ بآخر في سند الحديث أو متنه بتقديم أو تأخير. ومن صور القلب في المتن تحويل بعض الأحاديث إلى أسانيد غيرها عن قصد أو لوهم، ومن صور القلب في المتن أيضا تقديم أو تأخير كلمة أو جملة في متن الحديث، ومثاله: " ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله " (٦).

стр. 13748

والصحيح ما أخرجه مسلم بسنده من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «سبعة يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ بعبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه (١)». ٧ - اكتشاف الأحاديث المكذوبة (٢) المنسوبة زورا إلى رسول الله ﷺ . ولقد تم للمحدثين اكتشاف كثير من الأحاديث الموضوعة بتتبع أسانيدها ومتونها والبحث في علل ذلك، كأن يكون الحديث ركيك اللفظ مخالفا لصريح القرآن أو السنة الصحيحة، أو مخالفا للحس أو العقل. وقد يعرف الحديث الموضوع أيضا بتتبع سلوك الراوي وسيرته، وقد يعرف كذلك بإقرار الواضع نفسه أو ما يتنزل منزلة إقراره. ٨ - معرفة الزيادات في متون الأحاديث ما يقبل منها وما يرد. ولقد جاء في تدريب الراوي حول هذا الموضوع ما يلي: مذهب الجمهور من الفقهاء والمحدثين قبولها - أي زيادة الثقة - مطلقا، وقيل: لا تقبل مطلقا، وقيل: تقبل إن زادها غير من رواه ناقصا، ولا يقبل ممن رواه مرة ناقصا، وقسمه الشيخ أقساما. أحدها: زيادة تخالف الثقات فترد. . . الثاني: ما لا مخالفة فيه كتفرد ثقة بجملة حديث فيقبل، قال الخطيب باتفاق العلماء. الثالث: زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر رواته كحديث: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا (٣)»، انفرد أبو مالك الأشجعي فقال: «وتربتها طهورا (٤)». والصحيح قبول هذا. اهـ.

стр. 13749

٩ - تمييز الأحاديث المضطربة من غيرها. والحديث المضطرب في اصطلاح المحدثين هو: " الذي يروى على أوجه مختلفة - متساوية في القوة متقاربة، فإن رجحت إحدى الروايتين بحفظ راويها أو كثرة صحبته المروي عنه أو غير ذلك فالحكم للراجحة، ولا يكون مضطربا، والاضطراب يوجب ضعف الحديث لإشعاره بعدم الضبط، ويقع في الإسناد تارة وفي المتن أخرى وفيهما من راو أو جماعة " (١). ولقد مثل السيوطي للاضطراب في المتن بما يلي: " حديث فاطمة بنت قيس قالت: «سئل النبي ﷺ عن الزكاة فقال: إن في المال لحقا سوى الزكاة (٢)» أخرجه الترمذي هكذا من رواية شريك عن أبي حمزة عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس. ورواه ابن ماجه من هذا الوجه بلفظ: «ليس في المال حق سوى الزكاة (٣)». . . فهذا اضطراب لا يحتمل التأويل. اهـ (٤). ١٠ - معرفة الأحاديث المصحفة مما أدى إلى تصويبها وبيان خطأ من أوردها، والتصحيف في اصطلاح (٥) المحدثين هو: تغيير الكلمة في الحديث إلى غير ما رواها الثقات لفظا أو معنى، وهو يقع في المتن والسند. ولقد أورد المحدثون أمثلة كثيرة لذلك نورد هنا بعض ما وقع في المتن مما أورده الحاكم في مؤلفه " معرفة علوم الحديث " ومنها ما يلي: عن معمش قال: إن النبي ﷺ قال: يا أبا عمير ما فعل البعير، ويقصد النغير وهو طائر يشبه العصفور.

стр. 13750

ومنها حديث أن النبي ﷺ قال: " لا تصحب الملائكة رفقة فيها خرس " والأصل جرس. ومنها أن أحد الرواة قال: كان النبي ﷺ إذا صلى نصب بين يديه شاة - فلما أنكر عليه الحاضرون ذلك أتى بجزء فيه. نصب بين يديه عنزة. اهـ (١). وهذا يدل على أن المعنى التبس عليه؛ لأن العنزة هي العصا أو الحربة تنصب بين يدي المصلي. ويدلنا على ذلك الحديث الذي أخرجه البخاري بسنده من حديث عون بن أبي جحيفة عن أبيه وفيه: «ثم رأيت بلالا أخذ عنزة فركزها وخرج النبي ﷺ في حلة حمراء صلى إلى العنزة بالناس ركعتين (٢)». ١١ - ظهور آداب كتابة الحديث وضبط كل ما يكتب سندا ومتنا، وقد وضح لنا ذلك ابن دقيق العيد في مؤلفه " الاقتراح في بيان الاصطلاح " حيث يقول الآتي: " ينبغي الإتقان والضبط فيما يكتب مطلقا لا سيما هذا الفن؛ لأنه بين إسناد ومتن، والمتن لفظ رسول الله ﷺ ، وتغيره يؤدي إلى أن يقال عنه ما لم يقل أو يثبت حكم من الأحكام الشرعية بغير طريقه. وقد اختلف الناس: هل الأولى ضبط كل ما يكتب أو يخص الضبط بما يشكل؟ فقيل: يضبط الكل؛ لأن الإشكال يختلف باختلاف الناس، فقد يكون الشيء غير مشكل عند الكاتب، ويكون مشكلا عند من يقف عليه ممن ليس له معرفة. ومن عادة المتقنين أن يبالغوا في إيضاح المشكل فيفرقوا حروف الكلمة في الحاشية ويضبطوها حرفا حرفا. ومن أشد ما ينبغي أن يعتنى به أسماء البلاد الأعجمية والقبائل العربية وقالوا: ينبغي أن يجعل بين كل حديثين دارة تفصل بينهما. وإذا

стр. 13751

كتب فلان بن فلان وكان الأول من الأسماء المعبدة، فالأدب ألا يجعل اسم الله تعالى في أول سطر والتعبد في آخر ما قبله. وكذلك الحكم في قول رسول الله ﷺ لا يجعل رسول في آخر سطر واسم الله مع الصلاة في أول الثاني. . . وإذا وقع سقط فالمختار من الإصلاح أن يخرج له من بين الأسطر تخريجا لا يمد كثيرا، ثم يكون في قبالة ذلك الساقط مكتوبا على جهة اليمين من الناحية العليا، فإن وقع شيء في السطر بعينه كتبه من الجهة اليسرى ". ١٢ - التمكن من معرفة الحديث الغريب متنا وسندا. والحديث الغريب متنا هو ما تفرد برواية متنه راو واحد في طبقة من طبقات السند أو في جميع طبقات السند. ومثاله ما أخرجه البخاري من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه (١)». وهذا حديث فرد مطلق (٢)؛ لأنه انفرد به الصحابي عمر في أصل سنده. ١٣ - معرفة مختلف الحديث من محكمه. والمختلف في اصطلاح المحدثين هو: " أن يأتي حديثان متضادان في المعنى ظاهرا، فيوفق بينهما، أو يرجح أحدهما، وإنما يكمل له الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه، والأصوليون الغواصون على المعاني. . والمختلف قسمان أحدهما يمكن الجمع بينهما فيتعين ويمكن العمل بهما، والثاني: لا يمكن بوجه، فإن علمنا أحدهما ناسخا قدمناه

стр. 13752

وإلا عملنا بالراجح كالترجيح بصفات الرواة وكثرتهم في خمسين وجها (١). ١٤ - معرفة ناسخ الحديث من منسوخه. وفيما يتعلق بتعريف النسخ وحكم كل من الناسخ والمنسوخ جاء في تدريب الراوي ما يلي: المختار أن النسخ: رفع الشارع حكما منه متقدما بحكم منه متأخر، فمنه ما عرف بتصريح رسول الله ﷺ : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها (٢)»، ومنه ما عرف بقول صحابي: «كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار (٣)»، ومنه ما عرف بالتاريخ ومنه ما عرف بدلالة الإجماع كحديث قتل شارب الخمر في الرابعة، والإجماع لا ينسخ ولا ينسخ ولكن يدل على ناسخ. اهـ (٤).

стр. 13753

٥ - أساليب المحدثين في تمحيص المتون المتعارضة والمتون التي ظاهرها التعارض أولا: المتون المتعارضة: إنه لمن المعروف لدى علماء المصطلح أن معظم الأحاديث النبوية الشريفة الصحيحة التي جمعها المحدثون محكمة في مجملها. والمحكم في اصطلاح المحدثين هو: " الحديث المقبول الذي سلم من معارضة مثله له " (١). أما الأحاديث المتعارضة فهي محدودة العدد، وليست هي الغالبة على السنة كما ادعى بعض المستشرقين. ولقد قسم علماء المصطلح الأحاديث المتعارضة إلى ما يلي: أ - الحديث الشاذ، ويقابله الحديث المحفوظ. ب - الحديث المنكر، ويقابله الحديث المعروف. جـ - الحديث المضطرب. د - الحديث المنسوخ، ويقابله الحديث الناسخ.

стр. 13754

أ - تعريف الشاذ ومثاله وحكمه لقد سبق أن أوردنا تعريف جمال الدين القاسمي للحديث الشاذ في اصطلاح المحدثين، ويزيد ذلك التعريف وضوحا ما جاء في الباعث الحثيث لابن كثير، حيث أورد المؤلف بعض آراء العلماء في الشاذ فيما يلي: قال الشافعي: هو أن يروي الثقة حديثا يخالف ما روى الناس، وليس من ذلك أن يروي ما لم يروه غيره. . . وقال الحاكم النيسابوري: هو الذي يتفرد به الثقة وليس له متابع. . . (١) فإن الذي قاله الشافعي أولا هو الصواب: إنه إذا روى الثقة

стр. 13755

شيئا قد خالف فيه الناس فهو الشاذ، يعني المردود وليس من ذلك أن يروي الثقة ما لم يروه غيره، بل هو مقبول إذا كان عدلا ضابطا حافظا " (١). وعرف ابن القيم الشاذ بما يلي: " وإنما الشذوذ أن يخالف الثقات فيما رووه. فأما إذا روى الثقة حديثا منفردا به ولم يرو الثقات خلافه، فإن ذلك لا يسمى شاذا " (٢). ومن أمثلة الحديث الشاذ ما يلي: " ما رواه أبو داود والترمذي من حديث عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن أبي هريرة مرفوعا: «إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع عن يمينه (٣)». قال البيهقي خالف عبد الواحد العدد الكثير في هذا، فإن الناس إنما رووه من فعل النبي ﷺ لا من قوله. وانفرد عبد الواحد من بين ثقات أصحاب الأعمش بهذا اللفظ " (٤). أما الحديث المحفوظ فهو عكس الشاذ، وفي المثال السابق يكون المحفوظ هو ما رواه الجماعة من «أن النبي ﷺ كان يضطجع عن يمينه بعد ركعتي الفجر (٥)». والحديث وارد في الكتب الصحيحة منها ما أخرجه البخاري من حديث عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا سكت المؤذن من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر بعد أن يستبين الفجر، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة (٦)». أما حكم الحديث الشاذ فهو الرد لمخالفته للحديث المحفوظ الذي يقبله علماء المصطلح.

стр. 13756

ب - تعريف المنكر ومثاله وحكمه: لقد جاء في تعريف المنكر ما يلي: " إنه الفرد الذي ليس في روايته من الثقة والإتقان ما يحتمل معه تفرده " (١) أو: " إنه المنفرد المخالف لما رواه الثقات " (٢) وهذا التعريف الأخير هو الذي اختاره الحافظ ابن حجر. ولقد بين ابن حجر أوجه التشابه والاختلاف بين المنكر والشاذ بقوله: " هما مشتركان في كون كل واحد منهما على قسمين، وإنما اختلافهما في مراتب الرواة، فالضعيف إذا انفرد بشيء لا متابع له ولا شاهد، ولم يكن عنده من الضبط ما يشترط في حد الصحيح والحسن، فهذا أحد قسمي الشاذ، فإن خولف فيما هذه صفته مع ذلك كان أشد شذوذا وربما سماه بعضهم منكرا، وإن بلغ تلك المرتبة في الضبط، ولكنه خالف من هو أرجح منه في الثقة والضبط، فهذا القسم الثاني وهو المعتمد في تسميته، وأما إذا انفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ بشيء لا متابع له ولا شاهد عليه فهذا أحد قسمي المنكر، وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث، وإن خولف في ذلك فهو القسم الثاني وهو المعتمد على رأي الأكثرين ". فبان بهذا فصل المنكر عن الشاذ، وأن كلا منها قسمان، ويجمعهما مطلق التفرد أو منع قيد المخالفة. . وعرف بهذا. . أن بينهما عموما وخصوصا من وجه، وهو أنه يعتبر في كل منهما شيء لا يعتبر في الآخر، ويعتبر في كليهما شيء آخر، حيث اعتبر في كليهما مخالفة الأرجح، وفي الشاذ مقبولية الراوي، وفي المنكر ضعفه؛ لأن بينهما اجتماعا في اشتراط المخالفة. وافتراقا في أن الشاذ رواية ثقة أو صدوق والمنكر ضعيف، أي لسوء حفظه أو جهالته أو نحو ذلك " (٣). أما مثال المنكر على التعريف الأول الذي أورده السيوطي فهو كالآتي: " ما رواه النسائي وابن ماجه من رواية أبي زكير يحيى بن محمد بن قيس، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعا: «كلوا البلح بالتمر فإن ابن آدم

стр. 13757

إذا أكله غضب الشيطان (١)». . . الحديث، قال النسائي: هذا حديث منكر (٢) تفرد به أبو زكير وهو شيخ صالح، أخرج له مسلم في المتابعات غير أنه لم يبلغ مبلغ من يحتمل تفرده. . . " (٣). أما مثال المنكر حسب تعريف ابن حجر فقد أورده السيوطي أيضا كالآتي: ما رواه ابن أبي حاتم من طريق حبيب. عن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «من أقام الصلاة وآتى الزكاة وحج وصام وقرى الضيف دخل الجنة». قال أبو حاتم: هو منكر؛ لأن غيره من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفا وهو المعروف " (٤). أما حكم المنكر فهو الرد؛ لأن الحديث المنكر حسب مقاييس علماء المصطلح يعد ضعيفا كما سبق أن رأينا.

стр. 13758

جـ - تعريف المضطرب ومثاله وحكمه: لقد عرف ابن الصلاح الحديث المضطرب بما يلي: " هو الذي تختلف الرواية فيه فيرويه بعضهم على وجه، وبعضهم على وجه آخر مخالف له، وإنما نسميه مضطربا إذا تساوت الروايتان. أما إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى، بأن يكون راويها أحفظ وأكثر صحبة للمروي عنه، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات المعتمدة، فالحكم للراجحة، ولا يطلق عليه حينئذ وصف المضطرب، وقد يقع ذلك من راو واحد، وقد يقع من رواة له جماعة. والاضطراب موجب ضعف الحديث لإشعاره بأنه لم يضبط (١). أما مثال الحديث المضطرب فهو حديث البسملة الذي أخرجه مسلم في صحيحه من رواية الوليد بن مسلم قال: حدثنا الأوزاعي عن قتادة أنه كتب

стр. 13759

إليه يخبره عن أنس بن مالك أنه حدثه قال: «صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا آخرها (١)». وقد علق على هذا الحديث الدكتور صبحي الصالح في مؤلفه (علوم الحديث) بما يلي: " فهذه الرواية الأخيرة التي ينص فيها الراوي على نفي قراءة البسملة هي المتن المضطرب في هذا الحديث؛ لأن مسلما والبخاري اتفقا على إخراج رواية أخرى في الموضوع نفسه، لا يتعرض فيها لذكر البسملة بنفي أو إثبات، وإنما يكتفي الراوي بقوله: " فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين " يقصد أن الفاتحة هي السورة التي كانوا يستفتحون بها، ولو وقف الأمر عند هذا الحد لأمكن ترجيح الحديث المتفق عليه، فلم نصف الحديث الأول بالاضطراب، ولكن رواية ثالثة عن أنس تفيد أنه سئل عن الافتتاح بالتسمية فأجاب: أنه لا يحفظ في ذلك شيئا عن رسول الله ﷺ ، وتردد مثله في هذه المسألة يحسب له حسابه، فأصبح عسيرا أو متعذرا ترجيح ما يتعلق بالبسملة إثباتا أو نفيا، وتعذر الترجيح كان السبب المباشر في وصفنا لمتن الحديث الأول بالاضطراب " (٢). أما حكم الحديث المضطرب بصورة عامة فهو الرد إلى أن يظهر مرجح يرجح إحدى الروايتين على الأخرى.

стр. 13760

د - تعريف المنسوخ ومثاله وحكمه: يعتبر المحدثون معرفة ناسخ الحديث ومنسوخه من الفنون المهمة التي خاضها كبار العلماء، وخدموا بها السنة النبوية الشريفة، وعن هذا الموضوع جاء في
следующие страницы →